الْيَرْبُوعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النَّضْرِ: كُنْتُ كَاتِبًا لِعُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، فَأَتَاهُ كِتابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ".
٣٠٢٥ - مَولَى عُمَرَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ كنتُ كاتِبًا لَه قال كَتَب إِليه عَبدُ اللهِ ابنُ أَبي أَوفَى حِينَ خَرَجَ إلى الحَرُورِيَّةِ فَقَرَأْتُهُ فإذا فيه: إِنَّ رسولَ الله ﷺ في بعض أَيَّامِهِ الَّتي لَقِيَ فيها العَدُوَّ انْتَظَرَ حتَّى مالَتِ الشمسُ ثُم قامَ في الناسِ فقال: "أيُّها الناسُ لا تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ وسَلُوا اللهَ العافيةَ، فَإِذا لَقيتُمُوهُمْ فاصْبِرُوا، واعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ" ثم قال: "اللهمَّ مُنْزِلَ الكِتابِ ومُجْرِيَ السَّحابِ وهازمَ الأحْزاب اهْزِمْهُم وانْصُرْنا عَلَيْهمْ"، وقال موسى بنُ عُقْبةَ: حدَّثني سالمٌ أَبو النَّضْر، وساقَ الحديثَ إلى آخِر الباب.
٣٠٢٦ - وَقَالَ أَبُو عَامِرٍ: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، فَإذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا".
(اليَرْبُوعي) بفتح التَّحتانية.
(الفَزاري) بفتح الفاء.
(الحَرورية) بفتح المُهملَة.
(لا تتمنوا) نهيٌ عن تمنِّي اللِّقاء؛ لمَا فيه من الإعْجاب والاتِّكال على القُوَّة، أو ذلك فيما إذا شكَّ في المصلحة، وإلا فالقِتال فَضيلةٌ، وطاعةٌ.
стр. 4202
١٥٧ - بابٌ الْحَرْبُ خَدْعَةٌ
(باب: الحَرْبُ خَدْعةٌ)
مثلَّث الخاء، بالفتح والكسر مع إسكان، أو الضم مع فتحها، يعني: أنها تَخدع الرِّجال، أي: تُمنِّي لهم الظَّفَر، ولا تَفي لهم به كالضُّحكة إذا كان يُضحِك بالنَّاس، وأفصحها فتح الخاء، وإسكان الدَّال، أي: أنها ينقَضي أمرُها بخَدْعةٍ واحدةٍ.
قال في "الفَصِيْح": وذُكر لي أنها لغة النبيِّ ﷺ ، وذكر بعض أهل السِّيَر: أنَّ النبيَّ ﷺ قال ذلك يومَ الأحزاب لمَّا بعَث نُعَيم بن مَسعُود أنْ يُخَذِّلَ بين قُريش وغَطَفَان ويَهُود.
ومعناه أنَّ المُماكَرة في الحرْب أنفَعُ من المُكابَرة؛ فالخِداع في الحرب مباحٌ وإنْ كان محظورًا في غيرها.
٣٠٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "هَلَكَ كِسْرَى، ثُمَّ لَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَقَيْصَرٌ لَيَهْلِكَنَّ، ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرٌ بَعْدَهُ، وَلتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهَا فِي سَبِيلِ اللهِ".
٣٠٢٨ - وَسَمَّى الْحَرْبَ خُدْعَةً.
الحديث الأول:
(كسرى) بفتح الكاف وكسرها: لقَبُ مَلِك الفُرس.
стр. 4203
(قيصر) لقَبُ مَلِك الرُّوم غير منصرِفِ، قيل: المراد: لا يكون كِسْرى بالعِراق ولا قَيصَرَ بالشَّام، والأصحُّ العُموم؛ إذ زال مُلكهما بالكليَّة، وافتتَح المسلمون بلادَهما، واستقرَّتْ لهم، واقتسَمُوا كنوزهما في سبيل الله.
وهذه مُعجزاتٌ ظاهرةٌ لرسول الله ﷺ : (إذا هلك)؛ لأنَّ كسرى الذي في زَمانه كان قد هلَك، وقال في قَيْصَر: (ليَهلكنَّ)؛ لأنه كان حيًّا حينئذ، وغيرُهما -وإنْ جاء بعدَهما- لكنْ لم يقُم لهم النَّامُوس على الوجْه الذي يُقام به لهما.
* * *
٣٠٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَصْرَمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، قَالَ: سَمَّى النَّبِيُّ ﷺ الْحَرْبَ خُدْعَةً.
٣٠٣٠ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْحَرْبُ خُدْعَةٌ".
الحديث الثاني، والثالث:
سبَق أوَّلَ الباب شرحُه، وبيانُ حكم الخَديعة.
* * *
стр. 4204
١٥٨ - بابُ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ
(باب الكَذِب في الحَرْب)
٣٠٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ، فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ"؟ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ هَذَا -يَعْنِي: النَّبِيَّ ﷺ قَدْ عَنَّاناَ وَسَألَنَا الصَّدَقَةَ، قَالَ: وَأَيْضًا وَاللهِ، قَالَ: فَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ فَنَكْرَهُ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى مَا يَصِيرُ أَمْرُهُ، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهُ حَتَّى اسْتَمْكَنَ مِنْهُ فَقَتَلَهُ.
(لكعب) خبرُ (مَن)، أي: مَنْ يقتُله؟، وهو القُرَظيُّ المُسمَّى بطاغُوت اليَهود، وكان يَهجُو النبيَّ ﷺ ويُؤذيه.
(عنَّانا)؛ أي: أتعبَنا، وهذا من التَّعريض الجائز بل المُستحسَن؛ لأنَّ معناه في الباطِن: أدَّبنا بآداب الشَّريعة التي فيها تعَبٌ، لكنْ في مَرضاة اللهِ تعالى، والذي فهم المخاطب هو العناء الذي ليس بمحبوب.
(لتملنّه)؟ أي: يَزيد ملالُكم عنه، وتتضجَّرون أزيدَ من ذلك.
وليس ذلك غَدرًا مع كونه مستأْمِنًا؛ لأنَّه قد نقَض العهد بإيذائه
стр. 4205
رسولَ اللهِ ﷺ ، وهجائه، وإعانته المُشركين على حَرْبه، وأما قَول ابن سلَمَة له ما قال؛ فليس فيه تصريحٌ بتأْمينٍ، إنما هو كلامٌ في البَيع والشِّراء، والشِّكاية إليه والاستِئْناس حتى يُمَكَّن من قَتْله.
* * *
١٥٩ - بابُ الْفَتْكِ بأَهْلِ الْحَرْبِ
(باب الفَتْك بأهْلِ الحَرْب) بفتح الفاء: الغَدْر.
٣٠٣٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ"؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: فَأْذَنْ لِي فَأَقُولَ، قَالَ: "قَدْ فَعَلْتُ".
(فأقول)؛ أي: عنِّي وعنْك ما رأيتُه مصلحةً من التَّعريض وغيرِه ما لم يحقِّقْ باطِلًا ولم يُبطل حقًّا.
* * *
١٦٠ - بابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الاِحْتِيَالِ، وَالْحَذَرِ مَعَ مَنْ يَخْشَى مَعَرَّتَهُ
٣٠٣٣ - قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ
стр. 4206
ابْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قِبَلَ ابْنِ صَيَّادٍ، فَحُدِّثَ بِهِ فِي نَخْلٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ النَّخْلَ طَفِقَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ، وَابْنُ صَيَّادٍ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا رَمْرَمَةٌ، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا صَافِ! هَذَا مُحَمَّد، فَوَثَبَ ابْنُ صَيَّادٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ".
(باب ما يَجُوز من الاحتِيَال)
(مَعَرّته) بفتْح الميم، والمهملة، وشدَّة الرَّاء، أي: شَرَّه [و] ما يُكره منه من فَساده.
(قِبَل) بكسر القاف، وفتح الموحَّدة.
(في نخل) حالٌ من الضَّمير المَجرور.
(قطيفة) هي كِسَاء مخمَل.
(رمرمة) براء مكرَّرة: صَوتٌ، وفي بعضها بزاءَين.
(أم ابن صياد) في بعضها بدون لفظ: (ابن)، حُذِف للعِلْم به بالقرينة، أو بشُهرته ونحوه.
(صَاف) بضم الفاء وكسرها: اسْمُه.
(بيَّن) أي: لو تركَتْهُ بحيث لا يَعلَم قُدومَ النبي ﷺ ولم يَندَهِش
стр. 4207
عنه بيَّن لكم باختلاف كلامه ما يهون عليكم أمره.
وسبق بيانُ الحديث مبسوطًا في (الجنائز)، في (باب: إذا أسلَم الصَّبيُّ).
* * *
١٦١ - بابُ الرَّجَزِ فِي الْحَرْبِ، وَرَفْعِ الصَّوْتِ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ
فِيهِ سَهْلٌ، وَأَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَفِيهِ يَزِيدُ، عَنْ سَلَمَةَ.
(باب الرَّجَز في الحَرْب)
(فيه سهل وأنس) مَوصولان في (المغازي)، في (قصة الخنْدق).
(وفيه يزيد)؛ أي: ابن أبي عُبَيد، موصولٌ في (المغازي)، وفي (الدَّعَوات)، وغير ذلك.
* * *
٣٠٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ ﵁، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حَتَّى وَارَى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ، وَكَانَ رَجُلًا كثِيرَ الشَّعَرِ، وَهْوَ يَرْتَجزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللهِ:
стр. 4208
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وَثَبتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
إِنَّ الأعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ.
(بغوا) من البَغْي، وهي الاستِطالة والظُّلْم.
(أبينا) من الإِبَاء، سبَق بيانُ ذلك، وأنَّ الرَّجَز شِعْرٌ أو لا؟، وكيف صدَر من النبيِّ ﷺ في (باب: من يُنكَب في سبيل الله).
* * *
١٦٢ - بابُ مَنْ لَا يَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ
(باب مَن لا يَثبُت على الخَيل)
٣٠٣٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ ﵁، قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي.
٣٠٣٦ - وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا".
(ما حجبني)؛ أي: ما منَعني مما التمستُ منه، أو من دُخول
قَالَ: "قُولُوا: اللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ"، قَالَ: إِنَّ لَنَا الْعُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلَا تُجيبُوا لَهُ"؟ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللهُ مَوْلَاناَ وَلَا مَوْلَى لَكُمْ".
الثاني:
(الرَّجَّالة) بتَشديد الجيم: جمع راجِل، خِلاف الفارِس.
(يَخْطفنا) بإسْكان المُعجَمة، وتخفيف الطَّاء، وهو مثَل يُريد به الهزيمة، أي: إنْ رأَيتُمونا انهزمْنا؛ فلا تُفارقوا مكانكَم.
(أوطأناهم)؛ أي: مشَيْنا عليهم وهم قتلى بالأرض، والهمزة للتَّعريض، أي: جعلْناهم في مَعرِض الدَّوْس بالقَدَم.
(النساء) نساء المُشركين.
(يُسْنِدن) بالسِّين المهملة، والنُّون، أي: يمشِينَ في سنَد الجبَل يُرِدْنَ أن يَرقَيْنَ الجبَل، وفي رواية أبي ذَرٍّ: (يَشتَدِدْن) بالمعجمة، أي: يَجرينَ.
قال (ك): يَشتَدِدْن، أي: على الكفَّار، يُقال: شدَّ عليه في الحرب، أي: حَمل عليه.
(بدت)؛ أي: ظهَرتْ.
(أسوقهن) جمع: ساق، وضُبِط بهمز الواو على معنى أنَّ الواو إذا انضمَّتْ جاز همزُها.
وفيه جَواز النَّظَر إلى أَسْوُق المُشرِكات ليُعلم حال القَوم لا لشَهوةٍ.
стр. 4213
(الغنيمة) نصبٌ على الإغراء.
(أي قومي) مُنادَى، أي: يا قَومي.
(ظهر)؛ أي: غلَب، وإنما صُرِفت أهويتُهم لعصْيانهم قولَ النبيِّ ﷺ :
(إذ يدعوهم الرسول في أخراهم)؛ أي: في جماعتهم المؤخَّرة، فكأنَّ الرَّسول ﷺ يقول: إليَّ يا عبادَ اللهِ، إليَّ يا عبادَ اللهِ، أنا رسول اللهِ، مَن يَكرُّ فله الجنَّة.
(أَبو سُفيان)؛ أي: صَخْر بن حَرْب؛ لأنه كان يومئذٍ رئيس الكفَّار وأمير عسكرهم.
(فما ملك عمر نفسه) إلى آخره، إنما قال ذلك مع نهي النبيِّ ﷺ ؛ لأنه أنكَر قَول الباطِل ولم يُرِد العِصْيان.
(سِجال) جمع: سَجْل، وهو الدَّلْو، شُبِّه المُتحارِبان بالمُسْتَقِيَيْن، يَستقي هذا دَلْوًا وهذا دَلْوًا، قال الشَّاعر في نحو ذلك:
فيَومٌ عَلَيْنا وَيومٌ لَنَا ... وَيومٌ نُسَاءُ ويَومٌ نُسَرُّ
(مُثْلةً) بضم الميم، وسُكون المثلَّثة: اسمُ منْ مُثِّل به، أي: فُتِكَ به، ومثَّلَه، أي: أجذَعَه، وبفتح الميم، وضم المثلَّثة: العُقوبة؛ لأنهم جذَعوا أنُوفهم وشقُّوا بُطونهم.
(هُبَل) بضم الهاء، وفتح الموحَّدة: صنَمٌ كان في الكَعبة.
(ألا تجيبونه) في بعضها بحذف النُّون، وهو لغةٌ فصيحةٌ.
إِنَّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ، وَإِنِّي أَعْجَلْتُهُمْ أَنْ يَشْرَبُوا سِقْيَهُمْ، فَابْعَثْ فِي إِثْرِهِمْ، فَقَالَ: "يَا ابْنَ الأَكْوَعِ! مَلَكْتَ فَأَسْحِجْ، إِنَّ الْقَوْمَ يُقْرَوْنَ فِي قَوْمِهِمْ".
(الغابة) بالمعجمة، وخفَّة الموحَّدة: الأجَمَة موضعٌ بالحِجاز.
(لِقَاح) بكسر اللام: الإبِل، الواحِدة: لقُوح، وقال (خ): لِقْحَة، وهي الحَلُوب.
(غَطَفَان) بفتح المعجمة، والمهملَة بعدها، والفاء.
(وفَزارة) بفتح الفاء، وتخفيف الزَّاي، وبعد الألف راءٌ: قَبيلتان.
(لابتيها)؛ أي: الحَرَّتان.
(اندفعت)؛ أي: أسرَعتْ في السَّيْر.
(الرضع) جمع: راضع، ومُراده يومَ هلاكِ اللِّئام، مِن قولهم: لَئيمٌ راضعٌ، وهو الذي رضع اللُّؤمَ من ثَدي أُمِّه.
وقيل: لعلَّهم الذي يَرضعون بأنفُسهم اللَّبَن من الشَّاة من غير حَلْبٍ من اللُّؤم، أو لأنهم يرضعون بالشَّخْلة من غير أن تُحلب أُمُّها؛ لئلا يسمَع الطَّارِق الصَّوتَ.
وقيل: معناه: اليوم يعرف من رضع كريمةً فأنجبتْه، أو لئيمةً فهجنتْه، أو اليوم يعرف من أرضعتْه الحرب مِن صِغَره وتَدَرَّب بها من غيره.
قال السُّهَيْلي: (اليومُ يومُ) بالرفع فيهما، وبنصب الأول، ورفع
стр. 4217
الثَّاني حكى سِيْبَوَيْهِ: اليومَ يومُك على أن تجعل اليوم ظَرفًا في موضعِ خبرٍ للثَّاني، لا لأنَّ ظُروف الزَّمان يخبَر بها عن زمانٍ مثلِها إذا كان الظَّرف متسِعًا ولا يَضيق عن الثاني.
قال الجَوْهَري: زعَموا أنَّ رجُلًا كان يرضَع غنَمه ولا يَحلبها لئلا يُسمَع صوتُ حلْبه منه، ثم قالوا: رُضع الشَّيءُ بالضَّم، كأنه كالشَّيء يطبع عليه.
(خذها)؛ أي: الرَّمية، وهي كلمةٌ تُقال عند التَّمدُّح.
(أعجلتهم)؛ أي: عجلتهم.
(سِقيهم) بكسر السين: الحظُّ مِن الشُّرب.
(أن يشربوا) مفعولٌ له، أي: كَراهةَ شُربهم.
(ملكت) مشتقٌّ من المِلْكة، وهي أن يَغلِب عليهم فيَستعبدَهم وهم في الأصل أحرارٌ.
(فأسجح) بمهملةٍ، ثم جيمٍ، ثم مهملةٍ: حُسْنُ العَفْو، أي: اِرفِقْ ولا تأْخُذ بالشِّدَّة، هذا من أمثال العرَب.
(يُقْرَون)؛ أي: يُضَافُون، والغرَض أنَّهم وصَلوا إلى غَطَفَان وهم يُضيِّفونهم ويُساعدونهم، فلا فائدةَ في الحالِ في التَّعَب في الأثَر؛ لأنهم لَحِقُوا بأصحابهم.
ويحتمل أن يُشتقَّ من القَرْيِ بمعنى الاتَّباع.
قال (ن): وفيه معجزةٌ حيث أخبر ﷺ بأنهم يُقْرَون في
(الملِك) بكسر اللام: هو اللهُ تعالى، وفي بعض الرّوايات: (بحُكم الله).
قال (ع): ضبَطه بعضُهم في البُخَارِيّ بالكسْر، وبالفتْح على إرادة جبريل، أي: بالحُكم الذي جاء به عن الله تعالى.
فيه جَواز التَّحكيم في أُمور المسلمين، وإكرامُ أهل الفَضْل والقِيام لهم، وليس هذا من القِيام المنهيِّ عنه، وإنما ذلك فيما يقومُون عليه وهو جالسٌ، ويمثُلون قِيَامًا طُولَ جُلوسه.
* * *
١٦٩ - بابُ قَتْلِ الأَسِيرِ، وَقَتْلِ الصَّبْرِ
(باب قَتْل الأَسيْر)
٣٠٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَامَ الْفَتْح وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ: "اقْتُلُوهُ".
(المِغْفر) هو زَرَدٌ يُنسَج من الدُّروع على قَدْر الرأْس، يُلبَس تحت القَلَنْسوة.
فيه أنَّه دخَل يوم الفتْح غير مُحرمٍ، وفيه جواز القتْل في الحرَم
стр. 4221
قِصاصًا، أو حدًّا، وإنما قتلَه لأنَّه ارتدَّ عن الإسلام، وقتَل مسلِمًا كان يخدمُه، وكان يَهجُو رسول الله ﷺ ، وكانت له قَيْنتان تُغنِّيان بهجاء المسلمين، وهذا مستثنًى من عُموم حديث: "مَنْ دخَلَ المَسجِدَ فهُو آمِنٌ"، أو أنَّه لم يَفِ بالشَّرط، لأنَّه قاتَلَ بعد ذلك.
* * *
١٧٠ - بابٌ هَلْ يَسْتأْسِرُ الرَّجُلُ؟ وَمَنْ لَمْ يَسْتَأْسِرْ، وَمَنْ رَكَعَ رَكَعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ
(باب: هل يَسْتأسِرُ الرَّجُل؟)
أي: هل يصير الرَّجل باختِياره أسيرًا لغيره، يُقال: استَأْسِرْ، أي: كُنْ أسيرًا لي.
٣٠٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَني عَمْرُو بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِي -وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ-: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنًا، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِم بْنِ عُمَرَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَأَةِ -وَهْوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَمَكَّةَ- ذُكِرُوا لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو لِحْيَانَ، فَنَفَرُوا لَهُمْ قَرِيبًا مِنْ مِائتَيْ رَجُلٍ، كُلُّهُمْ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكلَهُمْ تَمْرًا تَزَوَّدُوهُ مِنَ الْمَدِينَةِ، فقَالُوا: هَذَا تَمْرُ يثْرِبَ،
(جد عاصم) قال مُصعَب الزُّبَيري، وغيرُه: إنما هو خالُ عاصمٍ لا جَدُّه؛ لأنَّ عاصم بن عُمر، أُمُّه جَميلة بنت ثابِت بن الأقْلَح أُخت عاصِم بن ثابِت، وكان اسمُها عاصِيَة فسمَّاها النبيُّ ﷺ : جَميلة.
ومنْهم من يجعلُها بنت عاصِم بن ثابِت فيصحُّ أنَّه جَدُّه، لكنَّ الصَّحيح ما سبَق، وهو أنها أُخت عاصِم بن ثابِت لابنتِه.
(بالهَدَأة) بفتْح الهاء، وسُكون المهملة، وفتح الهمزة، ويُروى: (بالهَدَة)، بلا همزٍ مع تخفيف الدَّال، ومنهم من يُشدِّدها.
(وهي بين عُسْفَان) بضم المهملة الأُولى، وسُكون الثَّانية على مَرحلتَين من مكَّة.
(ومكة) كذا ذكَره البَكْري، وقال أبو حاتِم: يُقال لموضعٍ بين مكَّة والطَّائف، ويُنسَب إليها هَدَويٌّ.
(لِحْيان) بكسر اللام، وإسكان المهملة، وبياءٍ، ثم نون.
قال السَّفاقُسيُّ: هي بالفتْح، ولكنْ في اللُّغة بالكسر.
(فاقتصوا)؛ أي: اتَّبعُوا.
(مأكلهم)؛ أي: مكان مأْكلهم، وليس بمبهمٍ، فهو منصوبٌ بتقدير الجار، وذلك جائزٌ نحو: رمَيْتُ مَرْمَى زيد.
(يَثْرِب) اسم مدينةِ رسول الله ﷺ ، غير منصرِفٍ.
(فَدْفَد) هو الرَّابية المُشرِفة، وقيل: الأرض المُستَوية.
(ذمة)؛ أي: عَهْد.
стр. 4225
(بالنبل) هي السِّهام العربيَّة.
(في سبعة)؛ أي: في جُملةِ سبعةٍ.
(خُبَيْب) بضمِّ المعجمة، وفتْح الموحَّدة الأُولى، وسُكون الياء بينهما.
(ابن الدثنة) بفتْح المهملة، وكسر المثلَّثة أو سُكونها، ونونٍ خفيفةٍ، وقد تُشدَّد، اسمه: زَيْد، اشتَراه صَفْوان بن أُميَّة منهم، وقتلَه بمكة.
(ورجل آخر) هو عبد الله بن طارِق؛ قالَه ابن هشام في "السِّيرة"، وهو الذي قال: هذا أوَّل الغَدْر، فقتَلوه، وهذه القِصَّة كانت في سنة ثلاث من الهجرة.
(أطلقوا)؛ أي: حلوا.
(بنو سروعة) هم: عُقْبة، وأبو سَرُوعة، وأخوهما لأُمهما حُجَيْر ابن أبي إِهاب.
(بعد وقعة بدر) متعلِّقٌ بقوله: (بعث)؛ إذ الكُلُّ كان بعدها لا البيع فقط.
(هو قتل الحارث) هذا عند الأكثَر، وقيل: لم يكُن خُبَيْب قاتلَه كما قيل: إنَّ المُعترِضين للسَّريَّة لم يكونُوا من بني لِحْيَان؛ ولكنَّ الصَّحيح ما قالَه البُخَارِيّ.
(أخبرنِي)؛ أي: قال الزُّهْرِي.
стр. 4226
(عُبيد الله بن عِياض) بكسر المهملة، وخفَّة الياء، وبمعجمةٍ.
(أن بنت الحارث)؛ أي: أُم عبد الله.
(اجتمعوا)؛ أي: على قَتْله.
(موسى) يُصرَف؛ لأنَّه مَفعَل، أو يُمنَع على أنَّه فُعْلَى، خِلافٌ في التَّصريف.
(يستحد) هو حلْق شَعْر العَانَةِ.
(مُجلِسه) اسم فاعِل، مِن الإجْلاس.
(قِطْف) بكسر القاف، أي: عُنْقود.
(جزع) هو نقيض الصَّبر، وجوابُ (لولا) محذوفٌ، أي: لزِدْتُ على ركعتَين، أو نحو ذلك؛ نعَمْ، رواه ابن السَّكَن: (لأَطلْتُهما).
قال (ع): الوجْه: جَزَعًا مفعولٌ ثانٍ ليَظنُّوا، و (ما) في المفعول الأوَّل بمعنى: الذي، أي: تظنُّوا الذي أفعلُه من الإطالة فيهما جزَعًا منِّي مِن الموت، فإنْ صحَّتْ رواية: (جَزَع) بالرَّفع، فـ (ما) نافيةٌ.
(أحصهم)؛ أيْ عُمَّهم بالهلاك، أي: فلا تُبقِ منهم أحدًا.
(بَددًا) بفتح الموحَّدة، وتكرير المهملة: وهو التَّفرُّق، وإنما أخرجُوه من الحرَم إجلالًا للحرَم.
(ولست أُبالي) في بعضها: (ما أُبالي)، كأنه سقَط منه لفظَةُ: (أنا)، أي: لست أكتَرثُ بما جاءَني.
(مصرعي) هو موضع سُقوط الميِّت.
стр. 4227
(في ذات)؛ أي: في الله كما يُعبَّر عن زيدٍ بذاته، ونفْسه.
والمراد: إنِّي أُقتَل في وجْه الله، وطلَب ثوابه.
وفيه إطلاق ذات على الله ، ومنعَه الأكثرون؛ لأن التاء للتأْنيث، ويُجاب بأنه قد ورَد فلا تكون التاء للتَّأْنيث.
(أوصال) جمع وَصْلٍ، وهو العُضْو.
(شِلْوٍ) بكسر المُعجَمة، وسُكون اللام: وهو بقيَّة الجِسْم.
(مُمَزَّع) بفتح الزاي المشدَّدة، وبالمهملة، أي: مُقطَّع، والمُزْعَة: القِطْعة.
(ابن الحارث)؛ أي: عُقْبة قتلَه بالتَّنعيم، وصلَبه هناك.
(صَبْرًا)؛ أي: مَحبوسًا للقَتْل.
(استجاب)؛ أي: أجاب دُعاءه بخبر النَّبِيّ ﷺ .
(ومما أُصيبوا)؛ أي: ما جَرى عليهم، وذلك من معجزاته ﷺ .
(بشيء منه)؛ أي: يُعرَف به نحو الرَّأْس.
(الظُّلة) بضم الظاء المعجَمة، أي: السَّحابة المُظِلَّة القَريبة من الرأْس كأنها تُظلُّه.
(الدَّبْر) بفتح المهملة، وسُكون الموحَّده: ذُكور النَّحل، وهو الزَّنابير الكبيرة، يُقال في المثَل: لسَعتْني دُبَيرةٌ بأُبَيْرة.
(فَحَمَتهُ)؛ أي: عصَمتْه، ولهذا سُمي عاصِم بِحَمِيِّ الدَّبْر، فاعِل بمعنى مَفعولٍ، قيل: لمَّا عجَزوا قالوا: إنَّ الدَّبْر تذهب باللَّيل، فلمَّا جاء اللَّيل: أرسَل الله تعالى سَيْلًا فحمَله، فلم يجدُوه،
стр. 4228
وقيل: إن الأرض ابتلَعتْه.
وحكمة حماية الله له من ذلك ولم يَحمِه من القَتْل أولًا: أن القتْل موجِبٌ للشَّهادة، وأما القطْع فلا ثَوابَ فيه مع ما فيه من هتْك حُرمته.
وفيه كرامةٌ عظيمةٌ لعاصِم ﵁ قيل: إنه كان حلَف أن لا يمسَّ مُشرِكًا، ولا يمسَّه مُشركٌ، فبرَّ اللهُ قَسَمَهُ.
* * *
١٧١ - بابُ فَكَاكِ الأَسِيرِ
فِيهِ عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب فَكاكِ الأسيْر) بفتح الفاء وكسرها.
* * *
٣٠٤٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فُكُّوا الْعَانِيَ -يَعْنِي: الأَسِيرَ- وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ".
الحديث الأول: واضح المعنى.
* * *
(يوم الخميس) خبر مبتدأ محذوفٍ، أو بالعكس، والأصل: يومُ الخميس، يومُ الخميس، نحو: أنا أنا، والغرَض منه تَفخيم أمْرِه في الشدَّة والمَكروه، فهو تعجُّبٌ من شِدَّة ذلك اليوم.
(خضب)؛ أي: رطَّبَ وبَلَّ.
(ائتوني بكتاب) الذي أَرادَ به النَّصَّ على خِلافة أبي بكر؛ لكنْ لمَّا تَنازعوا واشتَدَّ مرَضه؛ عَدَل عن ذلك مُعوِّلًا على ما أصَّلَ في ذلك من استِخلافه على الصَّلاة.
وفي "مسلم": عن عائشة: "ادعُوا لي أَبا بكْرٍ وأخاكِ أكتُبْ كتابًا، فإنِّي أخاف أن يتمنَّى متمنٍّ، ويقول قائلٌ: أنا أَولى، ويأبى اللهُ والمؤمنون إلَّا أَبا بَكْر"، وفي رواية البَزَّار عنها: لمَّا اشتدَّ وجَعُه قال: "ائتُوني بدواةٍ، وكَتِف أو قِرْطاسٍ؛ أكتُبْ لأبي بكر كتابًا أن لا يختلفَ النَّاسُ عليه"، ثم قال: "مَعاذَ اللهِ أن يختلف النَّاسُ على أبي بكرٍ"، فهذا نصٌّ صريح فيما ذكرنا، وأنه ﷺ إنما ترك كتابَه معوِّلًا على أنَّه لا يقَع إلَّا كذلك.
وبهذا يبطُل قول من ظَنَّ كتابًا بزيادةِ أحكامٍ، وتعليمٍ، وخشيَ عُمرُ عجْزَ النَّاس عنها.
(ولا ينبغي) هو مِن قَول النَّبِيِّ ﷺ ، أو من قَول ابن عبَّاس، والسِّياق يحتملُهما، والموافِق لسائِر الرِّوايات الأَوَّلُ.
وسبق شرح الحديث في (كتاب العِلْم).
стр. 4235
(هجر)؛ أي: من الدُّنيا، وأُطلق بلفْظ الماضي لمَا رأَوا فيه من علامات الهِجْرة مِن دار الفَناء.
وقال (ن): هو: أهجَر؟ بالاستِفهام الإنكاري، أي: أنكَروا على مَن قال: لا تَكتُبوا، أي: لا تجعلوه كأمْر مَن هَذَى في كلامه، وإنْ صحَّ بدُون الهمز فهو أنَّه لمَّا أصابتْه الحَيرة والدَّهشة لمَا شاهدَه من هذه الحالة الدَّالَّة على وفاته ﷺ ، وعِظَم المصيبة؛ أجرى الهجر مَجرى شدَّة الوجَع.
قال (ك): هو مجازٌ، لأنَّ هذَيان المريض يستلزم شدَّة الوجَع، فأُطلق المَلزوم وأُريد اللَّازم.
وقال (ع): هو بالاستفهام لجميع رُواة البُخَارِيّ، يُقال: أهجَر: إذا أفحَشَ، وأما بدُونه فظَنَّ قومٌ أنَّه بمعنى: هَذَى، فركِبُوا شطَطًا وأَوَّلوها، والصَّواب أنَّ الاستِفهام مقدَّر، والاستِفهام يَرجع إلى المُختلفين عنده ﷺ ، ومخالطته بعضِهم بعضًا، انتهى.
وقال صاحب "مرآة الزمان": لعلَّ هذا من تحريف الرُّواة، ويحتمل أن يكون معناه: أنَّه ﷺ هجَركم؛ من الهَجْر ضِدِّ الوَصْل؛ لمَا ورَد عليه من الوارِدات الإلهيَّة، ولهذا قال: "في الرَّفيقِ الأَعلَى"، ألا ترى إلى قوله: "قُومُوا عَنِّي، فما أَنا فيهِ خيرٌ مما أنتُم علَيهِ"، وقيل: هو استفهامٌ إنكاريٌّ على مَنْ ظنَّه في ذلك الوقت بالنبيِّ ﷺ لشِدَّة المرَض عليه.
стр. 4236
وقال في "النِّهاية" بمعنى هذا، قال: وهو أحسَن ما يُقال فيه، وقال: ولا يُجعَل خبرًا؛ إذ لا يُظنُّ بقائله ذلك، وقيل: معناها: أَأُغمي عليه؟، فهو يقُول ما يقُول من شِدَّة الوجَع، ظنُّوا أنَّه كالمريض.
(دعوني)؛ أي: اترُكوني، ولا تَتنازعُوا عندي؛ فإنَّ الذي أنا فيه من المُراقبة، والتأَهُّب للقَاء الله، والفِكْر في ذلك، ونحوِه أفضَلُ من الذي تَطلُبون مني من الكتابة، ونحوها.
(جزيرة العرب) هي ما بين عَدَن إلى ريف العِراق طُولًا، ومِن جُدَّة إلى أطْراف الشَّام عَرضًا، وسُمِّيتْ جزيرةً؛ لإحاطة البِحار بها من نَواحيها، وقال أبو عُبَيدة: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصَى اليَمَن بالطُّول، وما بين رَمْل يبرين إلى مُنقطَع السَّماوَة في العَرْض.
(أجيزوا) من الإجازة يُقال: أجازَه بجوائز، أي: أعطاه عَطايا، ويُقال: أصلُه أنَّ قَطَن -بالقاف، والمهملَة المفتوحتَين-، أي: عَبْد عَوفٍ وَالي فارِس مَرَّ به الأحنَف في جيشه غازيًا إلى خُراسان فوقَف لهم على قَنْطرةٍ، فقال للأحنَف: أجيزُوهم، فجعل يَنتسِب الرَّجل فيُعطيه على قَدْر حسَبه، أي: أكرمُوهم بالضِّيافة، والتَّطييب لنُفوسهم، والإعانة لهم سواءٌ أكانوا مُسلِمين أو كُفَّارًا.
(الثالثة) قيل: إنها إنْفاذُ جيش أُسامة، وكان المُسلِمون اختلَفوا في ذلك على أبي بكرٍ، فأعلمَهم أنَّ النبيَّ ﷺ عَهِدَ بذلك عند مَوته؛ كذا قاله المُهلَّب.
الله لهم شيئًا، فأخَذَ النبيُّ ﷺ يسلُك طريقًا يختبر حالَه بها، وبيَّن أنَّه من الكُهَّان، وممن أشكَلَ أمرُهُ عليه ابن عُمر، وأبو سَعيد، وغيرُهما من الصَّحابة كما في "مسلم"، وغيره.
(أُطم) بضم الهمزة: البِناء المرتفِع، وقال الجَوهَري: هو مُخفَّفًا ومثقَّلًا، جمعُه: آطَام، وهي حُصون لأهل المدينة.
(مَغَالة) بفتح الميم، والمعجمة، وبلامٍ.
(خلط) بتخفيف اللام وتشديدها، أي: خُلِط عليك الحقُّ بالباطل على عادَة الكُهَّان.
(الأُميين)؛ أي: العرَب، فمَنطوقُه صحيحٌ، ومفهومُه باطِلٌ؛ لأنَّه رسولٌ إلى العجَم أَيضًا خلافًا لمَا يَزعُمه بعضُ اليَهود.
(آمنت بالله ورسوله) مطابقةُ هذا الجَواب للاستِفهام: أنَّه لمَّا أراد أن يُظهِر للقَوم حالَه أرخَى العِنان حتَّى يُبكِّتَه عند المُعتبِر، ولهذا قال له آخرًا: (اِخْسَأْ).
(خبأت)؛ أي؛ أضمَرتُ لك اسمَ الدُّخان، وقيل: آيةَ الدُّخان وهي: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠].
(الدُّخُّ) بضم المهملَة، وشدَّة المعجَمة: الدُّخان، وإنما امتحنَه النبيُّ ﷺ ؛ لأنَّه كان يَبلُغه ما يدَّعيه من الكلام في الغَيب، فأراد إبطالَ حالِه للصَّحابة بأنَّه كاهِنٌ يأْتيه الشَّيطان بما يُلقي للكُهَّان من كلمةٍ واحدةٍ اختطفَها عند الاستِراق قبْل أن يَتبعَه الشِّهاب الثَّاقِب، ولهذا