فقالوا: وهمٌ.
(وهو)؛ أي: عبد الله.
(يتشحط) بمعجمةٍ، ثم مهملتَين، أي: يضطَرِب في الدَّم، وعبد الرَّحْمَن هو أخو عبد الله، وأما حُوَيِّصَة ومُحيِّصَة فابنا عمِّه، وبهذا قال ابن عبد البَرِّ في ترجمة حُوَيِّصة: قالا لرسول الله ﷺ قصَّة ابن عمِّهما عبد الله، ولكنَّه قال في ترجمة عبد الله: هو ابن أخِي حُوَيِّصَة، ومُحيِّصَة.
قال (ك): وعلى ما نَسَب (ن): عبد الله فهما ابنا عمِّ أَبيه.
(كَبِّر)؛ أي: قدِّم الأكبَر الأَسنَّ، أي: أن الأكبَر هو الأَولى بالتقدُّم في الكلام.
(أتحلفون) قال (خ): بدأَ بالمُدَّعين في اليَمين، فلمَّا نكَلوا ردَّها على المُدَّعى عليهم، فلمَّا لم يَرضَوا بأَيمانهم عقَله مِن عنده؛ لأنه عاقِلَة المسلمين، ووليُّ أمورهم.
(دم) تعلَّق به من يُوجب القِصاصَ بأيمان القَسَامة حالةَ العَمْد كمالك.
قال (ن): إنما معناه: تستحقُّون حقَّ دَمِكُم، فهو أعمُّ من القِصاص، والدِّيَة، أي: ولا دلالةَ للأعمِّ على الأخَصِّ.
(فتبرئكم)؛ أي: تَبْرأ إليكم من دَعواكُم، أو يخلِّصوكم من اليَمين بأنْ يحلِفوا، فإنهم إذا حلَفوا لم يثبُت عليهم شيءٌ، وخلصتُم أنتم من اليَمين.
стр. 4382
(خمسين يمينًا)؛ أي: أنَّ حُكم القَسامة مخالِفٌ لسائر الدَّعاوي مِن جِهَة أنَّ اليمين على المُدَّعي، وأنها خمسون يمينًا، وذلك عند اللَّوث كالعَداوة الظَّاهرة هنا بين المُسلمين واليهود.
قلتُ: الخَمْسون دَعوى القتْل مطلَقًا، حتَّى تكون في ما لا لَوثَ فيه من جانب المدَّعى عليه، والمردودة على المدَّعي ومع الشَّاهد الواحد حيث كان في مُوجَب مالٍ.
قال (ن): وإنما عقلَه ﷺ قطْعًا للنِّزاع، وجبرًا لخاطرهم، وإلا فاستِحقاقُهم لم يثبُت، ولفظ: (فعقله)؛ أي: أدَّى عقْله، وهو دِيَتُه، يُقال: عقَلْتُه: أدَّيتُ دِيَته، وعقَلْتُ عنه، إذا لزمتْه ديةٌ فأدَّيتَها عنه، وفي "النَّسائي": أنَّه قسم ديتَه عليهم، وأعانهَم بنِصْفها.
(من عنده) يحتمل مِن خالص ماله، أو مِن بيت المَال ومَصالح المُسلمين، وحقيقة الدَّعوى أنها لعبد الرَّحمن أخِي المَقتول.
فأما قوله: (يحلِفُون) مخاطِبًا لابنَي عمِّه مع الأخ إشارةٌ لتكلُّم الأكبر في سماع صُورة القَضيَّة، فإذا عرفتْ وتوجَّهت الدَّعوى واليمين استقلَّ صاحبُها بذلك.
ويحتمل أن عبد الرَّحْمَن وكَّلَ أكبر، أو أمرَه بتوكيله فيها، وعند اليمين يحلِف المستحِقُّ، وهذا كان من المعلوم عندهم أن اليمين تختصُّ بالوارِث، فأَطلَق الخِطاب لهم، والمراد مَن يختصُّ به.
قال: ورُوي عن جماعةٍ إبطالُ القَسامة، وأنه لا حُكم لها،
стр. 4383
ولا عمَلَ بها، منهم البُخَارِيّ، وفي هذا الحديث إثباتُه، وجَواز الحُكم على الغائب، وجواز اليمين بالظنِّ، وصحَّة يمين الكافِر.
* * *
١٣ - بابُ فَضْلِ الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ
(باب فَضْل الوَفاءِ بالعَهْد)
٣١٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ: أَن هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا تِجَارًا بِالشَّأْمِ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي مَادَّ فِيهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا سُفْيَانَ فِي كُفَّارِ قُرَيْشٍ.
(ماد)؛ أي: هادَنَ، وعيَّن للصُّلْح، يقال: مادَّ الغَريمان: إذا اتفَقا على أجَل الدَّين.
ووجْه دلالته على التَّرجمة أنَّ في هذا الحديث: (وكذلِكَ الرُّسُل لا تَغدِرُ)؛ فإنَّه وإنْ كان من كلام هِرَقْل إلا أنَّ الصَّحابة تَداولوه [و] استَحسنوه، كما سبق تقريره أواخر (كتاب الإيمان).
* * *
الثالث (١):
سبَق قَريبًا، وبعيدًا.
(وَالى) قال الدَّاوُدي في غير هذا الموضع: مِن تَولَّى، وهو المحفوظ؛ لأنَّه نهى عن بيع الوَلاء وهبتِه.
* * *
٣١٨٠ - قَالَ أَبُو مُوسَى: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا لَمْ تَجْتبُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا؟ فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ تَرَى ذَلِكَ كَائِنًا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: إِيْ وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ! عَنْ قَوْلِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، قَالُوا: عَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: تُنْتَهَكُ ذِمَّةُ اللهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ ﷺ ، فَيَشُدُّ اللهُ قُلُوبَ أَهْلِ الذَّمَّةِ، فَيَمْنَعُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ.
الرابع:
(لم تجَتَبُوا)؛ أي: لم تأْخُذوا على وجْه الخَراج.
(المصدوق)؛ أي: الذي لم يقُل له إلَّا الصدَق بمعنى: أنَّ جبريل مثلًا لم يُخبره إلَّا بالصَّدق، أو المُصدَّق بلفظ المفعول.
(تنتهك)؛ أي: يَتناول بما لا يحِلُّ، يريد أنَّهم متى ظلموا منَعوا ما في أيديهم، وأفسَدوا، وحارَبوا، وأَعادوا الفِتْنة.
* * *
стр. 4390
١٨ - بابٌ
(باب)
٣١٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنا أَبُو حَمْزَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الأَعْمَشَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا وَائِلٍ: شَهِدْتَ صِفِّينَ؟ قَالَ: نعمْ، فَسَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَقُولُ: اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ لَرَدَدْتُهُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا لأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إلا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ، غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا.
الحديث الأول:
(حمزة) بمهملةٍ، وزايٍ.
(صِفِّين) بكسر المهملة، وشدَّة الفاء: اسمُ موضعٍ على الفرات، وقَع فيه الحرب بين عليٍّ ومُعاوية ﵂، غير منصرفٍ.
(اتَّهِموا)؛ أي: لا تتَّهِموني بأني أقصِّر في القِتال، بل اتَّهِموا رأْيَكم، فإنِّي لا أُقصِّر وقتَ الحاجة كما في يوم الحُدَيبِيَة؛ فإنِّي رأيتُ نفْسي يومئذٍ بحيث لو قدَرتُ على مخالفة رسول الله ﷺ لقاتَلتُ قتالًا لا مَزيدَ عليه، لكنْ أتوقَّف اليومَ عن القِتال لمَصلحة المُسلمين، أي: فلا تعوِّلوا على الرأْي، فالرأْي يخطئ ويُصيب، فإنَّه رامَ مخالفةَ أمره في الصُّلْح اتكالًا على الرأْي إذْ ذاك، ثم علم بعدُ أن الصُّلْح كان هو الصَّواب، وذلك المشارُ إليه بقوله: (يوم أبي جَنْدَل) بفتح الجيم، وسُكون النُّون، وفتح المهملة، ابن العاصِي بن سُهَيل.
стр. 4391
وإنما عُرف يوم الحُدَيبِيَة بذلك؛ لأنَّ ردَّه على المُشركين كان شاقًّا على المسلمين، وأعظَم عليهم من سائِر ما جرَى عليهم، وقال فيه عُمر ما قال.
(يفظعنا) بإعجام الظَّاء، أي: يُخوِّفُنا، ويشقُّ علينا.
قال ابن فارِس: فظَعَ، وأفظَعَ لُغتان.
(إلَّا أسهلن)؛ أي: السُّيوف.
(بنا)؛ أي: متلبسةً بنا مُنتهيةً.
(إلى أمر نعرفه)؛ أي: عرَفنا حالَه ومآلَه غير هذا الأمر الذي نحن فيه من المُقاتَلة التي تجري بين المسلمين؛ فإنَّه لا يَسهُل بنا، ولا يَنتهي.
* * *
٣١٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو وَائِلٍ، قَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ، فَقَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ؛ فَإِنَّا كنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ فَقَالَ: "بَلَى"، فَقَالَ: ألَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: "بَلَى"، قَالَ: فَعَلَى مَا نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِيننَا؟ أَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: "ابْنَ الْخَطَّابِ! إِنِّي
стр. 4392
رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا"، فَانْطَلَقَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللهُ أَبَدًا، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْح، فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عُمَرَ إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَوَ فَتْحٌ هُوَ؟ قَالَ: "نعمْ".
الحديث الثاني:
بمعنى ما قبلَه، وزيادةُ بسطِ قصَّة الحُدَيبِيَة.
(الدنية) فَعِيْلة، أي: النَّقِيصة، والخَصْلة الخَسيسة.
(سورة الفتح)؛ أي: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾.
(أو فتح)؛ أي: صُلْح الحُدَيبِيَة فتحٌ.
قال (ن): أراد سَهْل بهذا تصبُّر النَّاس على الصُّلْح وإعلامَهم بأنَّه يُرجى فيما بعدَه مصيرٌ إلى الخير، وإنْ كان ظاهرُه في الابتِداء مما تكرهُه النُّفوس كما كان صُلْح الحُدَيبِيَة، وكراهة أكثَر الناسِ الصُّلْحَ، ومع هذا أعقَبَ خيرًا عظيمًا، فأقرَّهم النبيُّ ﷺ على الصُّلْح مع أنَّ رأْيَهم كان مُناجزةَ أهل مكة بالقِتال.
قال: ولم يكُن سُؤال عُمر وكلامُه المذكور شكًّا، بل طلَبًا لكشْف ما خَفِيَ عليه.
وفيه فضيلة أبي بكرٍ ﵁.
* * *
стр. 4393
٣١٨٣ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بْنَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهْيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمُدَّتِهِمْ، مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ، وَهْيَ رَاغِبَةٌ، أفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: "نعمْ، صِلِيهَا".
الحديث الثالث:
(أُمِّي) اسمها: قَيْلَة، بفتح القاف، وسُكون الياء.
(مدتهم)؛ أي: المُعيَّنة للصُّلْح.
(مع أبيها) اسمه: عبد العُزَّى، وقال (ش): هو الحارِث بن مُدرِك بن عُبَيد بن عمْرو بن مَخزُوم؛ قاله الزُّبير، فأسماءُ وعائشةُ أُختان من أبٍ فقط.
(راغبة)؛ أي: في أنْ تَأْخُذ مني بعضَ المال، ورُوي خارج الصَّحيح: (راغِمَةٌ) بالميم، أي: مُشرِكةٌ، وقيل: كارِهةٌ، وقيل: راغبةٌ عن الإسلام كارهةٌ، وهو نصبٌ على الحال، ويجوز رفعُه على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ.
ثم اختُلف فيه، فقيل: كانتْ أُمها من الرَّضاعة، وقيل: التي ولَدتْها، وهي: قَيْلة بنت عبد العُزَّى، وهي أُمُّ عبد الله بن أبي بكْر.
وسبق بسط ذلك في (الهبة)، في (باب: الهديَّة للمُشركين).
* * *
الثالث:
(ونية)؛ أي: قَصْدٍ.
سبَق أول (الجهاد).
(ولا يعضد) بالجزْم والرَّفع.
(يُخْتلى)؛ أي: يُجَزُّ.
(خلاها) بالقَصر: الرَّطْب من الحَشِيش.
(الإذْخر) نبتٌ طيِّب الرَّائحة.
(لقينهم) هو الحَدَّاد.
وسبَق في (باب: كتابة العِلْم).
ووجْه مناسبة الحديث للتَّرجمة لعلَّه استُنبط من لفْظ: (فانفِروا)؛ إذ معناه لا تغدِرُوهم، ولا تخالفوهم؛ لأنَّ إيجاب الوَفاء بالخُروج مستلزِمٌ لتحريم الغَدْر، أو أنَّه أشارَ إلى أنَّ رسول الله ﷺ لم يَغدِر في استِحلال القِتال بمكَّة؛ لأنَّه كان بإحلالِ الله له ساعةً، ولولا ذلك لمَا جازَ له.
وقيل: وجهه أنَّ تحريم قتْل البَرِّ لا يختصُّ ببلَدٍ، فدلَّ على أن الذي اختصَّ به الحرَم تحريم قتْل الفاجِر المستحِقِّ للقتْل، وإلا لم يكُن لمكَّة مَزيَّةٌ على غيرها، فيصدُق أنَّ الغادِر فيه بقتْل الفاجرِ والبرِّ كليهما آثمٌ، فتصحُّ التَّرجمة.
(أفأعيا علينا)؛ أي: ما أَعجزَنا الخَلْقُ الأوَّلُ، حتَّى تُعجِزَنا الإعادة.
(حين أنشأكم) الأصل أن يقول في تفسيره: أَنشأْناكم، لكنَّه التفاتٌ من التكلُّم إلى الغَيبة، أو قصد الإشارة إلى قوله تعالى في آيةٍ أُخرى: ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم: ٣٢]، فذكَره على وجه التَّفسير.
قال (ك): وهو الظَّاهر، فالمعنى: إذْ قال حين أَنشأَكم، أو هو محذوفٌ في اللَّفْظ، واكتفى بالتَّفسير عن المفسَّر، وهو لفْظ (إذ) في تلك الآية.
(لغوب)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، وعبارة "الكشَّاف": اللُّغُوب: الإِعْياء.
(أطوارًا)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤].
(طورًا كذا)؛ أي: طَورًا نُطفةً، وطورًا علقةً، وطورًا مضغةً، وغير ذلك.
(عدا طوره)؛ أي: ويُقال: فُلانٌ عَدَا طَورَه، أي: جاوزَ قدْره.
واعلم أنَّ ذكْر هذا كلِّه من استِطراد البُخَارِيّ على عادته فيما إذا ذكَر آيةً أو حديثًا في التَّرجمة.
* * *
٣١٩٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، قَالَ: جَاءَ نَفَرٌ مِنْ بَنِي تمِيمٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "يَا بَنِي تَمِيمٍ! أَبْشِرُوا"، قَالُوا:
стр. 4403
بَشَّرْتنا فَأَعْطِنَا، فتغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَجَاءَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ، فَقَالَ: "يَا أَهْلَ الْيَمَنِ! اقْبَلُوا الْبُشْرَى إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ"، قَالُوا: قَبِلْنَا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ يُحَدِّثُ بَدْءَ الْخَلْقِ وَالْعَرْشِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ! رَاحِلتُكَ تَفَلَّتَتْ، لَيْتَنِي لَمْ أَقُمْ.
الحديث الأول:
(نفر)؛ أي: رجالٌ من ثلاثةٍ إلى عشَرةٍ.
(أبشروا) من الإِبْشار، وجاء ثُلاثيًّا: بَشَرت الرجُل أَبشُره بالضَّم، أي: بشَّرهم ﷺ بما يقتضي دُخولَ الجنَّة حيث عرَّفَهم أُصول العَقائد: المَبْدأ، والمَعاد، وما بينَهما.
(فأعطنا)؛ أي: من المَال.
(اقْبلُوا) من القَبول.
(راحلتك) هي النَّاقة التي يصلُح أن تُرحَل، وتُطلَق أَيضًا على المَركُوب ذكَرًا كان أو أُنثى.
(تفلتت)؛ أي: بالتاء، أي: تَشرَّدت، أي: أَدرِكْ راحلتَك.
(ليتني لم أقم)؛ أي: من مجلس رسول الله ﷺ حتَّى لا يفوتَني سماعُ كلامه، فالآخِرةُ خيرٌ وأبقى.
* * *
٣١٩١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا
(على الماء)؛ أي: لم يكُن تحته إلَّا الماء.
ففيه أنَّ العرش والماء كانا مخلوقَين قبل السَّماء والأرض، والواو في هذه الجملة بمعنى: ثم.
(وكتب)؛ أي: قدَّر كلَّ الكائنات، وأثبتَها في محلِّ الذِّكْر، وهو اللَّوح المحفوظ، ونحوه.
(تقطع) بالتشديد: فعلٌ ماضٍ، أو بالتَّخفيف مضارع: قطَع.
(السراب) فاعلُه: وهو ما يَراه الإنسانُ وسَط النَّهار كأنَّه ماءٌ، والمعنى: فإذا هي انتهى السَّرابُ عندها (١).
(تركته)؛ أي: حتَّى لا يفوتَني سماع كلامه ﷺ .
(وروى عيسى)؛ أي: الملقَّب بِغُنْجَار، بضم الغين، وسكون النُّون، ثم جيم، وصلَه الطَّبَراني في (مسند رَقَبَة بن مَصقلَة)، وابن مَنْدَه في "أماليه".
قال الغَسَّاني: فالصَّواب: عيْسى، عن أبي حَمْزة -أي: بمهملةٍ، وزايٍ- السُّكَّري، عن رَقَبَة، فسقَط أبو حَمْزة بينهما، وكذا قالَه أبو مَسعُود الدِّمَشقيّ، وغيره.
(حتَّى) غايةٌ للبَدْء، أو للإخبار، أي: حتَّى أخبَر عن دُخول أهل الجنة.
والحاصل أنَّه أخبَر عن المبتدأ، والمعاش، والمعاد جميعًا.
* * *
стр. 4406
٣١٩٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أُرَاهُ: "يَقُولُ اللهُ: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتِمَنِي، وَتَكَذَّبَنِي وَمَا يَنْبَغِي لَهُ؛ أَمَّا شَتْمُهُ فَقَوْلُهُ: إنَّ لِي وَلَدًا، وَأَمَّا تَكْذِيبُهُ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيدُنِي كَمَا بَدَأَنِي".
الحديث الثالث:
(شتمني) الشَّتْم: الوصْف بما يُزْري ويُنقِص، ولا سيَّما فيما يتعلَّق بالغَيرة، وإثْبات الولَد له من ذلك؛ لأنَّه يستلزِم الإمكان المُتَداعي إلى الحُدوث، قالوا: إنَّ هذا الحديث كلامٌ قُدسيٌّ، أي: نصٌّ إلهي في الدَّرجة الثَّانية؛ لأنَّ الله تعالى أخبر نبيَّه ﷺ بالإلهام، وأخبر النبيُّ ﷺ أُمتَه بعبارة نفْسه.
وقد سبق تحقيقه في (كتاب الصوم).
* * *
٣١٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَمَّا قَضَى اللهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَهْوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي".
الحديث الرابع:
(عنده) ليستْ عنديَّةً مكانيةً؛ لأنها محالٌ، بل إشارةٌ إلى كونه
стр. 4407
مكتُوبًا على الخَلْق مرفوعًا عن خبَر إدراكهم.
(فوق العرش) قال (خ): قال بعضهم: أي: دُونه؛ استِعظامًا أن يكون شيءٌ من الخلْق فوق العرش (١)، كما في قوله تعالى: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] أي: فما هو أصغَر منها، وقيل: (فوق) زائدةٌ، كما في: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ [النساء: ١١].
والأحسن أن يُقال: أراد بالكتاب أحدَ شيئَين:
إما: القَضاء الذي قَضاه، وأحبَّه، والمعنى: فعلم ذلك عنده فوق العرش كما قال: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ [طه: ٥٢].
وإما: اللَّوح المَحفوظ الذي فيه ذِكْر الخلائق وأحوالهم، فالمعنى: أنَّ ذِكْره، أو عِلْمَه عنده فَوق العَرْش، هذا مع أنَّه لا محذورَ أنْ يكون كتابٌ فوق العَرْش.
(إن رحمتي غلبت) هذا تفسيرٌ للمَكتوب، وهو إشارةٌ إلى سَعَة رحمة الله تعالى، وشُمولها الخلْق، وكأنَّها الغالِب، كما يُقال: غلَب على فُلانٍ الكرَمُ، أي: كان أكثَرَ أفعاله.
والرَّحمة والغضَب وإنْ كانت حقيقتُهما محالةً على الله تعالى، والمُراد لازِمُهما، إما وصفُ ذاتٍ، وهو إرادة الخَير والشَّرِّ، فالسَّبْق حينئذٍ باعتبار التعلُّق، أي: تعلُّق الرَّحمة سابقٌ على تعلُّق الغضَب، وإما صفة فعلٍ هي الإحسان، أو الانتِقام، فهما وصفان للأفعال، لا امتناعَ في
الثاني:
(شيئًا) في بعضها: (شِبْرًا).
ففيه أنَّ الأرض سبْع طبقاتٍ، وأنَّ ما تحت مِلْك الشَّخص له بالِغًا ما بلَغَ.
* * *
٣١٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الزَّمَانُ قَدِ اسْتَدَارَ كهَيْئتَهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ".
الثالث:
(الزمان) الوقْت قليلًا كان أو كثيرًا، والمراد به هنا السَّنَة، أو ذو الحِجَّة، أي: رجَع إلى الذي حجَّ منه إبراهيم ﵇ وزال ما غيَّرُوه في النَّسِيء.
(كهيئته) الكاف صفة لمصدرٍ محذوفٍ، أي: استَدارَ استدارةً مثلَ حالته يومَ خلَق الله السماء والأرض، فإنَّ قريشًا كانوا ابتدعوا أن يُديروا الحجَّ في كلِّ سنَةٍ شَهْرًا، فإذا حَجُّوا في ذي الحِجَّة حجُّوا في السنة التي بعدَها في المُحرَّم، وهكذا، حتَّى ينتهيَ الدَّور إلى ذي
стр. 4411
الحِجَّة، وكانت تلك السنة أقصَى الدَّوَران، فيكون الحجُّ في ذي الحِجَّة كما كان في ابتداء خلْق السماوات والأرض بهدايةِ الله تعالى نبيَّه ﷺ إلى ذلك، وحمايتِه من بِدَعهم كما فُعل معه في غير ذلك.
(ثلاث) لم يقُل ثلاثة مع أن التَّمييز شهر، إمَّا باعتِبار لفْظ: غرّة، أو اللَّيلة، أو أنَّ العدَو إذا لم يُذكَر تمييزُه يجوز فيه الوَجْهان.
(ورجب مُضَر) بضم الميم، وفتح المعجمة، والراء: القَبيلة المشهورة، أُضيف رجَب إليهم؛ لأنهم كانوا يُحافظون على تحريمه أشدَّ من سائر العرَب، ووصفَه بأنه: (الذي بين جمادى وشعبان) تأكيدًا، أو إزاحةً للرَّيب الجاري فيه من النَّسيء، فكأنه قال: رجَب الحقيقي لا الذي نسَأْتُموه، وأخرَّتموه.
قال في "الكشَّاف": النَّسيء تأْخيرُ حُرمة شهرٍ إلى شهر آخر، كانوا يُحلُّون الشهر الحرام، ويحرِّمون مكانه شهرًا آخر، حتَّى رفضُوا تخصيص الأشهُر الحرُم، فحرَّموا من العام أربعة أشهرٍ مُطلَقًا، وربما زادوا في الشُّهور فيجعلونها ثلاثةَ عشَر شهرًا، أو أربعةَ عشَر، والمعنى: رجعَتْ الأشهر الحرُم إلى ما كانت عليه، والحجُّ إلى ذي الحِجَّة، وبطَلَ النَّسيء، فحجَّ عيَهيمْ في ذي الحِجَّة، وحجَّ أبو بكر قبْله في ذي القَعدة.
* * *
٣١٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ
стр. 4412
هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زيدِ بْنِ عمرِو بْنِ نُفَيْلٍ: أنَّهُ خَاصَمَتْهُ أَروَى فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أنه انتُقَصَهُ لَهَا إِلَى مروَانَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَناَ أَنتُقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا؟ أَشْهَدُ لَسَمعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبع أَرَضِينَ".
قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّناَدِ: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِي ﷺ .
الحديث الرابع:
(أروَى) بضم الهمزة، وسكون الراء، وفتح الواو، مقصورٌ، بنت أبي أُويس، وكانت حاضِنةً لمروان بن الحكَم ادَّعتْ أن سعيدًا غصَبَها أرضًا.
قال ابن الأَثير: لم يُحقَّق أنها صحابيةٌ، أو تابعيةٌ.
(إلى مروان) متعلِّق بقوله: (خاصَمتْه)، أي: تَرافَعا إليه، وهو كان يومئذٍ على المدينة، فترك سَعيد الحق لها، ودَعَا عليها، فقال: اللَّهمَّ إنْ كانت كاذبةً فأعْمِ بصرَها، واجعلْ قبرَها في دارِها، فتقبَّل اللهُ دعوتَه، فعَمِيتْ، ومرَّتْ على بئْرٍ في الدار فوقَعتْ فيها، فكانت قبرَها.
وقد مرَّت القِصَّة في (كتاب المظالم).
* * *
стр. 4413
٣ - باب فِي النُّجُومِ
وَقَالَ قتادَةُ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾: خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تأوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخْطأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (هشيمًا): مُتَغَيِّرًا. وَ (الأَبُّ): مَا يَأكلُ الأَنْعَامُ.
(الأَناَمُ): الْخَلْقُ. ﴿بَرزَخ﴾: حَاجِب.
وَفَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلفَافًا﴾: مُلْتَفَّةً. وَ (الْغُلْبُ): الْمُلْتَفَّةُ. ﴿فِرَشَا﴾: مِهَادًا، كَقَوْيهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. ﴿نَكِدًا﴾ ": قَلِيلًا.
(باب: في النُّجُوم)
قوله: (وقال قتادة) هو من أحسَن الرد على القائلين بالنُّجوم.
وفيه أنَّ الرَّجْم بها لم يزَل قبْل البِعثة.
قال ابن عبد السَّلام في "أماليه": إنْ كان المراد الكَواكب الظاهرة فهي على الأصحِّ يُرجم بها من زمان عيسى ﵇، والجمع بين هذا وبين قَول أهل التَّواريخ والأَرصاد لها مِن كونها لا يُفقَد شيءٌ منها، ولا هي تَرجع إلى مواضِعها، وإلا لرأَيناها، ولم نَرَها: أنَّ اِلذي يُرجَم به شُهب تخلَق عند الرَّجْم، وكذا قال الفارِسي: ﴿وَجَعَلنهَا
стр. 4414
رُجُومُا للِشَّيَطِينِ﴾ [الملك: ٥]: إنَّ الضَّمير للسَّماء على حذْف مضافٍ، أي: جعلناها شُهبًا، ولم يدلَّ دليلٌ على أنها عند البعث ولا المَولد، بل الأصحُّ ما ذكره المؤرِّخون؛ لما رُوي أنه ﷺ قال للعرَب: "ما كنتُم تَعُدُّون هذا في الجاهليَّة؟ "، يعني: رميَ الشُّهب، قالوا: مَولدُ عظيمٍ، أو فَقْد عظيمٍ، وهو في "الصَّحيح"، انتهى.
قال (ش) (١): وفيه نظَرٌ.
قال: وما حكاه البُخاري عن قَتادة عَزاه الشَّيخ لابن عبَّاس، وقال: إنه لم يصحَّ، وليس كما قال.
(يهتدى بها) مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
(هشيمًا)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥].
(والأب)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١].
(الأنام)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠].
(برزَخ)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠].
(حاجز) في بعضها: (حاجِب).
(فراشًا)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢].