(باب غزوِ النساءَ وقتالِهِنَّ مع الرِّجالِ)
نُوْزِع فيما أورده من الحديث في الترجمة، فإنه ليس فيه قتالهُنَّ، وأُجيب: بأنهن بصدد الدَّفْعِ عن أنفسهِن مهما أَمْكَن، وهو في حُكْم القتال، أو بالقياس على الغزو.
(لمشمرتان) من شَمَّر إزارَه، أي: رفعه، وشمَّر عن ساقه، وشمر في أمره، أي: خَفَّ، وشمر في الأمر، أي: تَهَيَّأ له.
(خدم)؛ أي: خَلاخِل؛ سمي خدمه؛ لأنه ربما كان من سيور مركبٌ فيه الذهبٌ والفضة، والخدمة في الأصل: السَّتْر.
(سوقهما) جمع ساق.
قال (ن): وهذا إما لأنه قَبْلَ أمْرِ النساءِ بالحجاب، أو أنه لم يتعمد النظر إلى نفس الساق، بل وقعتْ فجأة بغير قصد.
(تنقزان) بنونٍ، وقافٍ، وزايٍ، أي: تنقلانها وتقفزان بها وَثْبًا.
(القرب) في نَصْبه بُعْدٌ؛ لأن (نَقَزَ) غيرُ مُتَعَدٍّ، فأَوَّلَه بعضُهم بحذف الجار، ورواه بعضُهم بضم التاءِ رباعيًّا من أنقز معدًّى بالهمزة، يريد تحريك القرب ووُثُوبَها بشدة العَدْوِ والوثبِ، ويروى: برفع (القربُ) على الابتداء، والجملة في موضع الحال.
قال (خ) النَّقْزُ: الوَثْبُ، وأحسبه تزفران، والزَّفْر: حَمْلُ القِرَب الثقال، وقال التَّيْمِيُّ: يروى: (تنقلان) فيحتمل تنقزان، وإن كان بمعنى الوثب على معنى النقل.
* * *
стр. 4062
٦٦ - بابُ حَمْلِ النِّسَاءِ الْقِرَبَ إِلَى النَّاسِ فِي الْغَزْوِ
(بابُ حَمْلِ النساءَ القرَبَ إلى الناسِ في الغزو)
٢٨٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ أَبِي مَالِكٍ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَسَمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ الْمَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَعْطِ هَذَا ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي عِنْدَكَ؛ يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ، فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ؛ وَأُمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ لَنَا الْقِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ.
قَالَ أَبو عَبْدِ اللهِ: تَزْفِرُ: تَخِيطُ.
(مروطًا)؛ أي: أكْسيةً من صوفٍ، أو خَزٍّ كان يُؤتزر بها.
(أُم كُلثُوم) بضم الكاف، والمثلثة، هي بنت فاطمةَ بنتِ رسول الله ﷺ ، وُلدتْ في حياته ﷺ ، خطبها عُمَر إلى عَلِيٍّ ﵄ فقال له: أنا أبعثها إليك فإن رضيتَها فقد زوجتُكَها، فبعثها إليه بِبُرْد، فقال لها: قولي له: هذا البُرْدُ الذي قلتُ لك، فقالت ذلك لعُمَرَ، فقال لها: قولي له: قد رضيتُ رضي الله عنك ووضع يده على ساقها فكشفها، فقالت: أتفعل هذا؟! لولا أنك أميرُ المؤمنين لكسرتُ أنفك؛ ثم
стр. 4063
جاءت أباها فأخبرته الخبر، وقالت: بعثتني إلى شيخِ سوءٍ، قال: يا بنية! إنه زوجُك.
(أُم سَلِيط) بفتح المهملة وكسرِ اللام، وإهمالِ الطاء.
(تزفر) بالزاي، والفاءِ، أي: تحمل، والزِّفر -بالكسر- الحِمْل، والفعل منه زَفِرَ وأزفر، وروى المُسْتَمْلِيُّ: قال أبو عَبْدِ الله: (تزفر، أي: تخيط)، قال (ع): وهو غير معروف في اللغة.
* * *
٦٧ - بابُ مُدَاوَاةِ النِّسَاءِ الْجَرْحَى فِي الْغَزْوِ
(بابُ مداواةِ النساءِ الجرحى في الغزوِ)
٢٨٨٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ، قَالَتْ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نَسْقِي، وَنُدَاوِي الْجَرْحَى، وَنَرُدُّ الْقَتْلَى إِلَى الْمَدِينَةِ.
(ونداوي)؛ أي: من غيرِ مَسِّ بَشَرَةِ الأجنبي إلا عند الحاجة.
وفيه خروج النساء في الغزو، والانتفاعُ بهن في السَّقْيِ ونحوِه.
* * *
النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وإِمَّا أنَّ المرادَ بالعصمة في الآية من فتنةِ الناس وإضلالِهم.
* * *
٢٨٨٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخبَرَناَ أَبُو بَكرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَم وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ".
لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي حَصِينٍ.
الثاني:
(تعس) قال (ن): فتحُ العينِ وكسرُها لغتان، واقتصر الجَوْهَرِيُّ على الفتح و (ع) على الكسرِ، وهو مقتضى كلامِ "النهاية" أنه الأَعْرَف، معناه: عَثَرَ، وقيل: هلَك، وقيل: سقط على وجهه.
(عبد الدينار) مجازٌ عن حرصِه عليه، وتَحَمُّل الذلة لأجله.
(والقطيفة) دِثَارٌ مُخْمَلٌ.
(والخميصة) كساءٌ مُرَبَّع، له أعلام وخطوط.
(لم يرفعه إسرائيل)؛ أي: لم يرفعِ الحديثَ عن أبي حُصَيْن، بل وقفه عليه.
* * *
стр. 4067
٢٨٨٧ - وَزَادَناَ عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَم وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانتكَسَ، وإذَا شِيكَ فَلَا انتقَشَ، طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَشْعَثَ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٍ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَةِ، إِنِ اسْتَأذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ". قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَمْ يَرْفَعْهُ إِسْرَائِيلُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي حُصِينٍ، وَقَالَ: تَعْسًا، كَأَنَّهُ يَقُولُ: فَأَتْعَسَهُمُ اللهُ. طُوبَى: فُعْلَى مِنْ كُلِّ شَيْءٍ طَيِّبٍ، وَهْيَ يَاءٌ حُوِّلَتْ إِلَى الْوَاوِ، وَهْيَ مِنْ: يَطِيبُ.
(وانتكس) قال ابن السِّكْيت: التَّعْسُ: أن يُجَرَّ على وجهه، والنَّكْسُ: أن يُجَرَّ على رأسه.
قال ابن فَارِسٍ: يقال: تَعْسًا له ونُكسًا، وقد تُضم التاء من (تعسًا).
(شيك): أصابتْه الشوكةُ.
(انتقش)؛ أي: فلا يقدِرُ على إخراجِها وهو القاف، أي: خرجت بالمِنْقاش يقال: نَقَشْتُ الشوكَ، أي: أخرجتُه.
قال ابن قُتَيبَةَ: وسمعتُ من يرويه بالعين بدلَ القاف، أي: ارتفع، يقال: نعشتُ الرجلَ وأنعشته، أي: رفعتُه من عَثْرَتِهِ،
стр. 4068
ولا معنى له مع ذكر الشوكة.
(أشعث) صفةٌ لـ (عبد).
(رأسه) فاعلُه، وفي بعضها برفعِ (أشْعَثُ).
(ساقة)؛ أي: مُؤخِّرة، واتحاد جواب الشرط مع الشرط كما في حديث: "فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله"، أي: في تعظيمِ ذلك، أي: مَن كان في السَّاقة فهو في أمر عظيم، أو المراد منه لازمه، أي: فعليه أن يأتي بِلَوَازِمَه، ويكون مشتغلًا بِخُوَيْصَةِ علمِه، أو فَلَهُ ثوابُه.
(يُشَفَّع) بالتشديد، أي: تُقْبَل شفاعتُه.
* * *
٧١ - بابُ فَضْلِ الْخِدْمَةِ فِي الْغَزْوِ
(بابُ فضلِ الخدمةِ في الغزوِ)
٢٨٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطَّلِبِ بْنِ حَنْطَبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنس بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ رَاجِعًا، وَبَدَا لَهُ أحُدٌ قَالَ: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ"، ثُمَّ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا كتَحْرِيم
стр. 4069
إِبْرَاهِيمَ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فِي صَاعِنَا وَمُدِّناَ".
الحديثُ الأول:
(يحبنا)؛ أي: أهلُه، وهم سكان المدينة، يريد الثناءَ على الأنصار وحبَّهم له ﷺ ، وحبَّه لهم، أو أنه حقيقة خلق الله في الجَبَل المحبة، والله على كل شيء قدير.
(لابتيها)؛ أي: الحَرَّتين اللتَين تَكْتَنِفانها، والتشبيه في التحريم فقط، لا في وجوبِ الجَزاء ونحوِه.
(بارك لنا في صاعنا) قال (خ): في الطعام الذي يُكال بالصِّيعان، والأَمْدَاد: دعا لهم بالبركة في أقواتِهم.
* * *
٢٨٩٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زَكَريَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ، عَنْ أَنس ﵁ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أكثَرُناَ ظِلًّا الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلَمْ يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالأَجْرِ".
الحديث الثاني:
(الركاب): الإبِل التي يُسار عليها.
(وامتهنوا) الامتهانُ: الخِدمة والابتذال.
أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ".
(يَخْدُمُني) بالجزم، والرفع.
(رَاهَقْتُ الحُلُمَ)؛ أي: قاربتُ البلوغَ.
(اللهم)؛ أي: فيما يتوقع.
(والحَزَنِ) هو بمعناه، لكن فيما مضى؛ قاله (خ).
قال: وكثيرٌ مَن لا يفرِّق بينهما.
(ضَلَع) بالمعجمة، واللامِ المفتوحتَين، ثم مهملَة: الثِّقَل، وأمر مُضلِع؛ أي: مُثقِل.
(وغلبة الرجال) هي الهَرْج والمَرْجُ.
(عروسًا) في إطلاقِه على المرأة رَدٌّ على مَن قال: أنه نعتٌ للرجل، فقد نصَّ الخَلِيْلُ: أنه نعت لهما ما داما في تعريسِهما أيامًا.
(الصهباء) بفتح المهملةِ، وإسكانِ الهاءِ، وبالموحدةِ، والمدِّ: مَوِضعٌ.
(حيسًا) هو طعامٌ مُتَّخَذٌ من بُرٍّ وأقط وسَمْنٍ، وقد يُجعَل عِوضَ الأقط دقيقٌ أو فَتِيْتٌ.
(نَطْع) بفتح النونِ، وكسرِها، وسكونِ الطاءِ، وفتحِها، أربعُ لغات.
(يحوّي) بالمهملة، مِنَ التَّحْوِيَة، وهي أن يكون كساءٌ حول سَنَام
٧٧ - بابٌ لَا يَقُولُ: فُلَانٌ شَهِيد
قَالَ أبو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "اللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ، اللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ".
(باب: لا يُقال: فلان شهيد)
قيل: ليس فيما أورده من الحديثِ من معنى الشهادة شيءٌ، وإنما فيه ضدها، والمعنى المترجَم له إنما هو لمَّا قالوا: ما أَجزَأَ أحدٌ ما أجزأ فلانٌ، يمدحون فضله وغناه، فأوحى اللهُ إليه بغيبِ مَاَلِ أمرِه، حتى لا يشهدوا لأحد شهادةً قاطعة.
(قال أبو هريرة) موصول في: (الجهاد).
(يُكْلَم)؛ أي: يُجرَح.
* * *
٢٨٩٨ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى عَسْكَرِهِ، وَمَالَ الآخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَجُلٌ لَا يَدعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ، فَقَالَ: مَا أَجْزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجْزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ"،
стр. 4078
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَناَ صاحِبُهُ، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: "وَمَا ذَاكَ"؟ قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرْتَ آنِفًا أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: أَناَ لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجْتُ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحًا شَدِيدًا، فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ، فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الأَرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: "إِنَّ الرجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
(رجل) اسمه: قزْمَان بضمِّ القافِ، وسكونِ الزاي، وبالنون، وهذا في عِدَاد المنافقين، وكان قد غاب يوم أُحُد، فَعَيَّرَه الناس، فخرج، وقاتَل، وبالَغ.
(شاذة ولا فاذة) نعتٌ لمحذوف، أي: نسَمة، أو نَفْسًا شاذةٌ، ويحتمل أن يكون للمبالغة كعلَّامة، والشاذة: ما شذت على صواحبِها، وكذا الفاذَّة التي انفردت، فوصَفَه بأنه لا يُبقي شيئًا إلا أتى عليه، وقيل: ما صَغُر وما كبر، وقيل: الشَّاذَّة مَن كانت في القوم، ثمَّ قربت منهم، والفاذَّة: من لم تختلطْ معهم أصلًا.
стр. 4079
(وذبابه) طَرَفُه، وقيل: حَدُّه.
(ثدييه) قال ابن فارِسِ: الثديُ للمرأة، وأمَّا للرجل فيقال: ثُنْدُؤة، مهموزٌ إذا ضُمَّ أولُه، ومفتوحٌ إذا لم يُضَم.
(تحامل)؛ أي: مَالَ، والتَّحامُل تَكلُّفُ الشيءِ بمشقة.
(آنفًا) بمد الهمزة، أي: الساعةَ، وحكمُه ﷺ بأنه من أهل النار ليس لِقَتْل نفسِه، فإن ذلك كبيرة، وهي لا تُوجب كُفرًا ولا تخليدًا في النار، وإنما عَلِمَ ﷺ أنه كافرٌ بوحي، أو عَلِم أنه اسْتَحَلَّ قتلَ نفسه، فيكون مرتدًا، أو أنَّ المرادَ بكونه من أهل النار: أنه من العُصاة الذين يدخلون النار، ثم يخرجون منها، ففيه أن العِبْرةَ بالخاتمة وبالنية، وأنَّ الله يؤيدُ هذا الدِّيْنَ بالرجل الفاجر؛ نعم، قولُه: (فيما يبدو للناس) فيه ما يرفع الإشكالَ، وقد ذكر الخَطِيْبُ في "كتاب الفَصْل": أبو سَعِيد مرفوع، وما بعده من كلام ابن مَسْعُود، ثم رواه كذلك متصلًا.
* * *
٧٨ - بابُ التَّحْرِيضِ عَلَى الرَّمْيِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعالَى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾.
стр. 4080
(باب التحريضِ على الرميِ)
(من قوة)، القوةُ: الرميُ.
* * *
٢٨٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأكوَعِ ﵁، قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَسْلَمَ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكمْ كانَ رَامِيًا، ارْمُوا وَأَناَ مَعَ بَنِي فُلَانٍ"، قَالَ: فَأمْسَكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ بِأيْدِيهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا لَكُمْ لَا تَرْمُونَ"؟ قَالُوا: كَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَهُمْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ارْمُوا، فَأناَ مَعَكُمْ كلِّكُمْ".
الحديث الأول:
(أسلم) قبيلةٌ.
(ينتصلون)؛ أي: يترامون بالنِّصَال، وهي السهام.
(بني إسماعيل) منادى، أي: يا بَني.
(أباكم)؛ أي: إِسْمَاعِيل بن إبْرَاهِيْمَ صلى الله عليهما وسلَّم، وهو أبو العَرَبِ.
قال (خ): فيه دليلٌ أنَّ أهلَ اليَمَن من وَلَدِه، انتهى.
قال عَمْرو بنُ بَحْرٍ: فلا يصح ذلك، ولا يُمكن أن يريدَ يا بني
стр. 4081
إِسْمَاعِيل: بُنُوَّةَ القُوَّة؛ لأنهم رَموا مثلَ رَمْيِهِ، أو نحوِ ذلك.
(كُلكم) بالجرِّ تأكيدٌ للضمير المجرور، وإنما كان مع الكلِّ وأحدُهما غالبٌ، والآخَرُ مغلوبٌ؛ لأنَّ المرادَ مَعِيَّةُ القصد إلى الخير وإصلاحِ النية، والتدريب فيه لأجل القَتل.
* * *
٢٩٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أسُيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لنا: "إِذَا أكثبوكم فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ".
الحديث الثاني:
(صففنا) قال (خ): في بعض النُّسخ: (أَسْفَفْنا)، ومعناه: القُرب منهم، من أَسَفَّ الطائرُ -بالسين المهملةِ- (١) في طيرانه: إذا انحطَّ إلى أن يُقارِب وجهَ الأرض، ثم يطير صاعدًا.
(أكثبوكم) بمثلثة، ثم موحَّدَةٍ، يقال: كَثَبَ وأَكْثَب: إذا قَارَبَ، والكثيبُ القُرب، والهمزة فيه للتعدية؛ فلذلك عَدَّاها إلى ضميرهم، وقيل معناه: تحامَلوا عليكم وتَكاثروا، وذلك أن النُّبل إذا رمى الجمع لم يُخْط، ففيه رَدْعٌ لهم.
* * *
والفاعل لذلك عُتبةُ بنُ أبي وَقَّاصٍ أخو سَعْد لعنه الله، ورماه ابن قَمِئَةَ بها فقال: خذها وأنا ابنُ قَمئَة، فقال له النبي ﷺ : (أَقْمَأكَ اللهُ في النار) فدخل بعد ذلك صَيرَة غَنَمٍ، فنطحَه تَيْسٌ منها، فَذَرَاهُ؛ فلم يُرَ له مكان.
(يختلف)؛ أي: يذهب فيه بالماء مرة بعد أُخرى.
* * *
٢٩٠٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، عَنْ عُمَرَ ﵁، قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أفاءَ اللهُ عَلَى رَسُولهِ ﷺ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خَاصَّةً، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بقِيَ فِي السِّلَاح وَالْكُرَاعِ، عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللهِ.
٢٩٠٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَلِي.
حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁، يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُفَدِّي رَجُلًا بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وأُمِّي".
стр. 4085
الحديثُ الثالثُ:
(يوجف) الإيجاف: الإسراعُ في السَّيْرِ، أي: لم يعملوا فيه سعيًا لا بالخَيل ولا بالإبل.
(والكراع) هي الخيل.
(عُدة)؛ أي: استعداد، فكلُّ ما بعده مِن سلاح ونحوِه.
(يفدّى) مِنْ فَدَاهُ: إذا قال له: جُعِلْتُ فداك، أو نحوَ ذلك.
(فِداك) بكسرِ الفاءِ، والمدِّ، والقصرِ، فإن فَتَحتَ الفاءَ فالقَصْرُ فقط.
قال (خ): التَّفْدِيَةُ من رسول الله ﷺ دعاءٌ، وأدعيتُهُ خليقةٌ أن تكونَ مستجابةً، وقد يُوهم هذا القولُ أن فيه إزراءٌ بحق الوالدَين، وإنما جاز ذلك لأنهما ماتا كافرين، وسَعْدٌ مسلمٌ ينصر الدينَ، ويقاتِل الكفارَ، فتَفْدِيَتُه بكلِّ كافرٍ غيرُ محذور.
قلت: لا يخفى ما في هذا الكلام من فَضَاضة، وعَدَمُ ذِكْره أَوْلى، لا سيما وقد روي: أنَّ اللهَ تعالى رَدَّ روحَ أبويه فأسلما، وهذا الحصْرُ قد يُعارضه أنه ﷺ فَدَى الزُّبَيْرَ، فلعل عَلِيًّا لم يسمعه؛ ولهذا قال ابن الزَّملْكَانِيِّ: الحقُّ أن حكمة التفدية نُقِلَت بالعُرْف عن وضعها، وصارت علامةً على الرِّضا، فكأنه ﷺ قال: ارمِ مَرْضِيًّا عنك.
* * *
الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية [الصافات: ١٧١].
(ووعدك)؛ أي: في قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، ولأَبِي زَيْدٍ: (اللهمَّ إني أسألكَ إنجازَ وَعْدِكَ وإتمامَه بإظهار دِينِكَ).
(إن شئت) مفعولُه محذوفٌ، وهو نحوُ هلاكِ المؤمنين، أو يقال: (لم تعبد) في حكم المفعول، أي: إن شئتَ أن لا تعبدَ، والجزاءُ محذوف، هذا تسليمٌ لأمر الله، وهو رَدٌّ على المعتزلة القائلين: إن الشرَّ غيرُ مرادِ الله.
(حسبك)؛ أي: يكفيكَ.
(ألححت)؛ أي: أطلتَ الدعاءَ وبالغْتَ فيه، روي: أنه ﷺ نظر إلى المشركين وهم ألف، وإلى الصحابة وهم ثلاثُ مئةٍ، فاستقبل ومَدَّ يديه وقال: "اللهم أنجزْ لي ما وعدتَني، اللهم إن تُهلِك هذه العصابةَ فلا تُعْبَد في الأرض"، فما زال كذلك حتى سقطَ رداؤُه، وأخذ أبو بكرٍ ﵁ فألقاه على مِنكَبَيه، والتزمه مِن ورائه، وقال: يا نبيَّ الله كفاكَ مُناشدتُك ربك، فإنه سيُنْجِزُ لك ما وَعدَكَ.
قال (خ): قد يُشكِل معنى الحديثِ على كثيرٍ، وذلك إذا رأوا نبيَّ الله ﷺ يناشد ربَّه في استنجاز الوعد، وأبو بَكْرٍ يُسَكِّن منه، فيتوهمون أنَّ حالَ أبي بَكْرٍ بالثقة بربِّه والطمأنينةِ إلى وعده أرفعُ من حاله، وهذا لا يجوز قطعًا؟ فالمعنى في مناشدته ﷺ ربَّه وإلحاحَه في الدعاء: الشفقةُ على قلوب أصحابه وتقويتُهم، إذ كان ذلك أولَ
стр. 4097
مشهدٍ شهدوه في لقاء العدو، وكانوا في قِلَّةٍ في العَدَدِ، فابتهلَ بالدعاء، وألحَّ؛ لِيُسَكِّنَ ذلك ما في نفوسهم، إذ كانوا يعلمون أن وسيلتَه مقبولةٌ، ودعوتَه مستجابةٌ، فلمَّا قال له أبو بَكْرٍ مقالتَه كَفَّ عن الدعاء، أو علم أنه استجيب دعاؤه بما وجدَه أبو بَكْرٍ في نفسه من القوة والطمأنينة، حتى يقالَ له ذلك القول، ويدل عليه تمثيلُه بقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥].
* * *
٢٩١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ.
وَقَالَ يَعْلَى: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ.
وَقَالَ مُعَلًّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، وَقَالَ: رَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
الحديث الثاني: سَبَق في (باب السلم).
* * *
٢٩١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطَرَّتْ