Полный текст (8 898 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
٢٩ - بابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَوِ الْمُحَدِّثِ
(باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث) بَرَك -بتخفيف الرَّاء- استعارةٌ مِن بَرَك البَعير بُروكًا: استَناخَ، وكلُّ شيءٍ ثبَت وقامَ فقد بَرَك، ويُسمَّى هذا المَجاز غير مُقيَّدٍ، وهو أنْ يكون في حقيقته مقيَّدًا، فيُستعمل في الأَعمِّ بلا قَيْدٍ كالمِشْفَر، وهو شَفَة البَعير، فيُستعمل في مُطلَق الشَّفَة، فيُقال: زيدٌ غَليظ المِشْفَر.
٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ"، ثُمَّ أَكثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي"، فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ نبَيًّا، فَسَكَتَ.
(فقام عبد الله) إلى آخره، سبب سُؤاله أنَّ بعض الناس كان يَطعَنُ في نسَبه على عادة الجاهليَّة في الطَّعن في الأَنساب، وفي "مسلم": (كانَ يدعى بغَيرِ أَبيهِ، ولما سمعتْ أُمُّه سُؤاله قالتْ: ما سمعتُ بابنٍ أعقَّ منْكَ، أَأَمِنْتَ أنْ تكونَ أُمُّكَ قَارفَتْ ما يُقارِف نِساءُ الجاهليَّة؛ فتَفْضَحها على أَعيُن النَّاس، فقال: واللهِ لَو أَلحقَني بعَبْدٍ أَسوَد للَحِقْتُ بهِ).
وأما معرفة النبيِّ ﷺ أنَّه ابنُه فالظاهر أنَّه بوحيٍ، ويحتمل بالفِراسة، أو بالاستِلْحاق.
стр. 492
(رضينا)؛ أي: بما عندنا من كتاب الله، وسنَّة نبينا ﷺ ، واكتفينا به أَبلَغ كِفايةٍ، وبُروكه كان أدبًا وإكرامًا للنبي ﷺ ، وشفَقةً على المسلمين لئلا يُؤذوه، فيدخلوا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] الآية.
وسيأْتي في (التفسير): أنَّ في ذلك نزلتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] الآيةَ، وعن ابن عبَّاس: أَنَّ ناَسًا كانوا يَسأَلون النبيَّ ﷺ استهزاءً، فيقول الرجل: مَنْ أَبي؟، ويقول الآخَر: ضلَّتْ ناقتُه، أَين ناقَتي؟ فنزلتْ.
(فسكت) في نُسخةٍ قبْل ذلك لفْظ: (ثلاثًا)، أي: فقاله ثلاث مرات، وإنما قال ذلك في الحديثَين وهو غَضْبان ونحوه غضَبه في حُكمه للزُّبير، والقاضي وإنْ كان لا يَقضي وهو غَضْبان كما في الحديث الآخَر، لكنَّ النبيَّ ﷺ معصوم بخلاف سائر القُضاة، فلا يجوز عليه غلَطٌ في الحُكم.
قال (ط): وفيه فَهْم عُمر، وفضل عِلْمه، أي: كما بينَّاه، ووُجوب التواضُع للعالم، وأنَّه لا يَسأَل إلا فيما يحتاج إليه.
* * *
٣٠ - بابُ مَنْ أَعَادَ الْحَدِيثَ ثَلَاثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ
فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ"، فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هَلْ بَلَّغْتُ"، ثَلَاثًا.
стр. 493
(باب من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه) هو بضم الياء مِن (يفهم) مع كسر الهاء وفتْحها، وخَصَّ (ك) الفتْح بروايةِ زيادة عنه.
(ألا وقول الزور) سيأْتي في (الشَّهادات) في حديث أبي بَكْرة: (أَلا أُنبِئكم بأَكبَرِ الكَبائِرِ؟) ثلاثًا، إلى قوله: (أَلا وَقَولُ الزُّورِ)، فما زالَ يُكرِّرها حتى قُلنا: ليتَهُ سكَتَ.
و (أَلا): حرف تنبيهٍ يدلُّ على تحقيق ما بعدَه وتأْكيده، ورفعُه بالعطف على ما قبلَه، والزُّور بضم الزاي: الكذِب والمَيْل عن الحقِّ، وقوله: فما زال يُكرِّرها، أي: الجُملة، أو الشَّهادة، أو الثَّلاثة، أو الثَّالثة، والمراد في مَجلِسه لا في مُدَّة عمُره.
وقد وصَل الحديثَ أيضًا في (الدِّيَات).
(وقال بن عمر ...) إلى آخره، قاله في حَجَّة الوَادع، وهو موصولٌ في (الحدود).
(ثلاثًا)؛ أي: ثلاثَ مراتٍ.
* * *
٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا.
(كان) قال الأُصوليون: قيل: ذلك ليُشعِر بالاستِمرار.
(بكلمة)؛ أي: بجُملةٍ مُفيدةٍ.
стр. 494
(سلم) جوابُ (إذا)، وأَما قوله قبلَه: فسلَّم هو من تتمَّة الشَّرط، وإعادة الكلام ثلاثًا.
قال (خ): إما لأَنَّ بحضرته مَن يَقصُر فَهمه، وقد أَمر بالبَيان والتَّبليغ، أو يكون الكلام فيه نوعُ إشكالٍ، فيَرفعُه ويُزيل الشُّبهة منه.
قال: وأما تسليمه ثلاثًا فيُشبه أن يكون عند الاستئذان، فقد روى سَعْدٌ: (أنَّه ﷺ وهُو في بَيته، فلم يُجبْه، ثم ثانيًا، ثم ثالثًا، فانصرَفَ، فتَبِعَهُ سعدٌ، فقال: يا رسولَ الله! بأُذُني تَسليمُكَ، ولكنْ أَردتُ أَنْ أستَكثِرَ مِن بركَةِ تَسليمِكَ)، وقال في حديثٍ آخَر: (إِذا استَأْذَنَ أَحدُكُم فلم يُؤذَن لَه فليَرجِعْ)، قيل: وفيه نظَرٌ؛ لأنَّ تسليمةَ الاستئذان لا تُثنَّى إذا حصَل الإِذْن بالأُولى، ولا تُثلَّث إذا حصَل الإذْن بالثانية، ثم إنَّه ذكَره بحرف (إذا) المُقتضِية لتَكرار الفِعْل كَرَّةً بعد أُخرى، وتسليمُه ثلاثًا على بابِ سَعْد أَمرٌ نادرٌ، والوَجْه: أنَّ معناه: كان ﷺ إِذا أَتى على قومٍ سلَّمَ تَسليمَ الاستِئْذان، فإذا حصَلَ سلَّم تَسليمَ التَّحيَّة، فإذا قامَ مِن المَجلِس سلَّم تسليمَ الوَداع، والثَّلاثة مسنونةٌ.
وقال (ك): (إذا) لا تقتضي تكرارًا، وإنما الذي تقتضيه (كلَّما)، نعم، التركيب يُفيد الاستِمرار.
ثم ادَّعى أنَّ قِصَّة سَعْد أمرٌ نادرٌ لم يُذكر في غيره = ممنوعٌ، فقد صحَّ حديث: "إِذا استَأْذَنَ أَحدكم".
وقال (ط): إنما كان يُكِّرر الكلام والسَّلام إذا خَشِيَ أنْ لا يُفهم
стр. 495
عنه، أو لا يُسمع سلامه، أو أَراد الإِبلاغ في التعليم، أو الزَّجر في المَوعِظة.
وفيه أنَّ الثلاث غايةُ ما يقَع به البَيان والإعذار.
* * *
٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ سَافَرْناَهُ فَأَدْركَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلَاةَ -صَلَاةَ الْعَصْرِ- وَنَحْنُ نتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتهِ: "وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ"، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
(فأدركنا) بفتح الكاف.
(أرهقنا) بسكون القاف، وفي بعض النُّسَخ: (أَرهقَتْنا).
وشرح باقي الحديث سبَق في (باب مَن رفَع صوتَه بالعِلْم).
* * *
٣١ - بابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ
(باب تعليم الرجل أمته وأهله) الأَمَة خِلاف الحُرَّة، وأَصلها: أَمَوَة -بالتَّحريك-، وعطْف الأَهل عطْفُ عامٍّ على خاصٍّ.
٩٧ - أَخْبَرَناَ مُحَمَّد -هُوَ ابْنُ سَلَامٍ-، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ:
стр. 496
حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ، حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ثَلَاثةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ؛ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا، فَأَحْسَنَ تأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فتزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ"، ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونها إِلَى الْمَدِينَةِ.
(ثلاثة)؛ أي: ثلاثةُ رجالٍ، أو نحو ذلك، وهو مبتدأٌ خبره الجُملة بعده، وهي: (لهم أجران)، فقوله بعدَه: (رجل) ليس ذلك قَيْدًا، بل المرأَة كذلك؛ لشُمول الحكم للنِّساء، أو رجلٌ، بدَلٌ من (ثلاث) بدلَ تفصِيلٍ، أو يُقال: (رجلٌ) بدَل بعضٍ، وهو وما عُطف عليه مَجموعُه بدَلُ كلٍّ، أو خبر مبتدأ، أي: هي رجلٌ، إلى آخره، أو جملة: (لهم أَجْران) صِفةٌ لـ (ثلاث)، و (رجلٌ) وما عُطف عليه خبَره.
(الكتاب) المراد به في عُرف الشَّرع التَّوراة والإنجيل، وإنْ كان بحسَب العُرف أعمَّ، ولعلَّ غير اليهود والنصارى لم يُوجد حين بِعْثة النبيِّ ﷺ ، فلذلك تخصص، نعَمْ، كون اليهود من ذلك فيه إشكالٌ؛ لأنَّ شَرعَهم نُسخ بعيسى ﵇، والمَنْسوخ لا أَجْرَ في العمل به، فيختصُّ الأَجران بالنَّصارى.
وجوابه: إما منعْ نَسْخه به، وإنما نَسْخ كليهما بشَرعنا، ولا يَنبغي
стр. 497
حَمْله على العُموم، ولو قُلنا بنسخه بعيسى من حيثُ إنَ طرَيان الإيمان يكون سبَبًا لقَبول تلك الأعمال وإنْ كانت منسوخةً، كما جاء في الحديث: "إنَّ حسَناتِ الكُفَّار مقبولةٌ بعد إِسلامِهم"؛ لأَنَّا نقول: فلا يكون ذلك مختصًّا بأهل الكتاب بل هو في مُطلَق الكافر؛ إذْ لفْظ الكفَّار في الحديث يتناول الحَرْبيَّ، وليس له أَجْران قطْعًا، نعَمْ، جاء في "الصحيح" بدَل (آمَن بنبيِّه): (آمَنَ بعِيْسَى).
وبالجُملة فاللام في الكتاب للعهد، إما للتوراة والإنجيل، أو للإِنجيل فقط، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢]، ثم قال: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤].
(آمن بنبيه) تنبيهٌ على أنَّ هذا سبَب أحَد الأَجرَين، وإلا فلا يكون من أهل الكتاب، وعُلم من استئنافه منه أنَّ إيمانه كان قبْل البِعثة؛ لأنَّ بعد البِعْثة لا نبيَّ له إلا محمد ﷺ .
(المملوك) قيدٌ للعبد؛ لأن كل الناس عباد الله، وإنما عرِّف (العبد)، ونُكِّر (رجلٌ) في الموضِعَين الآخَرين؛ لأنَّ المعرَّف بلام الجِنْس كالنَّكرة في المعنى، وكذا الإتْيان في العبْد بـ (إذا) دون القِسْم الأول؛ لأنَّها ظرفٌ، وآمَن حالٌ، وهي في حُكم الظَّرف؛ لأنَّ معنى جاء زيدٌ راكبًا: جاءَ في حالَة رُكوبٍ، أو يُقال: في وجه المُخالفة الإشعار بفائدةٍ عظيمةٍ، وهي أن الإيمان بنبيِّه لا يُفيد الاستِقبال للأجرين، بل لا بُدَّ من الإيمان في عهده حتى يستحقَّ أجرَين، بخلاف
стр. 498
العبْد فإنَّه في زمان الاستقبال مستحِقٌّ للأَجرَين أيضًا، فأتى بـ (إذا) التي للاستقبال.
(حق الله)؛ أي: من صلاةٍ وصومٍ ونحو ذلك.
(وحق مواليه)؛ أي: خدَمتهم، والمَوالي جمع: مَولَى، وجمَعه لأنَّ المراد بالعبد جنس العبد، حتى يُوزِّع لكلِّ عبدٍ مولى، وأيضًا فلدُخول ما لو كان العبد مُشتركًا بين موالي، ويُطلق المولى أيضًا على المعتِق، والعَتيق، وابن العَمِّ، والناصِر، والجار، والحَلِيْف، ومَن ولي أَمر أحدٍ كالسيِّد، وهو المراد هنا؛ لأنَّه مَولى أَمْرِ العبد، وقَرينته لفظ: العبد، ولهذا لم يُعمم في الكلِّ حملًا للمُشترك على معانيه، كما هو مَذْهب الشَّافعي؛ لأن ذاك حيثُ لا قَرينةَ تخصِّص البعض، وتَوقُّفه على القَرينة لا يُخرجه عن كونه حقيقةً فيه؛ لأنَّ هذه القرينة تُخرج غيرَه بخلاف قَرينة المَجاز فإنَّها المخصِّصة له.
فإن قيل: يكون للعبْد ضِعْف أَجْر السيِّد؛ قيل: قد يُلتزم ذلك، أو يكون ضِعفه من هذه الجِهَة، وللسيِّد أَضعافُ ذلك من جِهاتٍ أُخرى، والمراد إنما هو تَرجيح العبْد المؤدِّي للحقَّين على العبد المؤدِّي لأَحدهما.
فإن قيل: فالصَّحابي الذي كان كِتابيًّا يَلزم أنْ يَزيد أَجره على أكَابِر الصَّحابة.
قيل: خَرجوا بالإِجماع، ويلتزم ذلك في كلِّ صحابيٍّ لا يدلُّ دليلٌ على زيادةِ أَجره على مَن كان كِتابيًّا.
стр. 499
(يطؤها)؛ أي: يتمكَّن من وطئِها شَرعًا وإنْ لم يَطَأْ.
(فأدبها) الأدب: حُسن الأَحوال والأَخلاق.
(فأحسن) أي أَدَّبها من غير عُنْفٍ وضربٍ، بل بالرِّفْق، وإنما غايَر بينه وبين التَّعليم وهو داخلٌ فيه؛ لتعلُّقه بالمُروءات، والتعليم بالشَّرعيات، أي: الأول عُرفيٌّ، والثاني شَرعيٌّ، أو الأول دُنيويٌّ، والثاني دِينيٌّ، وعطْفهُ (أعتقَ) بـ (ثم) والباقي بالفاء؛ لأنَّ التأْديب والتعليم يَنفعان في الوطء، بل لا بُدَّ منهما فيه وقبله، والعِتْق نقْلٌ من صِنْفٍ إلى صِنْفٍ، ولا يخفى ما بين الصِّنْفين من البُعد، بل من الضِدِّية في الأحكام، والمُنافاة في الأَحوال.
(فله أجران) الظاهر أنَّ الضمير للرجل، ويحتمل أنْ يُعاد إلى كلٍّ من الثلاثة.
واعلم أنَّه إنما خصَّ الثلاثة وإنْ كان مَنْ صامَ وصلَّى له أَجران، والولد إذا أدَّى حقَّ الله وحقَّ والده له أَجران؛ لأن كلًّا من الثلاثة فاعلٌ لضِدَّين.
فإنْ قيل: فلِمَ لا كان للأَخير أربعةُ أُجورٍ: التَّأْديب، والتَّعليم، والإِعْتاق، والتَّزويج، بل سبعةٌ؛ لأنَّ المراد أنَّه لأجل ذلك جمَع بين مُتنافيَين، الأَجْران وما زادَ على ذلك.
قيل: قال (ط): أي إنَّ أحد الأجرَين على العِتْق والتَّزويج، والآخر على التأْديب والتعليم، وإنما كرَّر: له أَجران؛ للاهتمام والتوكيد، كما
стр. 500
قال الحَماسي:
وإنْ أَرادتْ مواثيق عهد ... على مِثْلِ هذا إنَّه لكريم
وأجاب المُظهري بأنَّ الأجرَين بالإعتاق والتَّزويج، لأنَّ الأجر فيهما أكمَل.
(أعطيناكها) الخِطاب لصالح، والضمير في (ها) للمسأَلة، أو المقابلة.
(بلا شيء)؛ أي: من أَجْره ونحوها، وإلا فالأَجر في الآخِرة على ذلك موجودٌ.
(قَدْ) في بعض النُّسَخ: (فقَدْ).
(تركب)؛ أي: ترحل.
(المدينة) اللام للعهد، أي: طَيْبة.
واعلم أنَّ الترجمة فيها (الأهل)، وليستْ في الحديث، إلا أن تكون بالقياس، أو أراد أن يُورد فيه حديثًا غير ذلك فلم يتفق له.
قال (ن): وفي قول الشَّعبي جواز ذلك قول العالِم مثلَه للمُتعلِّم؛ للتَّحريض على العِلْم.
وفيه: ما كان السَّلَف عليه من الرِّحلة البَعيدة في المسأَلة الواحدة.
قال (ط): وفيه قصْدُ المدينة؛ لأنَّها مَعدِن العِلْم، وكان يُرحَل إليها في طلَبه.
* * *
стр. 501
٣٢ - بابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاء وَتَعْلِيمِهِنَّ
(باب عظة الإمام للنساء)، العِظَة: الوَعْظ، وهو التَّذكير بالعَواقب.
٩٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أيَّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -أَوْ قَالَ عَطَاءٌ أَشْهَدُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ-: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَظَنَّ أنَّهُ لَمْ يُسْمِعْ، فَوَعَظَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ الْمَرْأةُ تُلْقِي الْقُرْطَ وَالْخَاتَمَ، وَبلالٌ يَأْخُذُ فِي طَرَفِ ثَوْبِهِ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَطَاءٍ وَقَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ .
(اشهد) قال الجَوْهَري: الشَّهادة خبرٌ قاطعٌ، تقول: أشهدُ على كذا، ووجْه التَّعبير به هنا التأْكيد والتَّحقيق لوُقوعه، أو التأْكيد بقوله: (على) للاستعلاء بالعلم على أنَّه ﷺ .
(خرج)؛ أي: من صُفوف الرجال إلى صِفِّ النِّساء.
(ومعه بلال) جملةٌ حاليةٌ، وكذا على ما في نُسخةٍ: (مَعَه)، بدون واوٍ، كقوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦].
(وأنَّه لم يسمع) حلَّت (أنَّ) واسمها وخبرها محلَّ مفعولَي (ظَنَّ)، وفي نُسخةٍ: (لم يُسمِعِ النِّساءَ)، بزيادة: (النِّساء).
стр. 502
(بالصدقة) الظاهر أنَّ اللام للعَهْد في التطوُّع لا للأَعمِّ من الفرض والتطوُّع، وجاء -كما سيأتي- تعليل أَمرهنَّ بذلك؛ بأنَّه رأَى النِّساءَ أكثرَ أهل النار، وقيل: إنما أمرهنَّ؛ لأنَّه كان وقْتَ حاجةِ المُواساة، والصَّدقة كانت يومئذٍ أفضل.
(فجعلت) هي من أَخوات (كادَ).
(القرط) بضم القاف، وسُكون الراء: ما يُعلَّق في شَحْمة الأُذُن، أما الخُرْص -بضم المعجمة-: فحَلْقةٌ صغيرةٌ.
(الخاتم) لُغاته سِتٌّ كما سبَق.
وأخْذُه ﷺ الصَّدقة ليَصرفها في مَصارفها؛ لأنَّه تحرُم عليه الصَّدقة.
(وقال إسماعيل) يحتمل أنَّه تعليقٌ ذكَره متابعةً، أو استشهادًا لتقوية ما تقدَّم؛ لأنَّه لم يُدركْه؛ لأنَّه مات سنةَ وُلِد البُخاري، وذلك سنة أربعٍ وتسعين ومئةٍ، ويحتمِل أنَّه عطَفه على حديث شُعبة، كأنَّه قال: وحدَّثنا سُليمان، قال: حدثنا إِسْماعيل، فيَخرج عن التعليق.
(عن عطاء)؛ أي: رواه بلفْظ: (عن)، لا بلفْظ: (سمعت)، كما رواه شُعبة.
(وقال ابن عبَّاس) هو مَقول (قال إسماعيل)، والفرض أنَّه رواه مُطلقًا، لا بلفْظ (سمعت)، وأنَّه جزم بالشهادة على النبيِّ ﷺ من غير شكٍّ في المَشهود عليه، وفي بعضها: قال ابن عبَّاس، بلا واوٍ، فيكون المقول أَمرًا واحدًا، وهو المَجموع، لا أمرَين.
стр. 503
قال (ط): في الحديث أنَّه يجب على الإمام افتِقاد رَعيَّته، وتعليمُهم، ووعظُهم رجالًا ونساءً، وأن الصَّدقة تُنجي من النار.
قال البَغَوي: وأنَّه يجوز للمَرأة العطية بلا إذْن الزَّوج، وحديث النَّهي عن ذلك محمولٌ على غير الرَّشيدة، أو من مال زَوجها.
قال (ن): واستحباب وعْظ النِّساء، وتذكيرهنَّ الآخِرة، وأَحكام الإسلام، وحثُّهن على الصدقة، وذلك حيث لا يترتَّب مَفسدةٌ على الواعِظ، أو فِتْنةٌ على المَوعوظة.
وعُزلة النِّساء عن الرجال في الصلاة.
وأنَّ صدقة التطوُّع لا تحتاج لإيجابٍ وقبولٍ.
وأنَّ الصَّدقات العامة إنما يَصرِفها في مصارفها الإمامُ.
وصَدَقة المرأَة من مالها بلا إِذْن زوجها، أي: كما سبَق، ولا يتوقَّف على ثُلُث مالها، خلافًا لمالكٍ في منع الزِّيادة على الثلُث إلا برضاه، لتَرْك استِفصاله ﷺ عن ذلك.
واستِحباب إخراج النِّساء غيرِ ذَوات الجَمال في العِيْدَين.
قال (ك): وأن الأصل في الناس العقْل، وفي التصرفات الصِّحة؛ لعدَم سُؤاله ﷺ عن ذلك، وأعلَن أنَّ الحديث وإنْ دلَّ صريحًا على الوعظ، فدلالته على التعليم الداخِل في الترجمة؛ لاستِلزام الأَمْر بالصَّدقة ذلكَ.
* * *
стр. 504
٣٣ - بابُ الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ
(باب الحرص على الحديث) الحديث ضِدُّ القَديم، ثم أُطلق عرفًا على الكلام، وفي عُرف الشَّرع: ما كان عن النبيِّ ﷺ ، كأنَّه لُوحِظ فيه مُقابلته للقُرآن الذي هو قديم.
٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ".
(قال رسول الله) في بعضها: (قالَ: قِيْل: يا رسولَ اللهِ).
قلتُ: لكنْ هذا لا يُناسب قوله بعدُ: (لقَدْ ظَننتُ)، إلى آخره.
(من أسعد الناس) يَشمَل العُصاةَ من الأُمة خلافًا للمُعتزلة في قولهم: الشَّفاعة للمُطيع، ولزيادة الثَّواب، لا للعاصي، ولا لإِسقاط العِقاب، ولا يُخرج (الناسُ) الجنَّ والملائكةَ؛ لأن مفهوم اللَّقَب غير حُجةٍ على المشهور.
стр. 505
(بشفاعتك) من الشَّفع، وهو ضمُّ الشيء إلى مِثْله، كأنَّ المشفوع له كان فَرْدًا، فصار شَفْعًا بالشَّافِع، وأكثر ما يُستعمل في انضمام الأَعلى إلى الأَدنى.
(لقد ظننت) اللام جواب قسَمٍ محذوفٍ.
(يا أبا هريرة) في رواية: (يَا بَا هُريرة) بحذْف الهمزة تخفيفًا.
(يسألني) بالرفع، والنَّصب؛ لوُقوع (أنَّ) بعد الظنِّ، فيكون فيه الوجهان.
(أول) إما بالرفع على الصِّفة، أو البدَل، قال الشيخ أبو محمَّد الحلَبي: إنَّه رِوايتنا.
أو بالنَّصب، قال السَّفاقُسي: وهي روايتنا على الظَّرفيَّة، وقال أبو البَقاء: على الحال، أي: لا يَسألني أحدٌ سابقًا لك، وجاءتْ: (من) نكرةً؛ لأنَّها في نفيٍ نحو: ما كانَ أَحَدٌ مِثْلَكَ.
وقال (ع): على المفعول الثاني لـ (ظننتُ).
واختُلف في وزْن: أوَّل، فقيل: فَوْعَل، والصَّحيح: أَفْعَل، بدليل وُقوع: مَن بعدَه، وبالجُملة فمعناه: قَبْلَك، وقال سِيْبَوَيْهِ: أقْدَم منك.
قال السِّيْرافي: فإذا حذفوا (مِن) بعدَه قالوا: الأوَّل؛ لأن الألف واللام تُعاقب (مِن).
(لما رأيت)؛ أي: رأَيتُه، فحُذف عائد الموصول.
(منك)، (مِن) بيانيةٌ، أو مُعدِّيةٌ.
стр. 506
(من حرصك)، (مِن) تبعيضيةٌ.
(من قال لا إله إلا الله)؛ أي: لا الكافر.
(خالصًا)؛ أي لا المُنافِق، ولكن هما لا سعادةَ لهما، فليس أَفْعل التفضيل على بابه من المشارَكة، بل السَّعيد نحو: الناقِص والأَشَجُّ أَعدَلا (١) بني مَروان.
أو هو على بابه من اقتضاء المُشاركة لكنْ معناه: أسعد ممن لم يكُن في هذه المَرتبة من الإخلاص المؤكَّد البالغ غايتَه، بدليل تأكيده بذِكْر القَلْب؛ لأنَّه مَعدِن الإخلاص، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، قال الزَّمَخْشَري: لأنَّ كِتْمان الشهادة من عمَل القَلْب، فأُسند إليه؛ لأنَّ إِسناد الفِعل إلى الجارحة التي يعمل بها أَبلَغ، نحو: أَبصرتْه عَينايَ، وسمعتْه أُذنايَ، أو يُقال: عدَم السعادة للكافر والمنافق عُلِم بأدلَّته الخارجيَّة، وإنما اقتَصر على: لا إله إلا الله، ولم يذكر: محمدٌ رسول الله اكتفاءً بها؛ لإشعارها، وإنْ كان المُراد المَجموع.
نعَم، إذا صدَّق بقلبه، ولم يَلفظْ؛ دخل في هذا الحُكم، لكنَّا لا نحكم بدُخوله إلا أنْ يَلفظ، فهو للحُكم باستحقاق الشَّفاعة، لا لنفْس الاستِحقاق، أو أنَّ المراد بالقول النَّفْساني، سواءٌ معه لسانٌ أو لا.
(خالصًا) في بعض النُّسَخ بذِكْر: (مُخلِصًا). стр. 507
(من قلبه) يحتمل تعلُّقه بـ (خالصًا)، أو بحالٍ من ضمير (قال)، وهذا أَرجح، أي: ناشئًا من قلبه، ومحلُّ الإعراب حينئذٍ للمُتعلِّق، لا لنفس الجار والمجرور.
(أو نفسه) شكٌّ من أبي هُريرة.
قال (ع): الشَّفاعات خمسةٌ:
أولها: الإِراحة من هَول المَوقِف، وهي من خصائص النبيِّ ﷺ
ثانيها: إدخال قومٍ الجنَّةَ بغير حسابٍ.
ثالثها: لقومٍ استوجبوا النارَ، ولا تختصُّ به، بل يَشفع فيهم أيضًا من شاءَ الرَّحمن.
رابعها: إخراج بعض المُذنِبين من النار، وجاء أنَّ الملائكة تشفَع في ذلك أيضًا، وإخوانهم من المؤمنين.
خامسها: الشَّفاعة في زيادةِ الدَّرجات، وهذه لا تُنكرها المعتزلةُ كما تُنكر الأُولى.
قال (ن): الأُولى وهي العُظمى، فُسِّر بها المَقام المَحمود، وهي والأَخيرة مختصَّتان به ﷺ ، ويجوز أن تكون الثالثة، والخامسة أيضًا.
قلتُ: ولنبينا ﷺ شفاعاتٌ أُخرى كثيرة، ذكرتُ منها طائفة في "شرح العُمدة" في حديث: "أُعطِيْتُ خَمْسًا".
قال (ط): في الحديث أن المعلِّم يتفرَّس في متعلِّمه، فيظنُّ في كل مقدارَ تقدُّمه، وتنبيهُه على تفرُّسه، فيبعثُه على الاجتهاد في العِلْم.
وأن العالم يسكُت حتى يُسأَل، ولا يكون بذلك كاتمًا، بل على
стр. 508
الطالب أنْ يَسأل؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، فإنْ لم يُبين بعد أن يُسأَل فقد كتَم، إلا أن يكون لعُذْرٍ.
وأن الشَّفاعة إنما هي في أهل الإخلاص.
قال (ك): وفيه فضل أبي هُريرة، وجواز القسَم للتأْكيد، والخِطاب بالكُنية.
* * *
٣٤ - بابُ كَيْفَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ
(باب: كيف يقبض العلم)؛ أي: الكيفيَّة التي يُرفع بها العِلْم.
وَكتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ: انْظُرْ مَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَاكتُبْهُ، فَإِنِّي خِفْتُ دُرُوسَ الْعِلْمِ وَذَهَابَ الْعُلَمَاءِ، وَلَا تَقْبَلْ إِلَّا حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلْتُفْشُوا الْعِلْمَ، وَلْتَجْلِسُوا حَتَّى يُعَلَّمَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ لَا يَهْلِكُ حَتَّى يَكُونَ سِرًّا.
حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ بِذَلِكَ؛ يَعْنِي: حَدِيثَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى قَوْلهِ: ذَهَابَ الْعُلَمَاءِ.
(إلى أبي بكر بن حزم) هو أبو بكر بن محمَّد بن عَمْرو بن حَزْم.
(ما كان من حديث)، (كان) فيه تامةٌ، ويُروى: (عنْدَكَ مِن حديثٍ)، فتكون (كان) ناقصةً، و (عندك) الخبَر.
стр. 509
(ولا تقبل) نهيٌ، وفي بعضها برفع (تَقبَلُ) على أنَّ (لا) نافيةٌ.
(ولتفشوا) بصيغة الأمر، وفي روايةٍ بتسكين اللام كما هو لغةٌ فيها، والإفْشاء: الإشاعة.
(ولتجلسوا) من الجلوس، بفتح أوله.
(حتى يعلم) بتشديد اللام، والبناء للمفعول.
(من لا يعلم) بفتح أوله، على البناء للفاعل.
(لهلك) بكسر اللام في الأشهر.
قال (ك): قوله: (بذلك)، يعني: بجميع ما ذُكر. قال: وفي بعض النُّسَخ بعده: (بمعنى حديث عُمر بن عبد العزيز إلى قوله: ذَهاب العُلماء)، والمقصود منه أن العَلاء رَوى كلامَ عُمر إلى قوله: (ذَهاب العُلماء) فقط.
ثم قال: فإنْ قلت: لم أَخَّر إسناد كلام عُمر، والعادة تقديم الإسناد؟
قلتُ: للفَرْق بين إسناد الخبر وبين الأَثر، وأما على رواية العلاء فظاهرٌ؛ إذ غرضه أنَّه ما روى إلا بعضَه.
قال (ط): فيه أمر عُمر بكتابة حديث النبي ﷺ خاصةً، وأنَّه لا يُقبل غيره الحضُّ على اتباع السُّنن وضبطها، إذ هي الحُجَّة عند الاختلاف.
وفيه أنَّه ينبغي للعالم نشْر العِلْم وإذاعته.
* * *
стр. 510
١٠٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنتزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءَ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبقِ عَالِمًا، اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْم، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا".
قَالَ الْفِرَبْرِيُّ: حَدَّثَنَا عَبَّاسٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ هِشَامٍ، نَحْوَهُ.
(انتزاعًا) مفعولٌ مطلقٌ لـ (يقبض)، على حدِّ: رَجَع القَهْقَرى، أي: برفعه من بينهم إلى السَّماء، أو بمحوه من صُدورهم، بل بقَبْضه؛ بقبْض أرواح العُلماء، وموتِ حَمَلته.
(حتى) ابتدائيةٌ، فما بعدها جملةٌ.
(إذا) ظرفٌ، والعامل فيها الخبر، ويحتمل أنَّه الشرط.
(يبق) بضم الباء رباعيًّا.
(عالمًا) مفعوله، أو (يبق) بفتح أوله، ورفْع (عالمٌ) على الفاعلية، فإنْ قيل: لم يَبْقَ للمُضي، فكيف وقع بعد (إِذا) وهي للاستقبال؟؛ قيل: لأنَّ (لم) جعَلَتْ البقاءَ ماضيًا، و (إذا) جَعَلَتْ البقاء مُستقبَلًا، أو يُقال: تعارَضَا فتسَاقَطا، فيبقى على أَصْله، وهو المضارع، أو تعادَلا، فيُفيد الاستمرار، نعم، الشرط يقتضي أنَّ اتخاذ رُؤوسٍ جُهَّالٍ إنما هو حيث: لم يَبق عالمٌ؛ لأنَّه يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المَشروط، لكنْ يجوز أن
стр. 511
يقَع اتخاذ الجُهَّال مع وُجود العلماء، فأجاب (ك): بأن الانتفاء بانتفاء الشرط إنما هو في الشُّروط العقلية.
قلتُ: وهو عجيبٌ، فإن الشرط اللغوي، وهو تعليق شيءٍ بشيءٍ يجعل المعلَّق عنه سببًا، فينتفي المشروط عند انتفاء الشَّرط.
قال (ك): ثم ذلك الاستلزام إنما هو في موضعٍ لم يكن للشرط بدلٌ، فقد يكون لمشروطٍ واحدٍ شروطٌ متعاقبةٌ، كصحة الصلاة بدون الوُضوء عند التيمم.
قلتُ: هذا ليس من الشَّرط اللُّغوي الذي يصير الشرط سببًا للمشروط.
قال: أو المراد الناس جميعهم، فلا يصحُّ أنَّ الكلَّ اتخذوا رُؤساء جهالًا إلا عند عدَم العلماء، وذلك ظاهرٌ.
قلتُ: هذا أصلَح من الجوابَين قبله، والأحسن في الجواب أن يُقال: إنَّ ذلك جرَى مَجرى الغالِب، فلا يُعمل بمفهومه.
(اتخذ) أصله: ائتَخَذَ، فقلبت الهمزة الثانية تاءً، وأُدغمت في التاء بعدها.
(رؤوسًا) بوَزْن فُعول جمعُ: رأْس، وتُروى: (رُؤَساءَ) بفتح الهمزة، والمدِّ: جمع رئيس.
(جهالًا) أعمُّ من الجهْل البَسيط؛ وهو انتِفاء العِلْم، أو المركَّب؛ وهو انتفاؤُه مع اعتقاد خِلاف الواقع.
(فسئلوا) بضم السين.
стр. 512
(فضلوا) من الضلال مُقابِل الهداية، وهي الدَّلالة الموصِلة للبِغْية، ويدخل فيه القاضي أيضًا، لأن القضاء إفتاءٌ وزيادةٌ، وإنما لم يقُل: فضَلُّوا فأَفْتَوا فأَضَلُّوا، قصدًا لترتيب المَجموعِ على السُّؤال، أو يُقال: الضلال الذي بعد الإِفْتاء غير الضَّلال الذي قبلَه.
واعلم أنَّه لا تَنافيَ بين هذا وبين حديث: "ولَنْ تَزالَ هذه الأُمةُ قائمةً على أَمْرِ اللهِ حتى يأْتيَ أَمْرُ اللهِ"، وأمثالِ ذلك؛ لأن الذي هنا بعد إتيان أمر الله، إنْ لم يُفسَّر أمر الله بالقيامة، أو عدَم بقاء العِلْم إنما هو في بعض المواضع كفي غيرِ بيت المقدِس أيضًا إنْ لم نُفسِّره به جمْعًا بين الأدلة.
وفي الحديث: التحذير من اتخاذ الجُهَّال رُؤوسًا، وأنَّ آخِر الزمان يخلُو عن المُجتهد كما قاله الجمهور خلافًا للحنابلة.
قال (ط): المعنى: لا يَهب الله تعالى العِلْم لخَلْقه ثم يَنْزِعه، تعالى الله أنْ يسترجع ما وَهَب من علْمه الذي يُؤدِّي إلى معرفته والإيمان به، وإنما يكون قبْض العِلْم بتضييع العِلْم، فلا يُوجد فيمَن يبقَى مَن يخلُف مَن مضَى، وقد أَنذَر ﷺ بقبْض الخير كلِّه، ولا يَنطِق عن الهوى.
* * *
٣٥ - بابٌ هَلْ يُجْعَلُ لِلنِّسَاءِ يَوْمٌ عَلَى حِدَةِ فِي الْعِلْمِ
(باب هل يجعل للنساء يومًا على حدة في العلم) رُوي (يجعل)
стр. 513
بالبناء للفاعل، فـ (يومًا) منصوبٌ، وعلى البناء للمفعول، فـ (يومٌ) مرفوعٌ.
والحِدَة: الانفراد، والهاء عِوضٌ عن الواو، كعِدَةٍ.
* * *
١٠١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالحٍ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: قَالَتِ النِّسَاءُ لِلنَّبِيِّ ﷺ غَلَبَنَا عَلَيْكَ الرِّجَالُ، فَاجْعَلْ لنا يَوْمًا مِنْ نفسِكَ، فَوَعَدَهُنَّ يَوْمًا لَقِيَهُنَّ فِيهِ، فَوَعَظَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ، فَكَانَ فِيمَا قَالَ لَهُنَّ: "مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةً مِنْ وَلَدِهَا إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ"، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: وَاثْنَتيْنِ؟ فَقَالَ: "وَاثْنَتيْنِ".
(ابن الأصبهاني) لم يُسمِّه هنا، وسماه في السنَد الثاني محافظةً على لفْظ الشيوخ.
(قال النساء) وفي بعضها: (قالتْ)، لجواز الوجهين في فعل اسم الجمْع.
(اجعل)؛ أي: صَيِّر، وإنْ كان لـ (جعل) وُجوهٌ، والمراد لازم التَّصيير، وهو التَّعيين.
(يومًا) مفعولٌ به، لا مفعولٌ فيه.
(من) ابتدائية مُتعلِّقةٌ بـ (اجعل)، أي: مَنْشأ الجعل اختيارك لا
стр. 514
اختيارنا، ويحتمل أن المراد: من وقْت نفسِك، فحُذف المضاف، ومحلُّه حينئذٍ نصبٌ صفةً لـ (يومًا)، أي: مُستقرًّا من نفْسك.
(لقيهن فيه) صفة ليومًا.
(فوعظهن) عطف على محذوفٍ، أي: فوفَّى فوعَدهنَّ، ولقيَهنَّ فوعظهنَّ، فهي الفاء الفصيحة.
(وأمرهن) لم يُذكر له مفعولٌ، إما لإرادة اتحاد حقيقة الأَمر، فتكون كالفعل اللازم، وإما لإرادة عُموم المأمور به، ويحتمل أنَّ (أمرهن) من تتمَّة صفة اليوم، والفاء في: (فكان) فَصِيحةٌ، ويحتمل أن يكون (لقيهنَّ) استئنافًا.
(منكن) حالٌ مقدمة.
(امرأة) وفي بعضها: (من امرأَةٍ) بزيادة (مِن) توكيدًا.
(تقدم) صفةٌ لامرأة.
(إلا كان) خبر (امرأة)؛ لأن الاستثناء مفرَّغٌ، على تأْويل: كان باسمٍ، أي: كائن، وفيه ضميرٌ مذكرٌ، أي: كان ذلك الأَمر؛ لأن الولَد يكون ذكرًا، ويعود على مُطلَق الولد الشامل للنوعَين.
(لها) تأنيث الضمير مع تقدُّم جمعٍ على معنى النَّسمة، أو النفس، وفي (كتاب الجنائز): (كُنَّ لها)، وهو ظاهرٌ.
(حجابًا) خبر (كان)، ويُروى: (حجابٌ) على أنَّها تامةٌ، فيكون فاعلًا.
стр. 515
(قالت امرأة) هي أم مُبشِّر بتشديد المعجمة، كما هو عند البخاري، ويقال: أُم سُلَيم، كما عند أحمد، والطَّبَراني، وغيرهما، ويُقال: أم أَيمن، كما في "الأوسط" للطبراني.
(فاثنين) وفي بعضها: (واثنتين)، وهو عطفٌ على ثلاثة، ويُسمى العطف التَّلْقيني على حَدِّ: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤]، أو عطفٌ على مقدَّرٍ دلَّ عليه السِّياق، أي: قالت: ومَن قدَّم اثنين، قال: ومن قدَّم اثنين.
* * *
١٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا.
وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: "ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ".
وإنما قدَّم الأول عليه لعُلوِّ سنده؛ إذ بين البخاري وشُعبة فيه
واحدٌ، وفي الثاني اثنان.
(عبد الرحمن) سماه هنا، وأَطلق في الأول، (ابن الأصبهاني) محافظةً على ألفاظ الشيوخ.
(وعن عبد الرحمن) يحتمل أن يكون تعليقًا عنه، وبه جزم (ك)، ويحتمل أن يكون من مَروي شُعبة عن ابن الأَصبَهاني، فيكون متصلًا.
(لم يبلغوا الحنث)؛ أي: زمَنَ يُخاف الحِنْث، بكسر المهملة،
стр. 516
أي: الإثْم، ومن مات قبل البُلوغ لم يُكتب عليه إثم، وخص الصغار بذلك؛ لأن الوالدَين على الصغير أَرحَم، وموتُه عليهما أشقُّ، والكبير مَظِنَّة المُخالفة والعُقوق، فإنْ كان أبو هريرة رفعَه بزيادةِ: (لم يَبلُغوا الحِنْث)، فهو المقصود من سِياقه، ولكنه يحتمل أن يكون موقوفًا على أبي هريرة.
قال (ط): وفي الحديث سؤال النِّساء عن أمر دينهنَّ، وجوازُ كلامهنَّ مع الرجال في ذلك، وقد أُخذ العلم عن نساء السَّلَف.
قال (ك): وفيه جواز الوَعْد، وبيان الأَجر للثَّكلى، وإنما ذكر النِّساء في هذا الحكم مع أنَّ الرجال كذلك؛ لأنَّ الخِطاب كان لهنَّ، والتكليف شاملٌ للكلِّ، ما لم يدلَّ دليلٌ على تخصيص.
* * *
٣٦ - بابُ مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَرَاجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ
(باب: من سمع شيئًا فراجعه حتى يعرفه)، وفي نُسخةٍ: (فرَاجَع فيهِ)، وفي أُخرى: (فَراجَع).
١٠٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ناَفِعُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ لَا تَسْمَعُ شَيْئًا لَا تَعْرِفُهُ إِلَّا رَاجَعَتْ فِيهِ حَتَّى تَعْرِفَهُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ -
стр. 517
قَالَ: "مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قَالَتْ: فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَهْلِكْ".
هو ما استدركه الدَّارَقُطْني على البخاري ومسلم من حيث اختلاف الرِّواية فيه عن ابن أبي مُلَيكة، فرُوي عن عائشة، ورُوي عن القاسم عن عائشة.
قال (ك): وهو استدراكٌ ضعيفٌ؛ لأنَّه محمولٌ على أنَّه سمعه عنها بواسطةٍ، وبدونها.
(كانت لا تسمع) لا تَنافيَ بين (كان) الماضي، و (تسمع) المضارع؛ لأنَّ (كان) لثُبوت خبرها دائمًا، والمضارع للاستِمرار، أو أَتى بالمضارع حكايةً، لاستحضار الصورة الماضية.
(إلا راجعت) استثناءٌ متصلٌ، و (راجعتُ) صفةٌ لمحذوفٍ، أي: لا تسمع شيئًا مجهولًا موصوفًا بصفة إلا موصوفًا بأنَّه مرجوع فيه.
(وإن النبي ﷺ ) عطفٌ على (أنَّ عائشة)، وهذا القَدْر من كلام ابن أبي مُلَيكة مُرسلٌ، ولم يُسنده إلى صحابيٍّ.
(أوَ ليس) عطفٌ على مقدَّرٍ بعد الهمزة، أي: أكان ذلك وليس بقول الله.
قلتُ: وهذه طريقة الزَّمَخْشَري، و (ك) يُكرره كثيرًا، وقد سبق أن غيره يخالفه.
стр. 518
(يقول) هو خبر (ليس)، واسمها ضمير الشأْن، أو: أنَّ (ليس) بمعنى: لا، فكأنَّه قيل: أَوَلا يقول؟.
(يسيرًا)؛ أي: سهلًا هيِّنًا ليس فيه مناقشةٌ كما في أَصحاب الشِّمال.
ووجه استشكالها: أنَّ الحديث عامٌّ في تعذيب كل مَن حُوسب، والآية تدلُّ على عدم تعذيب بعضهم، وهم أصحاب اليَمين، وجوابه: أنَّ المراد بالحِساب في الآية العَرْض، أي: الإبْراز والإظْهار، وعن عائشة فيه أنَّه يُعَرَّف ذُنوبَه، ثم يُتجاوَز عنه.
(ذلك) بكسر الكاف.
(نوقش) المناقشة: الاستِقصاء في الحساب.
(يهلك) بكسر اللام في الأَشهر، وهو مرويٌّ بالرفع والجَزْم؛ لأنَّ الشرط ماضٍ، ففيه الوجهان، والفعل لازمٌ، وتميمٌ تُعدِّيه فتقول: هلَكَه، بمعنى: أَهلكَه، ولكنَّ المعنى هنا على اللُزوم، ولو قيل بالتعدِّي لم يبعُد.
قال (ن): مَن نُوقش الحساب عُذِّب، له معنيان:
أحدهما: أن نفْس المناقشة هو التعذيب؛ لما فيه من التَّوبيخ.
والثاني: أنَّه يُفضي إلى التعذيب بالنار؛ ويُؤيده رواية: (يَهلك)، والمراد أن التقصير غالبٌ على العباد، فمن استُقصي عليه ولم يُسامح هلك وأُدخل النار، لكن الله يعفو ويغفر ما دُون الشِّرك لمن يشاء، انتهى.
وفي الحديث بيان فضل عائشة، وحرصها على التعليم والتحقيق، وأنَّه ﷺ ما كان يضجر من المراجعة.
стр. 519
وفيه إثبات الحساب، والعرض، والعذاب، والتناوب فيه، وجواز المناظرة، ومقابلة السنة بالكتاب.
* * *
٣٧ - بابُ لِيُبَلِّغِ الْعِلْمَ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ
قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب)، (العلم) مفعولٌ ثانٍ (ليُبلِّغ) قُدم على الفاعل.
(قاله ابن عبَّاس) كذا علَّقه هنا، ووصلَه في (الحج)، بدون لفْظ: (العلم)، فقصد هنا المعنى.
* * *
١٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ: أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ -وَهْوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ-: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْح، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، حَمِدَ الله وَأثنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ الله ﷺ -
стр. 520
فِيهَا فَقُولُوا: إِنَّ الله قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نهارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ"، فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَناَ أَعْلَمُ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ.
الحديث الأول:
(لعمرو بن سعيد)؛ أي ابن العاصي القُرشي الأُموي، أبي عُثمان المدَني.
(الأمير) الملقب بالأَشدق، خرج على عبد الملك، فخَدعه، وأَمَّنه، ثم قتله صبرًا سنة سبعين.
(البعوث) بضم المُوحَّدة، جمع بعث، بمعنى: مَبعُوث، وهو الجند المرسَل لموضعٍ، فكان بيعتهم لقتال ابن الزبير بمكة.
(قام به) صفةٌ لـ (قولًا)، أو معناه: قال به.
(الغد)؛ أي: ثاني يوم الفتح.
(سمعته أذناي) إلى آخره، للتأْكيد والمُبالغة في حفْظه وتيقُّنه.
(حين) ظرفٌ لـ (قام)، وما بعده.
(حمد الله) إلى آخره، بيان لقوله: (تكلم به)، أي: بالقول.
واعلم أن تأنيث الفعل في (سمعت) و (أبصرت)؛ لأن ما في الإنسان من الأعضاء اثنين، فهو مؤنثٌ بخلاف القَلْب والأنف ونحو ذلك.
стр. 521
(حرمها الله) يحتمل كل محرم فيها، أو سفك الدماء، وعضد الشجر؛ لأنَّها المذكورة بعده، وأما حديث: "إن إبراهيم ﵊ حرَّم مكَّة" فمعناه: أنَّه بلَّغ تحريم الله وأظهره بعد أنْ كان لمَّا رُفع البيت المعمور إلى السماء وقت الطُّوفان، واندرس، ونُسي، وإلا فهي محرمةٌ من يوم خلق الله السماوات.
(ولم يحرمها الناس)؛ أي: أنَّه بوحي لا باصطلاح الناس.
(لامرئ) عينه تابعةٌ للامه في الإعراب، وهو من النوادر، كما سبق.
(يؤمن بالله واليوم الآخر)؛ أي: القيامة، إشارةٌ إلى المبدأ والمَعَاد، وكلُّ ما يجب الإيمان به لا يخرج عنهما، وليس في ذلك أن الكفار غير مخاطبين بفُروع الشريعة؛ لأنَّه من باب التَّهييج، وأن الذي ينقاد للأحكام وينْزجر هو المؤمن، أو الإيمان هو العِلَّة في عدَم مخالفة أمر الله.
(يسفك) بكسر الفاء في المشهور، وحكي الضم، فروي بهما، والإشارة به إلى القتل.
(ولا يعضد) بالكسر، أي: يُقطَع، قال (ك): إنَّه مثل يسفك، أي: فيكون فيه الضم أيضًا، و (لا) زيدت توكيدًا، وهذا يشمل ما يستنبته الآدمي وغيره، والثاني وفاقٌ، وفي الأول اختلافٌ.
(فإن أحد) مرفوعٌ بفعلٍ محذوف مفسَّر بما بعده، ونحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، والحذف واجب؛ لئلا يجمع بين المفسِّر والمفسَّر.
стр. 522
(ترخص) الرخصة: ما غير من الحكم تخفيفًا لعذر، مع قيام الموجب للأول لولا العذر.
(لقتال) تعلَّق به مَن قال: فُتحت مكة عنوةً، أي: قهرًا، وجوابه عند القائل: فُتحت صُلْحًا: أن المعنى ترخَّص بحل القتال؛ لأنَّه أُحلَّ له ساعة، ولا يلزم من حل الشيء وقوعه، نعم، هو ﷺ دخلها متأَهبًا لو احتاج للقتال لقاتَل، ولا يعرف أنَّه ﷺ نصب لهم حَرْبًا، فطعَن برُمحٍ، أو رمى بسهمٍ، أو ضرب بسيفٍ، ونحو ذلك، وأما قتْل مَنِ استحق القَتْلَ خارجَ الحرم في الحرم، فليس من معنى القتال في شيءٍ.
(أذن) مبنيٌّ للمفعول، ويروى أيضًا بالبناء للفاعل.
(لي) ليس عذر له عن قوله له من الالتفات؛ لأنَّه حكايةٌ لقول المترخص، وهذا جوابه، وقضية الالتفات اتحاد السياق، إلا أن تقدر، فإن ترخص أحدٌ بقتالٍ فوضع لفظ رسول الله ﷺ ، فيحتمل أن يجعل التفاتًا.
(ساعة)؛ أي: مقدارٌ من الزمن في يوم الفتح.
قلتُ: وفي كتاب "الأموال" لأبي عُبيد: أن المعنى هذه الساعة من الغَداة إلى العصر، نعم، حِلُّ عَضْد الشجر، لا يُعرف في ذلك اليوم.
(حرمتها)؛ أي: تحريمها المقابل للإذن.
(اليوم) الظاهر المراد به الزمان الحاضر، سوى اليوم المعهود، وهو من الطلوع إلى الغروب، أو أكثر منه، ويكون الأمس ما قبل
стр. 523
ذلك، ويحتمل أن يُراد اليوم المعروف، يعني: يوم الفتح؛ لأن العود كان فيه لا في غيره، فاللام للعهد، وكذا العهد في الأمس.
(ما قال لعمرو)؛ أي: في جوابك.
(لا يعيذ)؛ أي: لا يعصم، وأوله مُثنَّاة إن عاد الضمير لمكة، وياء إن عاد للحرم.
(عاصيًا) أي: كالظالم.
(فارًّا بدم)؛ أي: ملتجئًا بالحرم أن لا يقتص منه.
(بخربة) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الراء، وبمُوحَّدةٍ على المشهور، ويُقال بضم المعجمة، وبكسرها: السَّرِقة، وأصلها سَرِقة الإبل، وتُطلق عَلى كل خيانةٍ، وقال الخَليل: الفَساد، قال الشاعر:
والخارِبُ اللِّصُّ يُحبُّ الخارِبَا
وفي بعض الروايات -بعد: بخربة- (يعني: السرقة)، وفي بعضها: (خيانة، وبلية)، وفي بعضها: (يجزيه)، بالجيم المكسورة، والزاي، وبياء.
قال (ط): من روى بالضم أراد الفساد، وبالفتح أراد السرقة، وقال: اختلفا في تأْويل الحديث، فأبو شريح حمله على العموم لظاهر الحديث، ونهى عمرًا عن إرسال الخيل إلى مكة، وابن الزبير أولى بالخلافة من يزيد بن عبد الملك؛ لأنَّه بُويع قبله، وهو صاحب النبي ﷺ ، وحمل عمرو الحديث على الخُصوص، بدليل أنَّ من أصاب حدًّا ثم لجأ إلى الحرم لا يُعصم، ولكن ليس هذا موضع
стр. 524
خلاف أَبي شُريح، إنما مراده: بعث الخيل، ونصب القتال، والحرب عليها، فحادَ عمْرو عن هذا، وجاوبَه على غير سؤاله، وقد اختُلف في العمل بتأويل الصحابي ما رواه؛ لأنَّه أعلم بمخرجه وسببه، أو لأنَّه هو وغيره سواءٌ في الاجتهاد فيه.
قال: وفي الحديث وجوب إنكار العالم على الأمير إذا غير شيئًا من الدين، وإن لم يسأل عنه.
وقال الطِّيْبِي: قول عمرو: أنا أعلم منك، أي: بموقع الحديث وإنْ كان سماعُك وضبْطه صحيحٌ في معنى المقاتلة، ولكن الذي أنا بصدَده إنما هو قتْل من استحقَّ، والتَجأَ إلى الحرَم، فصح جوابه له، على خلاف ما سبق عن (ط).
وقال (خ): ظاهر الحديث تحريم الدماء كلها، بحق وبغير حق، ويؤكده: (وإنما أُذِنَ لي ساعةً)، أو ليس المراد أنَّه أُبيح له دم كان حرامًا عليه، لا في ذلك اليوم ولا غيره، وقد التزم قوم ذلك في الجاني إذا فرَّ إلى الحرم لا يُقتص منه حتى يخرج، نعم، إن كان ما جناه في الحرَم اقتُصَّ منه.
وفي "الأحكام السلطانية" للماوردي عن بعض العلماء: أن البُغاة إذا كانوا في الحرم لا يُقاتَلون فيه، بل يُضيَّق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، وقال الجمهور: يُقاتلون حتى يُردُّوا عن بغيهم؛ لأنَّه حق الله تعالى فلا يضيع، فحفظها في الحرَم أَولى من إضاعتها.
وقد نص الشافعي في "اختلاف الحديث" من "الأم" على جواز
стр. 525
قتالهم، وقال القَفَّال في "شرح التلخيص" -أول النكاح-: لا يجوز القتال بمكة، حتى لو تحصن بها كفارٌ لا يُقاتلهم، قال (ك): وهو بعيدٌ.
قال: وفي الحديث أيضًا رعاية الرفق على الأمير، فإنَّه استأذن في الحديث، وذكر توكيداتٍ في كلامه، وتقديم الحمد، وشرَف مكة، وإثبات القيامة، واختصاص النبي ﷺ ، وجواز القياس على الرسول لولا العلم بخصوصيته، وجواز الفَسْخ، أو نَسْخ الإباحة للرسول بالحرمة، وجواز المجادلة، ومخالفة التابعي للصحابي بالاجتهاد.
* * *
١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَال: "فَإِنَّ دِمَاءكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ -قَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحسِبُهُ قَالَ: وَأَعْرَاضَكُمْ- عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ"، وَكَانَ مُحَمَّدٌ يَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَانَ ذَلِكَ: "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ"، مَرَّتَيْنِ.
الحديث الثاني:
(عن أبي بكرة) يريد أن عبد الرحمن بن أبي بكرة نُفيع يروي ذلك عن أبيه، قال الغساني في كتاب "تقييد المهمل": وفي بعض
стр. 526
النُّسَخ: (عن محمد، عن أبي بكرة)، وفي بعضها: (محمد بن أبي بكرة، عن أبي بكرة)، وكلاهما وهمٌ فاحشٌ.
(ذكر)؛ أي: ما يأتي، وهو النبي ﷺ ؛ لأن الذِّكر الذي يكون بعد النِّسيان.
(إن دماءكم) عطف على ما سبق من الحديث بطوله في (باب قول النبي ﷺ : رب مبلغ): أي يوم هذا؟ فسكتنا، إلى أن قال: "فإن دماءكم"، ويسمى هذا الخرم كما سبق، وسببه هنا الاقتصار على المقصود، وهو بيان التبليغ.
(قال محمد)؛ أي: ابن سيرين.
(وأحسبه)؛ أي: أظن ابن أبي بكرة زاد في الرواية.
(وأعراضكم) فهو عطف على (دماءكم)، والجملة معترضة بين اسم (إن) وخبرها، وظنه ذلك في رواية أيوب عنه، وجزمه هنا في رواية ابن عون عنه، إما لأن الظن متقدم، ثم حصل الجزم، وإما لأن الجزم متقدم، ثم حصل تردد وظن.
(عليكم) معناه مالُ بعضٍ حرام على بعضٍ، لا أنَّ مال الشخص حرامٌ عليه، يدلُّ على ذلك العقل، ويؤيده رواية: (بينكم) بدل (عليكم)، والمراد بالعِرْض الحسَب، وهو وإن كان يُطلق على النفْس لكن ليس مرادًا هنا؛ لئلا يلزم تكرار الأَعراض مع الدماء، كما قاله البَغَوي.
стр. 527
وقال الطِّيْبِي: الظاهر من الأعراض الأخلاق النفسانية.
(كان ذلك) بيانٌ لقوله: (صدق)، لكن الإشارة إن كانت لقوله: (ليبلِّغ)، فهو أمر، والتصديق إنما يكون للخبر، إلا أن تكون الرواية: (ليبلَّغ) بفتح اللام، والرفع، فيبقى خبرًا، أو أن الأمر معناه الخبر، وأن المراد الإخبار بأنَّه سيقَع التبليغ، فتصح الإشارة إليه، ويحتمل أن الإشارة إلى ما في آخر الحديث من قوله: (عَسَى أنْ يُبلِّغ مَن هو أَوْعَى منه)، أو إلى قوله: (ألا هل بلغت)، أي: وقع التبليغ كما في قوله: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨].
(ألا هل بلغت) بالتخفيف في (ألا)، أي: ألا يا قوم، هل بلَّغتُ؟ أي: امتثلت قوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
(مرتين) متعلِّقٌ بـ (قال) مقدَّرةٍ، أي: قال ﷺ ذلك مرتين، وإنما لم يجعل تتمة (قال) المذكورة، ويكون: (وكان محمد ...) إلى آخره، جملةً معترضةً = لئلا يلزم أنْ يكون مجموع هذا الكلام مقولًا مرتين، ولم يثبت ذلك.
وفي الحديث بيان حرمة القتل، والغَصْب، ونحوه، والغِيبة، وفيه تكرار الكلام للتوكيد.
وسبق بيان أمورٍ أُخرى في الحديث في الباب المذكور.
قال (ط): لما أخذ الله تعالى الميثاق على أنبيائه بتبليغ دينه لأُممهم، وجعل العلماء ورثة الأنبياء، وجب عليهم التبليغ والنَّشر، حتى يظهر الدِّين على جميع الأديان، وكان في زمنه فرض عين،
стр. 528
والآن فرض كفايةٍ لحصول الانتشار.
* * *
٣٨ - بابُ إِثمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -
(باب إثم من كذب على النبي ﷺ )
١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِج النَّارَ".
(لا تكذبوا عليَّ) الكذِب عدَم مطابقة الخبر للواقع، سواءٌ طابَق الاعتقاد أو لا، وقيل: عدَم مطابقة الاعتقاد، طابق الواقع أو لا، وقيل: عدم مطابقتهما، كما أنَّ الصِّدق مطابقتهما، فبينهما واسطةٌ، ومعنى: (عليَّ) نسَب الخبر إليَّ كاذبًا، لا أنَّ بين: (كذَب عليه)، و (كذَب لَه) فَرقًا، ويدخل الكذب على الله في الكذب على رسوله؛ لأن خبره عن الدين خبر الله.
واعلم أن الكذب من حيث هو معصيةٌ، سواءٌ على النبي ﷺ أو على غيره، والعاصي في النار، ففائدة الوعيد على الكذب عليه أنَّ عذابه أشدُّ من عذاب مَن كذب على غيره، لكونه مقتضيًا شرعًا عامًّا إلى يوم القيامة، ففيه من المفسدة ما لا ينحصِر، أو أنَّ الكذب عليه كبيرةٌ، وعلى
стр. 529
غيره صغيرةٌ، والصغائر تكفَّر عند اجتناب الكبائر، أو أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣]: عصيانه بالكبيرة.
(فيلج النار) وجه تسبب الجزاء هنا على الشرط: أن المُسبَّب هو لازم الأمر بالوُلوج، وهو الإلزام به، إلا أنْ يكون الكذِب سببًا للأمر به؛ لأنَّه إنما هو سبَب الوُلوج نفسه.
قال (ن): في الحديث أن هذا جزاؤه، وقد يجازى، وقد يعفو الله عنه، فلا نقطع بدخوله النار، وكذا كل وعيدٍ لكبيرةٍ غير الكفر، وإنْ جُوزي بدخول النار، فلا يخلَّد في النار بل لا بُدَّ من خروجه بفضل الله ورحمته.
* * *
(باب)
كذا في نسخةٍ شرَح عليها (ك)، وفي كثيرٍ لفظ: (باب) هنا ساقطٌ، فعلى الثبوت:
١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ
стр. 530
مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
(لا أسمعك)، وفي بعضها: (إني لأَسمعُك).
(تحدث) حذفت مفاعيله الثلاثة.
(أما) بتخفيف الميم، حرف تنبيهٍ.
(لا أفارقه) المراد نفي المفارقة العُرفية، أي: الملازمة حضَرًا وسفَرًا، على عادة مُلازمة الملوك، وهو وإنْ هاجر للحبشَة لكن ذلك قبل ظُهور شوكة الإسلام، أو أن المراد: في أكثر الأحوال.
(لكني) في بعضها: (لكنَّني)؛ لأن نون الوقاية مع (لكن) تُحذف وتُذكر، ووجه الاستدراك هنا: أن من لازِم عدَم المفارقة السماع، ولازِم السماع الحديث، ولازِم ما رواه من ذلك أن لا يحدث، فبين اللازمين مُنافاةٌ.
(يقول) سبق مراتٍ وجْهُ الجمع بينه وبين (سمعت) بلفْظ المضيِّ: أنَّه إما استحضاره للسامعين، أو حكاية الحال.
(فليتبوأ) بسكون اللام في المشهور، وإنْ كان الأصل كسرها، والتَبَوُّؤ: اتخاذ المَبَاءَة، أي: المنْزِل، يُقال: تبوَّأ المكان: اتخذه موضعًا لمقامه.
وقال الجَوْهَري: تبوَّأْتُ منْزلًا، أي: نزلته، وهذا ظاهر الأمر، ومعناه الخبر، أي: إن الله يُبوِّئه مقعدَه من النار.
قال (خ): إنما خاف الزبير من ذلك أن يزلَّ أو يُخطئ، فيكون كذبًا، حيث لم يتيقَّن أنَّه ﷺ قالَه، لا أنَّه خاف أن يتعمد الكذب عليه.
следующие страницы →