الإسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَناَ أَدركتُهم لأَقْتُلَنَّهم قَتْلَ عَادٍ".
الثاني:
(بعث علي)؛ أي: من اليمَن، كما رواه النَّسائي.
(بذُهيبة) قال (ح): أنَّثَها على نيَّة القِطْعة من الذَّهب، وقد يُؤنَّث الذهب في بعض اللُّغات.
(الأقرع) بقافٍ، وراءٍ مهملةٍ.
(ابن حابس) بمهملتين، وموحدةٍ.
(المُجَاشِعي) بضم الميم، وكسر المعجمة، ثم مهملةٍ.
(وعُيَيْنة) بضم المهملة، وفتح الياء الأولى، وبنون.
(الفَزَاري) بفتح الفاء، وتخفيف الزاي، وبالراء.
(وزيد)؛ أي: ابن مُهلهِل، بضم الميم، وفتح الهاء الأُولى، وكسر الثانية.
(نبهان) بفتح النون، وسُكون الموحَّدة.
(عَلْقَمة) بفتح المهملة، وسُكون اللام، وبقاف.
(ابن عُلاثة) بضم المهملة، وتخفيف اللام، وبمثلَّثةٍ، والأربعة من نَجْد، مِن المؤلَّفة قلوبهم، وهم سادات أَقوامهم.
(صناديد)؛ أي: رُؤساء، واحدها: صِنْديد.
(غائر العينين)؛ أي: عَيناه داخلتَانِ في الرَّأْس، لاصِقتان بقَعْر
стр. 4554
الحدَقة، ضِدُّ الجاحِظ.
(مشرف الوجنتين)؛ أي: غَليظهما.
(ناتئ الجبين)؛ أي: مُرتَفعه.
(كث اللحية)؛ أي: كثير شَعْرها.
(محلوق)؛ أي: محلُوق الرأْس، كانوا يفرقُون رؤُوسَهم ولا يحلقُونها.
وسبق أنَّ هذا ذو الخُوَيصِرة التَّميمي.
(فمنعه) لا يُنافي قولَه: (إنْ أدركتُهم لأقتلنَّهم)؛ لأنَّ المراد إدراك زمانِ خُروجهم إذا كثُروا، واعترضوا الناسَ بالسَّيف، ولم تكن هذه المعاني مجتمعةً إذ ذاك.
وقد كان هذا كما قال ﷺ ، فأوَّلُ ذلك في أيام عليٍّ ﵁.
(ضِئْضِئ) بكسر المعجمتين، وسُكون الهمزة الأُولى: الأَصل.
قال (ش): معناه نسلُه وعَقِبُه، ويقال: ضُؤضُؤ، ورُوي بالصاد المهملة، وهو بمعناه، قاله ابن الأَثير.
(لا يجاوز حناجرهم)؛ أي: لا يُرفَع في الأعمال الصالحة.
(يَمرقون) هو النُّفوذ حتى يخرُج من الطَّرَف الآخَر.
(من الدِّين)؛ أي: الطَّاعة، أي: يخرُجون عن طاعةِ الأئمة، وهذا نَعْت الخَوارج الذي لا يَدينون للأئمَّة ويخرُجون عليهم.
أَصْل خلْق الله فهو بالضم، وما كان من عمَل العِباد فهو بالفتح.
(رَصَاصًا) بفتح الراء وكسرها.
(الصُفر) بالضم والكسر.
(اسطاع) استَفْعَل في الأصل، ولكنْ حُذفت منه التاء، وكذلك يُفتَح حرف المضارعة من يَستَطيع؛ إذ لو كان أفعل من الإطاعة، وزِيدَ فيه السين لكان مضارعُه يُستَطيع بضم أوله.
وقال بعضهم: استطاع، بفتح الهمزة، يُستطيع، بضم الياء.
(الدَّكْدَاك) قال الجَوْهري: ما الْتَبَدَ منه بالأرض، ولم يرتفع.
(مثله)؛ أي: مُلزَقٌ بالأرض، مُسوًّى بها.
(يأجوج ومأجوج) مهموزان وبلا همزٍ.
(وقال رجل) وصلَه ابن أبي عُمر في "مسنده".
(المُحَبَّر) بالمهملة، وتشديد الموحَّدة المفتوحة، أي: خَطٌّ أبيض، وخَطٌّ أسوَد، أو أحمر.
وقد جاء في روايةٍ: (طريقةٌ سوداء، وطريقةٌ حمراء)؛ أي: حُمرة النُّحاس، وسَواد الحديد.
(رأيته) بفتح التاء، أي: أنتَ صادِق في رُؤيته.
* * *
٣٣٤٦ - حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ
стр. 4558
ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ زينَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ حَدّثتهُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زينَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ ﵅: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا يَقُولُ: "لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ، مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مِثْلُ هذِهِ"، وَحَلَّقَ بِإِصبَعِهِ الإبْهامِ وَالَّتي تَلِيها، قَالَتْ زينَبُ ابْنَةُ جَحشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نعمْ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ".
الحديث الأول:
اجتمَع في سنَده ثلاثُ صحابيَّاتٍ.
(للعرب) إنما خصَّهم؛ لأن معظَم مفسَدتهم راجعٌ إليهم.
وقد وقع بعض ما أخبر به ﷺ حيث قال: "إنَّ يأْجُوج ومأجُوجَ همُ التُّرْك"، وقد (١) أَهلَكُوا الخليفةَ العبَّاسي المُستَعصِم، وجَرى ما جَرى ببغداد.
(ردم)؛ أي: سَدِّ، وردَمتُ الثُّلْمة، أي: سَدَدتُها.
(انهلك) بكسر اللام، وحكي فتحها.
(الخَبَث) بفتح المعجمة، والموحَّدة، فسَّره الجمهور بالفسوق والفجور، وقيل: الزِّنا خاصة، وقيل: أولادُ الزِّنا، والظاهر أنه المعاصي مطلقًا.
стр. 4559
ومعناه: أن الخبَث إذا كثر فقد يحصل الهلاك، وإن كان هناك صالحون.
* * *
٣٣٤٧ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "فتحَ اللهُ مِنْ ردْمِ يَأْجُوجَ وَمَأجُوجَ مِثْلَ هذَا"، وَعَقَدَ بِيَدِهِ تِسْعِينَ.
الثاني:
(وعقد بيده تسعين)، وهو معنى ما في الحديث قبله: (وحلَّق بأصبعَيه الإبهام والتي تليها)، أي: بأن يجعل رأس السبابة في أصل الإبهام، ويضمها حتى لا يبقى بينهما إلا خللٌ يسيرٌ.
* * *
٣٣٤٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نصرٍ، حَدَّثَنَا أَبو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، فَيقُولُ: أَخْرِجْ بَعثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتسْعَةً وَتسعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ
стр. 4560
شَدِيد﴾ ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وأيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: "أَبْشِرُوا؛ فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجلٌ، وَمِنْ يَأجُوجَ وَمَأْجُوجَ ألفٌ"، ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نفسِي بِيَدِهِ! إِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرناَ، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرناَ، فَقَالَ: "أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرناَ، فَقَالَ: "مَا أَنتم فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْداءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسوَدَ".
الثالث:
(بعث) بمعنى: مبعوث، أي: أَخرِجْ من بين الناس الذي هو من أهل النار، وميِّزهم، وابعث إليها.
وإنما خُصَّ آدم بذلك؛ لأن الله تعالى قد جمع له بين نسَمةِ بَنيهِ المتوالدين منه إلى يوم القيامة، ودليله ما رآه النبي ﷺ ليلة الإسراء: (وعن يمينه أَسوِدة، وعن يساره أَسوِدة).
(تسع مائة) بالنصب والرفع.
﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ وجه ذلك مع أن القيامة ليس فيها حملٌ ولا وَضْع: أنه قبل وقته عند زلزلة الساعة قبل خروجهم من الدنيا، فهو حقيقةٌ.
وقيل: بل المراد أنه لو تُصُوِّر ذلك لكان ذلك واقعًا من الهول والشدة، فهو مجاز عنه كما يقال: حصل لنا من الشدة أمرٌ تشيب منه الوِالدان.
стр. 4561
(ألفًا) في بعضها: (ألفٌ) بالرفع بالابتداء، وكذلك قوله قبله: (رجلًا)، ويقدر في (أنَّ) ضمير الشأْن.
(كبَّرنا)؛ أي: عظَّمنا ذلك، أو قلنا: الله أكبر؛ للسرور بهذه البشارة العظيمة، ولم يقل أولًا: نصف أهل الجنة؛ لأن ذلك أوقع في نفوسهم، وأبلَغ في إكرامهم، فإن إعطاء الإنسان مرةً بعد أُخرى دليلٌ على الاعتناء به، وفيه أيضًا حمْلهم على تجديد شكر الله تعالى، وتكبيره، وحمده على كثرة نعمه.
(أو كشعرة) تنويعٌ من رسول الله ﷺ ، أو شكٌّ من الراوي، وجاء فيه تسكين العين وفتحها، ولا ينافي كونهم كشَعرةٍ كونهم يكونوا نصف أهل الجنة؛ لأنَّ المراد كثرة أهل النار كثرةً لا نسبةَ لها إلى أهل الجنة، أي: في المحشَر؛ لأنَّ كل أهل الجنة كشَعرةٍ من الثَّور.
نعم، روى الترمذي عن بُريدة مرفوعًا، وحَسَّنَهُ: "أهل الجنَّة عِشرون ومائةُ صفٍّ، ثمانونَ منها من هذه الأُمة، وأربعون منها من سائر الأُمم".
ووجه الجمع: أنه طمع أن تكون أُمته الشَّطرَ، فأُعطي ذلك وزيادةً، وأعلمَه بذلك، فلا تنافي.
* * *
الحديث الأول:
(حُفاة) جمع حافٍ، بإهمال الحاء.
(غرْلًا) بضم المعجمة، وسكون الراء: جمع أغْرَل، وهو الأقْلف الذي لم يُختن، وغُرلَته باقيةٌ معه لم يقطعها الختان من ذكَره، وهي القُلْفة، والقصد أنهم يحشرون كما خُلقُوا لا شيء معهم، ولا فقد منهم حتى الغُرلة.
(من يُكْسى) في بعضها: (ما يُكسى)، و (ما) أعمُّ.
ولا يلزم من ذلك أنه أفضل من نبينا محمد ﷺ ؛ لأن الاختصاص بفضيلةٍ لا يلزم منها أنه أفضل مُطلقًا، أو أن المتكلِّم لا يدخل في عموم كلامه.
(ذات الشمال)؛ أي: جهة النار.
(أصيحابي) خبر مبتدأ محذوفٍ.
(على أعقابهم) قال (ح): تقييد الارتداد به يدلُّ على أنه لم يُرِد الرِّدَّة عن الإسلام، بل المراد التخلُّف عن الحقوق الواجبة، تقول: ارتدَّ فُلانٌ على عقِبه: إذا تراجع إلى وراء، إذ لم يرتدَّ بحمد الله أحدٌ من الصحابة، إنما ارتد قومٌ من جُفاة الأعراب الذين دخلوا في الإسلام رغبةً ورهبة كَعُيَيْنة بن حِصْن وغيره.
стр. 4564
قال: وإنما صغَّر (أصحابي) للتقليل ممن هذا وصفُهم، قيل: أراد من ارتدَّ من العرب بعد موته ﷺ .
وقال البيضاوي: هم صنفان: عصاةٌ رتدُّوا عن الاستقامة بتبديل الأعمال الصالحة بالسيئة، ومرتدين عن الدِّين ناكِصونَ على أعقابهم.
* * *
٣٣٥٠ - حَدَّثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَني أَخِي عَبْدُ الْحَمِيدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْب، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قترَةٌ وغبرَةٌ، فيقُولُ لهُ إِبْرَاهِيمُ: ألمْ أقلْ لك: لا تعصِنِي، فيقُولُ أبُوهُ: فالْيَوْمَ لَا أعْصِيكَ، فَيقُولُ إِبْراهِيمُ: يَا رَبِّ! إِنَّكَ وَعَدتَنِي أَنْ لَا تُخْزِيَني يَوْمَ يبعَثُونَ، فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ؟ فَيقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا إِبْرَاهِيمُ! مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَينظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُلْتَطِخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلقَى فِي النَّارِ".
الثاني:
(قترة)؛ أي: سَوادُ الدُّخان.
(وغبرة)؛ أي: غُبار، ولا يُرى أقبح من اجتماع غبرةٍ وسوادٍ في الوجه، قال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩ - ٤١].
стр. 4565
(الأبعد)؛ أي: من رحمة الله، وإنما أتى بأفْعَل التفضيل؛ لأن الفاسق بعيدٌ، والكافر أبعد منه.
وقيل: هو بمعنى الباعد، أي: الهالك، وعلى المعنيين المضاف محذوفٌ، أي: من خزي، أي: الأبعد.
(بذِيْخٍ) بكسر المعجمة، وسكون الياء التحتانية، وبخاءٍ معجمةٍ: ذكَر الضَّبُعِ الكثير الشعر.
(ملتطخ)؛ أي: بالرَّجيع، أو بالطين، أو بالدم والعَذِرة، ويُروى: (بذيخٍ أمدَرَ) أي: ملتطخ بالمدَر.
والمعنى: أن آزَر يُمسخ ويتغير عن هيئته؛ لِتزول رأْفة إبراهيم وشفاعته له ويتبرأَ منه.
وتوقف الإسماعيلي في "المستخرج" في الحديث من حيث إن الله تعالى قد وعد إبراهيم أنْ لا يخزيَه يوم البعث.
قال (ش) وأين الإسماعيليُّ من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ إلى قوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤].
* * *
٣٣٥١ - حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرني عَمرٌو: أَن بُكَيْرًا حَدَّثَهُ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ وَجَدَ فِيهِ صُورَةَ إِبْرَاهِيَم وَصُورَةَ مَرْيَمَ، فَقَالَ: "أَمَا لَهُمْ، فَقَدْ سَمِعُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ
أتيْتُمُوني بِشَيْطَانٍ، فَأخْدَمَها هاجَرَ، فَأَتتهُ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فأَوْمأَ بِيَدِهِ: مَهْيَا، قَالَتْ: رَدَّ اللهُ كيْدَ الْكَافِرِ -أَوِ الْفَاجِرِ- فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هاجَرَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ.
التاسع:
(لم يكذب إلا ثلاث) مُؤوَّل بما سيأتي لعِصْمته، وسائرِ الأنبياء في طَريق البَلاغ، وكذا غيره.
(كذبات) قال أبو البَقاء: الجَيِّد فتْح الذَّال؛ لأنَّ الواحِد كَذْبةٌ، وهو اسمٌ ساكِن الوسَط بخلاف نحو: ضَيْعة وضَيْعات، فإنه يُسَكَّن في الجمع.
(وسارة) بتخفيف الراء: أُمّ إسحاق، ﵇.
(جبار) قيل: ملِكُ حَرَّان، بفتح المهملة، وتشديد الراء، اسمه قيل: صادوف، وقيل: سُفيان بن علْوان، وقيل: عَمرو بن امرئِ القَيْس بن بابليون بن سَبَأ، وكان على مصْرَ.
(أُختي) إنما جعلَه طريقًا للسلامة؛ لأنَّ ذلك الجبَّار كان لا يتعرَّض إلا لذَوات الأَزْواج.
(يُناولها) بضم الياء، أي: يُعطِيْها يدَه لتُوافقَه، و (تَناولَها) بالمثنَّاة فوقُ: مَدَّ يدَه ليَأْخُذها.
(فأخذ) مبنيٌّ للمفعول، أي: اختَنَق حتى ركَضَ برِجْله كالمَصرُوع.
стр. 4573
(مَهْيَم) بفتح الميم، والياء، والهاءُ منها ساكنة، وميم ساكنة، استِفْهامٌ، أي: ما حالُكِ؟، أو: ما شأْنُكِ؟، قيل: إنَّ أول مَن نطَق بها إبراهيم.
قلت: لكنَّ ظاهر هذا الحديث أنَّ المتكلِّم بها إنما هو أبو هريرة تَفْسيرًا لإيماء إبراهيم ﵇، لا أنَّ إبراهيم تكلَّم بها.
ورواه ابن السَّكَن، والقَابِسي: (مَهْيَن) بالنون، قيل: وكأنه سمعَه منوَّنًا ظنَّه نُونًا، وفي بعضها: (مَهْيَا) بالألف.
(وأخدم)، أي: وهب خادِمًا.
(هاجر) ويقال: آجَر، بهمزةٍ بدل الهاء، أُمُّ إسماعيل، ﵇، وهي ابنَة مَلِكٍ من مُلوك القِبْط.
(يا بني ماء السماء)؛ أي: العرَب، لأنهم يَعيشُون بماء المطَر، ويتبعُون مَساقِط الغَيث.
قال (خ): ويقال: إنما أراد زَمزَم أنبَعَها الله تعالى لهاجَر، فعاشُوا بها، فصاروا كأنَّهم أولادها.
قال (ش): وهو ما في "صحيح ابن حِبَّان"، فقال: كلُّ مَن كان من ولَد هاجَر يُقال له ولَدُ ماءِ السَّماء اسْمًا، لأنَّ إسماعيل ﵇، مِن هاجَر، وقد رُبِّيَ من ماءِ زَمزَم، وهي ماء السَّماء الذي أكَرمَ الله به إسماعيل حين ولدَتْه أُمه هاجَر، وأولادها أَولادُ ماءِ السَّماء.
стр. 4574
وقولٌ ثالثٌ: إنَّ ماء السَّماء لقَب عامرٍ بن مزيقيا بن عمرو، مِن الأَزْد، والأَزْد من اليمَن، والأنصار من اليمَن؛ سُمي بذلك لأنه كان إذا قُحِط النَّاس أقام لهم مالَه مقَام المطَر.
قلتُ: وقيل اسمه: المُنْذِر.
قال:
أناَ ابنُ بن مزيقيَّا عمرو وجدِّي ... أَبُوهُ مُنْذِرُ ماءِ السَّماء
واعلم أنَّ ما قالَه إبراهيم ﵊ من الثَّلاث ليس كَذِبًا بالحقيقة؛ لما قدَّمنا من وُجوب العِصْمة، بل على التَّشبيه، ويسمى مثْلُه المَعاريض.
قال ابن الأَنْباري: يُشبهه وهو صِدْقٌ عند البَحْث والتَّفتيش، فهو باعتبارِ فهْم السَّامعين، فقوله: ﴿إنِّي سقيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، أي: سأَسقَم؛ لأنَّ الإنسان عُرضةٌ للأسقام، أو سَقِيْم لمَا قُدِّر علي من الموت، أو كانت تأْخُذه الحُمَّى في ذلك الوقت.
وقوله: ﴿بل فَعَلَهُ كبِيُرهمْ﴾، أَسنَد إليه باعتبار السَّببية، أو مشروطٌ بقوله: ﴿إِن كانُوا ينطقُون﴾، أو الوقْف عند قوله: ﴿بل فَعَلَهُ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، أي: فعَله فاعلُه، و (كبيرُهم هذا) ابتداءُ كلامٍ.
وقوله: (إنَّكِ أُختي) هي أُخته في الإسلام؛ نعمْ، قوله في الأَوَّلين: أنَّهما في ذاتِ الله تعالى فيه أنَّ قِصَّة سارَة وإنْ كانت أيضًا في رِضَا الله ونحوِه كما سبَق في قول خُبَيْب: (في ذاتِ الإِلَه) لا أنَّ قِصَّة
стр. 4575
سارَة تتضمَّن نفعًا له.
على أنَّ الفُقهاء أجمعوا على أنَّ الكَذِب جائزٌ، بل واجبٌ عند الحاجة، كما في نحوِ لَو طلَب ظالمٌ وديعةً ليأخُذَها غَصْبًا، فإنه يجب على المودَع عنده أنْ يكذب مِثْلَ أنَّه لا يَعلم موضِعها، بل ويحلِف عليه، وإذا لم يكُن مثْلُ هذا معصيةً، فلا يقدَح في العِصْمة، واعتِذارُ إبراهيم ﵇ به لمَقام عُلوِّ شأْنه، فرأَى مثلَه نقيصةً في حقِّه.
* * *
٣٣٥٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَوِ ابْنُ سَلَامٍ عَنْهُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ، وَقَالَ: "كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﵇".
العاشر:
سبَق شرحُه قريبًا.
(على إبراهيم)؛ أي: على نار إبراهيم.
* * *
٣٣٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نزَلَتِ ﴿وَلَم يَلبِسوا إيمانَهُم بظُلْمٍ﴾ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! أيُّنَا لَا يَظْلِمُ
стр. 4576
نَفْسَهُ، قَالَ: "لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ، ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْم﴾: بِشَرْكٍ، أَوَلم تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟.
الحادي عشر:
وجْه مُناسبة ذِكْره مع قصَّة إبراهيم اتصالُه بالآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣].
* * *
٩ - باب ﴿يَزِفُّونَ﴾: النَّسَلَان فِي الْمَشْيِ
(باب)
يوجد في بعض النُّسَخ ذلك، وعليها جَرى (ك)، وفي بعضها ساقطٌ.
(يزفون)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤].
(النسلان)؛ أي: الإسراع في المشْي.
٣٣٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ نَصرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بِلَحمٍ، فَقَالَ: "إِنَّ الله يَجْمَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الأَوَّلينَ
стр. 4577
وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعي، ويُنْفِدُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمسُ مِنْهُم، فَذَكرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيقولُونَ: أَنْتَ نبَيُّ اللهِ وَخَلِيلُهُ مِنَ الأَرْضِ، اشْفَع لنا إِلَى رَبِّكَ، فَيقولُ -فَذَكرَ كَذَبَاتِهِ- نَفْسِي، نَفْسِي، اذْهبُوا إِلَى مُوسَى".
تَابَعَهُ أَنسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الحديث الأول:
(وينفذهم) رواه الأكثرون بفتح أوله، وبعضهم بالضم، فإنَّه يُقال: نفَذني ببصَره: إذا بلغَني وتجاوزَ، وأنفذْتُ القومَ: إذا اخترقتَهم.
والمعنى: يُحيط بهم بصَر الناظِر، لا يخفَى عليه منهم شيءٌ لاستِواء الأرض، وهذا أَولى من قَول أبي عُبَيد: يأْتي عليهم بصَر الرَّحمن؛ إذْ رُؤيته محيطةٌ بجميعهم في حال الصَّعيد المستَوي وغيره.
وقال أبو حاتم: أصحاب الحديث يَروُونه بالذال المعجَمة، وإنما هو بالمهملَة، أي: يبلُغِ أوَّلَهم وآخِرَهم، حتَّى يَراهم كلَّهم، ويَستوعبَهم، مِن نَفِد الشَّيءُ: فَنِيَ، وأنفَدته أنا.
* * *
٣٣٦٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ أَبُو عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أيوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ
خاطرها، ويجبر قلبَها، ويُصلح ما فسَد، يُقال: عفَا على ما كان منه: إذا أصلَح بعد الفَساد.
(دوحة) بمهملتين: الشَّجرة العظيمة.
(جِرَابًا) بكسر الجيم، وقد تُفتح.
(وَسِقاء) بكسر السين: القِرْبَة التي يُستقَى بها.
(قَفَّا) بتشديدها، أي: ولَّاهُما قَفاه، والتَّقفية: الإعراضُ والتَّولِّي.
(يتلوى)؛ أي: يتقلَّب ظهْر البَطن يمينًا وشمالًا.
(يتلبط) بإهمال الطَّاء، أي: يتمرَّغ، ويَضرِب نفْسه على الأرض، مِن لُبِط به: إذا صُرِع، وقال القَزَّاز: معناهما واحدٌ.
وقال ابن دُرَيد: اللَّبْط باليد، والخبْط بالرِّجل، وقيل: هما بمعنًى.
(فَهبَطت) بفتح الباء.
(درعها)؛ أي: قَميصها.
(صهٍ) قُيِّد بالتنوين: أَمرَتْ نفسَها بالسُّكوت.
(تريد نفسها)؛ أي: تخاطِب بالأمر بالسّكوت نفسَها، أي: اسكُتي لأعلَم ما يقول هذا الصَّوت.
(غواث) بفتح الغين المعجمة وضمها، وتخفيف الواو، مِن الغَوث، وجزاء الشرط محذوفٌ.
(بالمَلَك) بفتح اللام، أي: جبريل ﵇.
стр. 4584
(قال بجناحه)؛ أي: أشارَ به.
(لا تخافي) في بعضها: (لا تَخافُوا).
وفيه أنَّ الملَك يتكلَّم مع غير الأنبياء.
(كالرابية) هي ما ارتفَع من الأرض.
(جُرْهُم) بضم الجيم، والهاء: حيٌّ من اليمَن.
(عائفًا) هو الذي يتردَّد على الماء ويَحُوم.
(بهذا الوادي) ظرفٌ مستقرٌّ لا لغوٌ.
(جريًا) هو بالياء المشدَّدة: الرَّسول المُسرِع؛ لأنه يجري، أو لأنَّك تُجريه في حَوائجك، وقيل: هو الوكِيل، وقيل: الأجِير.
(فألفى)؛ أي: وجَد.
(ذلك)؛ أي: حيُ جُرْهُم.
(أُم إسماعيل) مفعولُ (ألفَى).
(وهي تحب) جملةٌ حاليةٌ، أي: مُحِبَّةٌ.
(الأُنس) بضم الهمزة وبكسرها، أي: المؤانسة بالنَّاس.
(وأنْفَسَهُمِ) (١) فعلٌ ماضٍ، بفتح الفاء، أي: صارَ نفيسًا فيهم، أي: رفيْعًا يُتنافس في الوُصول إليه، ويرغَبون فيه، وفي مصاهرته، يُقال: أنفَسَني فلانٌ في كذا: أي: رغَّبني فيه.
стр. 4585
(بعد ما تزوج) قد يتعلَّق بهذا مَن يَروي أنَّ الذَّبيح إسحاق؛ لأنَّ قِصَّة الذَّبْح كانت في الصِّغَر، إلا أنْ يُجاب أنه جاءَ مرةً في صِغَره قبل مَوت أُمِّه، ثم جاء بعد كبره وتزوُّجِه.
(ترْكْتَهُ) بسُكون الرَّاء وكسرها، مع فتْح التاء بمعنى: مَتْروكة، والمراد أهلُه، ومعنى مُطالعتهم: النَّظَر في أحوالهم.
(جَهْد) بفتح الجيم وضمها.
(عتبة)؛ أي: أُسْكُفَّتُه، كنَّى بها عن المرأة، قيل: واسم تلك المرأة: حداء بنت سَعْد.
(ذلكِ) بكسر الكاف.
(الْحَقِي) بكسر الهمزة وفتح الحاء.
(اللهم بارك لهم في اللحم والماء) ولهذا قال النبي ﷺ : (ولم يكُنْ لهم يَومئِذٍ حَبٌّ).
(لا يخلو عليهما)؛ أي: يمضِي؛ قالَه الخَلِيْل، وقال ابن القُوطيَّة: خَلَوتُ بالشَّيء خَلْوةً، واختلَيتُ: إذا لم أخلِط به غيرَه، وفي "اليواقيت": أخلا الرجل اللَّبَنَ: إذا لم يشرب غيرَه.
والمراد: لا يعتمدهما؛ لأنَّ المداومة على اللَّحم والماء لا تُوافِق الأمزجةَ، ويَنحرِف المِزاج عنهما إلا في مكَّة، فإنهما يُوافقانه، وهذا من بركتِها، وأثَرِ دعاء إبراهيم ﵊.
(يثبت عتبة بابه) اسم هذه المرأة التي أُمِر بإمساكها: سَامَة بنت