الحِجَّة، وكانت تلك السنة أقصَى الدَّوَران، فيكون الحجُّ في ذي الحِجَّة كما كان في ابتداء خلْق السماوات والأرض بهدايةِ الله تعالى نبيَّه ﷺ إلى ذلك، وحمايتِه من بِدَعهم كما فُعل معه في غير ذلك.
(ثلاث) لم يقُل ثلاثة مع أن التَّمييز شهر، إمَّا باعتِبار لفْظ: غرّة، أو اللَّيلة، أو أنَّ العدَو إذا لم يُذكَر تمييزُه يجوز فيه الوَجْهان.
(ورجب مُضَر) بضم الميم، وفتح المعجمة، والراء: القَبيلة المشهورة، أُضيف رجَب إليهم؛ لأنهم كانوا يُحافظون على تحريمه أشدَّ من سائر العرَب، ووصفَه بأنه: (الذي بين جمادى وشعبان) تأكيدًا، أو إزاحةً للرَّيب الجاري فيه من النَّسيء، فكأنه قال: رجَب الحقيقي لا الذي نسَأْتُموه، وأخرَّتموه.
قال في "الكشَّاف": النَّسيء تأْخيرُ حُرمة شهرٍ إلى شهر آخر، كانوا يُحلُّون الشهر الحرام، ويحرِّمون مكانه شهرًا آخر، حتَّى رفضُوا تخصيص الأشهُر الحرُم، فحرَّموا من العام أربعة أشهرٍ مُطلَقًا، وربما زادوا في الشُّهور فيجعلونها ثلاثةَ عشَر شهرًا، أو أربعةَ عشَر، والمعنى: رجعَتْ الأشهر الحرُم إلى ما كانت عليه، والحجُّ إلى ذي الحِجَّة، وبطَلَ النَّسيء، فحجَّ عيَهيمْ في ذي الحِجَّة، وحجَّ أبو بكر قبْله في ذي القَعدة.
* * *
٣١٩٨ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ
стр. 4412
هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ زيدِ بْنِ عمرِو بْنِ نُفَيْلٍ: أنَّهُ خَاصَمَتْهُ أَروَى فِي حَقٍّ زَعَمَتْ أنه انتُقَصَهُ لَهَا إِلَى مروَانَ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَناَ أَنتُقِصُ مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا؟ أَشْهَدُ لَسَمعتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبع أَرَضِينَ".
قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّناَدِ: عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ لِي سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِي ﷺ .
الحديث الرابع:
(أروَى) بضم الهمزة، وسكون الراء، وفتح الواو، مقصورٌ، بنت أبي أُويس، وكانت حاضِنةً لمروان بن الحكَم ادَّعتْ أن سعيدًا غصَبَها أرضًا.
قال ابن الأَثير: لم يُحقَّق أنها صحابيةٌ، أو تابعيةٌ.
(إلى مروان) متعلِّق بقوله: (خاصَمتْه)، أي: تَرافَعا إليه، وهو كان يومئذٍ على المدينة، فترك سَعيد الحق لها، ودَعَا عليها، فقال: اللَّهمَّ إنْ كانت كاذبةً فأعْمِ بصرَها، واجعلْ قبرَها في دارِها، فتقبَّل اللهُ دعوتَه، فعَمِيتْ، ومرَّتْ على بئْرٍ في الدار فوقَعتْ فيها، فكانت قبرَها.
وقد مرَّت القِصَّة في (كتاب المظالم).
* * *
стр. 4413
٣ - باب فِي النُّجُومِ
وَقَالَ قتادَةُ: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾: خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا، فَمَنْ تأوَّلَ فِيهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخْطأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (هشيمًا): مُتَغَيِّرًا. وَ (الأَبُّ): مَا يَأكلُ الأَنْعَامُ.
(الأَناَمُ): الْخَلْقُ. ﴿بَرزَخ﴾: حَاجِب.
وَفَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَلفَافًا﴾: مُلْتَفَّةً. وَ (الْغُلْبُ): الْمُلْتَفَّةُ. ﴿فِرَشَا﴾: مِهَادًا، كَقَوْيهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾. ﴿نَكِدًا﴾ ": قَلِيلًا.
(باب: في النُّجُوم)
قوله: (وقال قتادة) هو من أحسَن الرد على القائلين بالنُّجوم.
وفيه أنَّ الرَّجْم بها لم يزَل قبْل البِعثة.
قال ابن عبد السَّلام في "أماليه": إنْ كان المراد الكَواكب الظاهرة فهي على الأصحِّ يُرجم بها من زمان عيسى ﵇، والجمع بين هذا وبين قَول أهل التَّواريخ والأَرصاد لها مِن كونها لا يُفقَد شيءٌ منها، ولا هي تَرجع إلى مواضِعها، وإلا لرأَيناها، ولم نَرَها: أنَّ اِلذي يُرجَم به شُهب تخلَق عند الرَّجْم، وكذا قال الفارِسي: ﴿وَجَعَلنهَا
стр. 4414
رُجُومُا للِشَّيَطِينِ﴾ [الملك: ٥]: إنَّ الضَّمير للسَّماء على حذْف مضافٍ، أي: جعلناها شُهبًا، ولم يدلَّ دليلٌ على أنها عند البعث ولا المَولد، بل الأصحُّ ما ذكره المؤرِّخون؛ لما رُوي أنه ﷺ قال للعرَب: "ما كنتُم تَعُدُّون هذا في الجاهليَّة؟ "، يعني: رميَ الشُّهب، قالوا: مَولدُ عظيمٍ، أو فَقْد عظيمٍ، وهو في "الصَّحيح"، انتهى.
قال (ش) (١): وفيه نظَرٌ.
قال: وما حكاه البُخاري عن قَتادة عَزاه الشَّيخ لابن عبَّاس، وقال: إنه لم يصحَّ، وليس كما قال.
(يهتدى بها) مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦].
(هشيمًا)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ [الكهف: ٤٥].
(والأب)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١].
(الأنام)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: ١٠].
(برزَخ)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ [الرحمن: ٢٠].
(حاجز) في بعضها: (حاجِب).
(فراشًا)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢].
فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا".
الرابع، والخامس:
(عبد الله بن عُمر) خلافًا لمَا يقع في بعض النسخ: (ابن عمرو) بزيادة واوٍ.
(فَافْزَعُوا)؛ أي: التَجِئوا إلى الصلاة، وذكر الله تعالى.
(عن أبي مسعود): أي: عُقبة، وفي بعضها: (ابن مسعود)؛ أي: عبد الله، لكن الرِّوايات متعاضدةٌ على الأول.
* * *
٥ - بابُ مَا جَاء فِي قوْلِهِ: ﴿وهو الذي أرسل الرياح نُشُرًا بين يدي رحمته﴾
﴿قَاصِفًا﴾: تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ. ﴿لَوَاقِحَ﴾: مَلَاقِحَ مُلْقِحَةً. ﴿إِعْصَارٌ﴾: رِيحٌ عَاصِفٌ، تَهُبُّ مِنَ الأرضِ إِلَى السَّمَاء كعَمُودٍ فِيهِ ناَرٌ. ﴿صرٌّ﴾: بَردٌ. ﴿نُشُرُا﴾: مُتَفَرِّقةً.
(باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧])
قوله: (قاصفًا)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا﴾ [الإسراء: ٦٩] أي: كاسِرًا.
стр. 4422
(لواقح)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢].
(ملاقح)؛ أي: جمع مِلْقحة، وهو من النَّوادر، يقال: ألقَحَ الفحل الناقةَ، والرِّيحُ السَّحابَ.
(إعصار)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦].
(صر)؛ أي: قوله تعالى: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: ١١٧]، وهو بَردٌ يضرُّ بالنبات والحَرث.
* * *
٣٢٠٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنِ الْحَكم، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "نُصرتُ بِالصَّبَا، وَأهلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ".
الحديث الأول:
(بالصبا) هي الرِّيْح الشَّرقية، وهي القَبول؛ لأنها تُقابل بابَ البيت.
(عاد)؛ أي: قوم هود ﵇، وفي غزوة الأحزاب هبَّت الصَّبا شديدةً فقلِعت خيامهم، وألقى الله في قلوبهم الرُّعب، فهُزموا.
(بالدبور) هي الغَربية، سُميت بذلك؛ لأنها تأتي من دُبُر البيت.
стр. 4423
وقد مرَّ الحديث في آخر (الاستسقاء).
* * *
٣٢٠٦ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا رَأَى مَخِيلَةً فِي السَّمَاءِ أَقْبَلَ وَأدبَرَ، وَدَخَلَ وَخَرَجَ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَإِذَا أَمطَرَتِ السَّمَاءُ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَّفَتْهُ عَائِشَةُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا أَدرِي لَعَلَّهُ كَمَا قَالَ قَوْمٌ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ الآيَة".
الثاني:
(مَخيلة) بفتح الميم، وبمعجمةٍ: السَّحابة التي يُخالُ بها المطَر.
(وتغير وجهه)؛ أي: خوفًا أن يُصيب أُمتَه عُقوبةُ ذنْب العامَّة كما أصابَ الذين قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ الآية [الأحقاف: ٢٤].
(سُريَ) مبنيٌّ للمفعول من التَّسرية، أي: كُشِف عنه ما خالطَه من الوَجَل.
(فعرفته) من التَّعريف.
* * *
٦ - باب ذكرِ الْمَلَائكَةِ
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : إِنَّ جِبْرِيلَ -عَلَيْهِ
وَقَالَ هَمَّامٌ: عَنْ قتادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "فِي الْبَيْتِ الْمَعمُورِ".
الحديث الأول:
(وقال خليفة) لم يقُل: حدَّثني إشعارًا بأنه سمعه في المُذاكرة لا بطَريق التحمُّل.
(عند البيت) يجمع بين هذا وبين ما سبق أول (كتاب الصلاة): أنَّه قال: (فُرِجَ عن سَقْف بيتي): بأنَّ له ﷺ مِعراجَين، كلٌّ من موضعٍ، أو أنه دخَل بيتَه ثم خرَج.
(بين النائم واليقظان) وجْه التوفيق بين هذا وبين ما سبَق في (الصلاة)؛ إذ ظاهره أنَّه كان في اليقَظة، وهو مقتضَى الإطلاق، وهو في "مسند أحمد" عن ابن عبَّاس: أنَّه كان في اليقَظة، رآه بعينه، وسيأتي في (كتاب التوحيد) مِن رواية شَريك: أنَّه كان نائمًا = أنَّ الإسراء متعدِّدٌ كما ذهب إليه كثيرٌ من العلماء.
فإنْ قلنا بالاتحاد، فالحقُّ وقولُ الجمهور أنَّه كان في اليقَظة بجسَده؛ لأنه قد أنكرتْه قُريشٌ؛ إذ رُؤيا المنام لا تُنكَر.
وقال (ع): ولا يُنافيه بين النائم واليَقْظان؛ لأنَّ ذاك كان أوَّلَ الحال عند وُصول الملَك، وليس فيه أنه كان نائمًا في القِصَّة كلها.
قال عبد الحقِّ في "الجمع بين الصحيحين": ورواية شَريك عن أنَس زيادةٌ مجهولةٌ، وقد روى الحفَّاظ المتقنون، والأئمة المشهورون،
стр. 4428
كابن شِهَاب، وثابِت البُنَاني، وَقَتادة، عن أنَس، ولم يأتِ بها أحد منهم، وشَريك ليس بالحافظ عند أهل الحديث.
(ذكر)؛ أي: رسولُ الله ﷺ .
(ثلاثة رجال) هم الملائكة، تَصوَّروا بصورة الإنسان.
(طست) مؤنثة، وجاء بكسر الطَّاء، وطِسٌّ بتشديد السين المهملة.
(مُلِيءَ) مبني للمفعول، أو هو ملأىَ اسمٌ كسَكْرَى تأنيث سَكران، والتذكير باعتبار الإناء.
نعم، الإفْراغ صفة للأجسام الذي في الطسْت؛ إما شيءٌ يحصُل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما، فسُمِّي إيمانًا، أو هو من باب التَّمثيل.
(مَرَاقّ) بفتح الميم، وخفَّة الراء، وشدَّة القاف: ما سَفُل من البَطْن، ورَقَّ من جِلْده، جمع مَرقَق، مَوضع رِقَّة الجِلْد، وقال الجَوْهري: لا واحدَ لها، والميم زائدة.
وهذا غير الشَّرح الذي كان في صِغَره ﷺ ، فالشَّقُّ كان مرتين.
(البراق) اسم الدابَّة التي ركبَها ﷺ تلك الليلة، بالرفع خبرُ مبتدأ محذوفٍ، والجرُّ على البدَل.
(أبيض) لم يقُل: بَيضاء اعتبارًا بلفْظ: البُرَاق، أو المَركوب.
قال ابن دُرَيْد: اشتقاقه من البَرق لسُرعته، وقيل: لشِدَّة بياضه، وتَلألُؤ لَونه، ويُقال: شاةٌ بَرقاء: إذا كان خِلال صُوفها طاقاتٌ سُود،
стр. 4429
فيحتمل التَّسمية به لأنه بلَونيَن.
(نعم المجيء جاء) قال ابن مالك: (جاءَ): صلة لموصولٍ محذوفٍ،
أي: الذي جاء فيه، شاهدٌ على جواز الاستِغناء بالصِّلة عن الموصول في باب نِعمَ.
(من أخ ونبي) ولم يقُل إدريس: (من ابنٍ) مع أنه جَدٌّ لنُوح كما قال أهل التَّواريخ تأَدُّبًا وتلاطُفًا، والأنبياءُ إخوةٌ.
قال (خ): يُشْكِل من هذا الحديث بُكاء موسى، وقوله: (هذا الغُلام)؛ فأما بكاؤُه فليس على معنى الحسَد والمُنافسَة فيما أُعطيَه من الكرامة، بل شفَقةً على أُمته لنقْص حظِّهم، أو لنقْص عدَدهم عن أُمة محمد ﷺ ، وتمني الخير لهم، والبُكاء قد يكون من حُزْنٍ وألمٍ، وقد يكون من استِنكارٍ وتعجُّبٍ، وقد يكون من سُرورٍ؛ وأما الغُلام فليس على معنى الازدراء والاستِصغار لشأْنه، وإنما هو على تعظيم مِنَّة الله عليه بما أنالَه من النّعَم، وأتحفَه من الكَرامة من غير طُول عمُرٍ أفناه مجتهدًا في طاعته، والعرَب قد تُسمِّي المستجمِع للسِّنِّ غُلامًا ما دام فيه بقيَّةٌ من القُوَّة، وذلك مشهور في لغتهم.
(على إبراهيم) كذا قال هنا: أنه في السَّابعة.
وسبق في (الصلاة): أنَّه في السادسة، فيحتمل أنه وجدَه في السادسة، ثم ارتقَى هو أيضًا إلى السابعة.
(فرفع)؛ أي: كُشِف لي، وقُرِّبَ مني، والرَّفْع التقريب والعَرض.
стр. 4430
(البيت المعمور) بيت في السَّماء حِيَال الكعبة، اسمه: الضُّرَاح، بضم المعجمة، وخفَّة الراء، ومهملةٍ، وسُمي المَعمور لكثْرة غاشيتِه من الملائكة.
(لم يعودوا) في بعضها: (لم يُعِيدوا).
(آخر) قال في "المَطالِع": رَويناه بالنَّصب على الظَّرف، وبالرفع بتقدير: ذلك آخِر ما عليهم من دُخوله، قال: وهو أَوجَه.
(سدرة) في بعضها: (السِّدرة) بالألف واللام.
(المنتهى) لأنَّ عِلْم الملائكة ينتهي إليها، ولم يُجاوزْها أحدٌ إلا رسول الله ﷺ .
(نبقها) بكسر الموحَّدة وسُكونها: ثَمَرُ السدر.
(قلال) جمع قُلَّةٍ، وهي جَرَّة عظيمة، تسَع قِربَتين أو أكثر.
(أنهار) جمع نَهْر، بسكون الهاء وفتحها.
(باطنان) قيل: هما السَّلْسَبيل، والكَوثر.
(الفُرات)؛ أي: الذي في العِراق.
(والنيل)؛ أي: الذي في مِصر.
(عالجتُ)؛ أي: مارستُهم، ولقِيتُ منهم الشِّدَّةَ.
(إلى ربك)؛ أي: إلى الموضع الذي ناجَيتَ فيه ربَّك.
(ثم مثله)؛ أي: ثم قال موسى مثلَه.
وقد سبق الحديث في (كتاب الصلاة)، وبيانُ فوائده.
стр. 4431
(عن الحسن)؛ أي: البصري.
(عن أبي هريرة) قال ابن مَعِيْن: لم يصِحَّ للحسَن سماعٌ من أبي هريرة، فقيل له: فإنَّ في بعض الرِّوايات أنه قال: حدَّثنا أبو هريرة، فقال: ليس بشيءٍ.
قال (ك): روايته هنا بلفْظ (عن)، فيحتمل أن تكون بواسطةٍ.
* * *
٣٢٠٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحوَصِ، عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَهْوَ الصَّادِقُ الْمصدُوقُ، قَالَ: "إِنَّ أَحَدكم يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَربَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا، فَيُؤْمَرُ بِأربَعٍ كَلِمَاتٍ، ويُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُم لَيَعمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ، فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
الحديث الثاني:
(المصدوق)؛ أي: فيما وعَدَه به ربُّه ﷺ من جِهَة جبريل ﵇، أو المصَدَّق.
(يجمع) بالبناء للمفعول، وذُكِر في معنى الجمع: أنَّ النُّطفة إذا
стр. 4432
وقَعتْ في الرحم وأراد الله تعالى أن يخلُق منها بشَرًا طارتْ في أطراف المرأَة تحت كلِّ شعرةٍ وظفُرٍ، فتَمكُث أربعين يومًا، ثم تنزِل دمًا في الرَّحم، فذلك جمعُها.
قال (ح): فيه أنَّ ظاهِر الأعمال من الحسَنات والسَّيئات أمارات، وليست بموجبات، وأنَّ مصير الأُمور في العَاقبة إلى ما سبق به القضاء، وجرَى به القدَر.
سبق في (الحيض).
* * *
٣٢٠٩ - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني مُوسَى بْنُ عُقْبةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ أبو هُرَيْرَة ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَتَابَعَهُ أَبُو عَاصمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني مُوسَى بْنُ عُقْبةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَبْدَ ناَدَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِب فُلَانًا فَأَحبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرضِ".
الحديث الثالث:
(يوضع)؛ أي: يُلقَى في قُلوب أهلها محبَّتُه مادحِين له، مُثنِين
стр. 4433
عليه، مُريدين إيصال الخير إليه.
ففيه أنَّ مَن كان مَحبوب القُلوب فهو محبوبُ الله تعالى بحُكم عكس القضيَّة.
* * *
٣٢١٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرّحمَنِ، عَنْ عُروَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ -وَهْوَ السَّحَابُ- فَتَذْكُرُ الأمرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، فتسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمعَ، فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهم".
الرابع:
(محمد) قال الغَسَّاني: هو ابن يَحيى الذُّهْلي.
قال (ش): هو البخاري؛ قاله أبو ذَرٍّ الهرَوي.
(العَنان) بفتح المهملة، وخفَّة النون الأُولى: السَّحاب.
(فتذكر)؛ أي: الملائكة الأمرَ الذي قُضِيَ في السَّماء وجودُه أو عدَمه.
(فتسترق) تفتَعِل من السَّرِقة، أي: تسمَع مُستخفيةً.
* * *
بَلى، قَد ذَكَرَ.
الثالث:
(أحمد) هو ابن صالح المِصري، أو ابن عيْسى التُّسْتَري.
(إلا رَقْم)؛ أي: كتابةٌ.
قال (خ): الصُّورة غير الرَّقْم.
قال (ش): ولعلَّه أراد أنَّ الصُّورة المنهيَّ عنها ما كان له شخْصٌ ماثلٌ دون ما كان منْسوجًا في ثَوبٍ، أو مَعمُولًا في وجْهه، لكنَّ حديث القاسم عن عائشة يُفسِد هذا التأويل.
* * *
٣٢٢٧ - حَدَّثَنَا يحيَى بنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حدَثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حدَثَنِي عُمَرُو، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: وَعَدَ النَّبِيَّ ﷺ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّا لَا نَدخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورة وَلَا كلْب.
٣٢٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سُمَي، عَنْ أَبِي صَالح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الإمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحمدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه".
الرابع:
(عُمر) قال الحافِظ أبو ذرٍّ: هو ابن محمد بن زَيد بن عبد الله بن
стр. 4445
عُمر بن الخَطَّاب.
(وعد)؛ أي: وعدَه جبريل أن يَنزِل إليه، فلم يَنزلْ، فسأَله عن السَّبَب؟ فقال له ذلك.
(فيه سورة)؛ أي: لكونها معصيةً فاحشةً، فيها مضاهاةٌ لخلْق الله تعالى، وربما كانتْ صُورةَ من عُبِد من دون الله.
(ولا كلب)؛ أي: لكثْرة أكله للنَّجاسة، ولأنَّ بعضها شيطانٌ، والملَك ضِدُّه، أو لقُبْح رائحة الكلب، والملائكةُ تَكرهُ الرَّائحةَ الخبيثةَ، وهؤلاء هم الملائكة الذي يطُوفون بالرحمة والبركة، أما الحفَظة فلا يُفارقون بني آدَم في حالٍ؛ لأنهم مأْمورون بضبْط أعمالهم.
* * *
٣٢٢٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمنْذِرِ، حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِي، عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ أَبِي عَمرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَحَدكم فِي صَلَاةٍ مَا دامَتِ الصَّلَاةُ تَحبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِر لَهُ وَارحمهُ؛ مَا لم يَقم مِنْ صَلَاتِهِ، أَوْ يُحدِثْ".
الخامس:
سبق في (باب: جهر الإمام بالتأمين).
* * *
فَإِذَا أَناَ بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادانِي فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قد سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَد بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجبَالِ لِتَأمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِم، فَنَادانِي مَلَكُ الْجبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِم الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ أَرجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصلَابِهم مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وحدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".
السابع:
(العقبة)؛ أي: بمِنَى، وإليها نُسبت جَمرة العَقَبة.
(ابن عبد يالِيل) بياءَين، وكسر اللام الأُولى، غير منصرفٍ، وهو أبو مَسعود بن عَبْد يالِيْل، أو أنَّه أَخُوه الأَعمى المذكور في السيرة، في قَذْف النُّجوم عند المَبْعَث.
(ابن عبد كُلال) بضم الكاف، وخفَّة اللام الأُولى، اسمه: كِنَانَة -بكسر الكاف، ونُونيَن- الثَّقَفي.
كان ابن عبْد يالِيْل من أَشراف أهل الطَّائف، أراد منهم الإيْواء والنَّصر، فلم يقبلُوه، ورمَوه بالحِجارة، حتى أَدمَوا رجلَيه.
والأكثر على أنَّه أسلَم بعد انصِراف النبيِّ ﷺ من قِتال الطَّائف، نعَم، الذي في السِّيَر: أنَّ النبي ﷺ عرَض نفْسَه على عبْد يالِيْل وإخوته بني عمرو بن عُمَير بن عَوْف، فالله أعلم.
(على وجهي) متعلِّقٌ بـ (انطلَقتُ)، أي: على الجِهَة المواجِهة لي.
стр. 4448
(قرن الثعالب) موضعٌ قريبٌ من مكَّة، وثَعالِب في الأصل جمع ثَعلَب، الحيوان المشهور.
قال (ن): هو مِيْقات أهل نَجْد، ويقال له: قرن المَنازِل، بفتح الميم.
(ملك الجبال)؛ أي: الذي أمرُ الجبالِ وتَسخيرُها بيده.
(ذلك) مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: ذلك كما قال جِبْريل، أو كما سمعتُ منه، أو المبتدأ محذوفٌ، أي: الأمرُ ذلك.
(فيما شئت)، (ما): فيه استفهاميةٌ، وجواب الشَّرط مقدَّرٌ، أي: لفَعلتُ.
(الأخْشَبين) تثْنية أَخْشَب، بهمزةٍ مفتوحةٍ، وسكون المعجمة الأُولى، وفتْح الثانية، وموحَّدة: هما جبَلا مكَّة: أبو قُبَيْس وثَوْر؛ سُميا ذلك لصَلابتهما وغِلَظ أحجارهما، ورجلٌ أخشَب: إذا كان صلْب العِظام عاري اللَّحم، وقال الصَّاغاني: هما أبو قُبَيْس والأَحمَر، وهو جبَلٌ يُشرِف على وجْهه على قُعيقعان، وقيل: هما الأخشَب الشَّرقي، وهو أبو قُبيس، والغَربي، قيل: الخُطُّ، بضم المعجمة، والخُط هو من وراءِ وادي إبراهيم ﵊.
* * *
٣٢٣٢ - حَدَّثَنَا قتيبةُ، حَدَّثَنَا أَبو عَوَانة، حَدَّثنا أبو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سألتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُود: أنه رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ