Полный текст (8 898 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ومن العشَرات تتركَّب المئات، ومن المئات الأُلوف، وأنَّ كلَّ واحدٍ اعتبر بعشرةِ أمثاله تأْكيدًا للكثْرة ومبالغةً كما ذُكر نحو من ذلك في: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤].
(القيم)؛ أي: من يقوم بأمرهنَّ، واللام فيه للعهد في كون الرجال قوَّامين على النساء.
واعلم أنَّ للتخصيص بهذه الأمور نُكتةً: وذلك لأنَّها مُشعرةٌ باختلال الضروريات الخمس الواجب رعايتها في جميع الأديان، وبحفْظها صلاحُ المَعاش والمَعاد، فرفع العِلْم مُخِلٌّ بالدِّين، وشُرب الخمر مخلُّ بالعقْل وبالمال أيضًا، وقتْل الرجال مُخلُّ بالنفْس، وظُهور الزنا [مُخِلٌّ] بالنَّسَب.
وإنما كانت هذه الأمور علامةً؛ لأن الخلائق لا يُتركون سُدًى، ولا نبيَّ بعد هذا الزمان، فتعيَّن خَراب العالم، وقُرب القيامة.
* * *
٢٢ - بابُ فَضْلِ العِلْمِ
(باب فضل العلم)
٨٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ
стр. 457
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنا أَنَا ناَئِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ"، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (العِلْمَ).
(فشربت)؛ أي: من ذلك اللَّبَن.
(حتى إني) بكسر (إِنَّ) لوُقوعها بعد (حتى) الابتدائية. قال (ك): وبالفتْح على تقديرها جارَّةً.
(لأرى) بفتح الهمزة، وذكر بلفظ المضارع؛ لاستحضاره هذه الرُّؤية للسامعين.
(الري) بفتح الراء وكسرها، قالَه الجَوْهَري، وقال غيره: بالكسر الفِعْل، وبالفتح المَصْدر، وجعله مَرئيًّا تنْزيلًا له مَنزلةَ الجِسْم.
(يخرج) الضَّمير إما للَّبَن، وإما للرِّي تجوُّزًا، وهو حالٌ إنْ كانت الرؤية بصريةً، أو مفعولٌ ثانٍ إنْ كانت عِلْميةً.
(من أظفاري)؛ أي: المَبدأُ منها، وفي بعضها: (في أَظْفارِي)، والظُّفُر ظرفٌ.
(ما أولته)؛ أي: عبَّرتَه؛ لأنَّه لغةً التفسير لما يَؤُول إليه الشيء.
(العلم) بالنَّصب، أي: أوَّلتُه العِلْمَ، وبالرفع، أي: المؤوَّل به العِلْمُ.
ووجه ذكر الحديث في الترجمة: أنَّ فَضْلة اللَّبن الذي شَرِبَه ﷺ بمعظمه، ولهذا قال ابن عبَّاس: لا أوثِرُ بنَصيبي منك أحدًا، وكان
стр. 458
زِحام الصَّحابة على وَضوئه، وقد فسَّره بالعِلْم فدلَّ على فَضْله.
واعلم أَنَّ رُؤيا الأنبياء حقٌّ، فالظاهر أنَّ هذا الشُّرب كان حقيقةً على وجْه التَّخييل، والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
ووجْه تأْويله بالعِلْم اشتراكهما في كثْرةِ النَّفْع، وسبَبِ الصَّلاح: ذاك في الأَبدان، وهذا في الأَرواح، والعِلْمُ فيه صلاح الدُّنيا والآخرة.
قلتُ: وقد سبَق حديث رُؤيا القَميص، وتأْويل ذلك بالدِّين؛ لأنَّ العِلْم باطن، والدِّين ظاهرٌ، ولازمه الباطن.
وفي الحديث منقبةٌ لعمر، وجواز تعبير الرُّؤيا، ورِعاية المُناسَبة بين التَّعبير والمعبَّر عنه.
قال (ك): ولا تغفُل عن الفَرْق بين فَضلة العِلْم وفضيلته؛ إذ الحديث دلَّ على الفَضْلة لا على فَضيلته لكنْ يُقال: فَضْلة الرسول ﷺ متضمِّنةٌ لفَضيلته وشرَفه.
* * *
٢٣ - بابُ الفُتيَا وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى الدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا
(باب الفتيا) -بضم الفاء-: اسمٌ مِن استَفتاه فأَفتاه، ويُقال فيه: فَتْوَى -بفتح الفاء-.
(وهو واقف) جملةٌ حاليةٌ.
стр. 459
(على الدابة) وفي بعضها: (علَى ظَهْر الدَّابَّة)، وهي لغةً: الماشيَة على الأَرض، وعُرفًا: الخيل، والبِغال، والحمير، وليس المراد: أنَّه كان واقِفًا على الدَّابَّة، بل المراد الركُوب.
* * *
٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَداعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَقَالَ: "اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ"، فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ"، فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ".
(حجة) بفتْح الحاء وكسرها، والمعروف رواية الفتْح، وقال الجَوْهَري: إنَّه بالكسر المرَّة، وذلك شاذُّ، فإنما قياسه الفتح.
(الوداع) -بالفتح-: اسمٌ مِنْ وَدَّعَ.
قال (ك): ويجوز الكسر مصدرًا للمُفاعَلة.
(بمنى) بالصَّرْف وتركه.
(يسألونه) إما حالٌ من فاعل (وقَف)، أو (من النَّاس)، وإما استئنافٌ بيانًا لعِلَّة الوقْف.
(لم أشعر) بضم العين، أي: لم أَفطَنْ.
стр. 460
(لا حرج)؛ أي: لا إثْمَ، وخبَر (لا) محذوفٌ، أي: لا حرجَ عليكم.
(ذبحت) وفي نسخةٍ: (نَحرتُ)، والذَّبح في الحلْق، والنَّحر في اللَّبَّة بفتح اللام والمُوحَّدة، وهي موضع القِلادة من الصَّدر، والفاء في (فحلقْتُ)، وفي (نحرتُ) سببيةٌ لتسبُّب كلٍّ عن عدَم الشُّعور، وحُذفتْ مفاعيل هذه الأَفعال لقَرينة المَقام.
(عن شيء)؛ أي: مِن أَعمال يوم العِيْد الرَّمي، والنَّحر، والحَلْق، والطَّواف.
(قدم) فيه لا محذوفةٌ، أي: لا قُدِّم ولا أُخِّر؛ لأنَّها لا تكون في الماضي إلا مكرَّرةً على الفَصيح، وحسن ذلك هنا أنَّه في سِياق النَّفي نحو: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، ورواية مسلم: (مَا سُئِلَ عنْ شيءٍ قُدِّم أو أُخِّر).
وترتيب هذه الأربعة سُنَّةٌ عند الشافعي، وأحمد.
وقال أبو حنيفة، ومالك: واجبٌ يجبر بالدم، وجعلوا: (لا حرجَ)؛ أي: لا إِثْمَ، وأما الفِدْية فثابتةٌ، ولكنَّ المفهوم الظاهر مِنْ (لا حرجَ): لا شَيءَ عليكم مطلَقًا، وقد صرَّح في بعض الروايات بتقديم الحلْق على الرَّمي.
وفي الحديث: جواز سؤال العالم راكبًا وماشيًا وواقفًا، وأنَّ الجلوس على الدابَّة جائزٌ للضَّرورة أو للحاجة؛ لأنَّه ﷺ فعَل ذلك
стр. 461
ليُشرف على الناس، ولا يخفَى عليهم كلامُه.
* * *
٢٤ - بابُ مَنْ أَجَابَ الفُتيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْسِ
(باب من أجاب الفتيا بإشارة)
٨٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فِي حَجَّتِهِ فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ قَالَ: "وَلَا حَرَجَ"، قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ: "وَلَا حَرَجَ".
سنَده بصريون.
(قال: لا حرج) هو بيانٌ لقوله: (أَوْمَأَ) تنْزيلًا للإشارة منزلة القَول، ولهذا لم يذكُره بحرف عطْفٍ، ويحتمل أنَّه حالٌ.
قلت: فيه نظَرٌ، وفي نُسخٍ: (فقال: وقالَ حلقتُ)؛ أي: قال سائلٌ آخَر ذلك، ويحتمل أنَّه الأوَّل كأنَّه يقول: لو فعلت كذا، وفي نسخة: (فأَومأَ بيَدِه أنْ لا حَرَجَ)، فتكون تفسيريةً؛ لتقدُّم معنى القول دون حروفه، والمراد أنَّ تلْك الإشارة أَفهمتْ نفيَ الحرَج، وفي نسخةٍ: (ولا حَرَج)، كأنَّه قيل: صَحَّ فعْلُك ولا حرَج، أي: قائلًا: ولا حرَجَ، أو أنَّ ذلك من قول رائي الإشارة، أي: علم بذلك
стр. 462
لما فهم مِن الإشارة.
* * *
٨٥ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُقْبَضُ العِلْمُ، وَيَظْهَرُ الجَهْلُ وَالفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا الهَرْجُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ، فَحَرَّفَهَا، كَأنَّهُ يُرِيدُ القَتْلَ.
(يقبض) بالبناء للمفعول.
(الهرج) بفتح الهاء، وسُكون الراء، وبالجيم: الفِتْنة والاختِلاط، وأصله كثْرة الشرِّ.
(فحرفها) تفسيرٌ لقوله: (فقال هكذا)، وتُسمَّى هذه الفاء تفسيريةً، نحو: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] على أحد التفاسير.
(يريد القتل) لأنَّه مِن لازم الهَرْج، فهو مجازٌ، ويحتمل أنَّه لغةً اسمٌ للقتْل، فيكون حقيقةً.
* * *
٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ وَهِيَ تُصَلِّي فَقُلْتُ: مَا شَأْنُ النَّاسِ؟ فَأَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءَ، فَإِذَا النَّاسُ قِيَامٌ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ، قُلْتُ: آيَةٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسهَا، أَيْ نعمْ، فَقُمْتُ
стр. 463
حَتَّى تَجَلَّانِي الغَشْيُ، فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَى رَأْسِي المَاءَ، فَحَمِدَ اللهَ النَّبِيُّ ﷺ وَأثنَى عَلَيهِ، ثُمَّ قَالَ: "مَا مِنْ شَيءٍ لَم أَكُنْ أُرِيتُهُ إِلَّا رَأَيتُهُ فِي مَقَامِي حَتَّى الجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ، مِثْلَ، أَوْ قَرِيبَ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ -مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، يُقَالُ: مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا المُؤْمِنُ -أَوِ المُوقِنُ لَا أَدْرِي بأَيِّهِمَا قَالَتْ أَسْمَاءُ- فَيَقُولُ: هُوَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، جَاءَناَ بِالبَيِّنَاتِ وَالهُدَى، فَأَجَبْنَا وَاتَّبَعْنَا، هُوَ مُحَمَّدٌ، ثَلَاثًا، فَيُقَالُ: نَمْ صَالِحًا، قَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا بِهِ، وَأَمَّا المُنَافِقُ -أَوِ المُرْتَابُ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاءُ- فيَقُولُ: لَا أَدْرِي، سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُه".
(فاطمة)؛ أي: بنْت المُنْذِر بن الزُّبير.
(ما شأن الناس)؛ أي: في قيامهم، واضطِرابهم، وفَزَعهم.
(إلى السماء)؛ أي: إلى أنَّ الشمس في السَّماء انكسَفت، والناس يصلُّون لذلك.
(قيام) جمع: قائِم.
(سبحان) علَم على التَّسبيح، أي: التَّنزيه، ولكنه نُكِّر، فأُضيفَ.
قال ابن الحاجِب: إنما هو عَلَمٌ حيث لم يُضَف، ونصبَه على المفعول المطلَق الذي التزم إِضمارَ فِعْله.
(آية) مقدَّرٌ فيه همزة الاستفهام، وهو خبر مبتدأ، أي: أَهيَ آيةٌ؟ أي: علامةٌ لعذاب الناس مقدِّمةٌ له، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا
стр. 464
تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، أي: علامةً على قُرب الساعة، أو على أنَّ الشَّمس مخلوقةٌ داخلةٌ تحت النَّقْص لا تقدِر على الدَّفْع عن نفْسها، فكيف تتصرَّف في غيرها؟
فأما قول أهل الهيئة: إنَّ سبَب الكُسوف حَيلُولة القمَر بينها وبين الأرض، فلا يُرى حينئذٍ إلا لَون القمَر، وهو كَمِدٌ لا نُورَ له، وذلك إنما هو آخِر الشَّهر في إحدى عُقْدتي الرأْس والذنَب، وله آثارٌ في الأرض = ممنوعٌ كلُّه، إلا أنْ يُقال: إن الله أَجرى سنَّته في مثل ذلك، فيكون كإحراق الحطَب بالنَّار، أما أنَّه واجبٌ عقلًا، وله تأْثيرٌ = فباطلٌ، بل لا يُؤثِّر إلا الله، وجميع الحوادث بمشيئته.
(أن نعم)، (أنْ) تفسيريَّةٌ لسَبْق ما هو بمعنى القَول دُون حُروفه.
(قمت)؛ أي: للصلاة.
(عَلَاني) في بعضها: (تَجَلَّاني).
(الغشي) بمعجمتين، إما بكسر الشِّين، وتشديد الياء، وإما بسُكون الشين، وتخفيف الياء، روايتان بمعنى: الغِشاوة، وهي الغِطاء، وأصله مرَضٌ معروفٌ يحصُل بطول القِيام في الحرِّ ونحوه، وفي الطِّبِّ أنَّه يُعطِّل القِوى المُحركة والحسَّاسة؛ لضعف القَلْب، واجتماع الرُّوح كلِّه إليه، فإنْ صحَّ ذلك؛ فصبُّها الماء لكونها أطلقَت الغَشْي للحالة القَريبة منه مجازًا، والصَّبُّ بعد الإفاقة منه، أما روايته بعينٍ مهملة؛ فقال (ع): ليس بشيءٍ.
(أُريته) بضم الهمزة، إما رؤية عينٍ بأَنْ كشَف الله له عن ذلك، فلا
стр. 465
حِجابَ يمنعَ مثْل ما كشَفه عن المسجد الأَقصى حتى وصفَه للناس، فالرُّؤية أمرٌ يخلقُه الله في الرَّائي لا بشَرْط مقابلةٍ، ولا مُواجهةٍ، ولا خُروج شُعاعٍ؛ لأنَّ هذه شُروطٌ عاديَّةٌ يمكن انفِكاكها عقلًا، وإما رُؤية عِلم ووحي بإِطْلاعه وتعريفه مِن أُمورها تفصيلًا بما لم يكُن يعرفُه قبل ذلك.
(ألا أُريته) الاستثناء متصلٌ؛ لأنَّه مفرَّغٌ، قال النُّحاة: وكلُّ مُفرَّغٍ متصِلٌ، والتفريغ من الحال، أي: لم أكُن أُريتُه كائنًا في حالةٍ من الأحوال إلا حالَ رُؤيتي إيَّاه، ولذلك جاز استثناء الفعل بهذا التَّأْويل، نعَمْ، العُموم في قوله: ما مِنْ شيءٍ، وشيءٌ أعمُّ العامِّ، ووقَع في نفيٍ، وبعض الأشياء لا تصحُّ رُؤيته؛ لأنَّه قد خُصَّ؛ إذ ما مِن عامٍّ إلا وخُصَّ إلا في نحو: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والمخصص يكون عقليًّا وعُرفيًّا، فهذا خصَّصه العقْل بما يصحُّ، أو الحسُّ كما في: ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ١٦]، أو العُرف بما يَليق إبصارُها به مما يتعلَّق بأَمْرِ الدِّين والجَزاء ونحوهما، نعَمْ، يَدخُل في العُموم أنَّه رأَى الله تعالى.
(مقامي) يحتمل المصدر، والمكان، والزمان.
(حتى الجنة) إن كانت عاطفةً فما بعدها منصوبٌ عطْفًا على المفعول في (رأَيته)، أو ابتدائيةً فمرفوعٌ، أو جارَّةً فمخفوضٌ؛ نحو: أَكلْتُ السَّمَكَةَ حتَّى رأْسِها.
(يفتنون)؛ أي: يُمتَحنون.
стр. 466
(مثل أو قريب، لا أدري أي ذلك قالت أسماء) لا تنوينَ في (مثْل) أو (قَريب)؛ لإضافتهما إلى (فتْنة) لا على أنَّهما أُضيفتا معًا له بل أَحدُهما، والمضاف إليه في الآخَر محذوفٌ دلَّ عليه المضاف الآخَر كما في قوله:
بَينَ ذِراعَي وجَبهةِ الأَسَد
ولا يضرُّ الفَصْل بينهما بجملةِ (لا أَدري)؛ لأنَّها معترضةٌ مؤكِّدةٌ بمعنى الشكِّ المُستَفاد مِن (أو) لا أجنبيةٌ محضةٌ، فكان ذلك كما في نحو:
يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ
و (أيُّ): مرفوع على الأشهر بالابتداء، والخبرُ: (قالت) لأنَّها استفهامية، علقت (لا أدري) عن العمل، ومفعول (قالت) محذوف، أي: قالته.
قال (ك): (أيُّ): مبنيٌ على الضم على تقدير أنَّها موصولةٌ حُذف صَدْر صِلَتها، والتقدير: أيُّ ذلك هو قالتْه.
قلتُ: لا يخفَى بُعد ذلك.
ويُروى بالنَّصب على أنَّه مفعول (أَدْرِي) إنْ جُعلت موصولةً، أو (قالت) إذا كانت استفهاميةً.
قال: أو يُقال: فإنَّه من شريطة التفسير بأنْ تَشتغل (قالَ) بضميره المَحذوف، وهو عجيبٌ، فالاشتغال شَرْطه بُروز الضمير الذي اشتغَل
стр. 467
به، وفي بعض النُّسَخ: (مِنْ فتْنة) بزيادة (من)، ولا يخرج بذلك عن الإضافة، لأنَّ الحرف المقدَّر في الإضافة قد يَبْرز مثل: لا أَبا لَكَ، أو يُقال: الإضافة إلى محذوفٍ دلَّ عليه المذكور، لا أنَّه مضافٌ إلى المَذكور، ويُروى: (قَريْبًا)، واستَحسنه (ع)، وقال ابن مالك: إنَّه المشهور، ووجَّهه بما سبَق، لكنْ أبو البَقاء قال: إنَّ (قَريبًا) نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي: إتيانًا قَريبًا، ولذلك قال: أو مِثْل، فأضافَه إلى الفتْنة، فيُجعل (مِن) متعلقةً به، و (مثْل) مضافٌ لمحذوفٍ كما قرَّرنا، ويُروى: (مِثْلًا، أو قَريبًا) بتنوينهما.
(المسيح) سُمي بذلك لأنَّه يمسَح الأرضَ، أو مَمسُوح العَين.
(الدجال) -بالتشديد-: مِن الدَّجَل، وهو الكَذِب والتَّمْويه، وخَلْط الحقِّ بالباطِل، ووُصِف بالمَسيح أيضًا عيْسى بن مَريم على معنى أنَّه مَسِيْحٌ في الخَير، وفيه أقوالٌ مشهورةٌ.
ووجْه الشَّبه بين فِتْنة القبر والدجَّال الشّدَّة، والهَوْل، والغَمُّ، ولكنْ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
(فيقال) هو بيانٌ لـ (يُفتَنون)، ولهذا لم يُعطف.
(ما علمك) الخطاب للمَفتُون، وأفرد بعد أنْ قال: (في قُبُوركم) بالجمع؛ لأنَّه تفصيلٌ لهم، أي: كلُّ واحدٍ يُقال له ذلك؛ لأنَّ السُّؤال عن العِلْم يكون لكلِّ واحدٍ، وكذا الجَواب بخلاف الفتنة.
وسمى بعض البيانيين الانتقالَ من جمعٍ لمفردٍ وعكسُه التفاتًا حيث عمَّم الانتقال من صنْفٍ من الضَّمائر إلى صنفٍ من ذلك النَّوع،
стр. 468
كما قال المرزوقي في "شرح الحماسة" في قوله:
أَحْيَا أَبا كُنَّ يا لَيْلَى الأَمادِيْحُ
أنَّه التفاتٌ، وكما في نحو: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [البقرة: ٢٣١] ونحوه، ولكنَّ الجمهور على خلافه.
(بهذا الرجل)؛ أي: النبيِّ ﷺ ، وإنما لم يقُل: بي؛ لأنَّه حكايةُ قول الملَك، ولم يقُل: رسول الله؛ لأنَّه تلقينٌ لحجَّته.
(أو الموقن) شكٌّ من فاطمة، ومعناه: المصدِّق بنُبوَّته.
(بالبينات)؛ أي: المعجزات الدالَّة على نبوَّته.
(والهدى)؛ أي: الدلالة الموصلة إلى البِغْية، أي: قبلنا مُعتقدِين مُصدِّقين.
(واتبعناه)؛ أي: فيما جاء به، أو الإجابة تتعلَّق بالعِلْم، والاتباع بالعمَل.
(ثلاثًا)؛ أي: يقول: هو محمدٌ ثلاثًا، مرتين بلفْظ: محمد، وثالثةٌ بصفة: رسول الله ﷺ ، ولا يَلزم أنْ يقول مجموعَ ذلك ثلاثًا حتى يَلزم أنْ يكون قوله: (ذلك محمَّد) تسعَ مراتٍ؛ لأنَّ ثلاثًا إنما ذُكر للتوكيد، فلا يكون القَول إلا ثلاث مراتٍ.
(صالحًا)؛ أي: منتفعًا بأعمالك وأحوالك؛ إذ الصلاح كون الشيء في حدِّ الانتفاع.
(إن كنت)، (إن) هي المخفَّفة من الثَّقيلة، أي: إنَّ الشأْن.
стр. 469
(لموقنًا) اللام فيه للفَرْق بين المخفَّفة وبين النافية، وحكَى السَّفَاقُسي فتْح (أَن) مصدرَيَّةً، أي: كونَكَ، وردَّه بدُخول اللام، ثم قيل: المعنى: إنك مُوقنٌ كما في: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]؛ أي: أنتم.
قال (ع): والأظهر أنَّها على بابها، أي: أنَّك كنتَ مُوقنًا في دار التكليف.
(المنافق)؛ أي: غير المصدِّق بقلْبه بنبوَّته، وهو مقابِلٌ للمُوقِن.
(أو المرتاب)؛ أي: الشاكُّ، وهو مقابِلُ المؤقِن.
(فقلته)؛ أي: قُلتُ ما كان الناس يقولونه، وفي بعض النُّسَخ عقب ذلك: (وذكَرَ الحديثَ إلى آخِرهِ) إشارةً إلى ما في الرِّوايات: (يُقال له: لا دَرَيْت، ولا تلَيْتَ، ويُضرَبُ بمطَارِقَ مِنْ حديدٍ ضَرْبةً، فيَصيحُ صَيْحةً يَسمعُها مَن يَليهِ غيرَ الثَّقلَين).
وفي الحديث: أنَّ الجنَّة والنار مَخلُوقتَانِ اليَومَ، وإثْبات عَذابِ القَبْر، وسُؤال مُنكَر ونكَير، وخُروج الدَّجَّال، وأنَّ الرُّؤية لا تُشترط فيها ما يُشترط عُرفًا كما سبَق وُقوع رُؤيةِ النبيِّ ﷺ للهِ ، وكُفر مَن ارتابَ في صِدْق الرَّسول، وتعدُّد المرتابين، ووُجود حرفٍ لمعنى الإضافة كما سبَق، وسُنِّية صلاة الكُسوف، وتطويل القِيام فيها، واستحبابُ فعْلها في المَسجد بالجماعة خلافًا للعراقيِّين، ومَشروعيتها للنِّساء، وحُضورُهنَّ وراءَ الرِّجال في الجَماعات، والسُّؤال من المصلِّي، وامتِناع الكلام في الصلاة، وجواز الإشارة فيها بلا كراهةٍ إذا كانت لحاجةٍ، وجواز التَّسبيح للنساء في الصلاة،
стр. 470
وقولهم: إن التَّصفيح لهنَّ، أي: حين يَسمع الرجال، والقَضيَّة إنما جرَتْ بين الأُختين، أو أنَّ ذاك أَولى، وهذا جائزٌ، والخُطْبة بعد الكُسوف، وأنَّ أوَّل الخُطْبة تحميدٌ وثَناءٌ.
قال (ط): وأن الإشارة المفهِمة جائزةٌ، فيكون حجةَ لمالكٍ في لِعان المرأَة الصَّمَّاء البَكْماء، ومُبايعتها، ونكاحها.
قال (ن): وأنَّ الغَشْي لا ينقض الوضوء ما دام العقل باقيًا، وهو محمولٌ على أنَّه لم تكثُر أفعالها مُتواليةً، وإلا بطلتْ.
قال (ك): وإنما جُعل الغَشْي والصَّوت كالأَنين في الصلاة؛ لأنَّها قبْل الخُطْبة، وهي تعقُب الصلاة بدليلِ الفاء في (فحَمِد).
واعلم أن الحديثين الأولين دالَّان لبعض الترجمة، وهي الإشارة باليَد، وهو دالٌّ للباقي، وهو الإشارة بالرأس؛ إذ لا يُشترط أنْ يدلَّ كلُّ حديثٍ على كلِّ الترجمة.
* * *
٢٥ - بابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ ﷺ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلْمَ ويُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءهُمْ
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ : "ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَعَلِّمُوهُمْ".
(باب تحريض النبيِّ ﷺ وفد عبد القيس)؛ أي: حَثِّهم، وفي
стр. 471
معناه: التَّحريص -بالصاد المهملة-، وحديث عبد القَيْس سبَق في (الإيمان).
(وقال مالك بن الحويرث) وصلَه في (باب خبَر الواحِد) بتَمامه.
(ارجعوا)؛ أي: أَقام عند النبيِّ ﷺ أَيامًا ثم أَذِنَ له في الرجوع إلى أهله.
(أهليكم) جمع: أَهْل، وجمع أيضًا تكسيرًا على: أهالي، وتصحيحًا على: أهلات.
(فعلموهم) وفي بعض النُّسَخ: (فعِظُوهُم).
* * *
٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أتوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "مَنِ الوَفْدُ، أَوْ مَنِ القَوْمُ؟ "، قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِالقَوْمِ -أَوْ بِالوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى"، قَالُوا: إِنَّا نأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلَا نستَطِيعُ أَنْ نأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ فَمُرْناَ بِأَمْرٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَناَ، نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ؛ أَمَرَهُمْ بِالإيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا الإيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟ "، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا
стр. 472
اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ"، وَنهاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالمُزَفَّتِ، قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: "النَّقِيرِ"، وَرُبَّمَا قَالَ: "المُقَيَّرِ"، قَالَ: "احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ".
سنَده بصريُّون، وقد سبَق شرحه في (باب أداء الخمُس من الإيمان).
(من ربيعة)؛ لأنَّ عبد القَيْس مِن أولاده، ووَهِمَ التَّيْمِي في قوله: إنَّ رَبيعة بطْنٌ من عبد القَيْس.
(ندخل) بالجزم جواب الأَمر، أو بالرفْع، والجملة حالٌ، أي: مقدَّرةٌ؛ لأنَّه بمعنى: مقدِّرين دُخول الجنَّة، أو هو بدَلٌ مما قبلَه، أو صِفةٌ بعد صِفةٌ.
وقد سبَق ذلك في الباب رِوايته، و (ندخُل) بالعطف.
(وتعطوا) نُصب بـ (أَنْ) مقدَّرة، لأنَّه عطفٌ على المصدر نحو:
ولُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي
وكأنَّه عطف مصدرٍ مقدَّرٍ على صريحٍ.
قال (ش): كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] على قراءة النَّصب، وأَراد مثلَه في نصْبه بمقدَّرٍ لا العطْف على مصدرٍ؛ لأنَّ ذلك جواب الاستفهام.
стр. 473
(وربَّما قال)؛ أي: أبو جمرة.
(المقير)؛ أي: المَطْلي بالقار، أي: مع ذِكْره أوَّلًا: (المزفَّت)، ففيه تكرارٌ في الظاهر، قال (ك): حيث قالوا: المزفَّت تجوُّزًا؛ إذ الزِّفْت شيءٌ يُشبه القار، فقد [قال] الجَوْهَري: الزِّفت كالقير.
قال (ط): في الحديث أنَّ من عَلِم عِلْمًا يَلزمه تبليغُه لمن لا يعلمُه فرضَ عينٍ، وهو اليوم فرض كفايةٍ؛ لظُهور الإسلام، وفيه تعليم أَهله الفرائضَ؛ لعُموم: (مَن وراءَهم).
* * *
٢٦ - بابُ الرِّحْلَةِ فِي المَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ
(باب الرحلة) -بكسر الراء-: الارتحال، أما بالضمِّ فهو المرحول إليه، والفَرْق بين هذه الترجمة وترجمة (الخُروج لطلَب العِلْم): أنَّ هناك لمُطلَقه، وهنا لمسألةٍ خاصةٍ.
٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أبي حُسَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ بِالمَدِينَةِ
стр. 474
فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ"، فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.
(عن عقبة) زعَم ابن عبد البَرِّ أنَّ ابن أبي مُلَيْكة لم يَسمع منه، وأنَّ بينهما عُبَيد بن أبي مَرْيم، ورُدَّ عليه بما سيأتي في (النكاح)، في (باب شهادة المرضِعة): أنَّه قال: سمعتُه من عُقْبَة، ولكني لحديث عُبَيد أَحفَظ.
(ابنة) قال (ك): كُنيتها أُم يَحيى، ولا نَعلَم اسمها، وقال غيره: اسمها غنيَّة، والرجل الذي نكحتْه هو طريف بن الحارِث.
(إِهاب) بكسر الهمزة، وبمُوحَّدة.
(عزيز) بفتح العين المهملة، وتكرير الزاي، وفي روايةٍ بضم العين، وزايٍ مفتوحةٍ، وبعد الياء راءٌ.
(أرضعتني)، وكذا: (أَخبرتني) في بعضها بإشباع كسرةِ التاء ياءً، وعطف: (ولا أخبرتني) على لم أَعلَمْ، وأتَى بـ (أَعلَم) مُضارعًا؛ لأنَّ نفْي العِلْم حاصلٌ في الحال، وبـ (أَخبرتني) ماضيًا؛ لأنَّ نفْيَه باعتبار المُضيِّ.
(بالمدينة) حالٌ، أي: كائنًا بها لا مُتعلِّقٌ بـ (ركبَ).
(فسأله)؛ أي: عن حكم هذه النازلة.
(كيف) ظَرفٌ يُسأل به عن الحال، وقيل: إنَّه حالٌ، وهما نقَيضان عاملًا، أي: كيف تُباشِرُها وقَد قِيْل: إنكَ أَخُوها، فذلك بعيدٌ مِن المروءة.
стр. 475
ففي ذلك اجتنابُ مَواقِف التُّهَم، وإنْ كانت السَّاحة بريئةً كما قال:
قَدْ قِيْلَ ذَاكَ إِنْ صِدْقًا وإِنْ كَذِبًا ... فَمَا اعتِذَارُكَ مِنْ قَولٍ إِذا قِيْلا
نعَمْ، عَمِل بظاهر الحديث مالكٌ، فقال: الرَّضاع يثبُت بشَهادة المرضِعة وحدَها؛ لتحقُّقها، لكن الأكثَر حَمَلُوه على الاحتياط والورعَ لا الحُكم بثُبوت الرَّضاع، وفَساد النكاح؛ إِذْ لم يَجرِ ترافُعٌ، ولا أَداء شهادةٍ بل مُجرَّد إخبارٍ واستفسارٍ، لكنَّه مما يَشهد فيه النِّساء الخُلَّص أربعٌ عند الشَّافعي، وثنتان عند مالك.
قال التَّيْمِي: معنى الحديث الوَثيقَة في الفُروج، وليس قول المرأة الواحدة شهادةً يجوز بها الحُكم في أصلٍ من الأُصول، وليس في الحديث تعرُّضٌ لاعتبار عدَدٍ في الرَّضَعات، ولا نفيُه، فالشَّافعي وأحمد قيَّداه بخمسٍ؛ لحديث عائشة: "كانَ فيمَا أُنزِلَ [عشْرُ] رضَعاتٍ يُحرِّمْنَ"، فنُسِختْ بخمسٍ، وقال مالك وأبو حنيفة: يُحرِّم قليلُ الرَّضاع وكثيرُه، وقال داوُد وأَبو ثَورٍ: أقلُّه ثلاث رضَعاتٍ.
(ففارقها)؛ أي: صُورةً، أو طلِّقْها احتياطًا، وإنْ كان الرضاع ليس حقيقةً، فذلك لتَحِلَّ لغيره.
قال (ط): وفي الحديث حِرْصهم على العِلم، وإِيثارهم ما يُقرِّب إلى الله تعالى.
стр. 476
قال الشَّعبي: لو سافرَ رجلٌ من أقْصى الشام إلى أقْصى اليمَن لحفْظ كلمةٍ تنفعُه فيما بقِيَ من عُمره لم أَرَ سفَره يَضيعُ.
* * *
٢٧ - بابُ التَّنَاوُبِ فِي العِلْمِ
(باب التناوب في العلم)؛ أي: يَأْخُذ العِلْم هذا مرةً، وَيذكُر لهذا، والآخَر مرةً، ويذكُر له.
٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ (ح) قَالَ: أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَناَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهْيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نزَلْتُ جِئتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وإذَا نزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ وَأَناَ قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: (لَا)، فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ.
стр. 477
(وقال ابن وهب) تحويل الإسناد قبل تمامه، وربَّما يُكتب قبله: (ح).
(ابن شِهَاب) عبَّر عن الزُّهري بذلك ثانيًا محافظةً على ألفاظ الرُّواة وَرَعًا.
(وجار لي) بالرفع، ويجوز النَّصب، وهو أَوْس بن خَوْلِيٍّ كان النبيُّ ﷺ آخَى بينه وبين عُمر.
(الأنصار) جمع: ناصر أو نَصير، سبق مراتٍ.
(في بني أمية)؛ أي: في موضع هذه القَبيلة.
(عوالي المدينة) قُرى بقُرب المدينة، واحدُها: عالية، أَقْربها على مِيْلَين، أو ثلاثةٍ، أو أربعةٍ، وأبعدُها ثمانية.
(فإذا نزل) يحتمل الشرطيةَ، والعامل جاءَ مِن: (جئته)، أو (نزَلت) والظَّرفيةَ، فالعامل (جاءَ).
(الأنصاري) نسَبٌ للجمع، والقياس للمُفرد؛ لأنَّه صار علَمًا لهم كالمُفرَد.
(يوم نوبته)؛ أي: يومًا من أيام نَوبتِه.
(فضرب) عطفٌ على مقدَّرِ، أي: فسَمِع اعتزالَ الرَّسول ﵇ زَوجاتِه، ورجَع إلى العَوالي، فجاء إلى بابي فضرَبَه، وتُسمى الفاء الفَصِيحة.
(ففزعت) بكسر الزاي، أي: خِفْتُ لكَون الضَّرب على خِلاف العادة.
стр. 478
وسيأْتي الحديث في (التفسير) مَبْسوطًا.
وقول عُمر: كُنَّا نتَخوَّف بعضَ مُلوك غَسَّان؛ لأنَّه كان يُريد أنْ يَسيرَ إلينا.
(أمر عظيم)؛ أي: اعتِزاله أَزواجَه؛ لكَونه مَظِنَّة الطَّلاق، وهو عظيمٌ لا سيَّما على عُمر؛ لأنَّ بنتَه من زوجاته ﷺ .
(فدخلت) أي: قال عُمر: فجِئْتُ من العَوالي للمَدينة، فدخلْتُ، فالفاء فَصِيحةٌ أيضًا، وفي نسخةٍ بلا فاءٍ.
(أطلقكن) وفي بعضها: (طلَّقَكُنَّ) بلا همزٍ.
(الله اكبر) وجه التعجُّب هنا بذلك ظُهور الأمر على خِلاف ما ظنَّ الأَنْصاري من أنَّ الاعتزال طلاقٌ حتى أخبَره، أو بإِشاعته، فلذلك سأَل عُمر النبيَّ ﷺ عن الطَّلاق.
قال (ط): فيه الحِرْص على طلَب العِلْم، وقَبول خبر الواحد، وإخبار الصَّحابة بعضَهم بعضًا بما يَسمع من النبيِّ ﷺ وبقولٍ قاله رسول الله ﷺ ؛ إذ كلُّهم عدولٌ.
قال (ك): وضرْب الباب ودقُّه، ودُخول الأب على البنْت بلا إذْن الزَّوج، والتَّفتيش عن الأحوال لا سيَّما متعلَّق المزاوَجة، والسُّؤال قائمًا.
* * *
стр. 479
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح
تأليف
الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي
(المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الثاني]
стр. 480
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 481
اللامِعُ الصَّبيحْ بِشَرْحِ الْجَامِع الصَّحِيح
[٢]
стр. 482
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظة
الطَّبْعةُ الأُولَى
١٤٣٣ - هـ - ٢٠١٢ م
ردمك: ٧ - ٦٩ - ٤٥٩ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN
الرقيم
للِبُحُوثِ وَالدِّراساتِ
قطر - الدوحة
فاكس: ٠٠٩٧٤٤٤٤٤١٨٧٠
E-mail: arraqeem@gmail.com
دَارُ النَّوادِرِ
سورية - لبنان - الكويت
مؤسسة دَارُ النَّوادِرِ م. ف - سُورية * شركَة دَار النَّوَادِر اللبنانية ش. م. م - لبنان * شركَة دَار النَّوَادِر الكويتية ذ. م. م - الكويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - الصالحية - برج السَّحَاب - ص. ب: ٤٣١٦ حَولي - الرَّمْز البريدي: ٣٢٠٤٦
هَاتِف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥)
info@daralnawader.com
www.daralnawader.com
أسسها سنة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نور الدّين طَالب المدير الْعَام والرئيس التنفيذي
стр. 483
تَابِع (٣) كِتابُ العِلمِ
٢٨ - بابُ الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ إِذَا رَأَي مَا يَكْرَهُ
(باب الغضب في الموعظة)؛ أي: مِنَ الواعِظ أو المعلِّم.
(يكره)؛ أي: يكرهه، قيل: أراد بذلك الفَرْق بين قَضاء القاضي، وهو غَضْبان، وتعليم العِلْم، وتذكير الواعِظ، فإنَّه بالغضَب أَجدَر.
٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبى مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَا أَكَادُ أُدْركُ الصَّلَاةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بنَا فُلَانٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ فَقَالَ: "ياأَيُّهَا النَّاسُ! إِنَكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحاجَةِ".
كلُّ واحدٍ من سنَده يُكنى أبا عبد الله، وهو من اللَّطائف.
(لا أكاد أدرك) قال الجَوْهَريُّ، وجمعٌ: إِنَّ كادَ يكُودُ كَودًا بمعنى: قارَبَ؛ إنْ تجرَّد دلَّ على نفْي الفعل، أو قُرن بالنَّفي كان
стр. 484
للإثْبات، وقال ابن الحاجِب: إذا دخَل النَّفي عليه كان كالأَفعال على الأَصحِّ، وقيل: في المستقبَل، وأما في الماضي فللإثبات.
ثم قال (ش): كذا في الأُصول، ولا يَنتظِم، فإِنَّ التطويل يقتضي الإِدْراك لا عدَمَه، وقد رواه الفِرْيَابي: (إِنِّي لأَتأَخَّرُ عن الصَّلاةِ في الفَجْر مما يُطَوِّل بِنَا فُلان)، ولعلَّ الأَول فيه تغييرٌ، ولعلَّه: لا أَكاد أترك، فزيدَ بعد لا ألفٌ، وفُصلت التاءُ من الرَّاء، فجُعلت دالًا.
لكن قال (ط): إنَّ تأويله أنَّه كان ضَعيفًا، فإذا طوَّل به في القِيام ازداد ضَعْفًا يمتنع به عن إِدْراك الركوع والسجود، فغضَبُه ﷺ ؛ لأَجْل التطويل، وهو ﷺ وإنْ كان يُطوِّل أحيانًا، وَيقرأُ مرةً بـ (يُوسُف) ونحوها من الطِّوال؛ لأنَّه يُصلِّي بجِلَّة أصحابه، وأكبرُ همِّهم طلَب القِيام والصلاة.
قال (ك): ولهذا كان يُخفِّف أحيانًا كما إذا سَمِعَ بُكاء الصَّبي ونحوه.
قال: ثم (لا أَكادُ أُدرِكُ) يحتمل التأَخُّر عن الصلاة في الجَماعة، وهو الأَظْهر بدليل الرِّواية الآتية في (كتاب الصلاة): (إِنِّي لأَتأَخَّر عن الصَّلاة)، والتأَخُّر عن الركْن واللُّحوق بالإمام.
(يطول) في بعضها: (يُطِيْل)، وفي بعضها: (بنا).
(فلان) كنايةٌ عن العلَم المسمَّى به.
قال (ك): ويُقال في غير الآدميِّ: الفُلان معرفًا باللام.
(أشد غضبًا) نصب غَضَبًا على التَّمييز، وفي بعضها: (منه من يومئذٍ)، و (من) صِلَة (أَشَدَّ)، والمفضَّل والمفضَّل عليه وإنْ كانا واحدًا لكنْ باعتبارَين: ذلك اليوم، وغيرُه من الأيام.
стр. 485
(من يومئذ)؛ أي: مِن غضَبه يومئذٍ.
(منفرون)؛ أي: عن الجَماعات، والأُمورِ الإسلامية، وفي مُخاطبة الكلِّ ولم يُعيِّن مَن يُطوِّل من التلطُّف، وهذه عادتُه ﷺ ؛ لنفي الخجَل ونحوه عن الفاعِل.
(بالناس)؛ أي: صلَّى ملتبسًا بهم.
(المريض والضعيف وذو الحاجة) ذكر الثَّلاثة؛ لأنَّها تجمَع الأنواع الموجِبة للتخفيف، فإنَّ المقتَضي إما في نفْسه بحسَب ذاته، وهو الضَّعيف، أو العارِض، وهو المرَض، ولا في نفْسه، وهو ذو الحاجة، وفي روايةٍ: (وذو الحاجَة) بالرفع، إما بالعطْف على موضع خبرِ: (إِنَّ) قبْل دُخولها، أو على الضمير الذي في الخبر المقدَّر.
قال (ن): فيه جواز التأخُّر عن الجماعة إذا عُلم من عادة الإمام أنَّه يُطوِّل كثيرًا، وجواز ذِكْر الإنسان بفُلانٍ في مَعرِض الشَّكوى والغضَب بما يُنكر من أُمور الدِّين، وإنكار المنْهي عنه تَنْزيهًا، والتَّعزير على إطالة الصلاة إذا لم يَرضَ المأْمومون، والاكتفاء فيه بالكلام، والأَمر بتخفيف الصَّلاة.
* * *
٩١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ الْمَدِينيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى الْمُنْبَعِثِ، عَنْ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ فَقَالَ: "اعْرِفْ وِكَاءَهَا -أَوْ قَالَ: وِعَاءَهَا- وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ ربُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ"،
стр. 486
قَالَ: فَضَالَّةُ الإبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احمَرَّتْ وَجْنتَاهُ -أَوْ قَالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ- فَقَالَ: "وَمَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ، وَتَرعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا"، قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: "لَكَ أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ".
(المديني) يَنبغي أن يكون المدَني؛ لأنَّه نسبةٌ لمدينة النبيِّ ﷺ ، وإنما يُقال: المَدِيْنِي في النسبة لمدينةِ المنْصور، ومَدائِني لمدائِن كِسْرى كما قاله الجَوْهَري، نعم، قال البخاري: المديني هو مَن أقام بمدينة النبيِّ ﷺ ولم يُفارقها، والمدني مَن كان بالمدينة وتحوَّل عنها.
(اللقطة) بفتح القاف في المشهور، قال الأَزْهَري: أَجمع عليه الرُّواة، ورُدَّ بأنَّه حُكي الإسكان، قال الخَليل: بالفتح اللَّاقِط، وبالسُّكون المَلقُوط، قال الأَزْهَري: هو القِياس كالضُّحْكة، وقال ابن مالك: فيها أربع لغاتٍ: هذان، ولُقاطةٌ، ولَقَطةٌ -بفتح اللام والقاف-.
قال الفُقهاء: هي ما ضاعَ بسُقوطٍ أو غَفْلةٍ، فيجده شخصٌ.
(أعرف) مِن المعرفة.
(وكاءها) -بالكسر، والمدِّ-: ما يُسدُّ به رأْس الصُّرَّة والكِيْس ونحوهما.
(أو قال) الشكُّ من يَزيد.
(وعاءها) الظَّرف، وهو بالكسر أيضًا، وقد يُضم كما قرأَ به الحسَن في: ﴿وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٦].
стр. 487
(وعفاصها) بكسر المهملة، والفاء: ما فيه النَّفَقة من خِرْقةٍ، أو جِلْدٍ، أو نحوهما، وقال الجَوْهَري: هو الجلد الذي يُلبَسه رأْس القارورة، وأما ما يُدخل في فمِه، فهو الصمام -بالمهملة-.
(ثم عرفها) أي: للنَّاس بذِكْر بعض صِفاتها سنَةً مُتصلةً كلَّ يومٍ مرتين، ثم مرةً في كل أُسبوعٍ، ثم مرةً في كل شهرٍ في بلد اللُّقَطة، [وأحكام اللقطة] مفصلةٌ في الفقه.
نعَمْ، رجَّح (ن): أنَّه يَكفي سنةٌ مُتفرِّقةٌ.
(ربها)؛ أي: مالكُها، ولا يُطلَق الربُّ على غيرِ الله تعالى إلا مُضافًا مقيَّدًا.
(فضالة الإبل) خبَره محذوفٌ، أي: حُكمها كذا، وهو من إِضافةِ الصِّفة للموصوف، وسُميت ضالَّةً؛ لأنَّها ضلَّتْ عن المَحجَّة في سَيرها، لكنَّها لا تعدَم أسباب القُدرة على العَود.
(وجنتاه) مثلَّث الواوِ، ولغة رابعةٌ: (أُجنة) -بهمزةٍ مضمومةٍ-: وهي ما ارتفَع عن الخَدِّ.
(ما لك ولها) استفهامٌ، أي: لمَ تأْخُذْها، أو نحو ذلك، وفي بعضها: (وما لَكَ؟) بواوٍ، وفي بعضها: (فَمَا لَكَ؟) بفاءٍ.
(سقاؤها) بكسر المهملة، والمدِّ، أي: جَوفُها، وأَصله للَّبَن، وجمعه: أَسقيةٌ، وفي الكثرة: أَساقٍ، كما يقال: الوَطَب: للَّبن، والنَّحي: للسَّمن، والقِرْبة: للماء.
(وحذاؤها) بكسر المهملة، والمدِّ أيضًا: خُفُّ البَعير، وحافِر
стр. 488
الفرَس، ويُقال للنَّعل أيضًا حِذاء، أي: فيَستقلُّ بذلك في العَيْش، فهي إذا وردت الماءَ شَربتْ ما يَكفيها مُدةً، فإنَّها أَطول البَهائم ظَمأً، وتَقْوى بخفِّها على السَّير، فهو تشبيهٌ بمن معه حِذاءٌ وسِقاءٌ في سفَره، وهي آمنةٌ من سبُعٍ ونحوه، فلا حاجةَ لالتِقاطها.
ووجه غضبِه ﷺ ما رأَى من استِقْصار عِلم السائل حيث لم يتنبَّه لذلك، فقاسَ الشيء على غير نظيره، فإنَّ اللُّقَطة ليست كذلك، وكذلك الغَنَم لضَعْفها فهي كاللُّقطة، وفُهم من المعنى في ذلك أنَّ ذلك في الصَّحراء، فأَما في القُرى والأَمصار فمُعرَّضةٌ للتَّلَف مَطمَحةٌ للأَطماع فتُلتقَط.
(لك)؛ أي: إنْ عرَّفتَها ولم يَظهر صاحبُها وتملَّكتها.
(أو لأخيك)؛ أي: لمالكها إنْ ظهَر، أو لمُلتقطٍ آخَر إنْ لم تلتقطها.
(أو للذئب)؛ أي: لئِنْ تركتَها، ولم يجدْها صاحبُها ولا التقَطَها غيرُك، فيأْكلُها الذِّئْب غالبًا، أو نبَّه بذلك على جواز التملُّك للمُلتقط، وعلى علَّته وهي أنَّها عُرضةٌ للضَّياع.
ففي الحديث: أنَّ له التملُّك إذا عرَّف ولم يظهر مالكُها غَنيًّا كان المُلتقِط أو فقيرًا، ووافقَنا فيه الحَنابلة إلا أنَّهم قالوا: إنْ كانتْ نقْدًا تملَّكَها، وإلا فلا.
وقالت الحنفيَّة: لا يتملَّك الغنيُّ، وجوَّزوا التِقاط الإبِل، والحديثُ عليهم فيه أيضًا.
стр. 489
وحيث عرَّف بشَرْطه هل يَملِك بغير اختياره، أو لا بُدَّ من اختِياره، مُرجَّح المَذْهبِ هو الثَّاني، ثم إذا ادَّعاها، وذكَر عِفَاصَها، ووِكاءَها دُفعتْ إليه عند مالك، وأحمد بلا بيِّنةٍ؛ لأنَّه المقصود مِن معرفة العِفَاص والوِكَاء، أي: وما أَشبَه ذلك من الصِّفات المميِّزة، وقيَّد ذلك الشافعيُّ والحنفيَّة بما إذا وقَع في نفْسه صِدقُه، فله أن يُعطيَه، وإلا فلا بُدَّ من بيِّنةٍ، وإنَّ فائدة مَعرفة العِفاص والوِكاء أنْ لا تختلِط بماله، فلا يُمكنه التَّمييز إذا جاء مالكُها.
قال (خ): فإذا جاء صاحبُها ردَّها إليه إنْ كانتْ باقيةً، أو قيمتَها إنْ كانتْ تالفةً، فإنْ ضاعَتْ في سنَة التَّعريف فلا شيءَ، أو بعدَها صارتْ دَينًا.
* * *
٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: "سَلُونِي عَمَّا شِئْتُم"، قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أبي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ"، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ"، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللهِ .
سنَدُه كوفيُّون.
(عما) في نسُخةٍ: (عَمَّ) بلا ألفٍ، قال بعض العلماء: هذا محمولٌ
стр. 490
على أنَّه أُوحي إليه به؛ إذ لا يعلم ما يُسأل عنه من المغيَّبات إلا بإعلام الله تعالى.
قال (ع): وظاهره أنَّه قال ذلك غضَبًا.
(حذافة) بضم المهملة، وبذال معجمةٍ، وفاءٍ.
(قال رجل) هو سَعد بن سالم مَولى شَيبة بن رَبيعة، ذكَره ابن عبد البَرِّ في "التَّمهيد"، فهو صَحابيٌّ وإنْ لم يتعرَّضوا لذِكْره في الصَّحابة.
(شيبة) بفتح الشين المعجَمة، وسُكون الياء، وبمُوحَّدةٍ.
(ما في وجهه)؛ أي: مِن الغضَب.
(نتوب)؛ أي: مِن الأَسئلة المكروه له ﷺ .
* فائدةٌ: قال الإِسْمَاعِيْلي: الغضَب من رسول الله ﷺ على وجهين: بَيان الكَراهية، وغِلَظ الكراهة على قَدْر الغضَب غِلَظًا وخِفَّةً، وربَّما كان الغضَب في مثل هذه الحالة أبلَغ في الزَّجر عن ارتكاب ما له غضِبَ من تجريد النَّهي عنه، وهذا مما لا يقُوم أحدٌ مقامه فيه، والثاني غضَب البشَرية كما رُوي: "إِنَّما أَناَ بَشَرٌ، أَغضَبُ كمَا يَغضَبُ البَشَر"، فالناس مَزْجُورون عن القَضاء في الغضَب، وهو مَعصومٌ مأْمونٌ فيه المَيْل عن الحقِّ في الغضَب، فلذلك حكَم على الأَنْصاري للزُّبَير باستيفاءِ حقِّه نظَرًا واصطِلاحًا لا حُكمًا في غضَبٍ حيثُ قال: "أَنْ كانَ ابنَ عمَّتِكَ".
* * *
стр. 491
٢٩ - بابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَوِ الْمُحَدِّثِ
(باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث) بَرَك -بتخفيف الرَّاء- استعارةٌ مِن بَرَك البَعير بُروكًا: استَناخَ، وكلُّ شيءٍ ثبَت وقامَ فقد بَرَك، ويُسمَّى هذا المَجاز غير مُقيَّدٍ، وهو أنْ يكون في حقيقته مقيَّدًا، فيُستعمل في الأَعمِّ بلا قَيْدٍ كالمِشْفَر، وهو شَفَة البَعير، فيُستعمل في مُطلَق الشَّفَة، فيُقال: زيدٌ غَليظ المِشْفَر.
٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ"، ثُمَّ أَكثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي"، فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نبَيًّا، فَسَكَتَ.
(فقام عبد الله) إلى آخره، سبب سُؤاله أنَّ بعض الناس كان يَطعَنُ في نسَبه على عادة الجاهليَّة في الطَّعن في الأَنساب، وفي "مسلم": (كانَ يدعى بغَيرِ أَبيهِ، ولما سمعتْ أُمُّه سُؤاله قالتْ: ما سمعتُ بابنٍ أعقَّ منْكَ، أَأَمِنْتَ أنْ تكونَ أُمُّكَ قَارفَتْ ما يُقارِف نِساءُ الجاهليَّة؛ فتَفْضَحها على أَعيُن النَّاس، فقال: واللهِ لَو أَلحقَني بعَبْدٍ أَسوَد للَحِقْتُ بهِ).
وأما معرفة النبيِّ ﷺ أنَّه ابنُه فالظاهر أنَّه بوحيٍ، ويحتمل بالفِراسة، أو بالاستِلْحاق.
стр. 492
(رضينا)؛ أي: بما عندنا من كتاب الله، وسنَّة نبينا ﷺ ، واكتفينا به أَبلَغ كِفايةٍ، وبُروكه كان أدبًا وإكرامًا للنبي ﷺ ، وشفَقةً على المسلمين لئلا يُؤذوه، فيدخلوا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] الآية.
وسيأْتي في (التفسير): أنَّ في ذلك نزلتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الآيةَ، وعن ابن عبَّاس: أَنَّ ناَسًا كانوا يَسأَلون النبيَّ ﷺ استهزاءً، فيقول الرجل: مَنْ أَبي؟، ويقول الآخَر: ضلَّتْ ناقتُه، أَين ناقَتي؟ فنزلتْ.
(فسكت) في نُسخةٍ قبْل ذلك لفْظ: (ثلاثًا)، أي: فقاله ثلاث مرات، وإنما قال ذلك في الحديثَين وهو غَضْبان ونحوه غضَبه في حُكمه للزُّبير، والقاضي وإنْ كان لا يَقضي وهو غَضْبان كما في الحديث الآخَر، لكنَّ النبيَّ ﷺ معصوم بخلاف سائر القُضاة، فلا يجوز عليه غلَطٌ في الحُكم.
قال (ط): وفيه فَهْم عُمر، وفضل عِلْمه، أي: كما بينَّاه، ووُجوب التواضُع للعالم، وأنَّه لا يَسأَل إلا فيما يحتاج إليه.
* * *
٣٠ - بابُ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ
فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ"، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ بَلَّغْتُ"، ثَلَاثًا.
стр. 493
(باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه) هو بضم الياء مِن (يفهم) مع كسر الهاء وفتْحها، وخَصَّ (ك) الفتْح بروايةِ زيادة عنه.
(ألا وقول الزور) سيأْتي في (الشَّهادات) في حديث أبي بَكْرة: (أَلا أُنبِئكم بأَكبَرِ الكَبائِرِ؟) ثلاثًا، إلى قوله: (أَلا وَقَولُ الزُّورِ)، فما زالَ يُكرِّرها حتى قُلنا: ليتَهُ سكَتَ.
و (أَلا): حرف تنبيهٍ يدلُّ على تحقيق ما بعدَه وتأْكيده، ورفعُه بالعطف على ما قبلَه، والزُّور بضم الزاي: الكذِب والمَيْل عن الحقِّ، وقوله: فما زال يُكرِّرها، أي: الجُملة، أو الشَّهادة، أو الثَّلاثة، أو الثَّالثة، والمراد في مَجلِسه لا في مُدَّة عمُره.
وقد وصَل الحديثَ أيضًا في (الدِّيَات).
(وقال بن عمر ...) إلى آخره، قاله في حَجَّة الوَادع، وهو موصولٌ في (الحدود).
(ثلاثًا)؛ أي: ثلاثَ مراتٍ.
* * *
٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا.
(كان) قال الأُصوليون: قيل: ذلك ليُشعِر بالاستِمرار.
(بكلمة)؛ أي: بجُملةٍ مُفيدةٍ.
стр. 494
(سلم) جوابُ (إذا)، وأَما قوله قبلَه: فسلَّم هو من تتمَّة الشَّرط، وإعادة الكلام ثلاثًا.
قال (خ): إما لأَنَّ بحضرته مَن يَقصُر فَهمه، وقد أَمر بالبَيان والتَّبليغ، أو يكون الكلام فيه نوعُ إشكالٍ، فيَرفعُه ويُزيل الشُّبهة منه.
قال: وأما تسليمه ثلاثًا فيُشبه أن يكون عند الاستئذان، فقد روى سَعْدٌ: (أنَّه ﷺ وهُو في بَيته، فلم يُجبْه، ثم ثانيًا، ثم ثالثًا، فانصرَفَ، فتَبِعَهُ سعدٌ، فقال: يا رسولَ الله! بأُذُني تَسليمُكَ، ولكنْ أَردتُ أَنْ أستَكثِرَ مِن بركَةِ تَسليمِكَ)، وقال في حديثٍ آخَر: (إِذا استَأْذَنَ أَحدُكُم فلم يُؤذَن لَه فليَرجِعْ)، قيل: وفيه نظَرٌ؛ لأنَّ تسليمةَ الاستئذان لا تُثنَّى إذا حصَل الإِذْن بالأُولى، ولا تُثلَّث إذا حصَل الإذْن بالثانية، ثم إنَّه ذكَره بحرف (إذا) المُقتضِية لتَكرار الفِعْل كَرَّةً بعد أُخرى، وتسليمُه ثلاثًا على بابِ سَعْد أَمرٌ نادرٌ، والوَجْه: أنَّ معناه: كان ﷺ إِذا أَتى على قومٍ سلَّمَ تَسليمَ الاستِئْذان، فإذا حصَلَ سلَّم تَسليمَ التَّحيَّة، فإذا قامَ مِن المَجلِس سلَّم تسليمَ الوَداع، والثَّلاثة مسنونةٌ.
وقال (ك): (إذا) لا تقتضي تكرارًا، وإنما الذي تقتضيه (كلَّما)، نعم، التركيب يُفيد الاستِمرار.
ثم ادَّعى أنَّ قِصَّة سَعْد أمرٌ نادرٌ لم يُذكر في غيره = ممنوعٌ، فقد صحَّ حديث: "إِذا استَأْذَنَ أَحدكم".
وقال (ط): إنما كان يُكِّرر الكلام والسَّلام إذا خَشِيَ أنْ لا يُفهم
стр. 495
عنه، أو لا يُسمع سلامه، أو أَراد الإِبلاغ في التعليم، أو الزَّجر في المَوعِظة.
وفيه أنَّ الثلاث غايةُ ما يقَع به البَيان والإعذار.
* * *
٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْناَهُ فَأَدْركَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ -صَلَاةَ الْعَصْرِ- وَنَحْنُ نتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتهِ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ"، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
(فأدركنا) بفتح الكاف.
(أرهقنا) بسكون القاف، وفي بعض النُّسَخ: (أَرهقَتْنا).
وشرح باقي الحديث سبَق في (باب مَن رفَع صوتَه بالعِلْم).
* * *
٣١ - بابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ
(باب تعليم الرجل أمته وأهله) الأَمَة خِلاف الحُرَّة، وأَصلها: أَمَوَة -بالتَّحريك-، وعطْف الأَهل عطْفُ عامٍّ على خاصٍّ.
٩٧ - أَخْبَرَناَ مُحَمَّد -هُوَ ابْنُ سَلَامٍ-، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ:
следующие страницы →