← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

(باب غزوِ النساءَ وقتالِهِنَّ مع الرِّجالِ) نُوْزِع فيما أورده من الحديث في الترجمة، فإنه ليس فيه قتالهُنَّ، وأُجيب: بأنهن بصدد الدَّفْعِ عن أنفسهِن مهما أَمْكَن، وهو في حُكْم القتال، أو بالقياس على الغزو. (لمشمرتان) من شَمَّر إزارَه، أي: رفعه، وشمَّر عن ساقه، وشمر في أمره، أي: خَفَّ، وشمر في الأمر، أي: تَهَيَّأ له. (خدم)؛ أي: خَلاخِل؛ سمي خدمه؛ لأنه ربما كان من سيور مركبٌ فيه الذهبٌ والفضة، والخدمة في الأصل: السَّتْر. (سوقهما) جمع ساق. قال (ن): وهذا إما لأنه قَبْلَ أمْرِ النساءِ بالحجاب، أو أنه لم يتعمد النظر إلى نفس الساق، بل وقعتْ فجأة بغير قصد. (تنقزان) بنونٍ، وقافٍ، وزايٍ، أي: تنقلانها وتقفزان بها وَثْبًا. (القرب) في نَصْبه بُعْدٌ؛ لأن (نَقَزَ) غيرُ مُتَعَدٍّ، فأَوَّلَه بعضُهم بحذف الجار، ورواه بعضُهم بضم التاءِ رباعيًّا من أنقز معدًّى بالهمزة، يريد تحريك القرب ووُثُوبَها بشدة العَدْوِ والوثبِ، ويروى: برفع (القربُ) على الابتداء، والجملة في موضع الحال. قال (خ) النَّقْزُ: الوَثْبُ، وأحسبه تزفران، والزَّفْر: حَمْلُ القِرَب الثقال، وقال التَّيْمِيُّ: يروى: (تنقلان) فيحتمل تنقزان، وإن كان بمعنى الوثب على معنى النقل. * * *

стр. 4062

٦٦ - بابُ حَمْلِ النِّسَاءِ الْقِرَبَ إِلَى النَّاسِ فِي الْغَزْوِ (بابُ حَمْلِ النساءَ القرَبَ إلى الناسِ في الغزو) ٢٨٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَعْطِ هَذَا ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ؛ يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ، فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ؛ وَأُمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ: تَزْفِرُ: تَخِيطُ. (مروطًا)؛ أي: أكْسيةً من صوفٍ، أو خَزٍّ كان يُؤتزر بها. (أُم كُلثُوم) بضم الكاف، والمثلثة، هي بنت فاطمةَ بنتِ رسول الله ﷺ ، وُلدتْ في حياته ﷺ ، خطبها عُمَر إلى عَلِيٍّ ﵄ فقال له: أنا أبعثها إليك فإن رضيتَها فقد زوجتُكَها، فبعثها إليه بِبُرْد، فقال لها: قولي له: هذا البُرْدُ الذي قلتُ لك، فقالت ذلك لعُمَرَ، فقال لها: قولي له: قد رضيتُ رضي الله عنك ووضع يده على ساقها فكشفها، فقالت: أتفعل هذا؟! لولا أنك أميرُ المؤمنين لكسرتُ أنفك؛ ثم

стр. 4063

جاءت أباها فأخبرته الخبر، وقالت: بعثتني إلى شيخِ سوءٍ، قال: يا بنية! إنه زوجُك. (أُم سَلِيط) بفتح المهملة وكسرِ اللام، وإهمالِ الطاء. (تزفر) بالزاي، والفاءِ، أي: تحمل، والزِّفر -بالكسر- الحِمْل، والفعل منه زَفِرَ وأزفر، وروى المُسْتَمْلِيُّ: قال أبو عَبْدِ الله: (تزفر، أي: تخيط)، قال (ع): وهو غير معروف في اللغة. * * * ٦٧ - بابُ مُدَاوَاةِ النِّسَاءِ الْجَرْحَى فِي الْغَزْوِ (بابُ مداواةِ النساءِ الجرحى في الغزوِ) ٢٨٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَسْقِي، وَنُدَاوِي الْجَرْحَى، وَنَرُدُّ الْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ. (ونداوي)؛ أي: من غيرِ مَسِّ بَشَرَةِ الأجنبي إلا عند الحاجة. وفيه خروج النساء في الغزو، والانتفاعُ بهن في السَّقْيِ ونحوِه. * * *

стр. 4064

٦٨ - بابُ رَدِّ النِّسَاءِ الْجَرْحَى وَالْقَتلَى ٢٨٨٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: كنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَسْقِي الْقَوْمَ وَنَخْدُمُهُمْ، وَنَرُدُّ الْجَرْحَى وَالْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ. (بابُ ردِّ النساءِ الجرحى والقتلى إلى المدينة) معنى الحديث فيه عُرِفَ مما سبق، وزيادة الرَّدِّ فيه ظاهرةٌ، ومعنى رَدِّ القتلى؛ أي (١): إلى مواضعِ قبورهم. * * * ٦٩ - بابُ نَزْعِ السَّهْمِ مِنَ الْبَدَنِ (بابُ نَزْعِ السَّهم من البَدَن) ٢٨٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبَو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: رُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَانتهَيْتُ إِلَيْهِ، قَالَ: انْزِعْ هَذَا السَّهْمَ، فَنَزَعْتُهُ، فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ".

стр. 4065

(أبو عامر) هو عَمُّ أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، واسمه عُبَيد بنِ سُلَيم -بضم المهملة- الأشْعَرِي، كان من أكابرِ الصحابة، قُتِل يومَ أَوْطَاس. (فنزا منه الماء) يقال: نزا دمُه ونزف: إذا جرى ولم ينقطع. (فأخبرته)؛ أي: بقتِله، فرفع يديه يدعو له. * * * ٧٠ - بابُ الْحِرَاسَةِ فِي الْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللهِ (بابُ الحراسةِ في الغزو) ٢٨٨٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا عَلِي بْنُ مُسْهِرٍ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂، تَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ سَهِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَالَ: "لَيْتَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِي صَالِحًا يَحْرُسُنِي الليْلَةَ"، إِذْ سَمِعْنَا صَوْتَ سِلَاحٍ فَقَالَ: "مَنْ هَذَا"؟ فَقَالَ: أَناَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، جِئْتُ لأَحْرُسَكَ، وَناَمَ النَّبِي ﷺ . الحديثُ الأولُ: (يحرسني) وذلك إما قبل نزولِ آيةِ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ

стр. 4066

النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وإِمَّا أنَّ المرادَ بالعصمة في الآية من فتنةِ الناس وإضلالِهم. * * * ٢٨٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخبَرَناَ أَبُو بَكرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَم وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ". لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ. الثاني: (تعس) قال (ن): فتحُ العينِ وكسرُها لغتان، واقتصر الجَوْهَرِيُّ على الفتح و (ع) على الكسرِ، وهو مقتضى كلامِ "النهاية" أنه الأَعْرَف، معناه: عَثَرَ، وقيل: هلَك، وقيل: سقط على وجهه. (عبد الدينار) مجازٌ عن حرصِه عليه، وتَحَمُّل الذلة لأجله. (والقطيفة) دِثَارٌ مُخْمَلٌ. (والخميصة) كساءٌ مُرَبَّع، له أعلام وخطوط. (لم يرفعه إسرائيل)؛ أي: لم يرفعِ الحديثَ عن أبي حُصَيْن، بل وقفه عليه. * * *

стр. 4067

٢٨٨٧ - وَزَادَناَ عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَم وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانتكَسَ، وإذَا شِيكَ فَلَا انتقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي حُصِينٍ، وَقَالَ: تَعْسًا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: فَأَتْعَسَهُمُ اللهُ. طُوبَى: فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ طَيِّبٍ، وَهْيَ يَاءٌ حُوِّلَتْ إِلَى الْوَاوِ، وَهْيَ مِنْ: يَطِيبُ. (وانتكس) قال ابن السِّكْيت: التَّعْسُ: أن يُجَرَّ على وجهه، والنَّكْسُ: أن يُجَرَّ على رأسه. قال ابن فَارِسٍ: يقال: تَعْسًا له ونُكسًا، وقد تُضم التاء من (تعسًا). (شيك): أصابتْه الشوكةُ. (انتقش)؛ أي: فلا يقدِرُ على إخراجِها وهو القاف، أي: خرجت بالمِنْقاش يقال: نَقَشْتُ الشوكَ، أي: أخرجتُه. قال ابن قُتَيبَةَ: وسمعتُ من يرويه بالعين بدلَ القاف، أي: ارتفع، يقال: نعشتُ الرجلَ وأنعشته، أي: رفعتُه من عَثْرَتِهِ،

стр. 4068

ولا معنى له مع ذكر الشوكة. (أشعث) صفةٌ لـ (عبد). (رأسه) فاعلُه، وفي بعضها برفعِ (أشْعَثُ). (ساقة)؛ أي: مُؤخِّرة، واتحاد جواب الشرط مع الشرط كما في حديث: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله"، أي: في تعظيمِ ذلك، أي: مَن كان في السَّاقة فهو في أمر عظيم، أو المراد منه لازمه، أي: فعليه أن يأتي بِلَوَازِمَه، ويكون مشتغلًا بِخُوَيْصَةِ علمِه، أو فَلَهُ ثوابُه. (يُشَفَّع) بالتشديد، أي: تُقْبَل شفاعتُه. * * * ٧١ - بابُ فَضْلِ الْخِدْمَةِ فِي الْغَزْوِ (بابُ فضلِ الخدمةِ في الغزوِ) ٢٨٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنس بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ رَاجِعًا، وَبَدَا لَهُ أحُدٌ قَالَ: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ"، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كتَحْرِيم

стр. 4069

إِبْرَاهِيمَ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فِي صَاعِنَا وَمُدِّناَ". الحديثُ الأول: (يحبنا)؛ أي: أهلُه، وهم سكان المدينة، يريد الثناءَ على الأنصار وحبَّهم له ﷺ ، وحبَّه لهم، أو أنه حقيقة خلق الله في الجَبَل المحبة، والله على كل شيء قدير. (لابتيها)؛ أي: الحَرَّتين اللتَين تَكْتَنِفانها، والتشبيه في التحريم فقط، لا في وجوبِ الجَزاء ونحوِه. (بارك لنا في صاعنا) قال (خ): في الطعام الذي يُكال بالصِّيعان، والأَمْدَاد: دعا لهم بالبركة في أقواتِهم. * * * ٢٨٩٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَريَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ، عَنْ أَنس ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أكثَرُناَ ظِلًّا الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ". الحديث الثاني: (الركاب): الإبِل التي يُسار عليها. (وامتهنوا) الامتهانُ: الخِدمة والابتذال.

стр. 4070

(وعالجوا)؛ أي: نزلوا للطبخ ونحوه. (بالأجر)؛ أي: الأكْمَل؛ لأن نفعَهم مُتَعد بخلاف الصائمين، فإنَّ نَفْعَ صومِهم قاصرٌ على أنفسهم. * * * ٧٢ - بابُ فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ فِي السَّفَرِ (بابُ فَضْلِ مَن حملَ متاعَ صاحبِه في السفر) ٢٨٩١ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نصرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ سُلَامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ". (سُلامَى) بضم المهملة، وخِفَّةِ اللام، وفتح الميم، مقصورٌ: عِظام الأصابع، وقيل: كلُّ عظْمٍ في البدن. (كُلَّ) منصوبٌ على الظرفية. (يُعين) خبرُ المبتدأ، ومَرَّ في (الصلح). (خطوة) بفتح الخاء: المَرَّة، وبالضمِّ: ما بين القدمين.

стр. 4071

(ودَلُّ) بفتح الدال، أي: دِلالة، ولم يذكر الجَوْهَرِيُّ في المصدر إلا: دلالة ودَلُولة. * * * ٧٣ - بابُ فَضْلِ رِبَاطِ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ. (باب فضلِ رِباط يومٍ في سبيل الله) الرِّبَاط: المُرابَطة وهي ملازَمة ثَغْر العَدُوِّ، ورباطُ الخيل: مرابطها. ٢٨٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَمَوْضعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا، وَالرَّوْحَةُ يَرُوحُهَا الْعَبْدُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ الْغَدْوَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا". (وما عليها) عَدَلَ عن (فيها)؛ لأن الاستعلاءَ أعمُّ من الظرفية وأقوى، فقَصْدُه لزيادة المبالغة. * * *

стр. 4072

٧٤ - بابُ مَنْ غَزَا بِصَبِيٍّ للْخِدْمَةِ (باب من غزا بصبي للخدمة) ٢٨٩٣ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لأَبِي طَلْحَةَ: "الْتَمِسْ غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدُمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيْبَرَ"، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي، وَأَناَ غُلَامٌ رَاهَقْتُ الْحُلُمَ، فَكُنْتُ أَخْدُمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا نزَلَ، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ كَثِيرًا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ"، ثُمَّ قَدِمْنَا خَيْبَرَ، فَلَمَّا فتحَ اللهُ عَلَيْهِ الْحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ بنِ أَخْطَبَ، وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا، فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءَ حَلَّتْ، فَبَنَى بِهَا، ثُمَّ صَنعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ"، فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى صَفِيَّةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ. قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فتضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ، فَسِرْناَ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ نَظَرَ إِلَى أُحُدٍ فَقَالَ: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ"، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي

стр. 4073

أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ". (يَخْدُمُني) بالجزم، والرفع. (رَاهَقْتُ الحُلُمَ)؛ أي: قاربتُ البلوغَ. (اللهم)؛ أي: فيما يتوقع. (والحَزَنِ) هو بمعناه، لكن فيما مضى؛ قاله (خ). قال: وكثيرٌ مَن لا يفرِّق بينهما. (ضَلَع) بالمعجمة، واللامِ المفتوحتَين، ثم مهملَة: الثِّقَل، وأمر مُضلِع؛ أي: مُثقِل. (وغلبة الرجال) هي الهَرْج والمَرْجُ. (عروسًا) في إطلاقِه على المرأة رَدٌّ على مَن قال: أنه نعتٌ للرجل، فقد نصَّ الخَلِيْلُ: أنه نعت لهما ما داما في تعريسِهما أيامًا. (الصهباء) بفتح المهملةِ، وإسكانِ الهاءِ، وبالموحدةِ، والمدِّ: مَوِضعٌ. (حيسًا) هو طعامٌ مُتَّخَذٌ من بُرٍّ وأقط وسَمْنٍ، وقد يُجعَل عِوضَ الأقط دقيقٌ أو فَتِيْتٌ. (نَطْع) بفتح النونِ، وكسرِها، وسكونِ الطاءِ، وفتحِها، أربعُ لغات. (يحوّي) بالمهملة، مِنَ التَّحْوِيَة، وهي أن يكون كساءٌ حول سَنَام

стр. 4074

البعير، ومر الحديث في (الوضوء). * * * ٧٥ - بابُ رُكُوبِ الْبَحْرِ ٢٨٩٤ - و ٢٨٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ حَرَامٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمًا فِي بَيْتِهَا، فَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: "عَجبْتُ مِنْ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِي يَرْكبُونَ الْبَحْرَ، كَالْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "أَنْتِ مَعَهُمْ"، ثُمَّ ناَمَ، فَاسْتَيْقَظَ وَهْوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَيَقُولُ: "أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ"، فتزَوَّجَ بِهَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، فَخَرَجَ بِهَا إِلَى الْغَزْوِ، فَلَمَّا رَجَعَتْ قُرِّبَتْ دَابَّةٌ لِتَرْكَبَهَا، فَوَقَعَتْ فَانْدَقَّتْ عُنُقُهَا. (بابُ ركوبِ البحر) فيه حديث أُمِّ حَرَام، سبق مراتٍ قريبًا وبعيدًا. * * *

стр. 4075

٧٦ - بابُ مَنِ اسْتَعَانَ بِالضُّعَفَاءِ وَالصَّالِحِينَ فِي الْحَرْبِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخْبَرَني أَبُو سُفْيَانَ: قَالَ لِي قَيْصَرُ: سَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَزَعَمْتَ ضُعَفَاءَهُمْ، وَهُمْ أتبَاعُ الرُّسُلِ. (بابُ مَنِ استعان بالضُّعفاء والصالحين) (وقال ابن عباس) سيأتي موصولًا بعدُ بأبواب مطولًا. (قيصر) غيُر منصرفٍ، وهو هِرَقْل. * * * ٢٨٩٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: رَأَى سَعْدٌ ﵁ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونه، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ"؟ الحديثُ الأول: (فضلًا)؛ أي: بسبب غناه وكثرةِ ماله، ففيه أن نصرة السلاطين

стр. 4076

وأرزاق الملوك [لا تكون] إلا (١) ببركة الفقراء والمساكين، وزاد النَّسَائيُّ في روايته بعد: (إلا بضعفائِكم؛ بصومِهم وصلاتهم ودعائهم) من جهة أن عبادة الضعفاء أشدُّ إخلاصًا؛ لِخَلاء قلوبهم عن التعلق بالدنيا وصفاءِ ضمائرهم عما يقطعهم عن الله، فجعلوا همَّهم واحدًا، فَزَكَتْ أعمالهم، وأُجيبَ دعاؤُهم. * * * ٢٨٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرًا، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَأتِي زَمَانٌ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: نعمْ، فَيُفْتَحُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَأتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: نعمْ، فَيُفْتَحُ، ثُمَّ يَأتِي زَمَانٌ فَيُقَالُ: فِيكُمْ مَنْ صَحِبَ صَاحِبَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَيُقَالُ: نعمْ، فَيُفْتَحُ". الثاني: (فِئام) بكسرِ الفاء: الجماعةُ من الناس لا واحدَ له من لفظه، وقيل: بفتح الفاء. * * *

стр. 4077

٧٧ - بابٌ لَا يَقُولُ: فُلَانٌ شَهِيد قَالَ أبو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "اللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، اللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ". (باب: لا يُقال: فلان شهيد) قيل: ليس فيما أورده من الحديثِ من معنى الشهادة شيءٌ، وإنما فيه ضدها، والمعنى المترجَم له إنما هو لمَّا قالوا: ما أَجزَأَ أحدٌ ما أجزأ فلانٌ، يمدحون فضله وغناه، فأوحى اللهُ إليه بغيبِ مَاَلِ أمرِه، حتى لا يشهدوا لأحد شهادةً قاطعة. (قال أبو هريرة) موصول في: (الجهاد). (يُكْلَم)؛ أي: يُجرَح. * * * ٢٨٩٨ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ لَا يَدعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالَ: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ"،

стр. 4078

فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَناَ صاحِبُهُ، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: "وَمَا ذَاكَ"؟ قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَناَ لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "إِنَّ الرجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ". (رجل) اسمه: قزْمَان بضمِّ القافِ، وسكونِ الزاي، وبالنون، وهذا في عِدَاد المنافقين، وكان قد غاب يوم أُحُد، فَعَيَّرَه الناس، فخرج، وقاتَل، وبالَغ. (شاذة ولا فاذة) نعتٌ لمحذوف، أي: نسَمة، أو نَفْسًا شاذةٌ، ويحتمل أن يكون للمبالغة كعلَّامة، والشاذة: ما شذت على صواحبِها، وكذا الفاذَّة التي انفردت، فوصَفَه بأنه لا يُبقي شيئًا إلا أتى عليه، وقيل: ما صَغُر وما كبر، وقيل: الشَّاذَّة مَن كانت في القوم، ثمَّ قربت منهم، والفاذَّة: من لم تختلطْ معهم أصلًا.

стр. 4079

(وذبابه) طَرَفُه، وقيل: حَدُّه. (ثدييه) قال ابن فارِسِ: الثديُ للمرأة، وأمَّا للرجل فيقال: ثُنْدُؤة، مهموزٌ إذا ضُمَّ أولُه، ومفتوحٌ إذا لم يُضَم. (تحامل)؛ أي: مَالَ، والتَّحامُل تَكلُّفُ الشيءِ بمشقة. (آنفًا) بمد الهمزة، أي: الساعةَ، وحكمُه ﷺ بأنه من أهل النار ليس لِقَتْل نفسِه، فإن ذلك كبيرة، وهي لا تُوجب كُفرًا ولا تخليدًا في النار، وإنما عَلِمَ ﷺ أنه كافرٌ بوحي، أو عَلِم أنه اسْتَحَلَّ قتلَ نفسه، فيكون مرتدًا، أو أنَّ المرادَ بكونه من أهل النار: أنه من العُصاة الذين يدخلون النار، ثم يخرجون منها، ففيه أن العِبْرةَ بالخاتمة وبالنية، وأنَّ الله يؤيدُ هذا الدِّيْنَ بالرجل الفاجر؛ نعم، قولُه: (فيما يبدو للناس) فيه ما يرفع الإشكالَ، وقد ذكر الخَطِيْبُ في "كتاب الفَصْل": أبو سَعِيد مرفوع، وما بعده من كلام ابن مَسْعُود، ثم رواه كذلك متصلًا. * * * ٧٨ - بابُ التَّحْرِيضِ عَلَى الرَّمْيِ وَقَوْلِ اللهِ تَعالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.

стр. 4080

(باب التحريضِ على الرميِ) (من قوة)، القوةُ: الرميُ. * * * ٢٨٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأكوَعِ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكمْ كانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَناَ مَعَ بَنِي فُلَانٍ"، قَالَ: فَأمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ"؟ قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ارْمُوا، فَأناَ مَعَكُمْ كلِّكُمْ". الحديث الأول: (أسلم) قبيلةٌ. (ينتصلون)؛ أي: يترامون بالنِّصَال، وهي السهام. (بني إسماعيل) منادى، أي: يا بَني. (أباكم)؛ أي: إِسْمَاعِيل بن إبْرَاهِيْمَ صلى الله عليهما وسلَّم، وهو أبو العَرَبِ. قال (خ): فيه دليلٌ أنَّ أهلَ اليَمَن من وَلَدِه، انتهى. قال عَمْرو بنُ بَحْرٍ: فلا يصح ذلك، ولا يُمكن أن يريدَ يا بني

стр. 4081

إِسْمَاعِيل: بُنُوَّةَ القُوَّة؛ لأنهم رَموا مثلَ رَمْيِهِ، أو نحوِ ذلك. (كُلكم) بالجرِّ تأكيدٌ للضمير المجرور، وإنما كان مع الكلِّ وأحدُهما غالبٌ، والآخَرُ مغلوبٌ؛ لأنَّ المرادَ مَعِيَّةُ القصد إلى الخير وإصلاحِ النية، والتدريب فيه لأجل القَتل. * * * ٢٩٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أسُيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لنا: "إِذَا أكثبوكم فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ". الحديث الثاني: (صففنا) قال (خ): في بعض النُّسخ: (أَسْفَفْنا)، ومعناه: القُرب منهم، من أَسَفَّ الطائرُ -بالسين المهملةِ- (١) في طيرانه: إذا انحطَّ إلى أن يُقارِب وجهَ الأرض، ثم يطير صاعدًا. (أكثبوكم) بمثلثة، ثم موحَّدَةٍ، يقال: كَثَبَ وأَكْثَب: إذا قَارَبَ، والكثيبُ القُرب، والهمزة فيه للتعدية؛ فلذلك عَدَّاها إلى ضميرهم، وقيل معناه: تحامَلوا عليكم وتَكاثروا، وذلك أن النُّبل إذا رمى الجمع لم يُخْط، ففيه رَدْعٌ لهم. * * *

стр. 4082

٧٩ - بابُ اللَّهْوِ بِالْحِرَابِ وَنَحوِهَا (بابُ اللهوِ والحِراب) جمعُ حَرْبَة. ٢٩٠١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَا الْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِحِرَابِهِمْ دَخَلَ عُمَرُ، فَأهْوَى إِلَى الْحَصَى فَحَصَبَهُمْ بِهَا، فَقَالَ: "دَعْهُمْ يَا عُمَرُ". وَزَادَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ: فِي الْمَسْجدِ. (فأهوى)؛ أي: قَصَدَ. (فحصبهم)؛ أي: رماهم بالحَصْباء. (زادني علي)؛ أي: ابنُ المَدِينيِّ، ومرَّ في رواية أبي ذَرٍّ عن المُسْتَمْلِيِّ: (زادنا). * * * ٨٠ - باب الْمِجَنِّ وَمَنْ يَتَتَرَّسُ بِتُرْسِ صَاحِبِهِ (بابُ المِجْنِ) بكسر الميم؛ أي: التُّرْس. (فتترس) ويروى: (يَتْرُس)، بتاءٍ واحدة، أي: يستر.

стр. 4083

٢٩٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يتترَّسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِتُرْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْيِ، فَكَانَ إِذَا رَمَى تَشَرَّفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضعِ نبلِهِ. الحديث الأول: (تُشرّف)؛ أي: تَطَلَّع عليه من فوق، واستشرفَ الشيءَ: إذا رفع البصرَ ينظر إليه. * * * ٢٩٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: لَمَّا كُسِرَتْ بَيْضَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى رَأْسِهِ وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيتهُ، وَكَانَ عَلِي يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي الْمِجَنِّ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَغْسِلُهُ، فَلَمَّا رَأَتِ الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ، فَأحْرَقَتْهَا وَألصقَتْهَا عَلَى جُرْحِهِ، فَرَقَأ الدَّمُ. الثاني: (رباعيته) هي بوزن ثمانيةٍ، السِّنُّ التي بين الثنيَّة والنَّابِ،

стр. 4084

والفاعل لذلك عُتبةُ بنُ أبي وَقَّاصٍ أخو سَعْد لعنه الله، ورماه ابن قَمِئَةَ بها فقال: خذها وأنا ابنُ قَمئَة، فقال له النبي ﷺ : (أَقْمَأكَ اللهُ في النار) فدخل بعد ذلك صَيرَة غَنَمٍ، فنطحَه تَيْسٌ منها، فَذَرَاهُ؛ فلم يُرَ له مكان. (يختلف)؛ أي: يذهب فيه بالماء مرة بعد أُخرى. * * * ٢٩٠٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفاءَ اللهُ عَلَى رَسُولهِ ﷺ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بقِيَ فِي السِّلَاح وَالْكُرَاعِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ. ٢٩٠٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَلِي. حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁، يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وأُمِّي".

стр. 4085

الحديثُ الثالثُ: (يوجف) الإيجاف: الإسراعُ في السَّيْرِ، أي: لم يعملوا فيه سعيًا لا بالخَيل ولا بالإبل. (والكراع) هي الخيل. (عُدة)؛ أي: استعداد، فكلُّ ما بعده مِن سلاح ونحوِه. (يفدّى) مِنْ فَدَاهُ: إذا قال له: جُعِلْتُ فداك، أو نحوَ ذلك. (فِداك) بكسرِ الفاءِ، والمدِّ، والقصرِ، فإن فَتَحتَ الفاءَ فالقَصْرُ فقط. قال (خ): التَّفْدِيَةُ من رسول الله ﷺ دعاءٌ، وأدعيتُهُ خليقةٌ أن تكونَ مستجابةً، وقد يُوهم هذا القولُ أن فيه إزراءٌ بحق الوالدَين، وإنما جاز ذلك لأنهما ماتا كافرين، وسَعْدٌ مسلمٌ ينصر الدينَ، ويقاتِل الكفارَ، فتَفْدِيَتُه بكلِّ كافرٍ غيرُ محذور. قلت: لا يخفى ما في هذا الكلام من فَضَاضة، وعَدَمُ ذِكْره أَوْلى، لا سيما وقد روي: أنَّ اللهَ تعالى رَدَّ روحَ أبويه فأسلما، وهذا الحصْرُ قد يُعارضه أنه ﷺ فَدَى الزُّبَيْرَ، فلعل عَلِيًّا لم يسمعه؛ ولهذا قال ابن الزَّملْكَانِيِّ: الحقُّ أن حكمة التفدية نُقِلَت بالعُرْف عن وضعها، وصارت علامةً على الرِّضا، فكأنه ﷺ قال: ارمِ مَرْضِيًّا عنك. * * *

стр. 4086

٨١ - بابُ الدَّرَقِ (بابُ الدَّرق) هو الحَجَفَة، ويقال: هو الترْس الذي يُتخذُ من الجلود. ٢٩٠٦ - حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ عَمْرٌو: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانتُهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "دَعْهُمَا"، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا. (بِغِناء) بكسر المعجمة، والمدِّ. (بُعاث) بضم الموحدةِ، وخِفة المهملة، وبالمثلثةِ، غيرُ منصرف: يومُ حَرْبٍ بين الأَوْسِ والخَزْرَجِ بالمدينة، وكان كلٌّ من الفريقَين يُنْشِدُ الشِّعرَ، ويَذكر مفاخرَ نفسه. (مزماره) بالهاءِ، والمشهورُ بدونه. * * * ٢٩٠٧ - قَالَتْ: وَكَانَ يَوْمُ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَألتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَإِمَّا قَالَ: "تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ"؟ فَقَالَتْ: نعمْ،

стр. 4087

فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ خَدِّي عَلَى خَدِّهِ وَيَقُولُ: "دُونَكُمْ بَنِي أَرْفِدَةَ"، حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قَالَ: "حَسْبُكِ"؟ قُلْتُ: نعمْ، قَالَ: "فَاذْهَبِي". قَالَ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ: فَلَمَّا غَفَلَ. (أن تنظري) في بعضها: (تنظرين) بالنون، وذلك جائز. (دونكم) إغراءٌ. (بني أرْفدة) بفتحِ الفاءِ، وكسرِها: لقبٌ، نوعٌ من الحَبَشَة يرقصون، وسبق الحديث أولَ (كتاب العيد). (قال أحمد)؛ أي: ابْنُ وَهْبٍ، موصول في (العيد). (غفل)؛ أي: بدلَ عَمِلَ (١)، ومعناه: اشتغل بعملٍ غيرِ ذلك. * * * ٨٢ - بابُ الْحَمَائِلِ وَتَعْلِيقِ السَّيْفِ بِالْعُنُقِ (بابُ الحَمَائل) جمع حِمَالَة، وهي عَلَّاقة السيف. ٢٩٠٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ

стр. 4088

النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً فَخَرَجُوا نَحْوَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدِ اسْتَبْرَأَ الْخَبَرَ، وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ، وَفِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهْوَ يَقُولُ: "لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا"، ثُمَّ قَالَ: "وَجَدْناَهُ بَحْرًا"، أَوْ قَالَ: "إِنَّهُ لَبَحْرٌ". (استبرأ)؛ أي: حَقَّقَ الخبرَ. (لم تراعوا) قال (خ): أي: لا تخافوا، والعربُ تُوْقِعُ (لَمْ) موقِعَ (لا)، إذ تقديرُه: لم يكن خوفٌ فَتُرَاعُوا. (بحرًا)؛ أي: واسِعَ الجَرْيِ كماءِ البحر، أو أنه يسبَح في جَرْيه كما يسبح ماءُ البحر إذا رَكب بعضُ أمواجه بعضًا. * * * ٨٣ - بابُ حِلْيَةِ السُّيُوفِ (بابُ ما جاء في حِلْيَة السيف) حِليَة: بكسر الحاء وضمِّها. ٢٩٠٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ حَبِيبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ، يَقُولُ: لَقَدْ فتحَ الْفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَتْ حِلْيةُ سُيُوفِهِمِ الذَّهَبَ وَلَا الْفِضَّةَ، إِنَّمَا كَانَتْ حِلْيتُهُمُ الْعَلأَبِيَّ وَالآنُكَ وَالْحَدِيدَ.

стр. 4089

(العَلابي) بفتحِ المهملةِ، وبالموحَّدةِ، جمعُ علباء: عَصَبٌ في العُنُق يؤخذ من البعير ويُشقَّق، ثم يُشَدُّ به أجفانُ السيف، أي: أسفلَ الغمْدِ، وأعلاه يُجعل موضعَ الحلية؛ والعَلابي أيضًا جنسٌ من الرصاص، ولذلك قُرن بالآنُكِ، حكاه القَزَّازُ. (والآنُك) بالمدِّ، وضمِّ النونِ: الرصاصُ، وهو واحدٌ لا جمع له، وهو من الشواذ أن يأتيَ مفردًا بوزن أَفْعُل الذي هو جمعٌ، قيل: لم يجيءْ منه إلا هذا، والآشُد. * * * ٨٤ - بابُ مَنْ عَلَّقَ سَيْفَهُ بِالشَّجَرِ فِي السَّفَرِ عِندَ الْقَائِلَةِ (بابُ مَن علَّق سيفَه بالشجر) ٢٩١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيُّ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَخْبَرَ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَحْتَ سَمُرَةٍ وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإذَا

стр. 4090

رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُوناَ وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: "إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَناَ ناَئِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهْوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا"، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: "اللهُ" ثَلَاثًا، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. (قَفلَ)؛ أي: رَجَعَ. (القائلة)؛ أي: الظهيرةَ، وقد يكون بمعنى النومِ في الظهيرة. (العضاه) بوزن شِيَاه، كلُّ شجرٍ يَعظُم وله شوك. (سَمُرة) بضم الميمِ، واحدةُ السَّمُر. (أعرابي) اسمه: غوْرَث بفتحِ المعجمة، وسكونِ الواوِ، وفتحِ الراءِ، وبالمثلثةِ، ابن الحَارث، ذكرَه البُخَارِيُّ في (المغازي). (اخترط)؛ أي: سَلَّ. (صَلْتًا) بفتحِ المهملة، وسكون اللام: المجردُ عن الغمد، ونصبه على المصدر. (وجلس) هو حالٌ من المفعول. * * * ٨٥ - بابُ لُبْسِ الْبَيْضَةِ (بابُ لبْسِ البَيضة) ٢٩١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي

стр. 4091

حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ ﵁: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ جُرْحِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: جُرِحَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَهُشِمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسهِ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ ﵍ تَغْسِلُ الدَّمَ وَعَلِيٌّ يُمْسِكُ، فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ الدَّمَ لَا يَزِيدُ إِلَّا كثْرَةً أَخَذَتْ حَصِيرًا فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا ثُمَّ أَلْزَقَتْهُ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ. (وهشمت) الهَشْمُ: كَسْر الشيء اليابس، ومرَّ الحديث في آخر (الوضوء). * * * ٨٦ - بابُ مَنْ لَمْ يَرَ كَسْرَ السِّلَاحِ عِندَ الْمَوْتِ (بابُ مَن لم يرَ كَسْرَ السلاح عند الموت) ٢٩١٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا سِلَاحَهُ وَبَغْلَةً بَيضَاءَ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. (عباس) عَبَّاس بموحدةٍ، ومهملَتين. قالوا: كَسْرُ السلاح تضييعٌ للمال، وحرمته ظاهرة، فما الفائدة

стр. 4092

في ترجمته به؟ وأُجيب: بأن المرادَ بالكسر البيعَ، والحديث يدلُّ عليه حيث كان على رسول الله ﷺ دينٌ، ولم يبع سلاحه لأجل الدَّين. * * * ٨٧ - بابُ تَفَرُّقِ النَّاسِ عَنِ الإِمَامِ عِنْدَ الْقَائِلَةِ وَالاِسْتِظْلَالِ بِالشَّجَرِ (بابُ تَفرُّقِ الناسِ عن الإمام عند القَائِلةِ) ٢٩١٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ، وَأَبُو سَلَمَةَ: أَنَّ جَابِرًا أَخْبَرَهُ. حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ الدُّؤَلِيِّ: أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأدْرَكتْهُمُ الْقَائِلَةُ فِي وَادٍ كَثِيرِ الْعِضَاهِ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ فِي الْعِضَاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ ثُمَّ ناَمَ، فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ وَهْوَ لَا يَشْعُرُ بِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي"، فَقَالَ: مَنْ يَمْنَعُكَ؟ قُلْتُ: "اللهُ"، فَشَامَ السَّيْفَ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ، ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ. (فشام)؛ أي: أَغْمَدَ، وقيل: سَلَّه، وقيل: نظر إليه؛ من شيم السحاب، فهو من الأضداد، وكأنه -أعني الأعرابيَّ- انصرفَ عَمَّا هَمَّ

стр. 4093

به إلى النَّظر إلى جودة السيفِ. (فها هو ذا جالس) بالرفعِ عند الجمهورِ على جَعْلِ (ذا) مِن صلةِ (ها) فيكونُ (جالسٌ) خبرَ المبتدأ، وقال السُّهَيلي: خبرٌ بعد خبرٍ، أو بدلٌ، أو خبرُ مبتدأ محذوف، أو خبرُ مبتدأ مُضمَر و (ذا) بدلٌ من (هو)، و (جالس) الخبر، ويُروَى بالنصب على الحال على جَعْل (ذا) خبرَ المبتدأ، كما تقول: هذا زيدٌ قائمًا. * * * ٨٨ - بابُ مَا قِيلَ فِي الرِّمَاحِ وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي". ٢٩١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ تَخَلَّفَ مَعَ أَصْحَابٍ لَهُ مُحْرِمِينَ وَهْؤَ غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَرَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَاسْتَوَى عَلَى فَرَسِهِ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأبَوْا، فَسَأَلَهُمْ رُمْحَهُ، فَأَبَوْا، فَأَخَذَهُ ثُمَّ شَدَّ عَلَى الْحِمَارِ فَقَتَلَهُ، فَأكلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبَى بَعْضٌ، فَلَمَّا

стр. 4094

أَدْرَكوا رَسُولَ اللهِ ﷺ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا الله". وَعَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قتَادَةَ فِي الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ مِثْلُ حَدِيثِ أَبِي النَّضْرِ، قَالَ: "هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ"؟ (بابُ ما قيلَ في الرِّماح) (ويذكر عن ابن عُمر) وصلَه أبو دَاوُدٍ، وهو في "مُسنَد عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ"، وله شاهدٌ في "مصنَّف ابن أبي شَيْبَةَ"، مرسَلٌ لكن بإسنادٍ حسَنٍ. (ظل رمحي)؛ أي: رِزْقي من الغَنيمة. (والصغار) بفتح الصاد: الدلُّ والضَّيْم. حديث أبي قتادَةَ مرَّ في: (جَزاء الصيد) وغيرِه. * * *

стр. 4095

٨٩ - بابُ مَا قِيلَ فِي دِرْعِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْقَمِيصِ فِي الْحَرْبِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ". (بابُ ما قيل في درع النبي ﷺ ) (وقال النبي ﷺ ) هو طَرَفٌ من حديث أبي هُرَيْرَةَ المُتَقدِّمِ في (الزكاة). * * * ٢٩١٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ فِي قُبَّةٍ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ"، فَأخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ ألْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، وَهْوَ فِي الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وَهْوَ يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾. وَقَالَ وُهَيْبٌ. حَدَّثَنَا خَالِدٌ: يَوْمَ بَدْرٍ. الحديث الأول: (أنْشُدك) بضمِّ المعجمة، أي: أَطلبُك، ونَشَدْتُكَ الله، أي: سألتكَ بالله، كأنك ذَكَّرتَه إياه. (عهدك)؛ أي: في نحوِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا

стр. 4096

الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية [الصافات: ١٧١]. (ووعدك)؛ أي: في قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، ولأَبِي زَيْدٍ: (اللهمَّ إني أسألكَ إنجازَ وَعْدِكَ وإتمامَه بإظهار دِينِكَ). (إن شئت) مفعولُه محذوفٌ، وهو نحوُ هلاكِ المؤمنين، أو يقال: (لم تعبد) في حكم المفعول، أي: إن شئتَ أن لا تعبدَ، والجزاءُ محذوف، هذا تسليمٌ لأمر الله، وهو رَدٌّ على المعتزلة القائلين: إن الشرَّ غيرُ مرادِ الله. (حسبك)؛ أي: يكفيكَ. (ألححت)؛ أي: أطلتَ الدعاءَ وبالغْتَ فيه، روي: أنه ﷺ نظر إلى المشركين وهم ألف، وإلى الصحابة وهم ثلاثُ مئةٍ، فاستقبل ومَدَّ يديه وقال: "اللهم أنجزْ لي ما وعدتَني، اللهم إن تُهلِك هذه العصابةَ فلا تُعْبَد في الأرض"، فما زال كذلك حتى سقطَ رداؤُه، وأخذ أبو بكرٍ ﵁ فألقاه على مِنكَبَيه، والتزمه مِن ورائه، وقال: يا نبيَّ الله كفاكَ مُناشدتُك ربك، فإنه سيُنْجِزُ لك ما وَعدَكَ. قال (خ): قد يُشكِل معنى الحديثِ على كثيرٍ، وذلك إذا رأوا نبيَّ الله ﷺ يناشد ربَّه في استنجاز الوعد، وأبو بَكْرٍ يُسَكِّن منه، فيتوهمون أنَّ حالَ أبي بَكْرٍ بالثقة بربِّه والطمأنينةِ إلى وعده أرفعُ من حاله، وهذا لا يجوز قطعًا؟ فالمعنى في مناشدته ﷺ ربَّه وإلحاحَه في الدعاء: الشفقةُ على قلوب أصحابه وتقويتُهم، إذ كان ذلك أولَ

стр. 4097

مشهدٍ شهدوه في لقاء العدو، وكانوا في قِلَّةٍ في العَدَدِ، فابتهلَ بالدعاء، وألحَّ؛ لِيُسَكِّنَ ذلك ما في نفوسهم، إذ كانوا يعلمون أن وسيلتَه مقبولةٌ، ودعوتَه مستجابةٌ، فلمَّا قال له أبو بَكْرٍ مقالتَه كَفَّ عن الدعاء، أو علم أنه استجيب دعاؤه بما وجدَه أبو بَكْرٍ في نفسه من القوة والطمأنينة، حتى يقالَ له ذلك القول، ويدل عليه تمثيلُه بقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]. * * * ٢٩١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. وَقَالَ يَعْلَى: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ. وَقَالَ مُعَلًّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، وَقَالَ: رَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. الحديث الثاني: سَبَق في (باب السلم). * * * ٢٩١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطَرَّتْ

стр. 4098

أَيْدِيَهُمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَتِهِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفَى أثَرَهُ، وَكلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ"، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا تَتَّسِعُ". الثالث: (جبتان) بموحَّدَة. (تُعْفى)؛ أي: تمحو، وعفت الريحُ المنزلَ، أي: دَرَسَتْه، والمرادُ أنَّه يسترُ أسافلَه كلَّها. (تقلصت)؛ أي: انْزَوَتْ، وانضمَّت. (يقول) قال هذا مع أن أبا هُرَيْرَةَ قد سمع الحديثَ كلَّه من النبي ﷺ للدلالةُ على الاستمرار والمكرر بـ (يقول)، فلعله ﷺ كررها دون أخواتها، وسبق الحديثُ في (الزكاة) مشروحًا في (بابِ مَثَلُ المتصدق). * * * ٩٠ - بابُ الْجُبَّةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَرْبِ ٢٩١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمٍ -هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ-، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ

стр. 4099

أَقْبَلَ، فَلَقِيتُهُ بِمَاءٍ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَاناَ ضَيِّقَيْنِ، فيخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتُ، فَغَسَلَهُمَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ. (بابُ الجُّبَّةِ في السفرِ والحرب) سبق الحديث بشرحه مراتٍ في (الطهارة) وغيرِها. * * * ٩١ - بابُ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ (بابُ الحرير في الحرب) بمهمَلة، ويروى بجيمٍ وراءٍ مفتوحتين، وأحاديثُ الباب تشهد لكلٍّ منهما. ٢٩١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قتَادَةَ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا. ٢٩٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -يَعْنِي: الْقَمْلَ-

стр. 4100

فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الْحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ. ٢٩٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، أَخْبَرَني قَتَادَةُ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ، قَالَ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي حَرِيرٍ. الحديثُ الأولُ: (شكوا) في بعضِها: (شَكَيْنا). الثاني: (القمل) لا ينافي ما في الحديث الأول: (الحكَّة)، فالترخيصُ من أجل كلٍّ منهما تفرُّقًا واجتماعًا. * * * ٢٩٢٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: سَمِعْتُ قتادَةَ، عَنْ أَنسٍ: رَخَّصَ، أَوْ رُخِّصَ لِحِكَّةٍ بِهِمَا. الثالث: (أو رخص) بالبناء للمفعول، أي: فَشَكَّ الراوي هل هو كذلكَ أو بالبناء للفاعل؟ * * *
следующие страницы →