Полный текст (8 898 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.
стр. 4481
٣٢٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ ناَمَ لَيْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ، قَالَ: "ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنيهِ، أَوْ قَالَ: فِي أُذُنِهِ".
الثالث:
(بال) يحتمِل حملَه على الحقيقة، وعلى المَجاز.
* * *
٣٢٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا همَّامٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَمَا إِنَّ أَحَدكم إِذَا أتى أَهْلَهُ وَقَالَ: بِسْم اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَرُزِقَا وَلَدًا، لَمْ يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ".
الرابع:
(لم يَضُره) بضم الرَّاء المشدَّدة وفتحها.
سبَق في (باب: التَّسمية).
* * *
٣٢٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وإذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمسِ فَدَعُوا
стр. 4482
الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ".
٣٢٧٣ - "وَلَا تَحَيَّنُوا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمسِ وَلَا غُرُوبَها؛ فَإِنَّها تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْني شَيْطَانٍ، أَوِ الشَّيْطَانِ"، لَا أَدرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ هِشَامٌ.
الخامس:
(حاجب) قيل: طرَفُ قُرْص الشَّمس الذي يَبدُو عند الطُّلوع، ولا يَغيب عند الغُروب، وقيل: النَّيازك التي تَبدو إذا حان طُلوعها، وقال الجَوهري: حواجِب الشَّمس: نَواحيها.
وسبَق في (مَواقيت الصلاة).
(تَحَينُوا) التحيُّن: تفعُّلٌ من الحِيْن، وهو طلَب وقْتٍ معلومٍ.
(قرني الشيطان) جانبا رأْسه، يُقال: إنَّ الشَّيطان ينتصِب في مُحاذاة مَطلِع الشمس، فإذا طلعتْ كانت بين قَرنيَه، أي: جانبَي رأْسه، فتقَع السَّجدة له إذا سجَد عَبَدَةُ الشَّمس للشَّمس.
* * *
٣٢٧٤ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا يُونس، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، عَنْ أَبِي صَالحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ شَيْءٌ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَمنَعهُ، فإِنْ أَبَى فَلْيَمْنعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ".
стр. 4483
السادس:
(فليقاتله)؛ أي: حتى لَو هلَك المارُّ بذلك لم يجِبْ القِصاص.
سبَق في (باب: يردُّ المصلي مَن مرَّ بين يديه).
* * *
٣٢٧٥ - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْهيْثَم: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِحِفْظِ زكاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبحَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَكَ، وَهْوَ كَذُوبٌ، ذَاكَ شَيْطَانٌ".
السابع:
(وكلني) بالتشديد والتخفيف.
سبق في (الوكالة).
* * *
٣٢٧٦ - حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عُرْوَةُ، قَالَ أبو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
стр. 4484
"يَأتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُم فَيقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ، وَلْينْتَهِ".
الثامن:
(فليستعذ)؛ أي: فليَستعِذ بالله بالإعراض عن الشُّبُهات الواهيَة الشَّيْطانية.
(ولينته)؛ أي: بإثْبات البَراهين القاطِعة الحقَّانيَّة على أنْ لا خالقَ له تعالى بإبْطال التَّسلسُل ونحوه.
وقال الطِّيْبِي: أي: لِيَتْرُك التَّورُّط في هذا الخاطِر، وليَستَعِذْ بالله في وَسْوَسة الشَّيطان، كان لم يَزُل التفكُّر بالاستعاذة فليقُم، وليَستعذ بأمرٍ آخر.
وإنما أمره بذلك ولم يأمر بالتأمُّل والحِجاج والاحتِجاج؛ لأنَّ العِلْم باستغنائه تعالى عن المُوجِد أمرٌ ضروريٌّ لا يقبل المناظَرة له.
وعليه قال (خ): لو أذِن النبيُّ ﷺ في محاجَّته لكان الجواب سهلًا على كل مُوحِّدٍ، ولكان الجواب مأْخوذًا من فَخوى كلامهم، فإنَّ أول الكلام يُناقِض آخره؛ لأن جميع المَخلوقات داخلةٌ تحت اسم الخَلْق، ولو جاز أن يُقال: مَن خلَق الخالقَ لأَدَّى إلى ما لا يتناهى، ولأنَّ السبَب في مثله إحساسُ المرء في عالم الحِسِّ، وما دام هو كذلك لا يَزيدُ فكرهُ إلا زَيْغًا عن الحقِّ، ومن كان هذا حالَه فلا عِلاجَ
стр. 4485
له إلا اللَّجأ إلى الله تعالى، والاعتِصام بحَوله وقوَّته.
* * *
٣٢٧٧ - حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ بُكَيْر، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي أَنسٍ مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ: أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فتَحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ".
التاسع:
سبَق أول (الصوم).
* * *
٣٢٧٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمرٌو، قَالَ: أَخْبَرني سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعبٍ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ مُوسَى قَالَ لِفَتَاهُ: ﴿ءَاتنا غَدَاءَنَا﴾ ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، وَلَم يَجد مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ الْمَكَانَ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ".
العاشر:
(أمره الله) في بعضها: (أَمَرَ الله) بلا هاءٍ، والغرَض من ذكْره
стр. 4486
-وهو معلومٌ من القرآن- الجُملةُ الأخيرة، وفي بعضها بعدَ لفظ ابن عبَّاس: (إنَّ نَوفًا زعَم أنَّ مُوسَى بني إسرائِيْل ليسَ صاحِبَ الخَضِر، فقال: كَذَب، حدثنا أُبيٌّ).
* * *
٣٢٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَر ﵄، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُشِيرُ إِلَى الْمَشْرِقِ، فَقَالَ: "ها إِنَّ الْفِتْنَةَ ها هُنَا، إِنَّ الْفِتْنَةَ ها هُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ".
الحادي عشر:
(ها) حرْفٌ، والغرَض أنَّ مَنْشأَ الفِتَن هو من جِهة المَشرِق، وقد كان كما أخبَر ﷺ .
* * *
٣٢٨٠ - حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ جَعفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عَطَاءٌ، عَنْ جَابِر ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتَجْنَحَ -أَوْ كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ- فَكُفُّوا صِبْيَانكُم؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تنتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهبَ سَاعَةٌ مِنَ الْعِشَاءِ فَحُلُّوهُم، وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَأَطْفِئْ مِصبَاحَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَأَوْكِ سِقَاءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَخَمِّرْ إِناَءَكَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ، وَلَوْ
стр. 4487
تَعْرُضُ عَلَيْهِ شَيْئًا".
الثاني عشر:
(أو قال: جنح) بضم الجيم وكسرها لُغتان، وهو ظَلامه، يُقال: جَنَح، واستَجْنَح: أقبَلَ ظَلامُه، وأصْل الجُنوح: المَيْل، هذه رواية الكافَّة، وعند النَّسَفي، وأبي الهيْثَم، والحَمُّوي: (أو كانَ جُنْحُ).
(فكفوا)؛ أي: امنَعُوهم من الخُروج ذلك الوقْت لخَوف إيذاء الشَّياطين؛ لكثْرتهم وانتِشارهم.
(فَحُلوهم) بحاءٍ مهملةٍ مضمومةٍ، وبخاءٍ معجمةٍ مفتوحةٍ.
(وأغلق) الخِطَاب لكلِّ واحدٍ، فناسَب: (كُفُّوا) بالجمع، أو المراد هناك كما هنا؛ إذ هو مُقابَلة جمعٍ بجمعٍ، أي: كُفَّ أنتَ صبيَّك.
(وخمر) من التَّخمير، وهو التغطية.
(تعرض) بضم الراء وكسرها، أي: وإنْ لم تُغطِّ الكلَّ فلا أقلَّ [من] أنْ تضَع عليه عُودًا بالعرْض، وتمدَّه عليه.
وفائدة التَّغطية صِيانتُه من الشَّيطان، ومن النَّجاسات، ومن الحشرات، ومن الوباء الذي ينزل من السَّماء في بعض ليالي السنَة، وغيرِ ذلك.
وفي الحديث الحثُّ على ذِكْر الله، وأنَّه تعالى جعَل هذه الأشياءَ سببًا للسَّلامة.
* * *
стр. 4488
٣٢٨١ - حَدَّثَنِي مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بْنَةِ حُيَيٍّ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُعْتكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ، فَانْقَلَبْتُ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دارِ أسُامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّها صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ"، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا، أو قَالَ: شَيْئًا".
الثالث عشر:
(رِسْلكما) بكسر الراء وفتْحها: أي: هِيْنَتكُما؛ فما هنا شيءٌ تكرهانِه.
(يجري) قيل: هو على ظاهره، وأنَّ الله تعالى جعَل له قوَّةً وقُدرةً على الجَرْي في باطن الإنسان مجرى الدَّمِ، وقيل: استِعارةٌ لكثْرة وَسوستِه، فكأنَّه لا يُفارقه كما لا يُفارقُه دمُه.
وقيل: يُلقي وَسْوستَه في مَسامَّ لطيفةٍ من البدَن، فتصِل إلى القَلْب.
وفيه التحرُّز عن سُوء الظنِّ بالناس، وكمالُ شفَقته على أُمته؛ لأنه خافَ أن يُلقي الشَّيطان في قلوبهما شيئًا فيَهلكان؛ فإنَّ ظنَّ السُّوء
стр. 4489
بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كفرٌ.
وسبق الحديث.
* * *
٣٢٨٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمزَةَ، عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صرَدٍ قَالَ: كانْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبي ﷺ وَرَجُلَانِ يَسْتَبَّانِ، فَأَحَدُهُمَا احمَرَّ وَجْهُهُ وَانتفَخَتْ أَوْداجُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَها ذَهبَ عَنْهُ ما يَجدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، ذَهبَ عَنْهُ ما يَجدُ"، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "تَعوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ"، فَقَالَ: وَهلْ بِي جُنُونٌ؟
الرابع عشر:
(هل بي جنون) هذا كلامُ مَن لم يَفْقَه في دين الله، ولم يتهذَّب بأنْوار الشريعة الكريمة، وتوهَّم أنَّ الاستعاذة مختصَّةٌ بالمَجانين، ولم يعلَم أنَّ الغضَب من نَزَغات الشَّيطان، ويحتمل أنه كان من المنافقين، أو من جُفاة العرَب.
وفيه أنَّه ينبغي لصاحب الغضَب أن يَستعيذَ بالكلمة المشهورة، وأنَّه سبَبٌ لزواله.
* * *
стр. 4490
٣٢٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْ أَنَّ أَحَدكم إِذَا أتى أَهْلَهُ قَالَ: جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنِي، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا وَلدٌ لَمْ يَضُرُّهُ الشَّيْطَانُ، وَلَم يُسَلَّطْ عَلَيْهِ". قَالَ: وَحَدَّثَنَا الأعمَشُ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مِثْلَهُ.
الخامس عشر:
(لم يضره)؛ أي: لم يُسلَّط عليه بالكُليَّة حتى لا يكونَ له عملٌ صالحٌ، وإلا فلا مَعصومَ من وَسوَسة الشَّيطان إلا الأنبياء.
(قال: وحدثنا الأعمش) قائلُ ذلك هو شُعبة.
* * *
٣٢٨٤ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أنَّهُ صَلَّى صَلَاةً فَقَالَ: "إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ لِي، فَشَدَّ عَلَيَّ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ عَلَيَّ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ"، فَذَكَرَ.
السادس عشر:
(فشد عليَّ)؛ أي: حَمَلَ عليَّ.
(فذكره)؛ أي: الحديثَ بتمامه، وهو: (فأَردْتُ أنْ أَربطَهُ إلى سَاريَةٍ).
стр. 4491
وسبَق في (باب: رَبْط الأسير في المسجد).
* * *
٣٢٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يحيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ، فَإِذَا قُضِيَ أَقْبَلَ، فَإِذَا ثُوِّبَ بِها أَدبَرَ، فَإِذَا قُضِيَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الإنْسَانِ وَقَلْبِهِ، فَيقولُ: اذْكُرْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى لَا يَدرِي أثَلَاثًا صَلَّى أم أَرْبَعًا، فَإِذَا لَم يَدْرِ ثَلَاثًا صلَّى أَوْ أَرْبَعًا سَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ".
السابع عشر:
(قضى)؛ أي: فَرَغَ.
(ثوب)؛ أي: أُقِيم الصلاة.
(يخطر) بضم الطَّاء وكسرها.
وسبق الحديث أوَّلَ (الأذان).
* * *
٣٢٨٦ - حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعَرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كلُّ بني آدَمَ يَطْعُنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بإصْبَعِهِ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، ذَهبَ
стр. 4492
يَطْعُنُ، فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ".
الثامن عشر:
(فطعن) يُقال: طعَن بالرُّمح، وبأُصبَعه، يَطعُن، بالضم، وطعَن في العِرْض والنَّسَب، يَطعَن بالفتْح على المشهور، وقيل: باللغتين فيهما.
(في الحجاب)؛ أي: في الجِلْدة التي فيها الجَنِين، أو الثَّوب الملفُوف على الطفْل.
* * *
٣٢٨٧ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ المُغِيرَةِ، عَنْ إِبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: قَدِمتُ الشَّأمَ قَالُوا أبو الدَّرْداءِ قَالَ: أَفِيكُمُ الَّذِي أَجَارَهُ اللهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نبَيِّهِ ﷺ ؟
حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثنا شُعبةُ، عَنْ مُغِيرَةَ، وَقَالَ: الَّذِي أَجَارَهُ اللهُ عَلَى لِسَانِ نبِيِّهِ ﷺ ؛ يَعنِي: عَمَّارًا.
التاسع عشر:
(أفيكم)؛ أي: في العِراق.
(أجاره)؛ أي: حمَاهُ ومنَعهُ، وهو عمَّار بن ياسِر مِن السَّابقين في الإسلام، المُنزَّل فيه: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، وقال ﷺ : "مَرحَبًا بالطَّيِّب المُطيَّب".
* * *
стр. 4493
٣٢٨٨ - قَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ: أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ أَخْبَرَهُ عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمَلَائِكَةُ تتحَدَّثُ فِي الْعَنَانِ -وَالْعَنَانُ الْغَمَامُ- بِالأَمرِ يَكُونُ فِي الأَرْضِ، فتَسْمَعُ الشَّيَاطِينُ الْكَلِمَةَ، فتَقُرُّها فِي أُذُنِ الْكَاهِنِ، كَمَا تُقَرُّ الْقَارُورَةُ، فَيَزِيدُونَ مَعها مِائَةَ كَذِبةٍ".
العشرون:
(العَنان) بفتح المهملة، وخفة النون الأُولى.
(والعَنان: الغمام) هو مُدرَجٌ في الحديث، وعبارة الجَوْهري: العَنان: السَّحاب.
(فَيقُرُّهَا) بضم القاف، وشدَّة الراء، وفي بعضِها مِن الإقرار.
قال (خ): يُقال: قرَّرت الكلامَ في أذُن الأصمِّ، إذا وضعتَ فمَك على صِماخه فتُلقيه فيه.
(كما تُقَر القارورة) بضم التاء، وفتح القاف، أي: تَطْبيق رأْس القارُورة برأْس الوِعاء الذي يُفرَغ منه فيها.
وقال أهل اللُّغة: التَّقرير يَرِد: بذْل الكلام في أذُن المخاطَب حتى يَفهمَهُ، والقُرُّ أيضًا الصَّوت.
وقال القابِسيُّ: معناه يكون لمَا يُلقيه إلى الكاهِن حِسٌّ كحِسِّ القارُورة عند تحريكها مع اليَدِ، أو على الصَّفا.
* * *
стр. 4494
٣٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدكم فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدكم إِذَا قَالَ: ها ضَحِكَ الشَّيْطَانُ".
الحادي والعشرون:
(تثاءب) بالمدِّ، والتخفيف، وفي بعضها: (تَثاوَبَ) بالواو، وهو نَفَسٌ يَنفتِح منه الفَمُ، يَدفَع البُخارات المُحتقِنة في عضَلات الفَكِّ، ويَنشأُ من امتِلاء المعِدة، وثِقَل البدَن، فيُورث الكسَل، وسُوء الفَهْم، والغَفْلة.
(فليرده)؛ أي: يكظِمُه، ويضَع يدَه على الفَمِ؛ لئلا يَبلُغ الشَّيطانُ مُرادَه من تَشويه صُورته، ودُخوله فمَه، وضَحِكه منه.
(ها) حكايةُ صَوتِ المتثائِب.
وفيه ذَمُّ الاستِكثار من الأكل، وقال (خ): معناه التَّحذير من السبَب الذي يتولَّد منه التثاؤُب، وهو التوسُّع في المَطاعِم، وإنما أضافَه للشَّيطان؛ لأنه الذي يدعُو الإنسانَ إلى إعطاء النَّفْس شَهوتَها من الطَّعام، ويُزيِّن له ذلك، وإذا قال: بها، أي: بالَغَ في التَّثاؤُب.
(ضحك الشيطان) فَرَحًا بذلك، وقيل: لم يَتثاءَب نبيٌّ قطُّ.
* * *
стр. 4495
٣٢٩٠ - حَدَّثَنَا زكرِيَّاءُ بْنُ يَحيَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ هِشَامٌ: أَخْبَرَنَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ هُزِمَ الْمُشْرِكونَ، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أَيْ عِبَادَ اللهِ! أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهمْ فَاجْتَلَدَتْ هِيَ وَأُخْرَاهُم، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ الْيَمَانِ، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللهِ! أَبِي أَبِي، فَوَاللهِ مَا احتَجَزُوا حَتَّى قتلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللهُ لَكمْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَمَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ بقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ.
الثاني والعشرون:
(أخراكم)؛ أي: الطَّائفة المتأَخِّرة، أي: عبادَ الله! احذَرُوا المتأَخِّرين وراءكم، أو اقتلُوهم.
والخِطاب للمُسلمين، وأراد إبليسُ -لعنَةُ الله عليه- بذلك تَغليطَهم ليُقاتل بعضُ المسلمين بعضًا، فرجَعت الطائفةُ المتقدِّمة قاصدِين قِتَال الأُخرى ظانِّين أنهم من المشركين.
(فاجتلدت)؛ أي: تضارَبَ الطَّائفتان.
ويحتمِل أنَّ الخِطاب للكافِرين، أي: فاقتلُوا أُخراكُم، فتراجعتْ أُولاهم، فتجالَد أُولى الكفَّار، وأُخرى المسلمين.
(اليمان) بتخفيف الميم، والنون، بلا ياءٍ بعدها، وهو لقَبٌ، واسمه: حُسَيْل، مُصغَّر الحسْل، بمهملتين ابن جابِر العَبْسي، بموحَّدةٍ بين مهملتين، أسلَم مع حُذَيفة، وهاجر إلى المدينة، وشَهِد أُحدًا،
стр. 4496
وأصابَه المُسلمون في المعركة فقتَلُوه يظنُّونه من المشركين، وحُذَيفة يَصيحُ ويقول: هو أَبي لا تَقتُلوه، فلم يَسمعُوه.
(احتجزوا)؛ أي: امتَنعوا منه، وتصدَّق حُذَيفة بدِيَتِه على مَن قتلَه، وهو عُقْبة بن مَسعود، فعَفا عنه.
(بقية خير)؛ أي: بَقيَّة دُعاءٍ واستغفارٍ لقاتِل أبيه حتى ماتَ.
وقال التَّيْمي: ما زال في حُذَيفة حُزْن على أبيه مِن قتْل المسلمين إِيَّاه.
* * *
٣٢٩١ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أبو الأَحْوَصِ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْتِفَاتِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: "هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ أَحَدِكُمْ".
الثالث والعشرون:
سبَق في (باب: الالتفات في الصلاة).
* * *
٣٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قتادة، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 4497
حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحيَى بْنُ أَبِي كثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قتادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَلَمَ أَحَدُكُم حُلُمًا يَخَافُهُ فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِه، وَلْيِتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّها، فَإِنَّها لَا تضُرُّه".
الرابع والعشرون:
(الصالحة) إما صفةٌ مُوضِحةٌ؛ لأنَّ غير الصَّالحة تُسمَّى حُلُمًا، أو مخصصةٌ، والصَّلاح إما باعتبار صُورتها، أو تعبيرها، ويُقال لها أيضًا: الصَّادقة، والحسَنة، وأما الحُلُم فضِدُّها، وهي الكاذبة، أو السيِّئة.
(حلم) بفتح اللام، أي: رأَى في المَنام ما يكرهُه.
قال (خ) (١) : يُريد أنَّ الصَّالحة بشارةٌ من الله تعالى يُبشِّر بها عبدَه؛ ليُحسِن بها ظنَّه، ويُكثر عليها شُكره، والكاذِبة هي التي يُريها الشَّيطان الإنسانَ، فيَحزُنه، فيَسوء ظنُّه بربِّه، ويقلَّ حظُّه من شُكره، ولذلك أمَره أن يبصُق ويتعوَّذ من شرِّه كأنَّه يقصِد به طَرْد الشيطان.
* * *
٣٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالكٌ، عَنْ سُمَيٍّ الحواشي
(١) "خ" ليس في الأصل.стр. 4498
مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحدٌ عَمِلَ أكثَرَ مِنْ ذَلِكَ".
الخامس والعشرون:
(عدل) بفتح العين، أي: مِثْل ثَواب إِعتاق عشْر رِقابٍ.
(حِرْزًا)، بكسر المهملة: الموضع الحَصِين، ويُسمَّى التعويذ حِرْزًا.
* * *
٣٢٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زيدٍ: أَن مُحَمَّدَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَاهُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: اسْتَأذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمنَهُ وَيَستكثِرنه، عَالِيَةً أَصوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "عَجبْتُ مِنْ هؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ"، قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ يَهبْنَ، ثُمَّ قَالَ:
стр. 4499
أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ! أتهبْنَنِي وَلَا تَهبْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قُلْنَ: نعم، أَنْتَ أفظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ".
السادس والعشرون:
(ابن زيد)؛ أي: ابن الخَطَّاب أخي عُمر.
(أضحك الله سنك)؛ أي: أَدام سُرورك، فالمراد لازِم الضَّحك، وإلا فقد قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٨٢]، إلا أنْ يُقال: ليس هو ﷺ داخِلًا في هذا.
(ابتدرن)؛ أي: استَبقْنَ.
(تهبن) بفتح الهاء: من الهيْبة.
(أفظ وأغلظ) إما أنَّ المراد أَصْلُ المعنى، أي: فَظٌّ غليظٌ، حتى لا تقَع مُشاركةُ النبيِّ ﷺ في ذلك، أو ذلك صِفةٌ مشبَّهة؛ لقَصْد الثُّبوت، فلا تَفضيلَ فيه، أو أن إقامتَه ﷺ الحُدود ونحو ذلك يتضمَّن الفَظاظة والغِلَظ فيه لا مطلقًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢].
(فجًّا)؛ أي: طريقًا واسعًا، لا يُعارَض هذا بما قال أيُّوب ﵇ وهو نبيٌّ: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيطاَنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]؛ لأن التركيب في قصَّة عُمر لا يدلُّ إلا على الزَّمَن الماضي، وذلك أيضًا مخصوصٌ بحالة الإسلام، ومقيَّدٌ أيضًا بحالِ سُلوك الطَّريق، فجاز أن
стр. 4500
يَلْقاه في غير تلك الحالَة.
* * *
٣٢٩٥ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حمزَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبراهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "إِذَا اسْتَيْقَظَ -أُرَاهُ- أَحَدكم مِنْ مَنَامِهِ، فتوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ".
(الخيشوم) أقصَى الأنف، والاستِنْثار: إخراج الماء مِن الأنْف بعد الاستِنشاق مع ما في الأنْف مِن غُبار ونحوه.
مرَّ في (باب: الاستنثار في الوضوء).
* * *
١٢ - بابُ ذِكرِ الْجِنِّ وَثَوَابِهِم وَعِقَابِهِم
لقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ إلَى قَوْلهِ تَعَالَى ﴿عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿بَخْسًا﴾: نقصًا.
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: قَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، وَأُمَّهاتُهمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجنِّ، قَالَ الله ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: سَتُحْضَرُ لِلْحِسَابِ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ عِنْدَ الْحِسَابِ.
стр. 4501
٣٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدرِيَّ ﵁ قَالَ لَهُ: "إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ وَبَادِيتكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
(باب ذِكْر الجنِّ وثَوابِهم وعِقابِهم)
ذكَر هذا لمَا فيه مِن الخِلاف؛ فالصَّحيح أن مُطيعَهم يُثاب كما يُعاقَب عاصيهم.
وجرى في ذلك مناظرةٌ بين أبي حنيفة ومالكٍ ﵄ في المَسجِد الحرام، فقال أبو حنيفة: ثوابُهم السَّلامة من العَذاب تمسُّكًا بقوله تعالى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٣١]، وقال مالكٌ: ثوابُهم الكَرامة بالجنَّة، وحُكْم الثَّقَلين واحدٌ، قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، وقال: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦].
واستدلَّ له البخاري بقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٠]، ووجْه الدَّلالة: أَما على العِقاب فقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠]، وأما على الثَّواب فقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: ١٣٢].
стр. 4502
(بخسًا)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ [الجن: ١٣].
(سَروات) بفتح السِّين، أي: سَادات.
(جند محضرون) هذا في آخِر (يس)، ولا تعلُّق له بالجِنِّ، ولكنْ ذُكر لمناسبةِ الإحضار للحِساب.
ويحتمل أنْ يُقال: لفظ (آلهةً) في الآية مُتناوِلٌ للجِنِّ؛ لأنهم أيضًا اتخذُوهم مَعابيد.
الحديث سبَق أوَّل (الأذان).
* * *
١٣ - وقولُ الله جَلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ إِلَى قوِلِه: ﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
﴿مَصرِفًا﴾: مَعدِلًا، ﴿صرفنا﴾؛ أي: وَجَهْنَا
(باب قوله : ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ [الأحقاف:٢٩])
(مصرفًا)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف: ٥٣]، مِن صرَف بمعنى: عَدَلَ.
(صرفنا) في الآية الأُولى بمعنى: وجَّهنا.
* * *
стр. 4503
١٤ - بابٌ قولِ الله تعالَى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الثُّعْبَانُ: الْحَيَّةُ الذَّكَرُ مِنها، يُقَالُ: الْحَيَّاتُ أَجْنَاسٌ: الْجَانُّ وَالأَفَاعِي وَالأَسَاوِدُ. ﴿آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾: فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ. يُقَالُ ﴿صَافَّاتٍ﴾: بُسُطٌ أَجْنِحَتَهُنَّ. ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ.
(باب قوله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤])
قوله: (الثعبان)؛ أي: الذي في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧].
(منها)؛ أي: من الحَيَّات، وقال الجَوْهري: ضَرْبٌ من الحيَّات طِوال.
(الجان) هو الحيَّة البَيضاء.
(والأفاعي) جمع أَفْعاة، والأُفْعُوان، بضم الهمزة، والعين: ذكَر الأَفاعي.
(والأساود) جمع: أَسْوَد هو العَظيم من الحيَّات، وفيه سَوادٌ.
(أخذ بناصيتها)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هود: ٥٦].
(صافات)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ الآية [الملك: ١٩].
стр. 4504
(بُسُط)؛ أي: باسِطاتٍ أجنحتهنَّ ضارِباتٍ بها.
* * *
٣٢٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، يَقُولُ: "اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ، وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيتَيْنِ وَالأَبْتَرَ، فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ".
٣٢٩٨ - قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَبَيْنَا أَناَ أُطَارِدُ حَيَّةً لأَقْتُلها، فَنَادانِي أَبُو لُبَابَةَ: لَا تَقْتُلْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قد أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ، قَالَ: إِنَّهُ نهى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ، وَهْيَ الْعَوَامِرُ.
(الطفيتين) مثنَّى الطُّفْيَة، بضم المهملة، وسُكون الفاء، وبياءٍ: حيَّةٌ في ظَهرها خَطَّان كالخُوصَتين، والطُّفْيَة: خُوصَة المقل، وجمعها: طُفًى.
(والأبتر) الحيَّة القَصيرة الذَّنَب، وهما مِن شِرار الحيَّات إذا لحظَتْه الحامِل أسقَطت الحَمْل غالبًا، وإذا وقع نظَرُها على نظَر الإنسان يطمِسُه، أي: يُعميه، جُعل ما يُفعَل بالخاصيَّة كأنَّه يُفعل بالقَصد.
وقال النَّضْر بن شُمِيل: الأبْتَر صِنْفٌ من الحيَّات أَزْرق مَقطوعُ الذَّنَب لا تَنظُر إليه حامِل إلا ألقَت ما في بطْنها.
قال بعضهم: وفي الحيَّات نوعٌ يُسمَّى الناظِر إذا وقَع بصرُه على
стр. 4505
عين الإنسان ماتَ من ساعته، وقال بعضهم: معنى الطَّمْس قصْدُها النظَر باللَّسْع والنَّهْش.
(أطارد)؛ أي: أطلبُها، وأتبعُها لأقتُلها.
(ذوات البيوت)؛ أي: السَّاكنات فيها، ويُقال لها: الجِنان، وهي حَيَّاتٌ طِوالٌ بيضٌ قلَّ ما تضرُّ، ويُقال لها: العَوامِر، سُميت بها لطُول عمُرها.
قال الجَوْهري: عُمَّار البُيوت سُكَّانها من الجِنِّ.
وفي "مسلم": "إنَّ في المَدينة جِنًّا قد أَسلَمُوا، فإذا رأَيتُم منهم شَيئًا، فآذِنُوه ثلاثةَ أيَّامٍ، فإنْ بَدَا لكُم بعدَ ذلك فاقتُلوهُ، فإنما هو شَيطانٌ".
فقال بعضهم: الإنْذار مختَصٌّ بحيَّات المَدينة، وقيل بعُمومه في حَيَّات جميع البلاد، وهو بالاتفاق مخصوصٌ بالأَبْتَر، وذي الطُّفْيَتَين؛ فإنَّه يُقتَل على كل حالٍ بالمدينة وغيرها، في البُيوت والصَّحارى.
* * *
٣٢٩٩ - وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ: فَرآنِي أَبُو لُبَابَةَ، أَوْ زيدُ ابْنُ الْخَطَّابِ.
وَتَابَعَهُ يُونس، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ، وَالزُّبَيْدِيُّ.
وَقَالَ صَالحٌ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، وَابْنُ مُجَمِّعٍ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ وَزيدُ بْنُ الْخَطَّابِ.
стр. 4506
(وقال عبد الرزاق) وصلَه مسلم.
(وتابعه يونس) وصلَه مسلم أيضًا.
(وابن عُيَيْنة) وصلَه أحمد، والحُمَيدي في "مسنديهما".
(وإسحاق الكلبي، والزُّهْرِي) هما في "الزُّهريات" للذُّهلِي، والزَّبِيْدي، وصلَه مسلم.
(وابن مجمع) رواه العَوْفي في "معجم الصحابة".
والحاصل أن أربعةً تابَعوا عبد الرَّزَّاق، عن مَعمَر، عن الزُّهْري في الرِّواية بالشكِّ بين أبي لُبَابَة وزيد، وثلاثة روَوا عن الزُّهْري بواو الجمع، فالأُولى جَزمَ فيها بأبي لُبَابَة، والثَّانية شكَّ بينهما، والثالثة جمع بينهما.
* * *
١٥ - بابٌ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنمٌ يَتْبَعُ بِها شَعَفَ الْجِبَالِ
(باب خَيْرِ مالِ المُسلِم)
رُوي بنصب (خير)، ورفْع (غنَم)، وبرفعهما، وبرفْع (خير)، ونصْب (غنَم).
٣٣٠٠ - حَدَّثَنَا إِسمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ بْنِ أَبِي صعصَعَةَ، عَنْ
стр. 4507
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الرَّجُلِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِها شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينهِ مِنَ الْفِتَنِ".
الحديث الأول:
(شَعَف) بمعجمةٍ، ومهملةٍ مفتوحتين.
(ومواقع القطر)؛ أي: الأَودِيَة والصَّحارى.
سبق الحديث في (كتاب الإيمان).
* * *
٣٣٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإبِلِ وَالْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَم".
الثاني:
(نحو المشرق)؛ أي: أكثَر الكفَرة مِن المَشرِق، وأعظَم أسباب الكُفر، ومنشَؤُه هناك، ومنه يخرج الدجَّال.
(والخُيلاء)؛ أي: الكِبْر.
(والفدادين) من بلَغ إبِلُه مائتين فأكثَر إلى الألْف.
стр. 4508
قال (خ) (١) : يُفسَّر على وَجْهين: أنْ يكون جمْعًا للفَدَّاد، وهو الشديد الصوت، مِن الفَدِيْد، وذلك من دَأْب أصحاب الإبِل، وهذا إذا رَويتَهُ بتشديد الدال، من فَدَّ يفَدُّ، إذا رفَع صوتَه.
وثانيهما: جمع الفَدَّان، وهو آلة الحَرْث، وذلك إذا رَويتَهُ بالتَّخفيف، يريد أهل الحَرْث، وقال الجَوْهري: في الحديث: "الجَفَاءُ والفِسْق في الفَدَّادِين" بالتشديد، وهم الذين تَعْلُو أصواتهم في حُروثهم ومَواشيهم، وأما الفَدَادِين -بالتخفيف- فهي البقَر التي تحرُث، واحدُها فدَّان بالتشديد، وإنما ذَمَّ ذلك وكَرِهه؛ لأنَّه يشغَل عن أمر الدِّين، ويُلهِي عن أَمْر الآخِرة، وتكون معها قَسْوة القلْب، ونحوها.
(أهل الوبر) بَيانٌ للفَدَّادين، والمراد منه ضِدُّ أهل المَدَر، فهو كِنايةٌ عن سُكَّان الصَّحارى، فإنْ أُريد منه الوجْه من الوَجهَين؛ فهو تعميمٌ بعد تخصيص.
* * *
٣٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحيى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَمرٍو أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: أَشَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ نَحْوَ الْيَمَنِ، فَقَالَ: "الإيمَانُ يَمَانٍ ها هُنَا، أَلَا إِنَّ الْقَسْوَةَ وَغِلَظَ الْقُلُوبِ الحواشي
(١) "خ" ليس في الأصل.стр. 4509
فِي الْفَدَّادِينَ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإبِلِ، حَيْثُ يَطْلُعُ قرْنَا الشَّيْطَانِ فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ".
الثالث:
(يمان)؛ أي: لأنَّ مَبْدأ الإيمان مِن مكَّة، وهي يمانيَةٌ، وقيل: قال ذلكَ وهو بأرضِ تَبُوك، وكانت المدينة، ومكَّة، والحِجاز مِن جِهة اليمَن، وأصله: يمانيٌّ، فحذفوا ياء النَّسَب.
والأحسَن أنَّ الغرَض وَصْف أهل اليمَن بكمال الإيمان؛ لأنَّ مَن قَوِيَ قيامه بشيءٍ نُسب ذلك الشيءُ إليه.
(عند أصول أذناب الإبل) قيل: المراد يبعُدون عن الأمصار، فيَجهلُون مَعالِم دينهم.
(حيث يطلع قرنا الشيطان) يُعبَّر به عن المَشرِق؛ لأنَّ الشَّيطان ينتصِب في مُحاذاة مَطْلَع الشَّمس؛ فإذا طلَعتْ كانت بين قَرنَي رأْسه، أي: جانبَيه، فتقَع السَّجدة له حين يسجُد عبَدة الشَّمس لها، وذلك هو مَسكَن القَبيلتين: رَبِيْعةَ ومُضَر.
ويحتمل أن يكون قوله: (في ربيعة ومضر) بدَلًا من الفَدَّادين.
* * *
٣٣٠٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا سَمِعتمْ صِيَاحَ
стр. 4510
الدِّيَكَةِ فَاسْألوا الله مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّها رَأَتْ مَلَكًا، وَإذَا سَمِعْتمْ نهِيقَ الْحِمَارِ فتَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا".
الرابع:
(الدِّيَكة) بفتح الياء: جمع دِيْك، كقِرْد وقِرَدة، قيل: سبَبه رَجاءُ تأمين الملائكةِ على الدُّعاء، واستِغفارهم، وشَهادتهم بالتَّضرُّع والإخلاص.
وفيه استِحباب الدُّعاء عند حُضور الصَّالحين.
* * *
٣٣٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عَطَاءٌ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ -أَوْ أَمْسَيْتُم- فَكُفُّوا صِبْيَانكُم، فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ تَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَحُلُّوهُم، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا".
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عَمرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ: نَحوَ مَا أَخْبَرَني عَطَاءٌ، وَلَم يَذْكُرْ: "وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ".
الخامس:
(إسحاق)؛ أي: ابن مَنْصُور.
стр. 4511
(جنح) بكسر الجيم وبضمها.
وسبق الحديث قريبًا.
(وأخبرني)؛ أي: قال ابن جُرَيج: وأخبَرني عَمرو أيضًا.
* * *
٣٣٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهيْبٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فُقِدَتْ أُمَّةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا يُدرَى مَا فَعَلَتْ، وإنِّي لَا أُرَاها إِلَّا الْفَارَ، إِذَا وُضعَ لَها ألبَانُ الإبِلِ لم تَشْرَبْ، وَإِذَا وُضِعَ لَها ألبَانُ الشَّاءِ شَرِبَتْ"، فَحَدَّثْتُ كَعْبًا، فَقَالَ: أَنْتَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُهُ؟ قُلْتُ: نعم، قَالَ لِي مِرَارًا، فَقُلْتُ: أفأقْرَأُ التَّوْرَاةَ؟
السادس:
(أُمَّة)؛ أي: طائفةٌ منهم، لا يُدرى ما وقَع لهم.
(أُراها) بضم الهمزة، أي: أظنُّها أنْ مسَخَهم الله الفِئران.
والدَّليل عليه أنَّ بني إسرائيل لم يكُونوا يَشربُون ألْبانَ الإبِل، والفَأْر أيضًا كذلك لا تشربُها.
وفي "الترمذي" في تفسير (سورة يوسف) بسنَده: قال اليَهود لرسول الله ﷺ : أخبرنا عمَّا حَرَّم إسرائِيْل على نفْسه؟ قال: "اشتَكَى عِرْقَ النَّسَا فلَم يجِد شَيئًا يُلائِمُه إلا لُحومَ الإبِل وألبانها، فلذلكَ حَرَّمَها"، قالوا: صدقتَ.
стр. 4512
(كعبًا)؛ أي: ابن مَاتِع، بكسر التاء، المشهور بـ: كَعب الأَخبار.
(فقال لي مرارًا)؛ أي: كرَّر السُّؤال مِرارًا.
(أفاقرأ التوراة) تعريضٌ بكعْب؛ فإنَّه كان على دِيْن اليَهود، فأَسلَم في خِلافة الصِّدِّيق، يعني: لا أقول إلا من السَّماع عن رسول الله ﷺ .
* * *
٣٣٠٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يُونس، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُزوَةَ يُحَدِّثُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْوَزَغِ: "الْفُوَيْسِقُ"، وَلَم أَسْمَعهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.
وَزَعَمَ سَعدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.
٣٣٠٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبة، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أُمَّ شَرِيكٍ أَخْبَرتهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَها بِقَتْلِ الأَوْزَاغِ.
السابع:
(الوزغ) بزايٍ، ومعجمةٍ، جمع: وَزَغَة، كانت تَنفُخ على نارِ إبراهيم ﵊.
(زعم)؛ أي: قالَ.
* * *
стр. 4513
٣٣٠٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اقْتُلُوا ذَا الطُّفْيتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَلْتَمِسُ الْبَصَرَ، وَيُصِيبُ الْحَبَلَ".
الثامن:
(يلتمس)؛ أي: يَطلُب البَصَر ليأْخذَه ويطمِسَه، أي: يُعميه.
* * *
٣٣٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الأَبْتَرِ وَقَالَ: "إِنَّهُ يُصِيبُ الْبَصَرَ، وَيُذْهِبُ الْحَبَلَ".
التاسع:
بنحوه.
* * *
٣٣١٠ - حَدَّثَنِي عَمرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ أَبِي يُونس الْقُشَيْرِيِّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ ثُمَّ نهى، قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هدَمَ حَائِطًا لَهُ، فَوَجَدَ فِيهِ سِلْخَ حَيَّةٍ، فَقَالَ: "انْظُرُوا أَيْنَ هُوَ"؟ فَنَظَرُوا، فَقَالَ: "اقْتُلُوه"، فَكُنْتُ أَقْتُلُها لِذَلِكَ.
стр. 4514
العاشر:
(سَلخ) بفتح السِّين وكسرها، وقَوَّاه بعضُهم؛ لأنَّه اسمُ أيِّ جِلْدٍ، يُقال: انسلَخَ الشَّهر من سنَته، والحيَّةُ مِن قِشْرها.
* * *
٣٣١١ - فَلَقِيتُ أَبَا لُبَابَةَ، فَأَخْبَرَني: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقْتُلُوا الْجنَّانَ، إِلَّا كُلَّ أَبْتَرَ ذِي طُفْيتيْنِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ الْوَلَدَ، وَيُذْهِبُ الْبَصَرَ، فَاقْتُلُوهُ".
٣٣١٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ.
٣٣١٣ - فَحَدَّثَهُ أَبُو لُبَابَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى عَنْ قَتْلِ جِنَّانِ الْبُيُوتِ، فَأمسَكَ عَنْها.
(الجِنان) بكسر الجيم، وتشديد النُّون: الحيَّات التي تكُون في البُيوت، جمع جانٍّ، وهي الحيَّة البَيضاء، أو الصَّغيرة، أو الرَّقيقة، أو الخَفيفة.
(أبتر ذي طفيتين) هذا يقتَضي اتحادَهما، وسبق أنهما نَوعان، وجوابه: أنَّ الواو هناك بين الوَصفَين لا بين الذَّاتَين، أي: اقتُلوا الحيَّةَ الجامِعة بين وصْفِ الأَبْتريَّة، وكونِها ذاتَ الطُّفْيتين، نحو: مرَرْتُ
стр. 4515
بالرجُل الكريم، والنَّسَمة المُباركة.
وأيضًا لا مُنافاةَ بين أن يرِد الأمرُ بقتْل ما اتصَف بإحدى الصِّفَتَين، وبقتْل ما اتصفَ بهما معًا؛ لأن الصِّفَتين قد يجتمِعان فيها، وقد يفترقان.
* * *
١٦ - بابٌ خَمسٌ مِنَ الدَّوابَ فَواسِقُ يُقْتَلْنَ في الحرَمِ
(باب خَمْسٍ من الدَّوابِّ يُقتَلْنَ في الحَرَم)
عُلم منه جَواز قتْلها في غير الحرَم من بابٍ أَولى.
٣٣١٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ: الْفَأْرَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْحُدَيَّا، وَالْغُرَابُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ".
الحديث الأول:
(خمس فواسق) من الفِسْق، وهو الخُروج عن الطَّريق المُستقيم، وهذه الخَمْس خرَجْنَ عن طريق مُعظَم الحشَرات بزيادةِ الضَّرر والأذى.
والمشهور تنوينه، وتجوز الإضافة.
(والحُدَيَّا) مصغَّرُ: حِدَأَة، بوزْن عِنَبة، وقياس تصغيره حُدَيَّة،
стр. 4516
فزيدت الألف للإشباع، اللَّهمَّ إلا أنْ يثبُتَ فيه: حِدَاءَة بوزْن: حِمَارة، أو لفظٌ موضوعٌ على صِيغة التَّصغير.
وأنكَر ثابِتٌ الحُدَيَّا، وقال: إنَّ صوابه: الحِدَئة بهمزةٍ في آخره، أو بتشديد الياء، فإنْ أردتَ المذكَّر قُلتَ: حُدَيءَ، أو حُديٌّ.
قال: والحُدَيَّا إنما هي من التحدِّي، تقول: فُلان يتحدَّى فُلانًا، أي: يُباريه ويُغالبُه، وعن أبي حاتم: أهل الحِجاز لقولون لهذا الطَّائر: الحُدَيَّا، ويجمعونه الحَداوِي.
قال: وكلاهما خطأٌ، وقيل: إنما تَصغير حِدَاءَة: حُدَيَّاةٌ، لكن قال الأَزْهري: كأنَّه تصغير الحِنوِ، لغةٌ في الحِداء.
وسبق الحديث في (باب: جزاء الصيد)، في (الحج).
* * *
٣٣١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ أن مَسْلَمَة، أَخْبَرَنَا مالكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَن رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ مَنْ قتلَهُنَّ وَهْوَ مُحْرِمٌ قَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ: الْعَقْرَبُ، وَالفَأرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأة".
الثاني:
كالذي قبله.
* * *
стр. 4517
٣٣١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ كَثِيرٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵂، رَفَعَهُ، قَالَ: "خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَوْكوا الأَسقِيةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا صِبْيَانكُمْ عِنْدَ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ لِلْجنِّ انْتِشَارًا وَخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ، فَكانَّ الْفُويسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الْفَتِيلَةَ فَأحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ". قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَحَبِيبٌ، عَنْ عَطَاءٍ: فَإِنَّ الشَّيْطانَ.
الثالث:
(رفعه)؛ أي: إلى رسول الله ﷺ سواءٌ بواسطةٍ أو لا، [و] سواءٌ كان الرفْع مقارِنًا لروايته، أو لا.
(خمروا)؛ أي: غَطُّوا.
(وأجِيْفُوا)؛ أي: أغلِقوا مِن الإجَافَة، بالجيم، والفاء، أجَفْتُ البابَ: ردَدتُه.
وزعم القَزَّاز أنه يُقال: جَفَأْتُ الباب: أَغلقتُه، ونُوزع؛ فإنَّ جَفا مهموزٌ، وأَجيفُوا لامُه فاءٌ.
(واكْفِتُوا) بضم الفاء وكسرها: من الكَفْت، وهو الضمُّ، يقال: كفَتَه: إذا ضمَّه إلى نفْسه.
(الفويسقة)؛ أي: الفَأْرة، والتَّصغير للتَّحقير.
стр. 4518
(قال ابن جريج) هو موصولٌ في الباب الذي قبلَه.
(فإن للشيطان) لا يُنافي ما في الرواية الأُخرى: (فإنَّ للجِنِّ)؛ لانتِشار الصِّنْفين، أو حقيقتُهما واحدةٌ كان اختلَفا بالصفات.
* * *
٣٣١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا يَحيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَارٍ، فَنَزَلَتْ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾، فَإِنَّا لَنتَلَقَّاها مِنْ فِيهِ إِذْ خَرَجَتْ حَيَّةٌ مِنْ جُحرها، فَابْتَدَرناَها لِنَقْتُلها، فَسَبَقَتْنَا فَدَخَلَتْ جُحرَها، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وُقِيَتْ شَرَّكُمْ، كمَا وُقِيتمْ شَرَّها".
وَعَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: مِثْلَهُ، قَالَ: وَإِنَّا لنتلَقَّاها مِنْ فِيهِ رَطْبةً.
وَتَابَعَهُ أَبُو عَوَانة، عَنْ مُغِيرَةَ.
وَقَالَ حَفْصٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ قرْمٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ.
الرابع:
(شركم)؛ أي: بالنِّسبة إليها، وإلا فقتْلُها بالنِّسبة إلينا خيرٌ؛ لأنه مأمورٌ به، فهو من الأمور الإضافية.
стр. 4519
(رطبة)؛ أي: غضًّا طَريًّا؛ لأنَّه كان أوَّل زمان نُزوله قبْل أن يجِفَّ رِيْق رسول الله ﷺ من ذلك.
وسبق في (باب: جزاء الصيد).
(وتابعه أبو عَوانة) موصولٌ في (التفسير).
(وقال حفص) موصولٌ في (الحج).
(وأبو معاوية) وصلَه أحمد.
* * *
٣٣١٨ - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعلَى، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "دَخَلَتِ امْرَأةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْها، فَلَمْ تُطْعِمْها، وَلَم تَدَعها تأكُلُ مِنْ خِشَاشِ الأرْضِ".
قَالَ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
الخامس:
(خشاش) بتثليث المعجمةِ، ثم معجمتين: حشَرات الأرض.
سبق (١) (باب: ما يقول بعد التكبير).
* * * الحواشي
(١) "سبق" ليس في الأصل.стр. 4520
٣٣١٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بنُ أَبِي أُويس، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "نزَلَ نبَيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَلَدَغتْهُ نَمْلَةٌ، فَأمَرَ بِجهازِه فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتها، ثُمَّ أَمَرَ بِبيْتها فَأُحْرِقَ بِالنَّارِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: فَهلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً".
السادس:
(بجهازه) بفتح الجيم وكسرها.
قال (ن): هذا محمولٌ على أنَّ شرْع ذلك النبيِّ ﷺ كان فيه جَواز قتْل النَّمل، والإحراقِ بالنار؛ إذ لم يعاتَب إلا على الزِّيادة على نملةٍ، وأما في شَرْعنا فلا يجوز إحراق الحيوان نملًا وقَملًا وغيرهما.
وسبَق: أنَّ النبيَّ عُزَير ﷺ ، وأنَّ (لدَغتْه) بدالٍ مهملةٍ وغينٍ معجمةٍ، بخلاف (لذَعتْه) النَّار، فإنَّه بالذال المعجمة والعين المهملة، وأنَّ (هلَّا) حرْف تحضيضٍ يختصُّ بالأفعال، وإذا وليَها اسمٌ فهو بتقدير فِعلٍ قبلَه، فيُقدَّر هنا: فهلَّا أحرقْتَ، وأنَّ (واحدة) تأكيدٌ إنْ كانت الهاء في نملةٍ للوَحْدة.
* * *
следующие страницы →