← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ: "رَأَيْتُ مُوسَى، وَإِذَا رَجُلٌ ضَرْبٌ رَجِلٌ، كَأنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى، فَإِذَا هُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِناَءَيْنِ، في أَحَدِهِمَا لَبَنٌ، وَفِي الآخَرِ خَمْرٌ، فَقَالَ: اشْرَبْ أَيَّهُمَا شِئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ: أَخَذْتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ". الحديث الأول: (ضَرْب) بسكون الراء: الخَفيف اللَّحم. (رَجِل) المذكور بعد ضَرْب: بكسر الجيم، أي: مُسترسِل، ضِدُّ جُعودة الشَّعر. قال ابن السِّكِّيت: شعرٌ رَجِل، بكسر الجيم وفتحها، إذا لم يكُن شَديدَ الجُعودة ولا سَبْطًا. (شَنُوءة) بفتح المعجمة، وضم النُّون، والهمز: حيٌّ من اليمَن. قال القَزَّاز: ما أَدري ما أراد البخاري بهذا؛ فإنَّ الضَّرْب هو الخفيف، وقد روى هو بعد ذلك أنَّ موسى جسيمٌ سَبْطٌ كأنه من رِجال شَنُوءَة. (رَبْعة) بسكون الموحدة، ويجوز فتحها: لا طويلٌ ولا قصيرٌ،

стр. 4622

وقيل: أُنِّث بتأويل النفْس. (دِيْماس) بكسر المهملة، وسكون الياء، وبميم: السَّرَب، وقيل: الحمَّام بلغة الحبَشة، وقيل: الكِنُّ، أي: كأنَّه مُخدَّرٌ لم يَرَ شمسًا، فهو في غاية الإشراق والنَّضارة. (أشبه ولد إبراهيم)؛ أي: به، وربما تُوجد في بعض النُّسخ. (الفطرة)؛ أي: الاستقامة، أي: اخترتَ علامة الإِسلام، وإنما كان اللَّبَن علامته؛ لأنه سهلٌ طيِّبٌ طاهرٌ نافعٌ للشَّاربين سليمُ العاقبةِ، وأما الخمر فإنها أُمُّ الخَبائث جالبةٌ لأنواع الشُّرور في الحالِ والمآلِ. وفيه أن الأُمة تابعةٌ له فحيث أصابَ الفِطْرة فهم يكونون عليها. * * * ٣٣٩٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْعَالِيَةِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَمِّ نبِيِّكُمْ -يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ-، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى"، وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ. الثاني: (يونس) فيه الأوجه الستة السابقة في (يوسف).

стр. 4623

(مَتّى) بفتح الميم، وتشديد التاء المثنَّاة، وبالألف: اسم أبيه، وقال في "جامع الأصول": هو اسم أُمِّه، وهو ذو النُّون، أرسله الله تعالى إلى أهل الموصِل، وقيل: إنَّ نبوَّتَه كانت بعد خروجه من بطْن الحُوت. قال (خ): يعني ليس لأحدٍ أن يُفضِّل نفسَه على يونُس، ويحتمل أن يُراد: أن يُفضلني عليه، فقالَه ﷺ تواضعًا، وليس مخالفًا لقوله: "أنا سيِّدُ ولَدِ آدَمَ"؛ لأنه لم يقُل ذلك مفتخِرًا، ولا متطاوِلًا به عن الخلْق بل ذاكرًا لنعمة الله معترفًا بمِنَّته، وأراد بالسِّيادة ما يُكرَمُ به في القيامة. قال (ك): أو قال ذلك قبل الوحي إليه بأنه سيِّد الكُلِّ وخيرُهم وأفضلُهم، وزجرًا عن توهُّم حطِّ مرتبة يونُس لمَا في القرآن: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]، وهذا هو السبَب في تخصيص يونُس بالذِّكر دون باقي الأنبياء. * * * ٣٣٩٦ - وَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، فَقَالَ: "مُوسَى آدَمُ طُوَالٌ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ"، وَقَالَ: "عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ"، وَذَكَرَ مَالِك خَازِنَ النَّارِ، وَذَكَرَ الدَّجَّالَ. (آدم)؛ أي: أسْمَر. (طُوَال) بضم المهملة، وتخفيف الواو، أي: طويل.

стр. 4624

وسبق الحديث أواخر (الصوم). * * * ٣٣٩٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ، عَنِ ابْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَجَدَهُمْ يَصُومُونَ يَوْمًا؛ يَعْنِي: عَاشُورَاءَ، فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، وَهْوَ يَوْمٌ نَجَّى اللهُ فِيهِ مُوسَى، وَأَغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، فَصَامَ مُوسَى شُكْرًا لِلَّهِ. فَقَالَ: "أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ". فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. الثالث: سبق أيضًا في (الصوم). * * * ٢٥ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يُقَالُ: دكَّهُ زَلْزَلَهُ. ﴿فَدُكَّتَا﴾ فَدُكِكْنَ، جَعَلَ الْجِبَالَ كَالْوَاحِدَةِ كَمَا

стр. 4625

قَالَ اللهُ : ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ وَلَمْ يَقُلْ: كُنَّ رَتْقًا مُلْتَصِقَتَيْنِ. ﴿وَاشْرَبُوا﴾ ثَوْبٌ مُشَرَّبٌ: مَصْبُوغٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فَانْبَجَسَتْ﴾ انْفَجَرَتْ، ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾ رَفَعْنَا. (باب قول الله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]) قوله: (دكة)؛ أي: قوله تعالى: ﴿فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، يُقال: دككْتُ الشيء، أي: ضربتُه وكسرتُه حتى سوَّيته بالأرض. وغرَضه أن الجبال جمعٌ، والأرض في حكم الجمْع، وكان القياس أن يُقال: دُكِكْنَ، فجعل كلَّ جمعٍ منهما كواحدةٍ، فلهذا جيء بلفْظ التثنية. (رتقًا)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠]. * * * ٣٣٩٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "النَّاسُ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي،

стр. 4626

أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ". الحديث الأول: (يصعقون) من صَعِقَ الرجل: غُشي عليه، و ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨] أي: ماتَ. ولا يلزم من إقامة موسى قبل محمَّد ﷺ كونُه أفضلَ منه مُطلقًا، وسبق قريبًا. (جُوزي)؛ أي: حُوسِب بها فلم يُصعَق مع الأحياء، فيُفهم منه أن موسى ﵇ - وإنْ كان غائبًا عن عالمنا أنَّه حيٌّ ممن يُمكِن أن يُصعقَ مع من صُعق في وقت الصَّيحة. * * * ٣٣٩٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِي، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ، وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ". الثاني: (لم يخنز) بالمعجمة، وفتح النون، والزاي، أي: لم ينتن. وسبق الحديث أول (كتاب الأنبياء). * * *

стр. 4627

٢٦ - باب طُوفَانٍ مِنَ السَّيْلِ يُقَالُ لِلْمَوْتِ الْكَثِيرِ: طُوفَانٌ. الْقُمَّلُ: الْحُمْنَانُ يُشْبِهُ صِغَارَ الْحَلَم. ﴿حَقِيقٌ﴾ حَقٌّ. ﴿سُقِطَ﴾ كُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سُقِطَ في يَدِهِ. (باب طوفان من السَّيل) قوله: (القمّل) بضم القاف، وتشديد الميم: دُوَيبةٌ من جنْس القُردان إلا أنها أصغَر منها، تَركَبُ البعيرَ عند الهُزال. (الحَمْنان) بفتح المهملة، وسكون الميم، ونونين: قُرادٌ يُشبه صِغار الحَلَم، بفتح المهملة، واللام: جمع حَلَمة، أي: القُراد العظيم. (سقط)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٩] أي: نَدِموا. * * * ٢٧ - حَدِيثُ الْخَضِرِ مَعَ مُوسَى ﵉ (باب حديث الخَضِر مع موسى ﵉ ٣٤٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَاِلح، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ

стр. 4628

عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تَمَارَى هُوَ وَالْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ في صَاحِبِ مُوسَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: هُوَ خَضِرٌ، فَمَرَّ بِهِمَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، فَدَعَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنِّي تَمَارَيْتُ أَنَا وَصَاحِبِي هَذَا فِي صَاحِبِ مُوسَى الَّذِي سَأَلَ السَّبِيلَ إِلَى لُقِيِّهِ، هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ شَأْنَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَمَا مُوسَى فِي مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟ قَالَ: لَا. فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: بَلَى عَبْدُناَ خَضِرٌ. فَسَأَلَ مُوسَى السَّبِيلَ إِلَيْهِ، فَجُعِلَ لَهُ الْحُوتُ آيَةً، وَقِيلَ لَهُ: إِذَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَارْجِعْ، فَإِنَّكَ سَتَلْقَاهُ. فَكَانَ يَتْبَعُ الْحُوتَ فِي الْبَحْرِ، فَقَالَ لِمُوسَى فتاهُ: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾. فَقَالَ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ. فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا فَوَجَدَا خَضِرًا، فَكَانَ مِنْ شَأْنِهِمَا الَّذِي قَصَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ". الحديث الأول: (تمارى)؛ أي: تجادَل. (والحُر) ضدُّ العبْد. (الفَزَاري) بفتح الفاء، وتخفيف الزاي، وبالراء. وسبق الحديث في (باب: ما ذكر في ذهاب موسى)، في (كتاب العلم)، وأنَّه وقَع لابن عبَّاس مُنازعتان: هل صاحب موسى

стр. 4629

الذي قصَّ الله في أمرهما هو الخَضِر أم لا؟، وهي مع الحُرِّ بن قَيْس، والأُخرى مع نَوفٍ -بفتح النون، وبالفاء، منصرفًا وغير منصرف- البِكَالي، بكسر الموحَّدة، وخفَّة الكاف، وباللام على المشهور، وقد يُقال بفتْح الموحَّدة، وتشديد الكاف، هل موسَى الذي قُصَّت قصتُه مع الخَضِر، هل هو موسى بني إسرائيل أو موسى آخَر؟. * * * ٣٤٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسًى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا في بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا. فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: بَلَى، لِي عَبْدٌ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: أَيْ رَبِّ! وَمَنْ لِي بِهِ؟ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: أَيْ رَبِّ! وَكيْفَ لِي بِهِ؟ - قَالَ: تأْخُذُ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ، حَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهْوَ ثَمَّ- وَرُبَّمَا قَالَ: فَهْوَ ثَمَّهْ- وَأَخَذَ حُوتًا، فَجَعَلَهُ في مِكْتَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَفتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، حَتَّى أتيَا الصَّخْرَةَ، وَضَعَا رُؤُوسَهُمَا فَرَقَدَ مُوسَى، وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فَخَرَجَ فَسَقَطَ في الْبَحْرِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ

стр. 4630

في الْبَحْرِ سَرَبًا، فَأَمْسَكَ اللهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ، فَصَارَ مِثْلَ الطَّاقِ، فَقَالَ: هَكَذَا مِثْلُ الطَّاقِ. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ لِفَتَاهُ: آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِناَ هَذَا نَصَبًا. وَلَمْ يَجدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ. قَالَ لَهُ فَتَاهُ: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في الْبَحْرِ عَجَبًا، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلَهُمَا عَجَبًا. قَالَ لَهُ مُوسَى: ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا، رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ، فَسَلَّمَ مُوسَى، فَرَدَّ عَلَيْهِ. فَقَالَ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ قَالَ: أَنَا مُوسَى، قَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ، أتيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا، قَالَ: يَا مُوسَى! إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ اللهُ لَا تَعْلَمُهُ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ، قَالَ: هَلْ أتَّبِعُكَ؟ قَالَ: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ إلَى قَوْلهِ: ﴿إِمْرًا﴾ فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ، كلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ، فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ جَاءَ عُصْفُورٌ، فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ، قَالَ لَهُ الْخَضِرُ: يَا مُوسَى! مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ. إِذْ أَخَذَ

стр. 4631

الْفَأسَ فَنَزَعَ لَوْحًا، قَالَ: فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى إِلَّا وَقَدْ قَلَعَ لَوْحًا بِالْقَدُّومِ. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: مَا صَنَعْتَ! قَوْمٌ حَمَلُوناَ بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. قَالَ: لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا، فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. فَلَمَّا خَرَجَا مِنَ الْبَحْرِ مَرُّوا بِغُلَامٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَلَعَهُ بِيَدِهِ هَكَذَا -وَأَوْمَأَ سُفْيَانُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ كَأَنَّهُ يَقْطِفُ شَيْئًا- فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا؟!. قَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا. قَالَ: إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا. فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ مَائِلًا -أَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ سُفْيَانُ كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ، فَلَمْ أَسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ مَائِلًا إلَّا مَرَّةً- قَالَ: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُوناَ وَلَمْ يُضَيِّفُوناَ عَمَدْتَ إلَى حَائِطِهِمْ، لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا. قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا". قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَدِدْناَ أَنَّ مُوسَى كانَ صَبَرَ، فَقَصَّ اللهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا". قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوْ كَانَ صَبَرَ يُقَصُّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا". وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ

стр. 4632

غَصْبًا، وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ. ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ. قِيلَ لِسُفْيَانَ: حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرٍو، أَوْ تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانٍ؟ فَقَالَ: مِمَّنْ أَتَحَفَّظُهُ، وَرَوَاهُ أَحَدٌ عَنْ عَمْرٍو غَيْرِي؟ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ. الثاني: (ومن لي به)؛ أي: من تكفَّل لي برُؤيته. (مِكتل) بكسر الميم، أي: الزِّنْبيل. (ثم) بفتح المثلَّثة: إشارةٌ إلى المكان البَعيد، ويُلحق بها الهاء عند الوقْف، كما يُقال: رُبَّ، ورُبَّهْ. (يُوشع) بضم الياء، وبمعجميةٍ، ثم مهملةٍ. (وأنَّى) استِفهامٌ، أي: مِن أين السَّلام في هذه الأرض التي أنتَ فيها؛ لأنَّ أهلَها لا يعرفون السَّلام. (نول) هو الأجْر. (نقص هذا العصفور) هذا النَّقْص محقَّقٌ؛ لأنه مِن المُتناهي، وأما نِسبَة علْمهما إلى الله تعالى فهو نسبةُ المتناهي إلى ما لا يَتناهَى، فلا يمكن أن ينقُصَ، فما معنى التَّشبيه؟، وجوابه: أنه في القِلَّة والحَقارة، لا المماثلة من كلِّ الوُجوه، وقيل: تشبيهٌ على التَّقريب إلى الأَفهام.

стр. 4633

وسبَق في (كتاب العلم)، في (باب: ما يستحب للعالم أن يقول إذا سئل). (فلم يفجأ) بالجيم، والملِك الغاصِب الذي وراءَهم: هَدَد -بفتح الهاء- ابن بَدَد، بفتح الموحَّدة، والدالَين المهملتَين الأُولتين، وقيل: بضم الهاء، والموحَّدة، واسم الغُلام الذي قتلَه الخَضِر: جَيْسُون، بفتح الجيم، وسكون الياء، وضمِّ المهملة، وقال الدَّرَاقُطني: بالرَّاء بدَل النون. (وقرأ ابن عباس أمامهم ملك)؛ أي: بدَل (وراءَهم). (صالحة)؛ أي: بزيادةِ ذلك في قراءته. (وهو كان كافرًا)؛ أي: وقرأ بزيادةِ هذا أيضًا. (أو تحفظتهُ) شكٌّ من علي بن عبد الله، يعني: قيل لسفيان: حفِظتَه، أو تحفَّظتَه من إنسانٍ قبل أنْ تسمعَه من عمرو. (ورواهُ) فيه استفهامٌ مقدَّرٌ، أي: أَوَرواهُ؟. * * * ٣٤٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الأَصْبَهَانِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِهِ خَضْرَاءَ".

стр. 4634

الثالث: (فروة) قيل: هي جِلْدَة وجْه الأرض، جلَسَ عليها، فأنبَتتْ، وصارتْ خضراء بعد أنْ كانتْ جَرْداء، وقيل: أراد به الهَشِيْم من نبَات الأرض، اخضرَّ بعد يُبسه وبَياضه. واسم الخَضِر: سبق في أوائل (الإيمان) أن المرجَّح فيه: بَلْيَا، بموحدةٍ مفتوحةٍ، ولامٍ ساكنةٍ، وياءٍ، مقصورًا، وكُنيته: أبو العباس، ويجوز في الخَضِر تسكين ضاده مع فتح الخاء وكسرها على قياس نظائره. واختلف في نبوته كما سبَق. قال الثَّعلبي: وكان في زمَن إبراهيم الخليل ﵊، وقال الأكثَرون: إنَّه حيٌّ موجودٌ اليوم، ويقتلُه الدجَّال. ومرَّ شرح الحديث في (كتاب العلم). * * * ٢٨ - بابٌ (باب) ٣٤٠٣ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا

стр. 4635

حِطَّةٌ. فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، وَقَالُوا: حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ". الحديث الأول: (يزحفون) بمهملةٍ. (أستاههم) جمع: سَتَه، بالتحريك، مثل: سبَبٌ، وأسبابٌ، وهو الاسْت. (حَبَّة) بفتح المهملة، وشدة الموحدة. (شعرة) بسكون المهملة وفتحها، وغرضهم بهذا الكلام المهمَل مخالفةُ ما أُمروا به من الكلام المستلزِم للاستغفار، وطلَب حَطِّ العُقوبة عنهم. * * * ٣٤٠٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ، اسْتِحْيَاءً مِنْهُ، فآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالُوا: مَا يَسْتَتِرُ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بِجلْدِهِ، إِمَّا بَرَصٌ وَإِمَّا أُدْرَةٌ وَإِمَّا آفَةٌ. وَإِنَّ اللهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ مِمَّا قَالُوا لِمُوسَى، فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ فَوَضَعَ ثِيَابَهُ عَلَى الْحَجَرِ ثُمَّ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ إِلَى ثِيَابِهِ لِيَأْخُذَهَا، وَإِنَّ الْحَجَرَ عَدَا بِثَوْبِهِ، فَأَخَذَ مُوسَى عَصَاهُ وَطَلَبَ الْحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثَوْبِي حَجَرُ، ثَوْبِي حَجَرُ، حَتَّى انتُهَى إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ،

стр. 4636

فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللهُ، وَأَبْرَأَهُ مِمَّا يَقُولُونَ، وَقَامَ الْحَجَرُ، فَأَخَذَ ثَوْبَهُ فَلَبِسَهُ، وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا بِعَصَاهُ، فَوَاللهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَوْ خَمْسًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ". الثاني: (عن الحسن، ومحمد، وخِلاس) بكسر المعجمة، وتخفيف اللام، جمع بين الثلاثة لمَا قِيل: إنَّ الحسن لم يسمَع من أبي هُريرة، وممن جزَم به التِّرْمِذي. (حييًا) فَعِيْلًا بمعنى: فاعل، أي: مِن شأْنه ذلك. (أدرة) هي انتِفاخ الخِصْية. (وإما آفة) من عطف العامِّ على الخاصِّ. (ثوبي)؛ أي: رُدَّ ثَوبي. (حجر)؛ أي: يا حَجَرُ، فجاء على الشاذِّ في نحو: أَطرِقْ كرًّا؛ لأن القياس أنَّ (يا) لا تُحذف مع النكرات. (ضربًا)؛ أي: يضرب ضَرْبًا. (لندب) بنونٍ، ومهلةٍ مفتوحتين: أثَر الجُرح إذا لم يرتفِع عن الجِلْد، فشُبِّه به أثَر الضَّرب في الحجَر. ومرَّ الحديث في (باب: من اغتسَل عُريانًا). * * *

стр. 4637

٣٤٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ ﵁، قَالَ: قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قَسْمًا، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ. فَأَتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: "يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ". الثالث: (فأخبرته) فيه جواز إخبار الإمام بما قِيل في حقِّه، وكمالُ عفْوه ﷺ . ومرَّ في (باب: ما كان يُعطي المؤلفة). * * * ٢٩ - بابٌ ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ ﴿مُتَبَّرٌ﴾: خُسْرَانٌ، ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾: يُدَمِّرُوا ﴿مَا عَلَوا﴾: مَا غَلَبُوا. (باب: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨]) قوله: (متبر)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩]. (خسران) للمصدر الذي منه متبَّرٌ، أي: مِن التَّبار، وهو الخُسران، وأما مُتبرٌ فمعناه خاسِرٌ، وأصلُه: من التَّتْبير، وهو التَّكسر، يُقال: تبَّره: كسره وأهلكَه.

стр. 4638

(وليتبروا)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]. * * * ٣٤٠٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَجْنِي الْكَبَاثَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ مِنْهُ، فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ". قَالُوا: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: "وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا". (الكَبَاث) بفتح الكاف، وخفَّة الموحَّدة، وبمثلَّثةٍ: النَّضِيج مِن ثمَر الأَراك. وكأنَّ مناسبة هذا للترجمة أنَّ بني إسرائيل كانوا مُستضعَفين جُهَّالًا ففضَّلهم الله على العالمين، وسِيَاق الآية يدلُّ عليه. وقال (خ): يُريد أنَّ الله تعالى لم يضَع النبوَّة في أبناء الدُّنيا والمُتْرَفين منهم، وإنما جعلَها في رِعاء الشَّاءِ، وأهل التَّواضُع من أصحاب الحِرَف، كما رُوي أن أَيُّوب كان خيَّاطًا، وزكرِيا كان نَجَّارًا، و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقال (ن): فيه فضيلةُ رِعاية الغنَم، وحِكْمة ذلك أنْ يأْخُذوا أنفسَهم بالتواضُع، وتصفُوَ قلوبُهم بالخَلْوة، ويترقَّوا من سياستها إلى سياسة أُممهم.

стр. 4639

وسبق الحديثُ في (الإجارة). * * * ٣٠ - بابٌ ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآيَةَ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: الْعَوَانُ النَّصَفُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالْهَرِمَةِ، ﴿فَاقِعٌ﴾ صَافٍ، ﴿لَّا ذَلُولٌ﴾ لَمْ يُذِلَّهَا الْعَمَلُ، ﴿تُثِيُر الْأرْضَ﴾ لَيْسَتْ بِذَلُولٍ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلَا تَعْمَلُ فِي الْحَرْثِ، ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ مِنَ الْعُيُوبِ، ﴿لَّا شِيَةَ﴾ بَيَاضٌ، ﴿صَفْرَاءُ﴾ إِنْ شِئْتَ سَوْدَاءُ، وَيُقَالُ: صَفْرَاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾، ﴿فَادَّارَأْتُمْ﴾ اخْتَلَفْتُمْ. (باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]) (النَّصَف) بفتح النون، والصاد. (إن شئت سوادًا)؛ أي: الصُّفرة؛ يحتمل معناها المشهور، وأنْ يُراد السَّواد الذي يضرِب للصُّفْرة، فاحمل على أيِّهما شِئْتَ. قال الحسَن: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ﴾ [البقرة: ٦٩]، أي: سَوداء شديدةُ السَّواد، ولعلَّه مستعارٌ من صِفَة الإبل؛ لأنَّ سوادها يعلُوه صُفرةٌ، وبه فُسِّر: ﴿جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]. * * *

стр. 4640

٣١ - بابُ وَفَاةِ مُوسَى، وَذِكْرُهُ بَعْدُ (باب وَفَاةِ موسى ﵊ ٣٤٠٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى ﵉ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ. قَالَ: ارْجِعْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَةٌ. قَالَ: أَيْ رَبِّ! ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: ثُمَّ الْمَوْتُ. قَالَ: فَالآنَ. قَالَ: فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لأَرَيْتَكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ". قَالَ: وَأَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. الحديث الأول: (صكه)؛ أي: لطَمَه في عَينه. وسبق في (الجنائز)، في (باب: من أحبَّ الدَّفْن في الأرض المقدَّسة). * * *

стр. 4641

٣٤٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا ﷺ عَلَى الْعَالَمِينَ. في قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. فرَفَعَ الْمُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ يَدَهُ فَلَطَمَ الْيَهُودِيَّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَقَالَ: "لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي أَوْ كانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ؟ ". الثاني: (فرفع المسلم يده فلطم اليهودي) المسلِم هو أبو بكر الصدِّيق، وأما اليهوديُّ ففي "سيرة ابن إسحاق": اسمه فِنْحَاص، بكسر الفاء، وسُكون النُّون، ومهملتين. (ممن استثنى الله)؛ أي: في قوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]، والجمْع بين هذا وبين ما سبَق من رواية: "لا أَدرِي أَفاقَ قَبْلِي، أو جُوزِيَ بصَعْقةِ الطُّوْرِ": أنه لا تَنافيَ، إذ: ﴿مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] عامٌّ، والمُجازى بالصعقة يوم الطُّور داخلٌ في عمومه.

стр. 4642

وسبق أول (الخصومات). * * * ٣٤٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ". فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى" مَرَّتَيْنِ. الثالث: (خطيئتك)؛ أي: الأكل من الشَّجَرة المنهيِّ عنها بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ويجوز في مثْله: أخرجتك، وأخرجته. قال: أَنَا الذي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرهْ (آدم) بالرفع باتفاق الرُّواة، أي: غلبه بالحُجَّة، وقَوي عليه بها. (مرتين) متعلِّقٌ بـ (قالَ). قال (خ): إن هذا حُجَّة آدم في رفْع اللَّوم؛ إذ ليس لأحدٍ من الآدميين أنْ يلوم أحدًا به، وأما الحُكم الذي تنازعاه، فإنما هما في ذلك على سواءٍ؛ إذ لا يقدِرُ أحدٌ أن يُسقط الأصل الذي هو القدَر،

стр. 4643

ولا أنْ يُبطِل الكَسْب الذي هو السبَب، ومَن فعل واحدًا منهما خرج عن القصْد إلى أحد الطَّرَفين: مذهبِ القدَر أو الجَبْر. وفي قول آدَم استصغارٌ لعِلْم موسى إذ جعلَك الله بالصفة التي أنت فيها من الاصطِفاء بالرِّسالة والكلام، فكيف يسَعُك أن تَلومني على القدر الذي لا مدفَع له؟، وحقيقته أنه دفَع حُجة موسى التي ألزمَه بهذا اللَّوم، وذلك أنَّ الاعتراض والابتداء بالمسألة كان من موسى، عارضَه آدم بأمر دفْع اللَّوم، فكان هو الغالب. وقال (ن): معناه إنَّك تعلم أنه مقدَّرٌ، فلا تلُمني، وأيضًا اللَّوم شرعيٌّ لا عقليٌّ، وإذ تاب الله عليه وغفَر له زالَ عنه اللَّوم، وقد علِم ذلك موسى من التَّوراة، فمَن لامَه كان محجوجًا بالشرع، فإن قيل: فالعاصي منَّا لو قال: هذه المعصية كانت بتقدير الله لم تسقُط عنه المَلامة؛ قلنا: هو باقٍ في دار التكليف جارٍ عليه أحكام المكلَّفين، وفي لَومه زجْرٌ له ولغيره عنها، وأما آدم ﵊ فميِّتٌ خارجٌ عن هذه الدار، وعن الحاجة إلى الزَّجْر، فلم يكن في هذا القَول فائدةٌ سوى التَّخجيل ونحوه. هذا، وقد قال بعضهم: التقتْ أرواحُهما في السَّماء فوقَع الحِجاج بينهما هناك، وقال (ع): ويحتمل أنه على ظاهره، وأنهما اجتمعا بأشخاصهما، ولا يبعُد أن الله أحياهما كما ثبت في حديث الإسراء أنه ﷺ اجتمَع بالأنبياء في بيت المقدِس، وصلَّى بهم، ويحتمل أنَّ ذلك جرى في حياة موسى ﵇، سأَل الله أن يُريَه آدم فيُحاجَّه.

стр. 4644

وفيه أن الجنة مخلوقةٌ، وأنَّ المُحاجَّة جائزةٌ، وأنَّ الكسْب حقٌّ، وأنه لا جَبْر ولا قَدَرَ، ولكن أمرٌ بين أمرين. * * * ٣٤١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا قَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، وَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى في قَوْمِهِ". الحديث الرابع: يأتي في (الرقائق). * * * ٣٢ - بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ (باب قول الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [التحريم: ١١]) ٣٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ

стр. 4645

كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ". (كَمُلَ) مثلَّث الميم، ولا يلزم من الكمال نبوَّتُهما؛ إذ هو يُطلق لتمام الشيء ونبَاهته في بابه، فالمراد نبَاهتهما في جميع الفضائل التي للنِّساء، وقد نُقل الإجماع على عَدَم نُبُوتهنَّ. (آسِية) بالمد، وكسر المهملة، وخفة الياء، كانت مؤمنةً تُخفي إيمانها، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ الآية [التحريم: ١١]. (ومريم) أُمُّ المَسيح، حملَتْ به ولها ثلاث عشرةَ سنةً، وعاشتْ بعدما رُفع ستًّا وستين سنةً، وماتت ولها مائةٌ واثنتا عشرة سنةً، وفيه اختلاف. فإن قيل: هل يلزم أن تكون أكملَ من عائشة؟ قيل: لا؛ لأنَّ (كمُلَ) و (لم يكمُل) فِعلان ماضيان. (الثريد)؛ لأنه أفضَل طعام العرَب. قال شاعرهم: إذَا ما الخُبْزُ تأدِمُهُ بلَحْمٍ ... فذاكَ: أمانة اللهِ الثَّريدُ وقال (ن): الثَّريد من كلِّ طعامٍ أفضَل من المرَق، فثَريد اللَّحم أفضَل من مرَقه بلا ثريدٍ. والمراد بالفَضيلة نفْعُه، والشَّبَع منه، وسُهولة مَساغه، والالتِذاذ به، وتيسُّر تَناوله، وتمكُّن الإنسان من أَخْذ كفايته منه بسُرعةٍ.

стр. 4646

وليس فيه تصريحٌ بتفضيل عائشة عليهما؛ لأنَّ المراد تفضيلُها على نِساء هذه الأُمة. وفيه إشارةٌ إلى كونها جامعةً لحُسْن الخلُق، وحلاوة النُّطق، وجودة القَريحة، وفَصاحة اللَّهجة، وغيرها من حُسن التبعُّل، وغيره. قال (ش): قلتُ: الثَّريد: اللَّحم، كذا قال مَعْمَر، عن قَتادة، وأبان مرفوعًا، ولفظه: "كفَضْلِ الثَّريد باللَّحم"، وفي خبرٍ آخَر: "سيِّدُ إدامِ الدُّنيا والآخِرة اللَّحْمُ". * * * ٣٣ - بابٌ ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ الآيَةَ ﴿لَتَنُوأُ﴾ لَتُثْقِلُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُوْلِي الْقُوَّةِ﴾ لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ، يُقَالُ: ﴿الْفَرِحِينَ﴾ الْمَرِحِينَ، ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾ مِثْلُ: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ، ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ وَيُوَسِّعُ عَلَيْهِ وَيُضَيِّقُ. (باب: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص: ٧٦]) قوله: (لتنوء)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦]. (الفرحين)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦].

стр. 4647

(ويك)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ الآية [القصص: ٨٢]. * * * ٣٤ - بابُ قول الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبً﴾ إِلَى أَهْلِ مَدْيَنَ، لأَنَّ مَدْيَنَ بَلَدٌ، وَمِثْلُهُ ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، وَاسْأَلِ ﴿وَالْعِيرَ﴾، يَعْنِي: أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَأَهْلَ الْعِيرِ، ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ لَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ، يُقَالُ إِذَا لَمْ يَقْضِ حَاجَتَهُ: ظَهَرْتَ حَاجَتِي وَجَعَلْتَنِي ظِهْرِيًّا، قَالَ: الظِّهْرِيُّ أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ داَبَّةً أَوْ وِعَاءً تَسْتَظْهِرُ بِهِ، مَكَانَتُهُمْ وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ ﴿يَغْنَواْ﴾ يَعِيشُوا ﴿يَأْيَسُ﴾ يَحْزَنُ ﴿ءَاسَى﴾ أَحْزَنُ . وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ﴾ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَيْكَةُ الأَيْكَةُ، ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ إِظْلَالُ الْغَمَامِ الْعَذَابَ عَلَيْهِمْ. (باب قول الله : ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥]) (وراءكم ظهريًّا)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]، وهو منسوبٌ إلى الظَّهر، والكسرُ من تغيُّرات النَّسَب، كما تقول في الأَمْس: إِمْسِيٌّ، بكسر الهمزة، من ظهَرتَ

стр. 4648

-بفتح الهاء- نَسيتَ وتركتَ وراءَ ظَهركَ. قال الجَوهَري: ظَهَر فُلان بحاجتي، أي: استخفَّ بها. (مكانتهم)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥]، فأتى به على معنى ما في القرآن لا لفْظه. (يغنوا)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ [الأعراف: ٩٢]. (تأس) في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]، وليس هذا في قصَّة شُعيب، إنما ذكَره لمناسبة: ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣]. (ليكة)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٦]، فليكة قرأَ بها بعضُهم في الآية، وقال مجاهد: هو نفْس الأَيْكة، فحُذفت الهمزة. (يوم الظلة)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]، ويُروى أنه حبَس عنهم الرِّيح، وسلَّط عليهم الحرَّ، فأخَذ بأنفاسهم، فاضطَربوا إلى أن خَرجوا إلى البَرِّيَّة، فأظلَّتْهم سحابة وجدوا لها بَردًا أو نسيمًا، فاجتمَعوا تحتها فأَمطَرت عليهم نارًا، فاحترقوا. وكان شُعيب مبعوثًا إلى أصحاب مَدْيَن، وإلى أصحاب الأَيْكة، فهلكتْ مَدْيَن بصيحةِ جبريل، وأصحابُ الأيكة بعذاب يوم الظُّلَّة. * * *

стр. 4649

٣٥ - بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ ﴿كَظِيمٌ﴾ وَهْوَ مَغْمُومٌ. (باب قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾) إلى: ﴿مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] مِنْ أَلامَ الرجلُ: إذا أتَى بما يُلام عليه، ولهذا فسَّره مجاهد: بمُذْنِب. (المشحون)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٤٠]. (الدُّباء) بدَلٌ، أو بَيانٌ. (من غير ذات أصل)؛ أي: ما لا ساقَ له كشجَر القَرْع، ونحوه. * * * ٣٤١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ. حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ". زَادَ مُسَدَّدٌ: "يُونُسَ بْنِ مَتَّى". الحديث الأول: (إني خير) سبَق الخِلاف قريبًا في الضَّمير: هل يعود للنبيِّ ﷺ ،

стр. 4650

أو للقائل؟، ورواية الطَّبَراني تشهَدُ للثاني؛ فإنَّه خرَّج حديث ابن عبَّاس مرفوعًا: "ما يَنبَغي لأحدٍ أن يقُول: أَنا عند اللهِ خيرٌ من يونُس بن مَتَّى". وقال الطَّحاوي: وجاء فيه زيادةُ تبين المعنى في ذلك وهي: "قَدْ سبَّحَ اللهَ في الظُّلُمات". قلتُ: الاحتِمال باقٍ في ذلك أيضًا، فتأمَّلْه!. (متّى) بالتشديد، وسبَق في أنه أَبوه أو أُمه خلافٌ. * * * ٣٤١٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ. الثاني: في معنى ما قبله. * * * ٣٤١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَيْنَمَا يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ أُعْطِيَ بِهَا شَيْئًا كَرِهَهُ. فَقَالَ: لَا وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَامَ فَلَطَمَ وَجْهَهُ،

стр. 4651

وَقَالَ: تَقُولُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْبَشَرِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِناَ؟ فَذَهَبَ إِلَيْهِ فَقَالَ: أَبَا الْقَاسِمِ، إِنَّ لِي ذِمَّةً وَعَهْدًا، فَمَا بَالُ فُلَانٍ لَطَمَ وَجْهِي؟. فَقَالَ: "لِمَ لَطَمْتَ وَجْهَهُ؟ ". فَذَكَرَهُ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: "لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللهِ، فَإِنَّهُ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَيَصْعَقُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَمَنْ في الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ، فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ يَوْمَ الطُّورِ أَمْ بُعِثَ قَبْلِي". ٣٤١٥ - : "وَلَا أَقُولُ إِنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى". الثالث: (يهودي) سبق أن اسمه: فنْحَاص، واللَّاطِم من الأنْصار لا يُعرف، نعمْ، قال ابن بَشْكُوال: إنَّ أبا بكرٍ ﵁ لطَمَه. (يعرض)؛ أي: يُبرز متاعَه ليرغَبوا في شرائه. (بين أظهرنا) لفْظ (أَظْهُر) مقحمٌ، وقد يوجَّه عدَم إقحامه. (ذمةً وعهدًا)؛ أي: مع المسلمين، فلم أَخفِر ذِمَّتي ونقْضَ عهدي باللَّطْم. (لا تفضلوا) وجه النَّهي مع أنَّ الله تعالى قد فضَّل، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، أي: لا تفضِّلوا تفضيلًا يؤدِّي إلى نقْص أحدهم، أو إلى نزاعٍ وخُصومةٍ، أو لا تفضِّلوا بجميع

стр. 4652

أنواع الفضائل؛ لأن رسول الله ﷺ أفضَلُ على الإطلاق، فالإمام أفضَل من المؤذِّن وإنْ كانت فَضيلة التأذين غيرُ موجودةٍ فيه، ولهذا قوله في موسى: "لا أدري" أن له هذه الفَضيلة، ولا يلزم منها أفضليتُه على غيره، أو المعنى: لا تفضِّلوا من تِلْقاء أنفسكم، ولا أقول: إني خيرٌ من يونُس مِن تِلْقاء نفسي، أو قالَه تواضُعًا وهضْمًا لنفسه، وقيل: المعنى: لا تفضِّلوا من حيث القَدْر المشترك، وهو النبوَّة، كما في: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، أو كان هذا قبل أن يُوحى إليه أنه أفضَل مُطلقًا. (فإذا موسى) لا يُنافي هذا كونَه قد مات، فإنَّ المراد من البعْث الإفاقةُ بقرينة الرِّوايات الأُخرى حيث قال: "أَفاقَ قبْلي"، وهذه الصَّعقة هي غَشْية بعد البَعْث عند نفْخة الفزَع الأكبر. * * * ٣٤١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعْتُ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقْولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّي". الرابع: في معنى ما سبَق. * * *

стр. 4653

٣٦ - بابٌ ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يَتَعَدَّوْنَ يُجَاوِزُونَ فِي السَّبْتِ ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا﴾ شَوَارِعَ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ . (باب: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف: ١٦٣]) قوله: (بئيس)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: ١٦٥]. * * * ٣٧ - بابُ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ الزُّبُرُ الْكُتُبُ، وَاحِدُهَا زَبُورٌ، زَبَرْتُ كَتَبْتُ. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: سَبِّحِي مَعَهُ، ﴿وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ الدُّرُوعَ، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ الْمَسَامِيرِ وَالْحَلَقِ، وَلَا يُدِقَّ الْمِسْمَارَ فَيَتَسَلْسَلَ، وَلَا يُعَظِّمْ فَيَفْصِمَ، ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (باب قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: ١٦٣]) (في السرد) هو اسمٌ جامعٌ للدُّروع، وهو أيضًا تَداخُل الحِلَق بعضِها في بعضٍ.

стр. 4654

(فيسلس)؛ أي: يسهُل، يُقال: فُلانٌ سَلِسُ البَول: إذا كان لا يستَمسِكُه، وفي بعضها: (فيتسَلْسَل)، يُقال: سَلْسَل الماءُ في الحَوض، أي: جَرَى، وماءٌ سَلْسَلٌ: سهْلُ الدُّخول في الحَلْق، هذا أجود من قول بعضهم: إنَّ صوابَه: فيَسلَس، فإنه يقتضي أنَّ (فيَتسلسَل) خطأ. (ينفصم)؛ أي: ينكسِر ويبتَلع. * * * ٣٤١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ ﵇ الْقُرْآنُ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ". ٣٤١٧ / -م - رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . الحديث الأول: (القرآن) المذكور أولًا المراد به: القراءة، والثاني المراد به: التَّوراة والزَّبور. قال التُّوْرِبِشْتي: إنما أطلق عليه القرآن؛ لأنه قصَد به إعجازَهُ من طريق القراءة.

стр. 4655

وفي الحديث: أنَّ الله يَطوي الزَّمان لمن شاء من عباده كما يطوى المكان، وهذا لا سَبيل إلى إدراكه إلا بالفَيض الربَّاني. قال صاحب "النهاية": الأصل في هذه اللَّفظة الجمع، وكلُّ شيء جمعتَه فقد قَرأْتَه، وسمي القُرآن قرآنًا؛ لأنه جَمع الأمر والنهي وغيرهما، وقد يُطلق القُرآن على القراءة. (عمل يده)؛ أي: في الدُّروع، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]، وقال: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١]. (رواه موسى) موصولٌ في "خلْق أفعال العباد"، ووصلَه الإِسْماعيلي أيضًا. * * * ٣٤١٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ أَخْبَرَهُ وَأَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو ﵄ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ: وَاللهِ لأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ" قُلْتُ: قَدْ قُلْتُهُ، قَالَ: "إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ". فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ،

стр. 4656

قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ". قَالَ: قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: "فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ، وَهْوَ عَدْلُ الصِّيَامِ". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ". الثاني: (لا أفضل من ذلك)؛ أي: لمَا فيه من زيادة المشقَّة، وأفْضل العبادات أشقُّها بخلاف الصَّوم الدائم مثلًا؛ فإنَّ الطَّبيعة اعتادت ذلك فسهُلَ عليها. * * * ٣٤١٩ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَمْ أُنَبَّأ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ". فَقُلْتُ نَعَمْ، فَقَالَ: "فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ هَجَمَتِ الْعَيْنُ وَنَفِهَتِ النَّفْسُ، صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ -أَوْ كَصَوْمِ الدَّهْرِ". قُلْتُ: إِنِّي أَجِدُ بِي -قَالَ مِسْعَرٌ: يَعْنِي قُوَّةً- قَالَ: "فَصُمْ صَوْمَ دَاوُدَ ﵇ وَكَانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وَلَا يَفِرُّ إِذَا لَاقَى". الثالث: (هجمت)؛ أي: غارَتْ.

стр. 4657

قال الأصمعي: هجَمتُ كلَّ ما في الضَّرع: إذا حلَبتَ كلَّ ما فيه. (ونفِهت) بكسر الفاء، أي: ضَعُفَتْ، وتَعِبت، ومرَّ في (كتاب التهجد). (ولا يفرّ) مناسبةُ ذكْره: أنَّ صومَهُ ما كان يُضعفُه عن الحَرْب. * * * ٣٨ - بابٌ أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى الله صِيَامُ دَاوُدَ: كَانَ يَنَامُ نِصْفَ الليلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا قَالَ عَلِيٌّ: وَهْوَ قَوْلُ عَائِشَةَ: مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلَّا ناَئِمًا. ٣٤٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِي سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ". الرابع: في معنى ما سبَق. * * *

стр. 4658

٣٩ - بابٌ ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: الْفَهْمُ في الْقَضَاءِ. ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ لَا تُسْرِفْ. ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: نَعْجَةٌ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: شَاةٌ. ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ مِثْلُ ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ ضَمَّهَا. ﴿وَعَزَّنِي﴾ غَلَبَنِي، صَارَ أَعَزَّ مِنِّي، أَعْزَزْتُهُ: جَعَلْتُهُ عَزِيزًا. ﴿فِي الْخِطَابِ﴾ يُقَالُ: الْمُحَاوَرَةُ. ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ الشُّرَكَاءِ ﴿لَيَبْغِي﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أنَّمَا فَتَنَّهُ﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اخْتبَرْناَهُ، وَقَرَأَ عُمَرُ: فتَّنَّاهُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ، ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾. (باب: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٧]) قول مجاهد: (الفهم في القضاء)؛ أي: في الحُكومات. (أكفلنيها)؛ أي: ضُمَّ نعجتَك إلى نِعَاجي. (المحاورة) بالمهملة. * * * ٣٤٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْعَوَّامَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: أَسْجُدُ في ﴿ص﴾؟

стр. 4659

فَقَرَأَ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حَتَّى أَتَى ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ. الحديث الأول: (محمَّد) إما ابن سَلام، وإما ابن المُثنَّى، وإما بَشَّار على الخِلاف. (أُمِرَ) مبنيٌّ للمفعول. وفي هذا الاستدلال مناقشةٌ؛ إذ الرَّسُول ﷺ مأْمورٌ بالاقتِداء بهم في أُصول الدِّين؛ لأنه المتفَق عليه بينهم، لا في فُروعه؛ لأنها مختلِفةٌ، فالاقتِداء بهم فيها يؤدِّي للتَّناقض. * * * ٣٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: لَيْسَ ﴿ص﴾ مِنْ عَزَائِم السُّجُودِ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. الثاني: (من عزائم)؛ أي: المؤكَّدات المأْمور بها، إنما كان يُسجَد فيها موافقةً لداوُد، وشُكرًا لقَبول توبَته، كما رُوي: "سجَدَها أَخِي داوُد تَوبَةً، ونحن نسَجُدها شُكْرًا". * * *

стр. 4660

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح تأليف الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي (المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى تحقيق ودراسة لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب [المجلد العاشر]
следующие страницы →