فَإِذَا أَناَ بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادانِي فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قد سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَد بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجبَالِ لِتَأمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِم، فَنَادانِي مَلَكُ الْجبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِم الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : بَلْ أَرجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصلَابِهم مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وحدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".
السابع:
(العقبة)؛ أي: بمِنَى، وإليها نُسبت جَمرة العَقَبة.
(ابن عبد يالِيل) بياءَين، وكسر اللام الأُولى، غير منصرفٍ، وهو أبو مَسعود بن عَبْد يالِيْل، أو أنَّه أَخُوه الأَعمى المذكور في السيرة، في قَذْف النُّجوم عند المَبْعَث.
(ابن عبد كُلال) بضم الكاف، وخفَّة اللام الأُولى، اسمه: كِنَانَة -بكسر الكاف، ونُونيَن- الثَّقَفي.
كان ابن عبْد يالِيْل من أَشراف أهل الطَّائف، أراد منهم الإيْواء والنَّصر، فلم يقبلُوه، ورمَوه بالحِجارة، حتى أَدمَوا رجلَيه.
والأكثر على أنَّه أسلَم بعد انصِراف النبيِّ ﷺ من قِتال الطَّائف، نعَم، الذي في السِّيَر: أنَّ النبي ﷺ عرَض نفْسَه على عبْد يالِيْل وإخوته بني عمرو بن عُمَير بن عَوْف، فالله أعلم.
(على وجهي) متعلِّقٌ بـ (انطلَقتُ)، أي: على الجِهَة المواجِهة لي.
стр. 4448
(قرن الثعالب) موضعٌ قريبٌ من مكَّة، وثَعالِب في الأصل جمع ثَعلَب، الحيوان المشهور.
قال (ن): هو مِيْقات أهل نَجْد، ويقال له: قرن المَنازِل، بفتح الميم.
(ملك الجبال)؛ أي: الذي أمرُ الجبالِ وتَسخيرُها بيده.
(ذلك) مبتدأٌ خبره محذوفٌ، أي: ذلك كما قال جِبْريل، أو كما سمعتُ منه، أو المبتدأ محذوفٌ، أي: الأمرُ ذلك.
(فيما شئت)، (ما): فيه استفهاميةٌ، وجواب الشَّرط مقدَّرٌ، أي: لفَعلتُ.
(الأخْشَبين) تثْنية أَخْشَب، بهمزةٍ مفتوحةٍ، وسكون المعجمة الأُولى، وفتْح الثانية، وموحَّدة: هما جبَلا مكَّة: أبو قُبَيْس وثَوْر؛ سُميا ذلك لصَلابتهما وغِلَظ أحجارهما، ورجلٌ أخشَب: إذا كان صلْب العِظام عاري اللَّحم، وقال الصَّاغاني: هما أبو قُبَيْس والأَحمَر، وهو جبَلٌ يُشرِف على وجْهه على قُعيقعان، وقيل: هما الأخشَب الشَّرقي، وهو أبو قُبيس، والغَربي، قيل: الخُطُّ، بضم المعجمة، والخُط هو من وراءِ وادي إبراهيم ﵊.
* * *
٣٢٣٢ - حَدَّثَنَا قتيبةُ، حَدَّثَنَا أَبو عَوَانة، حَدَّثنا أبو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سألتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُود: أنه رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ
مثنَّاةٌ، مِن الجَأَث بالهمز والمثلَّثة، وهو الرُّعب للكافَّة، وللأَصِيْلي: جِيْثْتُ، بجيمٍ، ثم مثنَّاةٍ، ثم مثلَّثةٍ، ثم مثنَّاةٍ، أي: رُعبتُ، كما جاء في الرِّواية أوَّل البخاري بهذا اللَّفظ، كذا قاله (ش)؛ وأما (ك) فقال: بمثلَّثتين، وهو أشهر من جُثَّ الرجل، فهو مَجثوثٌ، أي: ذُعِر.
(هويت)؛ أي: سقَطتُ.
وسبق الحديث أوَّل "الصَّحيح".
* * *
٣٢٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بن بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنْ قتادَةَ. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيةِ، حَدَّثَنَا ابنُ عمِّ نبِيكم؛ يعنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَيتُ لَيلَةَ أسرِي بي موسَى رَجُلاً آَدَمَ طُوَالًا جَعدًا، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيتُ عِيسى رَجُلًا مَربُوعًا مَربُوعَ الْخَلْقِ إِلَى الْحمرَةِ وَالْبَيَاضِ، سَبْطَ الرَّأْسِ، ورَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، وَالدَّجَّال" فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللهُ إِيَّاهُ، ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾
الخامس عشر:
(يزيد بن زُريع، ثنا سعيد)؛ أي: بخلاف الأوَّل، فإنَّه شُعبة، بالشِّين المعجَمة.
(عن أبي العالية)؛ أي: رفيع الرِّيَاحي، لا زيَاد البَراء، وإنْ كان
стр. 4453
كلُّ واحد! منهما يَروي عن ابن عبَّاس.
(طوالًا) بضم الطاء، وتخفيف الواو، أي: طَويلًا.
(جعدًا)؛ أي: غير سَبْط الشَعر.
(شَنُوءة) بفتح الشِّين المعجمة، وضم النُّون، وبواوٍ، وهمزةٍ: قَبيلةٌ، وهي بطْن من اليمَن طِوال القامات.
(مربوعًا)؛ أي: لا قَصيرًا ولا طَويلًا، وفي بعضها: (مَربُوع الخَلْق) بفتح الخاء، أي: مُعتدِل الخلْقة مائلًا إلى الحمرة والبَياض.
(سبط) بكسر الموحَّدة، وسُكونها: مُسترسِل الشَّعر.
قال (ن): فتْحها وكسْرها لُغتان مَشهورتان، ويجوز إسكانها مع كسر السِّين، ومع فتْحها على التَّخفيف كما في كِتْف.
قال: وأما الجَعْد في صِفة موسى؛ فالأولى أن يُحمَل على جُعودة الجِسم، وهو اكتِنازه واجتِماعه لا جُعودة الشَّعر، فقد جاء في روايةٍ أنَّه رَجْل الشَّعر.
(فلا تكن في مرية) قال (ن): إنَّه استِشهاد من بعض الرُّواة على أنَّه ﷺ لَقِيَ؛ موسى ﵇.
قال (ك): الظَّاهر أنَّه من كلام رسول الله ﷺ ، والضَّمير راجعٌ إلى الدجَّال، والخِطاب لكلِّ واحدٍ من المُسلمين.
* * *
الآلة التي يُتبخَّر بها، فسُمي بها البَخُور، ويُؤيِّد الأولَ الرَوايةُ الثانية: (وَقُود مجامِرهم) كأنه أراد الجمر الذي يُطرَح عليه.
قال الإِسْماعِيليُّ في "المُستخرَج": ويُنظَر، هل في الجنة نارٌ؟.
(الأُلوة) بضم الهمزة وفتحها، وضم اللام، وتشديد الواو: العُود الذي يُتبخَّر به، ورُوي بكسر اللام أيضًا، وهو فارسيٌّ مُعرَّبٌ، هو أَجْوَد العُود الهِنْدي، والمراد بالأُلُوَّة الجنْس، فلذلك أخبر به -وهو مُفرَدٌ- عن مَجامِر، وهو جمعٌ.
(ورشحهم)؛ أي: عَرَقُهم.
(المسك)؛ أي: كالمِسْك في طِيب الرائحة.
(زوجتان) الأقلُّ في زوجةٍ بالتاء، والأَشهر خِلاف التاء، ووجْه التَّثنية مع أنّه قد يكون له أكثَر؛ إما بالنَّظَر إلى ما في قوله تعالى: ﴿جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، و ﴿عينَانِ﴾ [الرحمن: ٥٠]، و ﴿مُدْهَامَّانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]، أو أُريد التَّكرير والتَّكثير، نحو لبَّيكَ، وسَعدَيك، أو باعتبار صِنْفين: كبيرةٍ وصغيرةٍ، طويلةٍ وقصيرة، وغير ذلك.
* * *
٣٢٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبدْرِ، وَالَّذِينَ عَلَى إِثْرِهمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهمْ
стр. 4462
وَلَا تَبَاغُضَ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ لَحْمِهَا مِنَ الْحُسْنِ، يُسَبِّحُونَ اللهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، لَا يَسْقَمُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، وَلَا يَبْصُقُونَ، آنِيَتُهُمُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَأَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَقُودُ مَجَامِرِهِمُ الأُلُوَّةُ -قَالَ أَبُو الْيَمَانِ: يَعْنِي: الْعُودَ-، وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ". وَقَالَ مُجَاهِدٌ: (الإبْكَارُ): أَوَّلُ الْفَجْرِ، وَ (الْعَشِيُّ): مَيْلُ الشَّمْسِ أَنْ تُرَاهُ تَغْرُبَ.
(وَقُود) بفتح الواو.
قال (خ): أراد الجَمْر الذي يُطرَح عليه البَخُور، ولا يُنافي ذلك الرِّواية الأُخرى: (مَجامِرُهم الأُلُوَّة)؛ لجَواز أنْ يكون فيها عُودٌ، وكذا لا يُنافي ما هنا أنَّ آنيتهم الذَّهب والفِضَّة، وهناك الذَّهب، وفي الأَمْشاط بالعكس؛ لأنه اكتفَى في الموضوعين بذِكْر أحدهما فى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]، وخصص هنا الذَّهب؛ لأنه أكثَر من الفِضَّة جزاءً، أو جِرْمًا، أو لأنه أكثر وأنفَس، أو أنَّ ذلك حالَ الزُّمرة الأُولى خاصَّةً، فآنيتُهم كلُّها من الذَّهب لشرَفهم، وهذا أعمُّ، فتفاوتت الأَواني بحسَب تفاوُت أصحابها، وأما الأَمشاط فلا تفاوُت بينهم فيها، ولم يذكر الفِضَّة هنا؛ لأنه في الزُّمرة الأُولى تكون الفضَّة من بابٍ أَولى.
(أُراهُ) بالضم، أي: أظنُّه، وهو جملةٌ معترضةٌ، يعني: مبدأ العشي معلومٌ، وآخرُه مظنونٌ.
* * *
(وكلمته)؛ أي: فيما وقَع من الفِتْنة بين الناس والسَّعي في إطفاءِ ثائرتها.
(أتَرُون) بالضم، أي: أتظنُّون أني لا أُكلِّمه إلا بحضُوركم، وفي بعضها بلفْظ المصدَر، أي: إلا وَقْت سَمعكم، وأني لا أكُلِّمُه سِرًّا دُون أن أفتَح بابًا، أي: من أَبواب الفِتَن، أي: أكُلِّمُه طلَبًا للمُصالحة لا تهيِيجًا للفِتْنة.
وغرَضُه أنَّه لا يُريد المُجاهرة بالإنْكار على الأُمراء، وفيه الأدَب معهم، وتبليغُهم ما يقُول الناسُ فيهم.
(أن كان) بفتح (أَنْ)، أي: لأَنْ كان.
(فتندلق) بمثنَّاةٍ، ونونٍ، ومهملةٍ، وقافٍ، أي: يخرج بسُرعةٍ.
(أقتابه) بقافٍ، ومثنَّاةٍ: هي الأَمْعاء، يُقال: اندلَق السَّيف من غِمْده: إذا خرَج من غير أن يُسَلَّ.
* * *
١١ - بابُ صِفَة إِبْلِيسِ وَجُنُودِهِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾: يُرْمَوْنَ. ﴿دُحُورًا﴾: مَطْرُودِينَ. ﴿وَاصِبٌ﴾: دائِمٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿مَّدْحُورًا﴾: مَطْرُودًا، يُقَالُ: ﴿مَّرِيدًا﴾:
لحقَه من السِّحر على نبُوَّته، ولا نقْصَ فيما أصابَه منه على شَريعته.
قال (ن): لا استِنْكارَ في العقْل أنَّ الله تعالى يخرق العادةَ عند النُّطْق بكلامٍ ملفَّقٍ، أو تركيب أجسادٍ، أو المَزْج بين قِوًى على تَرتيب لا يَعرِفُه إلا السَّاحر.
وفيه استِحباب الدُّعاء عند حُصول المكروهات، وكمالُ عَفْو رسول الله ﷺ ، وترك مصلَحةٍ لخَوف مفسدةٍ أعظَم منها.
وقال (ع): إنما سُلِّط السِّحر على جسَد رسول الله ﷺ ، وظَواهرِ جوارحه لا على عقْله واعتقاده، وكان يظهَر له من نشَاطه ومتقدِّم عادته القُدرة عليهنَّ، فإذا دَنا منهنَّ أخذَتْه أخْذة السِّحر، فلم يتمكَّن من ذلك.
(أفتاني) وفي بعضها: (أنبأَني)، أي: أخبَرَني.
(مطبوب)؛ أي: مَسحُورٌ.
(لَبِيد) بفتح اللام، وكسر الموحَّدة.
(ابن الأعصم) بمهملتَين: اليَهودي.
(مُشْط) بضم الميم، وسُكون المعجمة، وضمِّها، وبكسرها مع إسكان الشِّين.
(مُشَاقة) بضم الميم، وخفَّة المعجمة، والقاف: ما يُغْزَل من الكَتَّان، وفي بعضها: (مُشَاطَة): ما يخرُج من الشَّعر بالمُشْط.
(جُفّ) بضم الجيم، وشدَّة الفاء: وعاءُ طَلْع النَّخْل، أي: غِشاؤُه الذي عليه، ويطلَق على الذَّكَر والأُنثى، ولهذا قيَّده بقوله: (ذكَر).
стр. 4479
قال (ش): وطَلَعةٌ -بالتَّنوين- صفةٌ لذكَر، وهو الذي يُدعَى بالكُفُرَّى.
(ذَرْوَان) بفتْح المعجمة، وسُكون الراء، وفي بعضها: (ذِي أَروان)، وكلاهما صحيحٌ مشهورٌ، والأول أصحُّ، وهي بئرٌ بالمدينة في بُستان لبني زُرَيق، بضم الزَّاي، وفتح الراء، وبقافٍ.
(رؤس الشياطين) قال (ح): فيه قولان:
أحدهما: أنها مُستَدِقَّةٌ كرؤُوس الحيَّات، والحيَّة يقال لها: الشَّيطان.
والثاني: فاحشةُ المنظَر سَمِجَة الأشكال، فهو مثَلٌ في استِقباح صُورتها، وسُوء مَنْظَرها.
ففي الحديث إثْبات السِّحر خلافًا لمن أنكَره مُعتلًا بأنَّه لو جاز لم يُؤمَن أن يؤثِّر فيما يوحى إلى الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- من أَمْر الدِّين؛ وأُجيب: بأن تأثيره إنما هو في الأجسام، لأنَّهم بشَرٌ، فهم كغيرهم إلا فيما خصَّهم الله به من العِصْمة في أَمْر الدِّين.
وليس تأْثير ذلك فيهم بأكثَر من القتْل، وقد قُتل يحيى بن زكرِيَّا، ولا السُّمِّ، وقد سُمَّ ﷺ بخيبر، والسِّحر ثابتٌ، فهو ابتلاءٌ من الله تعالى، فقد قال ﷺ : "إنَّا مَعشَر الأنبياءِ يُضاعَفُ لنا الثَّوابُ"، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ﴾ الآية [البقرة: ١٠٢]، وقال: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]، واتفَق على وُجوده العرَب،
стр. 4480
والفُرس، والهنْد، والرُّوم، ولهذا فرَّع الفُقهاء على السِّحْر أحكامًا كثيرة.
(دُفنت) مبنيٌّ للمَفعول.
وفيه أنَّ آثار الفِعل الحَرام تُزال، وأنَّ ما اشتُهر بين العامة من عقْد الرِّجال عن المُباشَرة صحيحٌ حقٌّ.
* * *
٣٢٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يعقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُم إِذَا هُوَ ناَمَ ثَلَاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ مَكَانها: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيل فَارْقُدْ، فَإنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ الله انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَة، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كلُّها، فَأصْبَحَ نشَيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ".
الثاني:
(قافية)؛ أي: مُؤخَّر العنُق.
(مكانها)؛ أي: في مكانها، أي: يضرِب كلَّ عُقدةٍ في مكان القافيَة قائلًا: قَد بَقِيَ (عليك ليل طويل فارقد)، سبَق في (التهجُّد)، في (باب: عقْد الشَّيطان).
* * *
"يَأتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُم فَيقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ، وَلْينْتَهِ".
الثامن:
(فليستعذ)؛ أي: فليَستعِذ بالله بالإعراض عن الشُّبُهات الواهيَة الشَّيْطانية.
(ولينته)؛ أي: بإثْبات البَراهين القاطِعة الحقَّانيَّة على أنْ لا خالقَ له تعالى بإبْطال التَّسلسُل ونحوه.
وقال الطِّيْبِي: أي: لِيَتْرُك التَّورُّط في هذا الخاطِر، وليَستَعِذْ بالله في وَسْوَسة الشَّيطان، كان لم يَزُل التفكُّر بالاستعاذة فليقُم، وليَستعذ بأمرٍ آخر.
وإنما أمره بذلك ولم يأمر بالتأمُّل والحِجاج والاحتِجاج؛ لأنَّ العِلْم باستغنائه تعالى عن المُوجِد أمرٌ ضروريٌّ لا يقبل المناظَرة له.
وعليه قال (خ): لو أذِن النبيُّ ﷺ في محاجَّته لكان الجواب سهلًا على كل مُوحِّدٍ، ولكان الجواب مأْخوذًا من فَخوى كلامهم، فإنَّ أول الكلام يُناقِض آخره؛ لأن جميع المَخلوقات داخلةٌ تحت اسم الخَلْق، ولو جاز أن يُقال: مَن خلَق الخالقَ لأَدَّى إلى ما لا يتناهى، ولأنَّ السبَب في مثله إحساسُ المرء في عالم الحِسِّ، وما دام هو كذلك لا يَزيدُ فكرهُ إلا زَيْغًا عن الحقِّ، ومن كان هذا حالَه فلا عِلاجَ