Полный текст (8 898 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية [الصافات: ١٧١].
(ووعدك)؛ أي: في قولِه تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، ولأَبِي زَيْدٍ: (اللهمَّ إني أسألكَ إنجازَ وَعْدِكَ وإتمامَه بإظهار دِينِكَ).
(إن شئت) مفعولُه محذوفٌ، وهو نحوُ هلاكِ المؤمنين، أو يقال: (لم تعبد) في حكم المفعول، أي: إن شئتَ أن لا تعبدَ، والجزاءُ محذوف، هذا تسليمٌ لأمر الله، وهو رَدٌّ على المعتزلة القائلين: إن الشرَّ غيرُ مرادِ الله.
(حسبك)؛ أي: يكفيكَ.
(ألححت)؛ أي: أطلتَ الدعاءَ وبالغْتَ فيه، روي: أنه ﷺ نظر إلى المشركين وهم ألف، وإلى الصحابة وهم ثلاثُ مئةٍ، فاستقبل ومَدَّ يديه وقال: "اللهم أنجزْ لي ما وعدتَني، اللهم إن تُهلِك هذه العصابةَ فلا تُعْبَد في الأرض"، فما زال كذلك حتى سقطَ رداؤُه، وأخذ أبو بكرٍ ﵁ فألقاه على مِنكَبَيه، والتزمه مِن ورائه، وقال: يا نبيَّ الله كفاكَ مُناشدتُك ربك، فإنه سيُنْجِزُ لك ما وَعدَكَ.
قال (خ): قد يُشكِل معنى الحديثِ على كثيرٍ، وذلك إذا رأوا نبيَّ الله ﷺ يناشد ربَّه في استنجاز الوعد، وأبو بَكْرٍ يُسَكِّن منه، فيتوهمون أنَّ حالَ أبي بَكْرٍ بالثقة بربِّه والطمأنينةِ إلى وعده أرفعُ من حاله، وهذا لا يجوز قطعًا؟ فالمعنى في مناشدته ﷺ ربَّه وإلحاحَه في الدعاء: الشفقةُ على قلوب أصحابه وتقويتُهم، إذ كان ذلك أولَ
стр. 4097
مشهدٍ شهدوه في لقاء العدو، وكانوا في قِلَّةٍ في العَدَدِ، فابتهلَ بالدعاء، وألحَّ؛ لِيُسَكِّنَ ذلك ما في نفوسهم، إذ كانوا يعلمون أن وسيلتَه مقبولةٌ، ودعوتَه مستجابةٌ، فلمَّا قال له أبو بَكْرٍ مقالتَه كَفَّ عن الدعاء، أو علم أنه استجيب دعاؤه بما وجدَه أبو بَكْرٍ في نفسه من القوة والطمأنينة، حتى يقالَ له ذلك القول، ويدل عليه تمثيلُه بقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥].
* * *
٢٩١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: تُوُفِّي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَدِرْعُهُ مَرْهُونةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ.
وَقَالَ يَعْلَى: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ: دِرْعٌ مِنْ حَدِيدٍ.
وَقَالَ مُعَلًّى: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، وَقَالَ: رَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
الحديث الثاني: سَبَق في (باب السلم).
* * *
٢٩١٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ مَثَلُ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطَرَّتْ
стр. 4098
أَيْدِيَهُمَا إِلَى تَرَاقِيهِمَا، فَكُلَّمَا هَمَّ الْمُتَصَدِّقُ بِصَدَقَتِهِ اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ حَتَّى تُعَفَى أثَرَهُ، وَكلَّمَا هَمَّ الْبَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ انْقَبَضَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَتَقَلَّصَتْ عَلَيْهِ وَانْضَمَّتْ يَدَاهُ إِلَى تَرَاقِيهِ"، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "فَيَجْتَهِدُ أَنْ يُوَسِّعَهَا فَلَا تَتَّسِعُ".
الثالث:
(جبتان) بموحَّدَة.
(تُعْفى)؛ أي: تمحو، وعفت الريحُ المنزلَ، أي: دَرَسَتْه، والمرادُ أنَّه يسترُ أسافلَه كلَّها.
(تقلصت)؛ أي: انْزَوَتْ، وانضمَّت.
(يقول) قال هذا مع أن أبا هُرَيْرَةَ قد سمع الحديثَ كلَّه من النبي ﷺ للدلالةُ على الاستمرار والمكرر بـ (يقول)، فلعله ﷺ كررها دون أخواتها، وسبق الحديثُ في (الزكاة) مشروحًا في (بابِ مَثَلُ المتصدق).
* * *
٩٠ - بابُ الْجُبَّةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَرْبِ
٢٩١٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى مُسْلِمٍ -هُوَ ابْنُ صُبَيْحٍ-، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ
стр. 4099
أَقْبَلَ، فَلَقِيتُهُ بِمَاءٍ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَأْمِيَّةٌ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ، فَذَهَبَ يُخْرِجُ يَدَيْهِ مِنْ كُمَّيْهِ فَكَاناَ ضَيِّقَيْنِ، فيخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتُ، فَغَسَلَهُمَا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَعَلَى خُفَّيْهِ.
(بابُ الجُّبَّةِ في السفرِ والحرب)
سبق الحديث بشرحه مراتٍ في (الطهارة) وغيرِها.
* * *
٩١ - بابُ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ
(بابُ الحرير في الحرب) بمهمَلة، ويروى بجيمٍ وراءٍ مفتوحتين، وأحاديثُ الباب تشهد لكلٍّ منهما.
٢٩١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قتَادَةَ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصٍ مِنْ حَرِيرٍ، مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا.
٢٩٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ.
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَوَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ -يَعْنِي: الْقَمْلَ-
стр. 4100
فَأَرْخَصَ لَهُمَا فِي الْحَرِيرِ، فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ.
٢٩٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، أَخْبَرَني قَتَادَةُ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ، قَالَ: رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي حَرِيرٍ.
الحديثُ الأولُ:
(شكوا) في بعضِها: (شَكَيْنا).
الثاني:
(القمل) لا ينافي ما في الحديث الأول: (الحكَّة)، فالترخيصُ من أجل كلٍّ منهما تفرُّقًا واجتماعًا.
* * *
٢٩٢٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ: سَمِعْتُ قتادَةَ، عَنْ أَنسٍ: رَخَّصَ، أَوْ رُخِّصَ لِحِكَّةٍ بِهِمَا.
الثالث:
(أو رخص) بالبناء للمفعول، أي: فَشَكَّ الراوي هل هو كذلكَ أو بالبناء للفاعل؟
* * *
стр. 4101
٩٢ - بابُ مَا يُذكَرُ فِي السِّكِّينِ
٢٩٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَأْكُلُ مِنْ كَتِفٍ يَحْتَزُّ مِنْهَا، ثُمَّ دُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ.
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَزَادَ: فَأَلْقَى السِّكِّينَ.
(بابُ ما يُذكَر في السِّكين)
سبق الحديث فيه في (بابِ: مَن لم يتوضأ من لحم الشاة).
* * *
٩٣ - باب مَا قِيلَ فِي قِتالِ الرُّومِ
٢٩٢٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ يَزِيدَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: أَنَّ عُمَيْرَ بْنَ الأَسْوَدِ الْعَنْسِيَّ، حَدَّثَهُ: أَنَّهُ أَتَى عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَهْوَ ناَزِلٌ فِي سَاحِلِ حِمْصَ، وَهْوَ فِي بِنَاءٍ لَهُ وَمَعَهُ أُمُّ حَرَامٍ، قَالَ عُمَيْرٌ: فَحَدَّثتنَا أُمُّ حَرَامٍ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ
стр. 4102
الْبَحْرَ قَدْ أَوْجَبُوا"، قَالَتْ أُمُّ حَرَامٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَناَ فِيهِمْ؟ قَالَ: "أَنْتِ فِيهِمْ"، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوَّلُ جَيْشٍ مِنْ أُمَّتِي يَغْزُونَ مَدِينَةَ قَيْصَرَ مَغْفُورٌ لَهُمْ"، فَقُلْتُ: أَناَ فِيهِمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "لَا".
(بابُ ما قيلَ في قتال الرُّوْمِ)
حديث أُم حَرَامٍ سَبَق كثيرًا.
(قد أوجبوا)؛ أي: المغفرةَ والرحمةَ لأنفسهم بأعمالهم الصالحة.
(لا)؛ أي: لأَنَّكَ من الأوَّلين.
* * *
٩٤ - بابُ قِتالِ الْيَهُودِ
٢٩٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "تُقَاتِلُونَ الْيَهُودَ حَتَّى يَخْتَبِيَ أَحَدُهُمْ وَرَاءَ الْحَجَرِ، فَتقُولُ: يَا عَبْدَ اللهِ! هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ".
٢٩٢٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ ابْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا الْيَهُودَ، حَتَّى يَقُولَ الْحَجَرُ وَرَاءَهُ الْيَهُودِيُّ: يَا مُسْلِمُ! هَذَا يَهُودِيٌّ وَرَائِي فَاقْتُلْهُ".
стр. 4103
(بابُ قتالِ اليهودِ)
أي: عند نزولِ عِيْسَى بْنِ مَرْيَمَ ﷺ ، وتكونُ اليهود مع الدَّجَّال، فيه حديثانِ في قتال اليهود ومعناهما واضحٌ؛ ولذلك أهْمَلَ ترجمتَهما (ك).
* * *
٩٥ - بابُ قِتالِ التُّرْكِ
(بابُ قتالِ التُّرْكِ)
٢٩٢٧ - حَدَّثنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: حَدَّثنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا يَنتعِلُونَ نِعَالَ الشَّعَرِ، وَإِنَّ مِنْ أَشْراطِ السَّاعَةِ أَنْ تُقَاتِلُوا قَوْمًا عِراضَ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ".
الحديث الأول:
(من أشراط الساعة)؛ أي: علاماتِها.
(الشعْر) بسكون العين.
(المجانَّ) بفتح الميمِ، وتشديدِ النونِ، واحدها مِجنٌ، وهو التُّرس، وهو بوزن مَفَاعِل كمساجد.
(المُطْرَقة) بضمِّ الميمِ، وسكونِ المهملة، وفتح الراء، بلفظ
стр. 4104
المفعول، أي: يُطرَّق بعضُها فوق بعض فخُرزت به، وطَارَقَ الرجلُ بين الثوبين: إذا لبس أحدَهما على الآخَر، وبَيْن النعلين: خَصَفَ أحدَهما فوق الأُخرى، وحاصله أنه يجعل في الدُّرقة طاقةً فوق طاقة، وهكذا رواه بعضُهم بتشديد الراءِ للتَّكثير، ويُعْزَى لأبي ذَرٍّ.
قال البَيْضَاوِيُّ: شبَّهَ وجهَهم بالتُّرس لِبَسْطِها وتدويرِها، وبالمُطْرَقة لِغِلَظِها وكثرةِ لحمها.
* * *
٢٩٢٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثنَا أَبِي، عَنْ صَالحٍ، عَنِ الأَعْرَج، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الأَعْيُنِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطرَقَةُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ".
الحديثُ الثاني:
(ذُلف) بالمعجمة المضمومةِ، جَمْعُ أَذْلَفَ، وهو صِغَر الأنف مستوي الأَرْنبَة، وقال (خ): الذُّلْف: قِصَرُ الأنف وانبطاحه، وقال ابنُ فارِسٍ: الذُّلْف: الاستواءُ في طرف الأنف.
(الأنوف) جمعُ أنف في الكثرة، وفي القِلَّة أُنُف، وكذا رواه القَزَّازُ.
* * *
стр. 4105
٩٦ - بابُ قِتَالِ الَّذِينَ يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ
٢٩٢٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعَرُ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطرَقَةُ".
قَالَ سُفْيَانُ: وَزَادَ فِيهِ أَبُو الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: "صِغَارَ الأَعْيُنِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ".
(بابُ قتالِ الذين ينتعلون الشَّعر)
عُرِف معنى الحديث فيه مما سبق.
* * *
٩٧ - بابُ مَنْ صفَّ أَصْحَابَهُ عِنْدَ الْهَزِيمَةِ وَنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ واسْتَنْصَرَ
(بابُ مَن صَفَّ أصحابَه عند الهزيمة)
٢٩٣٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ: أكُنتمْ فَرَرْتُمْ يَا أَبَا عُمَارَةَ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟
стр. 4106
قَالَ: لَا، وَاللهِ مَا وَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَكِنَّهُ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا لَيْسَ بِسِلَاحٍ، فَأَتَوْا قَوْمًا رُمَاةً، جَمْعَ هَوَازِنَ وَبَنِي نَصْرٍ، مَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ، فَأَقْبَلُوا هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءَ، وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ ثُمَّ قَالَ: "أَناَ النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَناَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ" ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ.
(ما ولى)؛ أي: ما أدبَرَ.
(وأخفافهم) جمع خِفٍّ بكسر المعجمة، يقال: رَجلٌ خفيف وخِفٌّ، يعني: لا سلاحَ معه يُثقِله، ويروى: (أخفاؤهم).
(حُسَّرًا) جمِع حاسِرٍ، وهو الذي لا سلاح معه، وقيل: الذي لا دِرْعَ له ولا مِغْفرَ.
(ليس سلاح)؛ أي: لهم، فالخبر محذوف، وفي بعض: (ليس بسلاح) فالاسمُ مضمَرٌ، أي: ليس أحَدُهم مُتلبِسًا به.
(هوازن) مجرورٌ بالفتحة؛ لأنه غيرُ منصرف.
(رَشْقًا) بفتح الراء: الرَّمْيُ.
(ما يكاد)؛ أي: من حُسْن إصابتهم في الرمي يسقط لهم سهمٌ في الأرض.
* * *
стр. 4107
٩٨ - بابُ الدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بالْهَزِيمَةِ وَالزَلْزلَةِ
(بابُ الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة)
٢٩٣١ - حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَابِ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَلأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ ناَرًا، شَغَلُوناَ عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ"
الحديثُ الأوَّلُ:
(هشام) الظاهرُ أنه ابنُ حَسَّان، والمناسبُ لما في (بابِ شهادة الأعمى) أنه ابنُ عُرْوَةَ.
(بيوتهم)؛ أي: أحياءٌ.
(وقبورهم)؛ أي: أمواتًا، وسبق الحديث في (كتاب المَوَاقيت).
* * *
٢٩٣٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو فِي الْقُنُوتِ: "اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أنْجِ عَيَّاشَ ابْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ
стр. 4108
وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ سِنِينَ كسِنِي يُوسُفَ".
الثاني:
(وطأتك)؛ أي: ضَغْطَتكَ، والمراد لازِمُه، أي: الإهلاكُ.
(مضر) غير منصرف، علمٌ للقبيلة.
(سنين) منصوبٌ بقوله: (اشدد)، أو بتقدير: اجعلْ، أو قدِّر ونحوِه، سَبَقَ أولَ (الاستسقاء).
* * *
٢٩٣٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ أَبِي خَالِدٍ: أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄، يَقُولُ: دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الأَحْزَابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اللَّهُمَّ اهْزِمِ الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ".
الثالث:
(سريع الحساب) يحتمل سريع حسابه ومجيء وقته، أو سريعٌ في الحساب، ولا ينافي هذا ما وَرَدَ في ذمِّ السَّجَع كَسَجْعِ الكهَّان؛ لأن هذا بلا تكلُّفٍ، ولا قصدٍ، ولا إبطالِ شيء في الشرع، بخلاف ذلك.
* * *
стр. 4109
٢٩٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَناَسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَنُحِرَتْ جَزُورٌ بِنَاحِيَةِ مَكَّةَ، فَأَرْسَلُوا فَجَاءُوا مِنْ سَلَاهَا، وَطَرَحُوهُ عَلَيْهِ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَلْقَتْهُ عَنْهُ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ" لأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ ابْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ ابْنِ أَبِي مُعَيْطٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ فِي قَلِيبِ بَدْرٍ قَتْلَى.
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: وَنسَيتُ السَّابعَ.
وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: أُمَيَّةُ أَوْ أُبَيٌّ؛ وَالصَّحِيحُ أُمَيَّةُ.
الرابعُ:
(فقال أبو جهل)؛ أي: عَمْرُو المَخْزُوْمِيُّ فرعونُ هذه الأُمة، ومفعولُه محذوف يدل عليه الإتيان بالسَّلا، وهو مقصورٌ: الجِلْدة الرقيقة التي فيها الوَلَدُ من المواشي.
(لأبي جهل) اللامُ للبيانِ، نحو: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣]، أي: هذا اللفظُ مختصٌّ به، أو للتعليل، أي: دعا، أو قال: لأجل أبي جَهْلٍ -لعنه الله-.
стр. 4110
(قليب)؛ أي: بئرٌ.
(قتلى) جمعُ قَتِيل.
(أُمية) بالتشديد، أي: بدلُ (أُبَيٍّ) في رواية يُوسُفَ، وفي رواية شُعْبَةَ بالشكِّ فيهما، والصحيح عند البخاري: (أُمَيَّة)، وهو الصحيح؛ لأن أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ قتلَه النبيُّ ﷺ بيده يوم أُحد بعد بدر، وأما السابعُ فهو عُمَارَةُ بنُ الوَليْدِ، وسبق الحديث في آخر (الوضوء).
* * *
٢٩٣٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ الْيَهُودَ دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيكَ، فَلَعَنْتُهُمْ، فَقَالَ: "مَا لَكِ"؟. قُلْتُ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: "فَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ"؟.
الخامس:
(السام) بتخفيفِ الميمِ: الموتُ.
(ما لك؟)؛ أي: أيُّ شيءٍ حصل لك، حتى لعنتهم؟
(ما قلت)؛ أي: دَلَّسُوا حيث أوهموا أنهم يقولون: السلام عليكم، فرَدَّ رسول الله ﷺ الدعاءَ عليهم بقوله: "وعليكم".
* * *
стр. 4111
٩٩ - بابٌ هَلْ يُرْشِدُ الْمسْلِمُ أهْلَ الْكِتَابِ أوْ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ؟
(بابٌ: هل يُرْشِدُ المسلمُ أهلَ الكتاب؟)
٢٩٣٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاس ﵄، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى قَيصَرَ، وَقَالَ: "فَإنْ تَوَلَّيْتَ فَإنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ".
(توليت)؛ أي: أَعْرَضْتَ عن الحق.
(الأريسيين) سبق بيانه مع شرحِ الحديثِ أولَ "الجامع" في قصة هِرَقْلَ.
* * *
١٠٠ - بابُ الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ بالْهُدَى لِيَتَأَلَّفَهُمْ
(بابُ الدُّعاءِ للمشركين بالهدى)
٢٩٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ
стр. 4112
عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللهَ عَلَيْهَا، فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ، قَالَ: "اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ".
(دَوْس) بفتح الدَّال: قبيلةُ أَبي هُرَيْرَةَ.
(وائت بهم)؛ أي: مسلمينَ، أو هو كنايةٌ عن الإسلام، ودعاؤُه ﷺ لهم وهم قد طلبوا الدعاء عليهم من كَمَالِ خُلُقِه العظيم ورحمتِه على العالمين.
* * *
١٠١ - بابُ دَعْوَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَصْرَانِيِّ، وَعَلَىَ مَا يُقَاتلُونَ عَلَيْهِ ؟
وَمَا كتبَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى كِسْرَى وَقَيصَرَ، وَالدَّعْوَةِ قَبْلَ الْقِتَالِ.
٢٩٣٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبةُ، عَنْ قتادَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنسًا ﵁، يَقُولُ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الرُّومِ قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، وَنَقَشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ.
стр. 4113
٢٩٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبةَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى، فَأمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيم الْبَحْرَيْنِ، يَدْفَعُهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَهُ كِسْرَى خَرَّقَهُ، فَحَسِبْتُ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ.
(بابُ دعوةِ اليهودِ والنَّصارى)
يريد لزومَ الدعوةِ قبل القتال، وأما إغارةُ النبيِّ ﷺ على بني المُصْطَلَقِ فذكَرَه البُخَارِيُّ في (كتاب الفِتَنِ)، وترَكَ إدخالَه في (الجهاد)؛ لأنه حملَه على أنهم بَلَغَتْهم الدَّعوةُ، وسبق شرح الحديثين في (العلم) في (باب ما يذكر في المناولة).
* * *
١٠٢ - بابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الإِسْلَامِ وَالنُبُوَّةِ، وَأنْ لَا يَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
٢٩٤٠ - حَدَّثنَا إِبْراهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ
стр. 4114
صَالح بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إِلَى الإسْلَامِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِ مَعَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيِّ، وَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيم بُصْرَى لِيَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ، وَكانَ قَيْصَرُ لَمَّا كشَفَ اللهُ عَنْهُ جُنُودَ فَارِسَ مَشَى مِنْ حِمْصَ إِلَى إِيلِيَاءَ، شُكْرًا لِمَا أَبْلَاهُ اللهُ، فَلَمَّا جَاءَ قَيْصَرَ كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ حِينَ قَرَأَهُ: الْتَمِسُوا لِي هَا هُنَا أَحَدًا مِنْ قَوْمِهِ لأَسْأَلَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
٢٩٤١ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ أَنَّهُ كَانَ بِالشَّأْمِ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدِمُوا تِجَارًا فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَجَدَناَ رَسُولُ قَيْصَرَ بِبَعْضِ الشَّأْمِ، فَانْطُلِقَ بِي وَبِأَصْحَابِي حَتَّى قَدِمْنَا إِيلِيَاءَ، فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ، فَإذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهِ وَعَلَيْهِ التَّاجُ، وَإِذَا حَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، فَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نبَيٌّ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَناَ أَقْرَبُهُمْ إِليهِ نَسَبًا، قَالَ: مَا قَرَابَةُ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ؟ فَقُلْتُ: هُوَ ابْنُ عَمِّي، وَلَيْسَ فِي الرَّكْبِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ غَيْرِي، فَقَالَ قَيْصَرُ: أَدْنُوهُ، وَأَمَرَ بِأَصحَابِي فَجُعِلُوا خَلْفَ ظَهْرِي عِنْدَ كَتِفِي، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لأَصْحَابِهِ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا الرَّجُلَ عَنِ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَ فَكَذِّبُوهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَنْ يَأثُرَ أَصْحَابِي عَنِّي الْكَذِبَ
стр. 4115
لَكَذَبْتُهُ حِينَ سَأَلَنِي عَنْهُ، وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأثُرُوا الْكَذِبَ عَنِّي فَصَدَقْتُهُ، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: كَيْفَ نَسَبُ هَذَا الرَّجُلِ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا، فَقَالَ: كُنتمْ تتَّهِمُونَهُ عَلَى الْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: فَيَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ الآنَ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ، نَحْنُ نَخَافُ أَنْ يَغْدِرَ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَلَمْ يُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا أَنتقِصُهُ بِهِ لَا أَخَافُ أَنْ تُؤْثَرَ عَنِّي غَيْرُهَا. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ أَوْ قَاتَلَكُمْ؟ قُلْتُ: نعمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَتْ حَرْبُهُ وَحَرْبُكُمْ؟ قُلْتُ؟ كَانَتْ دُوَلًا وَسِجَالًا، يُدَالُ عَلَيْنَا الْمَرَّةَ وَنُدَالُ عَلَيْهِ الأُخْرَى، قَالَ: فَمَاذَا يَأمُرُكُمْ؟ قَالَ: يَأْمُرُناَ أَنْ نَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاناَ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُناَ، وَيَأمُرُناَ بِالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَفَافِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، فَقَالَ لِتُرْجُمَانِهِ حِينَ قُلْتُ ذَلِكَ لَهُ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ ذُو نَسَبٍ؛ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ قُلْتُ: رَجُلٌ يَأتَمُّ بِقَوْلٍ قَدْ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنتمْ تتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا؛ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ
стр. 4116
يَكُنْ لِيَدَع الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا؛ فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ قُلْتُ: يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وَسَأْلتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ؛ وَهُمْ أتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أنهمْ يَزِيدُونَ؛ وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا؛ فَكَذَلِكَ الإيمَانُ حِينَ تَخْلِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ لَا يَسْخَطُهُ أَحَدٌ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا؛ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا يَغْدِرُونَ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ وَفَاتَلَكُمْ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ قَدْ فَعَلَ، وَأَنَّ حَرْبَكُمْ وَحَرْبَهُ تَكُونُ دُوَلًا، وَيُدَالُ عَلَيْكُمُ الْمَرَّةَ وَتُدَالُونَ عَلَيْهِ الأُخْرَى؛ وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، وَتَكُونُ لَهَا الْعَاقِبةُ، وَسَأَلْتُكَ: بِمَاذَا يَأمُرُكُمْ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ يَأمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ، وَالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ؛ فَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ النَّبِيِّ، فَدْ كنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَكِنْ لَمْ أَظُنَّ أنَّهُ مِنْكُمْ، وَإِنْ يَكُ مَا قُلْتَ حَقًّا فَيُوشِكُ أَنْ يَمْلِكَ مَوْضعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَلَوْ أَرْجُو أَنْ أَخْلُصَ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لُقِيَّهُ، وَلَوْ كنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ قَدَمَيْهِ. فَالَ أَبُو سُفْيَانَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُرِئَ، فَإِذَا فِيهِ: "بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيم الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ الإسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتكَ اللهُ
стр. 4117
أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ وَ ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا أَنْ قَضَى مَقَالَتَهُ عَلَتْ أَصْوَاتُ الَّذِينَ حَوْلَهُ مِنْ عُظَمَاءِ الرُّومِ، وَكَثُرَ لَغَطُهُمْ، فَلَا أَدْرِي مَاذَا قَالُوا، وَأُمِرَ بِنَا فأُخْرِجْنَا، فَلَمَّا أَنْ خَرَجْتُ مَعَ أَصْحَابِي وَخَلَوْتُ بِهِمْ قُلْتُ لَهُمْ: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، هَذَا مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ يَخَافُهُ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَاللهِ مَا زِلْتُ ذَلِيلًا مُسْتَيْقِنًا بِأَنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ، حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ قَلْبِي الإِسْلَامَ وَأَناَ كَارِهٌ".
(بابُ دعاءِ النبيِّ ﷺ الناسَ إلى الإسلام)
(قيصر)؛ أي: هِرَقْلُ.
(دحية) بفتحِ المهملة، وكسرِها.
(بُصْرَى) بضمِ الموحَّدَة، مقصورةٌ.
(إيليا) بيتُ المَقْدِس.
(مختومًا) قال السَّفَاقُسِيُّ: كان اتخاذُه الخَاتَمَ سَنَةَ سِتٍّ.
(أبلاه)؛ أي: أعطاه وأَنْعَمَ عليه، وسبق شرحُ الحديث مبسوطًا أولَ "الجامع".
* * *
стр. 4118
٢٩٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ الْقَعْنَبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ يَوْمَ خَيْبَرَ: "لأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ"، فَقَامُوا يَرْجُونَ لِذَلِكَ أَيُّهُمْ يُعْطَى، فَغَدَوْا وَكُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَى، فَقَالَ: "أَيْنَ عَلِيٌّ"؟ فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَمَرَ فَدُعِيَ لَهُ، فَبَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ، فَبَرَأَ مَكَانَهُ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ شَيْءٌ، فَقَالَ: نُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: "عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَوَاللهِ لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ).
الحديث الثاني:
(الراية)؛ أي: العَلَم.
(كلهم)؛ أي: كلُّ واحدٍ منهم.
(بصق) بالصادِ، والزاي، والسينِ.
(رِسلك) بكسرِ الراء، أي: بالاِتِّئَادِ والتَّمهُل.
(النعم) إذا أُطلق فهو الإبل، وحُمُرُها هي أعزُّها عندهم وأحسنُها؛ لأن الحمرةَ أشرفُ الألوان عندهم، أي: لأنْ يهدي اللهُ بك رجلًا خيرٌ لك أجرًا وثوابًا من أن يكون لك حُمر النعم تتصدق بها.
* * *
стр. 4119
٢٩٤٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا.
٢٩٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنسًا ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ يُغِرْ حَتَّى يُصْبحَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ، وإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ بَعْدَ مَا يُصْبحُ، فَنَزَلْنَا خَيْبَرَ لَيْلًا.
الثالثُ:
(لم يغرهم) من الإغارةِ.
* * *
٢٩٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إِلَى خَيْبَرَ فَجَاءَهَا لَيْلًا، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَا يُغِيرُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبحَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ، خَرَجَتْ يَهُودُ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللهِ، مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اللهُ أَكبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ".
الرابعُ:
(مساحيهم) جمعُ مِسْحَاة.
(ومكاتلهم) جمع مَكْتَل، وهو الزَّنْبيل الذي يَسَعُ خمسةَ عشرَ صاعًا.
стр. 4120
(والخميس)؛ أي: العَسْكر؛ لأنَّ له خمسةً: قلبًا، ومَيمنةً، ومَيسرةً، ومُقدِّمةً، وساقةً، سبق الحديث أوَّل (كتاب الأذان).
* * *
٢٩٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي نفسَهُ وَمَالَهُ، إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ". رَوَاهُ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الخامسُ:
(أُمرت)؟ أي: أمرَني الله بالمُقاتَلة حتى يقولوا كلمةَ الشهادة، وسُمِّيتْ بالجزء الأول منها كما يقال: قرأتُ يس، أي: السورةَ التي أوَّلُها يس، سبق في (الإيمان) في (بابِ: فإن تابوا).
* * *
١٠٣ - بابُ مَنْ أرَادَ غَزْوَةً فَوَرَّي بغَيْرِهَا، وَمَنْ أحَبَّ الْخُرُوجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ
(بابُ منْ أراد غزوةً، فَوَرَّى بغيرِها)
أي: سَتَرَها وكنَّى عنها، وأَوْهَمَ أنه يريد غيرَها؛ لِئَلَّا يَتَيَقَّظ
стр. 4121
الخصم فيستعدَّ للدفع، وأصلُه من وراءِ الإنسان؛ لأنَ مَن وَرَّى شيئًا كأنه جعلَه وراءَه، وقيده السِّيْرَافِيُّ في "شرح سِيْبَوَيْهِ": بالهمز من وَرَأَ بمعنى: ستر. قال: وأهل الحديث لم يَضْبِطوا الهمزَ فيه.
* * *
٢٩٤٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كعْبٍ ﵁، وَكَانَ قَائِدَ كعْبٍ مِنْ بَنِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا.
الحديثُ الأول:
(عبد الله) هو الذي كان يقودُه لَمَّا عَمِيَ من دون سائر بنيه.
(تخلف)؛ أي: عن غزوة تَبُوْك.
* * *
٢٩٤٨ - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَلَّمَا يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ،
стр. 4122
فَغَزَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا، وَاسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ، لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ.
الثاني:
(ومفازًا)؛ أي: البَرْيَّةُ التي بين المدينة والشام؛ سميت مفازة تفاؤلًا، وإلا فهي مَهْلَكَة.
(صرح)؛ أي: أَظْهَرَ.
(بوجهه)؛ أي: بجهتِه، وهي جهةُ ملوك الرُّوم.
قال الدَّرَاقُطْنِيُّ: هذا الإسنادُ مُرسَلٌ، ولم يلتفت إلى ما قال: سمعتُ كَعْبًا؛ لأنَّه عنده وَهْمٌ، وقال مُحَمَّد بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ: سمع الزُّهْرِيُّ من عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ، ومن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الله بنِ كَعْبٍ، ومن عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبٍ. قال: ولا أظنُّ أن عبدَ الرحمن سمع من جدِّه كعبٍ شيئًا، وإنما سمع من أبيه عَبْدِ الله.
قال (ك): لو كان بدلَ (ابنُ): (عَنْ) صَحَّ الاتصال؛ لأنَّ عبدَ الرحمنِ سمع من أبيه عبدِ اللهِ، وهو من كَعْبٍ، وكذا لو حَذف عبدَ الله من المتن.
* * *
стр. 4123
٢٩٤٩ - وَعَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ كعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ كَانَ يَقُولُ: لَقَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْرُجُ إِذَا خَرَجَ فِي سَفَرٍ إِلَّا يَوْمَ الْخَمِيسِ.
٢٩٥٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ.
الثالث: مفهومٌ من السِّيَاق.
* * *
١٠٤ - بابُ الْخُرُوجِ بَعْدَ الظهْرِ
(بابُ الخروجِ بعدَ الظُّهْرِ)
٢٩٥١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا.
(يصرخون) بفتح الراءِ، وضمها، أي: يلبُّون بالحج والعمرةِ كِليهما، قيل: قَصَدَ البُخَارِيُّ بهذا البابِ الرَّدَّ على مَن كَرِه ذلك عملًا
стр. 4124
بقول المُنجم، وقد اِسْتشكل هذا الحديث، فقيل: كان سفرُه ذلك يومَ السبت، فيبقى أربعٌ من ذِي القِعْدَة؛ لأنَّ الخميسَ كان أولَّ ذي الحِجَّةَ، وإن كان يومَ الخميس فالباقي ستٌّ، ولم يكن خروجُه يوم الجمعة؛ لقولِ أَنَسٍ: (صلَّى الظهرَ بالمدينة أربعًا)؛ وجوابُه: أن الخروجَ يومَ السبت، وقولُها: (لِخَمْسٍ بَقِيْنَ)؛ أي: في أذهانهم حالة الخروج بتقدير تمامِه، فاتُفق أنْ كان الشهرُ ناقصًا، فأخبرتْ بما كان في الأذهان يوم الخروج؛ لأنَّ الأصلَ التمامُ.
* * *
١٠٥ - بابُ الْخُرُوجِ آخِرَ الشَّهْرِ
وَقَالَ كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
(بابُ الخروجِ آخرَ الشهر)
(وقال كريب) موصولٌ في (الحج).
* * *
٢٩٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ
стр. 4125
عَنْهَا تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَلَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْناَ مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجهِ. قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: أَتَتْكَ وَاللهِ بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ.
(ولا نرى) بالضم، أي: لا نُظَنُّ.
(فدخل) مبني للمفعول.
(أتتك)؛ أي: عمرة، وسبق الحديثُ مِرارًا.
* * *
١٠٦ - بابُ الْخُرُوجِ فِي رَمَضَانَ
(بابُ الخروجِ في رَمَضَانَ)
٢٩٥٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ.
قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَني عُبَيْدُ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ.
стр. 4126
(الكَدِيد) بفتحِ الكافِ، وكسرِ المهملةِ، موضعٌ على نَحوِ مرحلتين من مكةَ، وسبق في: (باب: إذا صام أيامًا من رمضان)، وفي بعض النُّسَخِ: (قال أَبو عَبْدِ اللهِ: هذا قولُ الزُّهْرِيُّ) وإنما يؤخَذُ بالآخِر من فِعْلِ رسول الله ﷺ ، ولعلَّ مذهبَه أنَّ طَرْق السفر في رمضان لا يُبيح الإفطار؛ لأنه شهِدَ الشهر في أوله كَطُرُوِّه في أثناء اليوم، فقال البُخَارِيُّ: إنما يؤخَذ بالآخِرِ مِن فِعل رسول الله ﷺ ؛ لأنه ناسخٌ للأول، وقد أفطر عند الكَدِيد، ففيه أن الفِطْرَ في السفر أفضلُ، لأنه إنما يفعل في المُخَيَّر فيه الأفضلَ.
* * *
١٠٧ - باب التَّوْدِيعِ
٢٩٥٤ - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ ، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَعْثٍ، وَقَالَ لَنَا: "إِنْ لَقِيتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا -لِرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُمَا- فَحَرِّقُوهُمَا بِالنَّارِ"، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْنَاهُ نُوَدِّعُهُ حِينَ أَرَدْناَ الْخُرُوجَ فَقَالَ: "إِنِّي كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا بَالنَّارِ، وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللهُ، فَإِنْ أَخَذْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا".
стр. 4127
(بابُ التَّوْدِيعِ)
(قال ابن وهب) وصلَه النَّسَائِيُّ، والإِسْمَاعِيْلِيُّ.
(في بعث)؛ أي: في جيشٍ
(فلانًا وفلانًا) هما: هَبَّارُ -بتشديدِ الموحدة، وآخرُه راءٌ- ابنُ الأَسْوَدِ، ونافِعُ بنُ عَبْدِ عَمْرو، أخرجه ابنُ بَشْكَوَالَ من طريق ابنِ لَهِيْعَةَ عن بَكرٍ، ووقع في "السيرة" لابن هِشَامِ: هَبَّار، وخالدُ بنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وكذا هو في "مسند البَزَّار"، وفي "كتاب الصحابة" لابن السَّكَن: هَبَّار، ونافع بن قيَس.
* * *
١٠٨ - بابُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلإِمَامِ
٢٩٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، قَال: حَدَّثَنِي ناَفِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ حَقٌّ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ".
(بابُ السَّمعِ والطاعة للإمام)؛ أي: إجابةُ قول الأُمراء وطاعة
стр. 4128
أوامرهم واجبٌ إلا في معصية الله، فلا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق، كما هو صريحُ الحديث.
* * *
١٠٩ - بابٌ يُقَاتلُ مِنْ وَرَاءِ الإِمَامِ، ويُتَّقَى بهِ
(بابٌ: يقاتل مِن وراء الإمام)
٢٩٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ: أَنَّ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ: أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ".
٢٩٥٧ - وَبِهَذَا الإِسْنَادِ: "مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ الله، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ".
(الآخرون)؛ أي: في الدنيا.
(السابقون)؛ أي: في الآخرةِ، مرَّ في (الوضوء) في (باب البولِ في الماء الدَّائم)، ففيه: أن من عصى الأميرَ فقد عصى رسول الله ﷺ ، ومن عصاه فقد عصى الله، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣]، فهذه الطاعةُ متلازِمَةٌ.
стр. 4129
(جُنة) بضم الجيم، أي: كالتُّرس يقاتل مِن ورائِه، أي: يقاتل معه الكفارَ والبغاةَ، ويُنصَر عليهم، ويُتَّقَى به شَرُّ العدوِّ، وأهلِ الفسادِ والظلمِ، فإنه الذي يمنع الأعداءَ من الإيذاء، ويحمي بَيْضَةَ الإسلام، ويَتَّقي منه الناسُ، ويخافون سَطْوَتَه.
وأيضًا: المتأخِّر صورةً قد يكونُ مُتَقَدِّمًا معنىً.
(من ورائه) ظاهرُه بمعنى خَلْف، لكنها قد استُعمِلَت بمعنى أمام، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف:٧٩]، وعليها حَمَل المُهَلَّبُ الحديثَ.
(وإن قال لغيره)؛ أي: حَكَمَ، قيل: إنه مشتقٌ من القِيْلِ -بفتحِ القافِ، وسكونِ التَّحْتَانِيَّة- وهو الْمَلِكُ الذي ينفذ قولُه وحكُمه.
(فإن عليه منة)؛ أي: الوَبَالُ الحاصِلُ منه عليه، لا على المَأمورِ، ويحتمل أن يُرادَ: أنَّ بعضَه عليه، وجاء في بعض طرقه: (فإن عليه وزر)، أو كأنه حُذِفَ من الرواية المشهورة لدلالة ما قبلَه عليه، ويحكى: أنَّ الحَسَنَ والشَّعْبِيَّ حَضَرا مجلسَ عَمْرِو بْنِ هُبَيْرَةَ، فقال لهما: إن أميرَ المؤمنين يَكتب إليَّ في أمورٍ فما تَرَيَان؟ فقال الشَّعْبِيُّ: أَصْلَحَ اللهُ الأميرَ، أنتَ مَأمورٌ، والتَّبِعَةُ على آمِرِكَ، وقال الحَسَنُ: إذا خرجتَ من سعَةَ قَصْرِكَ إلى ضيقِ قبرِكَ فإنَّ اللهَ تعالى يُنجيْكَ من الآمِر، وإنَّه لا يُنجيك من الله تعالى.
* * *
стр. 4130
١١٠ - بابُ الْبَيْعَةِ فِي الْحَرْبِ أنْ لَا يَفِرُّوا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَى الْمَوْتِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تعالَى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾
(بابُ البيعةِ في الحَربِ أنْ لا يَفِرُّوا)
٢٩٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: رَجَعْنَا مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ، فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا، كَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللهِ. فَسَأَلْتُ ناَفِعًا: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعَهُمْ، عَلَى الْمَوْتِ؟ قَالَ: لَا، بَايَعَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ.
الحديثُ الأول:
(من العام المقبل)؛ أي: العامُ الذي بعدَ صُلْح الحُدَيبية.
(فما اجتمع)؛ أي: ما وافق منا رجلانِ على شجرةٍ أنها هي، وخَفِيَ علينا مكانُها، فقيل: إنها اشتبهتْ عليهم، وقيل: اجْتَحَفَهَا السيلُ، وكانت الشجرةُ مَوضعَ رحمةِ اللهِ ومَحَلَّ رِضوانِه، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.
قال (ن): سببُ خَفائها أن لا يفْتَتِنَ الناسُ بها لِمَا جرى تحتها من الخير، ونزولِ الرضوانِ والسكينةِ وغيرِ ذلك؛ فلو بقيت ظاهرةً معلومةً؛ لَخِيْفَ تعظيمُ الأعراب والجُهَّال إياها وعبادتُهم لها، فكان خفاؤها رحمة من الله تعالى.
стр. 4131
(على الموت؟)؛ أي: أَعَلَى الموتِ؟ فحُذفت همزة الاستفهام.
* * *
٢٩٥٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدٍ ﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ زَمَنَ الْحَرَّةِ أتاهُ آتٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ابْنَ حَنْظَلَةَ يُبَايعُ النَّاسَ عَلَى الْمَوْتِ، فَقَالَ: لَا أُبَايعُ عَلَى هَذَا أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
الحديث الثاني:
(الحَرَّة) بفتح المهملةِ، وشدَّةِ الراءِ، أي: زمان الوَقْعَة التي وقعت في حَرَّةِ المدينة بين يَزِيْدَ بنِ مُعَاوِيَةَ وأهلِها.
(ابن حنظلة) ابن الغَسِيْلِ، واسمُه عَبْدُ الله، كان يأخذ البيعةَ ليزيدَ، كذا قال (ك) (١) ؛ وصوابُه: يأخذ البيعةَ لأهل المدينة على يَزِيْدَ، كما قال ابنُ عَبْدِ البرِّ وابنُ الأَثِيْرِ وغيرُهما.
قال ابن عَبْدِ البرِّ: بايعتْهُ الأنصارُ يومئذٍ، وبايعت قريشُ عبدَ الله ابنَ مُطِيْعٍ، انتهى.
وقد يُجابُ: بأنَّ مُرادَ (ك): يأخذ البيعةَ لأجل يَزِيدَ عليه لا له، أو المرادُ به نفسُ يَزِيْدَ؛ لأن جدَّه أبا سُفْيَانَ كان يُكنى أيضًا بأبي حَنْظَلَةَ، لكنْ على هذا التقديرِ يكون لفظُ الأب محذوفًا بين الابن وحَنْظَلَةَ الحواشي
(١) "ك" ليس في الأصل.стр. 4132
تخفيفًا، كما أنه محذوفٌ معنى؛ لأنه نسبةٌ إلى الجَدِّ، أو جَعَلَه منسوبًا إلى العمِّ استخفافًا واستهجانًا واستبشاعًا لهذه الكلمة المُرَّة.
* * *
٢٩٦٠ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ ﵁، قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ثُمَّ عَدَلْتُ إِلَى ظِلِّ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا خَفَّ النَّاسُ قَالَ: "يَا ابْنَ الأَكْوَعِ! أَلَا تُبَايعُ"؟ قَالَ: قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "وَأَيْضًا"، فَبَايَعْتُهُ الثَّانِيَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ! عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تُبَايِعُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: عَلَى الْمَوْتِ.
الحديث الثالث: هو من ثُلاثياتِ البُخَارِيِّ.
* * *
٢٩٦١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنسًا ﵁، يَقُولُ: كَانَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ تَقُولُ:
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدًا ... عَلَى الْجهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدًا
فَأَجَابَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَهْ، فَأَكْرِمِ الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ".
الحديث الرابع:
(نحن الذين) في بعضِها: (الذي) على حَدِّ قوله تعالى:
стр. 4133
﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]، ومرَّ الحديث قريبًا.
* * *
٢٩٦٢ - و ٢٩٦٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ مُجَاشِعٍ ﵁، قَالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَناَ وَأَخِي، فَقُلْتُ: بَايِعْنَا عَلَى الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: "مَضَتِ الْهِجْرَةُ لأَهْلِهَا"، فَقُلْتُ: عَلَامَ تُبَايِعُنَا؟ قَالَ: "عَلَى الإسْلَامِ وَالْجهَادِ".
الخامس:
(مضت الهجرة)؛ أي: حُكْمُها بعد الفتح، ولكنْ جهادٌ ونيَّةٌ.
* * *
стр. 4134
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح
تأليف
الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي
(المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد التاسع]
стр. 4135
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
следующие страницы →