فَقَرَأَ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حَتَّى أَتَى ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ.
الحديث الأول:
(محمَّد) إما ابن سَلام، وإما ابن المُثنَّى، وإما بَشَّار على الخِلاف.
(أُمِرَ) مبنيٌّ للمفعول.
وفي هذا الاستدلال مناقشةٌ؛ إذ الرَّسُول ﷺ مأْمورٌ بالاقتِداء بهم في أُصول الدِّين؛ لأنه المتفَق عليه بينهم، لا في فُروعه؛ لأنها مختلِفةٌ، فالاقتِداء بهم فيها يؤدِّي للتَّناقض.
* * *
٣٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ، حَدَّثنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: لَيْسَ ﴿ص﴾ مِنْ عَزَائِم السُّجُودِ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا.
الثاني:
(من عزائم)؛ أي: المؤكَّدات المأْمور بها، إنما كان يُسجَد فيها موافقةً لداوُد، وشُكرًا لقَبول توبَته، كما رُوي: "سجَدَها أَخِي داوُد تَوبَةً، ونحن نسَجُدها شُكْرًا".
* * *
стр. 4660
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح
تأليف
الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي
(المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد العاشر]
الثالث:
(مثلي)؛ أي: صِفَتي.
(الفراش) جمع فَراشة، وهي التي تَطير وتَتهافَتُ في السِّراج.
وتمام الحديث سبَق، وفيه: (أنا آخذ بحُجَزكُم عن النَّار، فتَغلِبُوني فتَقتَحِمُون فيها).
ووجْه تعلُّقه بقصَّة داود: أنَّ المقصود ذِكْر ما بعدَه؛ لكن ذكَره الراوي معه كما سمعه معه، أو أنَّ متابعة الأنْبياء موجِبةٌ للخَلاص، كما أنَّ في هذا التَّحاكُم خَلاصُ الكبرى من تلبُّسها بالباطِل، ووبالِه في الآخرة، وخَلاص الصُّغرى مِن ألَم فِراق ولَدها، وخَلاص الابن من القَتْل.
* * *
٣٤٢٧ - وَقَالَ: "كَانَتِ امْرَأتانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا، فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلَّا: الْمُدْيَةُ.
(للكبرى)؛ أي: للمَرأة الكُبرى.
стр. 4669
وإنما خالَف سُليمانُ داوُدَ مع أنهما لا يحكُمان إلا بالحقِّ؛ لأن حُكمهما إنْ كان بالوَحْي فالثَّاني ناسِخٌ له، وإنْ كان بالاجتِهاد فالثَّاني أَصوَب، وإن كانا كلاهما صوابًا.
قال (ك): على أنَّ الضَّمير في: (فقَضَى) يحتمل أنَّه راجِعٌ إلى داوُد، وجاز النَّقض لدليلٍ أَقوى.
وقيل: الصَّغائر جائزةٌ عليه لا سيَّما بالسَّهْو، وفي ما قالَه نظَرٌ، فإنْ قيل: لما اعترفَ الخصمُ بأنَّ الحقَّ لخصمه؛ فكيف حكَم له؟، قيل: لعلَّه عَلِم بالقَرينة أنه لا يُريد حقيقة الإقرار، أو كأنها أقرَّتْ بذلك على تقدير الشَّقِّ.
وهذا كما قال الفُقهاء: إذا قال المقِرُّ للمُقَرِّ له: اجعلْه في الصُّندوق، أو خُذْه، أو زِنْه، أو نحوه؛ فإنه لا يكون إقْرارًا.
وَحَكَمَ به للصُّغرى لأنه ثبتَ عنده ما يقتضي الحُكم، أو أنَّ القَرينة في دينهِ كالبيِّنة.
وقال (ن): استدلَّ سُليمان ﵊ بشفَقة الصُّغرى على أنها أُمُّهُ، وأما الكبرى فما كرهتْ ذلك بل أرادتْه لتُشارِكَها صاحبتُها في المُصيبة بفَقْد ولَدها.
وأما داود فيحتمل أنه قضَى للكُبرى لشَبَهٍ رآه فيهما، أو أنه كان في شريعته التَّرجيح بالكُبرى، ولكونه كان في يَدِها، وكان ذلك مرجحًا في شرعه.
وأما سُليمان فتوصَّل بطريقٍ من المُلاطَفة إلى معرفة باطن القضيَّة، فأوهمها أنه يُريد قَطْعه ليَعرف مَن يَشُقُّ قطْعُه عليها، فلمَّا
стр. 4670
قالت الصُّغرى ما قالتْ عرَف أنها أُمُّهُ، ولم يكن مُراده أنْ يقطَعه حقيقةً، ولعله استَفْرد بالكُبرى فأقرَّتْ بعد ذلك به للصُّغرى، فحكم به لها بإقرارِ صاحبتها لا بمجرَّد الشَّفَقة.
فإنْ قيل: المجتهِد لا ينقُض حكمَ المجتهِد؟، فجوابه: أنَّ ذلك فتوى من داوُد لا حُكم، أو لعلَّ في شرعهم جواز النَّقْض، أو لمَا سبَق من الاحتمالات.
(المدية) بتثليث الميم، سُميت بذلك؛ لأنها تقطَع مَدَى حياةِ الإنسان، وأما السِّكِّين فسُميت بذلك؛ لأنها تُسكِّن حركتَه، وهو يذكَّر ويؤنَّث.
* * *
٤١ - بابُ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾
﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ الإعْرَاضُ بِالْوَجْهِ.
(باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢])
قولهُ: (تُصعر)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: ١٨].
(الإعراض) هو تفسيرٌ لمصدر (تصعِّر)؛ لأنه مستلزمٌ له.
* * *
стр. 4671
٣٤٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا نزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ : "أَيُّنَا لَمْ يَلْبِس إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَنَزَلَتْ ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
٣٤٢٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونس، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نزَلَتِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: "لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، ألَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهْوَ يَعِظُهُ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.
الحديث الأول، والثاني:
(ولم يلبسوا)؛ أي: لم يخلطوا، وإنما أمكن خلطه بالكفر، لأنَّ التصديق بالله لا ينافي جعل الأصنام آلهة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦].
﴿لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، أي: أن الظلم وإن كان عامًّا للشرك وغيره؛ لكن المراد به في الآية الشرك.
وسبق شرحه في (باب: ظلم دون ظلم)، وفي (كتاب الإيمان).
* * *
(عتيًّا)، قال في "الكشاف ": هو اليبسُ في المفاصل والعظام، يقال: عتا العود، وَعَسَا، من أجل الكبر والطعن في السِّنِّ، وقرأ حمزة، والكسائي بكسر العين، وابن مسعود بفتحها، وقرأ مجاهد: (عُسيًّا)، أي: بالسين.
قال الأصمعي: عسى الشيخ يَعسُو عَسِيًّا: ولَّى وكَبِر، مثل: عتا.
(حفيًّا)؛ أي: لطيفًا.
(عاقرًا) يقال للمرأة والرجل.
* * *
٣٤٣٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قتَادَةُ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: أَنَّ نبِيَّ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ: "ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّد، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ، قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ".
الحديث الأول:
(ابنا خالة)؛ أي: كل واحد منهما ابن خالة الآخَر، ولعلَّ هذه
стр. 4674
القرابة هي سبب اجتماعهما في سماءٍ واحدةٍ، وأُمُّ يحيى: إِيْشَا، بالهمز، والياء، والمعجمة، أُخت مريم، وأُمها: حَنَّة، بفتح المهملة، وشدة النون.
(وآل عمران)، إن قيل: فكيف يكون آل عمران بعضَ آل إبراهيم؟، وكيف يكون بعض آل إبراهيم آل محمد ﷺ ؟، وبينهم مُدَدٌ متطاولةٌ؟، قيل: حاصل ما قالوه: إنَّ المؤمنين هم آلهم، فالكل متناسلون، يتشعَّب بعضهم من بعضٍ، كما قال تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤].
والمرادُ بـ (ياسين): هو ما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٢٣]، وقيل: هو إدريس، وقيل: غير ذلك، والآل أصله: أهل، فقلبت الهاء وهُمِز، بدليل تصغيره على أُهيل، وهو يردُّ الشيء لأصله.
* * *
٤٤ - بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَآلُ عِمْرَانَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ
стр. 4675
عِمْرَانَ، وَآلِ يَاسِينَ، وَآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، يَقُولُ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَيُقَالُ: آلُ يَعْقُوبَ، أَهْلُ يَعْقُوبَ. فَإِذَا صَغَّرُوا ﴿ءَالِ﴾ ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الأَصْلِ قَالُوا: أُهَيْلٌ.
٣٤٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا". ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
الثاني:
(فيستهل) هو الصياح عند الولادة.
(غير مريم وابنها)، لا ينافي هذا قوله في (باب إبليس): (غير عيسى)، ولم يذكر أُمَّهُ؛ لأن الحَصْرَ هناك بالنسبة إلى الطعن بالأصبع في الجَنْب، وهنا في المس، وهما مختلفان، أو العطف تفسيري، والقصد الابن، كأعجبني زيد وكرمُه، والقصد الكرَمُ، أو ذلك قبل الوحي إليه: بأن حكم أُمِّ عيسى حكمه في ذلك.
* * *
стр. 4676
٤٥ - بابٌ ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ يُقَالُ: يَكْفُلُ يَضُمُّ، كَفَلَهَا ضَمَّهَا، مُخَفَّفَةً لَيْسَ مِنْ كَفَالَةِ الدُّيُونِ وَشِبْهِهَا .
٣٤٣٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَعْفَرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ﵁ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ".
(باب ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢])
قوله: (نسائها)؛ أي: نساء الأرض، نقل عن وكيع، وقال: (ع): أي: من خير نساء الأرض، وقال (ن): أي: خير نساء الأرض في عصرها.
قال (ك): ويحتمل أن يراد بالأول: نساء بني إسرائيل، وبالثاني: نساء العرب، والأول: تلك الأُمة، والثاني: هذه الأُمة.
وأما الجمع بين هذا وبين ما سبق أن فضل عائشة كفضل الثَّريد:
стр. 4677
بأنْ يُقيَّد لفْظ (النساء) في الحديثين بعصرها.
قال (ش) في (خير نسائها): أنه يشكل على قاعدة العربية، فإنه ظاهر في جواز: زيد أفضل إخوته، وقد اتفقوا على منعه، وفيه وجهان:
أحدهما: أن يجعل: (خير) لا بمعنى التفضيل.
وثانيهما وهو الأصح: أن الضمير راجع للدنيا، كما في: زيد أفضل أهل الدنيا، ويجوز أن يكون على تقدير مضاف محذوف، أي: خير نساء زمنها مريم، فيعود الضمير على مريم، وإنما جاز أن يرجع الضمير للدنيا وإن لم يجر لها ذكر؛ لأنه يفسره الحال والمشاهدة، ومعنى ذلك: أن كل واحدة منهما خير عالمها في وقتها.
* * *
٤٦ - بابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
﴿يُبَشِّرُكِ﴾ وَيَبْشُرُكِ وَاحِدٌ. ﴿وَجِيهًا﴾ شَرِيفًا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْكَهْلُ الْحَلِيمُ، وَالأَكْمَهُ مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَنْ يُولَدُ أَعْمَى.
(باب قول الله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥])
стр. 4678
قوله: (الصديق) بكسر الصاد.
* * *
٣٤٣٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ، كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ".
٣٤٣٤ - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ، أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ". يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ.
تَابَعَهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(ركبن الإبل) كنايةٌ عن نساء العرب.
(أحناه)؛ أي: أشفقُه وأعطَفُه، والحانية على ولَدها هي التي تقوم عليه بعد اليُتم فلا تتزوَّج، وكان القياس أحناهنَّ؛ لكن قالوا: العرب في مثله لا يتكلمون به إلا مفردًا.
قال (ش): الأفصح في جمع التكسير إنْ كان جمعَ كثرةٍ أن يكون
стр. 4679
الضمير للوَحْدة، نحو: الجُذوع تنكسر، وإنْ كان جمع قلَّةٍ أن يكون الضمير للجماعة، نحو: الأَجذاع ينكسِرون، قال تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، لما عاد الضمير إلى اثنا عشر، وقال: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]، لمَّا عاد إلى أربعةٍ، ودون ذلك في الفصاحة أن يكون مفردًا مذكَّرًا، نحو: هذا أحسن الفتيان وأجملُهُ، ومنه هذا الحديث.
(ذات يده)؛ أي: ماله المضاف إليه.
وفيه فضيلة نساء قريش، وفضل هذه الخصال، وهي الحنوّ على الأولاد، والشفقة عليهم، وحسن تربيتهم، ومراعاة حق الزوج في ماله، وحفظه، والأمانة فيه، وحسن تدبيره في النفقة، وغيرها.
(تابعه ابن أخي الزهري، وإسحاق الكلبي) وصلَهما في "الزُّهْريات".
* * *
٤٧ - قَوْلُهُ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ كُنْ فَكَانَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَرُوحٌ
فزاد على الثلاثة: (صاحب يوسُفَ)، أي: المذكور في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، وهو ابن خالة زَلِيْخا، وفي "الكشاف": أربعةٌ: ابن ماشِطة فِرعون، وشاهد يوسُف، وصاحِب جُرَيج، وعيسى ﵇، وذكَر الطَّبراني: عن ابن عبَّاس: أنَّ ابن ماشِطة فِرعون تكلَّم في المَهْد.
وقال ابن الجَوزي: إنَّ بنت فرعون أخبرتْه بأنَّ ماشطتَها أسلمتْ، فأمَر بإلقائها وإلقاء أولادها في النار، فلمَّا جاءت نَوبة آخِر ولدها وكان مُرْضَعًا قال: اصبِري يا أُمَّاه، فإنَّك على الحقِّ.
واتفق ذلك لنبينا ﷺ في خبَرٍ، ذكره الدَّارَقُطْني وغيره، فهؤلاء سبعةٌ.
قال (ك): أو أن النبي ﷺ قال ذلك قبْل أن يعلم بغير الثلاثة، أو أنَّ قول بعض المفسِّرين ليس بحجةٍ، وأن حكاية الماشطة لم تثبُت.
(أو أصلي)؛ أي: تردد جُريج في نفسه أنه يجيبها، أو يتم الصلاة.
(المومسات): الزانيات.
(وسبُّوه) بتشديد الموحدة.
وسبقت قصة جُريج في (باب: إذا دعت الأُمُّ ولدها في الصلاة).
(ذو شارة) بمعجمةٍ، وراء، الشَّارة: اللباسُ، والهيئة الحسَنة، أي: يتعجب منها ويشار إليها.
٣٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "رَأَيْتُ عِيسَى وَمُوسَى وإبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ".
الثالث:
(عن ابن عُمر) صوابه: ابن عباس.
قال الحافظ أبو ذَرٍّ: ما في سائر الروايات المَسمُوعة عن الفِرَبْرِي: ابن عُمر، فلا أدري، هكذا حدَّثَ به البخاري، أو غَلِطَ فيه الفِرَبْرِيُّ؛ لأني رأيتُه في سائر الروايات عن ابن كثير وغيره، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس، وهو الصَّواب.
وقال غيره: المَحفُوظ عن ابن عُمر ما سيذكُره البخاري بعدُ من رواية سالم عنه أن هذا الوصف -أعني: الجَسيم- في صفة الدجَّال.
وقال التَّيْمي: إن بعض لفظ الحديث دخل في بعضٍ؛ لأن (الجسيم) إنما ورد في صفة الدجَّال.
وأجاب بعضُهم: بأنَّ الجَسيم قد لا يكون باعتبار السِّمَن، بل باعتبار الطُّول، فمعناه طُوالٌ، كما هو صريح في الرواية الأُخرى.
(سبط) بفتح الموحدة، وكسرها، وسكونها.
(الزُّطّ) بضم الزاي، وتشديد المهملة: قومٌ سُودٌ، قيل: من الهنُود، وقيل: نوعٌ من السُّودان.
* * *
بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ رَأَيْتُ رَجُلًا وَرَاءَهُ جَعْدًا قَطَطًا أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ".
تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ.
(آدم) هذا يُؤيد أنَّ مجاهدًا يَروي عن ابن عبَّاس لا عن ابن عُمر؛ لمَا صرَّح بأنَّه أحمر.
(من أُدم الرجال)؛ أي: من سُمرهم؛ لكن هذا لا يُخالف الرِّواية السابقة في عيسى أنَّه أحمر.
(لِمّته) بكسر اللام، وتشديد الميم: الشَّعر المتدلِّي المُجاوِز شحمةَ الأُذُنين؛ لأنها لمَّتْ بالمنكبين، فإذا بلَغ المنكبين فهو جُمَّةٌ، فإذا بلغت شحمة الأُذن فهي وَفْرة.
(رجل الشعر) لا يُنافي هذا ما سبق أنَّ عيسى جَعْد الشعر؛ لأن المراد هناك جُعودة الجسم، وهو اجتِماعُه واكتنازه، لا الشَّعر.
(يقطر)؛ أي: بالماء الذي رجَّلَها به؛ لقُرب ترجُّله، أو هو استعارةٌ عن نَضارته وجماله.
(قطط) بفتح القاف، والمهملة الأُولى: شَديدُ الجُعودة، قالوا: الجَعَد في صِفة عيسى ﵇ مدْحٌ، وفي صفة الدجال ذمٌّ.
стр. 4688
(عين اليمنى) من إضافة الموصوف إلى صفته بلا تأْويلٍ عند الكوفيين، ويُقدِّره البصريون: عَيْن صَفْحة وجْهه اليُمنى.
(رأيت) بضم التاء وفتحها.
(ابن قَطن) بفتح القاف، والمهملة: عبد العُزَّى الجاهِل الخُزاعي، ومنْع الدجَّال من دُخول مكة إنما هو في حال خُروجه، وفتْنته، ودَعواه الباطلة، فلا يُعارِض ذلك أحاديثَ المنْع.
(تابعه عُبيد الله) وصلَه مسلم.
* * *
٣٤٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَا وَاللهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِيسَى أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً -أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً- فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ، فَذَهَبْتُ ألتَفِتُ، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأْسِ، أَعْوَرُ عَيْنِهِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا هَذَا الدَّجَّالُ، وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ". قَالَ الزُّهْرِيُّ: رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
الخامس:
(لا والله) استُشكل بأنه كيف طعن في رواية أحمر؟، وأُجيب:
стр. 4689
بأنه اشتَبه على الراوي، وأما حَلِفُه وهو قريبٌ من شهادة النَّفي؛ فإنما هو بناءً على ما سمعه من رسول الله ﷺ قطْعًا يقينًا أنَّه آدَم، وليس غيره، ويجوز أن يُؤَوَّل ويُجمع بينهما بأنه ليس بأحمر صِرْفًا، بل مائلٌ إلى الأُدْمة.
(يهادى)؛ أي: يمشي مُتمايلًا إلى أحَد الطَّرَفين، منكبًّا على رجُلين.
(ينطف) بضم الطاء وكسرها.
(يُهراق) بضم الياء، وفتح الهاء، وقيل: بسكونها.
(ماءً) مفعولٌ به، والمعنى: يُريق الماءَ، ويأتي فيه ما في (يُهراق الدِّماء)، وقد سبق.
(أعور عينه) بجرِّ (عينِه) بالإضافة، ورواه الأَصِيْلِي برفع (عينه) مبتدأً مخبرًا عنه بما بعدَه، أو بدلٌ من الضمير في (أعور) الرَّاجِع على الموصُوف بدَلَ بعضٍ من كُلٍّ.
قال السُّهَيْلي: ولا يجوز أن يرتفِع بالصفة كما ترفع الصفة المشبَّهة؛ لأن (أَعوَر) لا يكون إلا نعتًا لمذكَّر.
(كأن عينه عنبة (١) طافية) بالنصب على اسمِ (كأن)، والخبر مقدَّرٌ، وإنما يجوز في: (كأَنَّ) و (إنّ) حذْف الخبر إذا أوقعتَهما على النَّكِرات؛ فإنْ أوقعتَهما على المعرفة لم يجُز الحذْف،
стр. 4690
وأنشد سِيْبَويْهِ:
إِنَّ مَحِلًّا وإِنَّ مُرْتَحَلًا
أي: إنَّ لنا مَحِلًا.
وكأنه قال في الحديث: كأنَّ في وجهه، ولم يجيء الحذف مع المعرفة إلا نادرًا بقَرينة حالٍ، كقوله ﷺ للمهاجرين: "أتعرفُون ذلك؟ "، يعني: الأنصار، قالوا: نعم، قال: "فإن ذلك"، أي: فإن ذلك يُشكر لهم.
ويروى: (عينه طافيةٌ) بالرفع، فهو جائزٌ، ولكن بتخفيف النون، من (كأن)، ويُروى: (أعورُ عينِهِ)، بالإضافة، فهو من باب قولهم: حسنُ وجهِه، بالإضافة، وهو بعيدٌ في القياس؛ لأنه جمعٌ بين طرَفي نقيضٍ: نقْل الضمير إلى الصفة مع بقائه في اللفظ مضافًا إليه الوجه، وإنما الأصل أن يكون الوجه مرفوعًا مع الهاء، ومنصوبًا، أو مخفوضًا مع نقل الضمير إلى الصِّفة، وقد منَعها الزَّجَّاجي، وزعم أن جميع الناس خالَف فيها سِيْبَوَيْهِ، وسِيْبَوَيْهِ لم يُجِزْها قياسًا، وإنما أخبَر أنها جاءت في الشِّعر، وأنشد:
كميت الأعالي حرسًا مصطلاها
واعترف سِيْبَوَيْهِ برداءة هذا الوجه، ولكنْ ذكَره الفالي أبو علي في غير الشِّعر، وهو ثقةٌ، في صفة النبي ﷺ : (شَثْنُ الكفَّين، طَويلُ أَصابعِه)، وقال: هكذا رويتُه بالخفْض، وذكَر الهرَوي وغيره في
стр. 4691
حديث أُمِّ زَرْع: (صِفْرُ ردائِها، ومِلْءُ كسائها).
(ابن قطن) هو عبد العُزَّى بن قطَن بن عمرو بن حَبِيْب، أُمُّهُ هالة بنت خُويلد، أُخت خديجة.
وفي "طبقات ابن سعد": أكثَم بن أبي الجَون، عبد العُزَّى بن مُنقِذ، قال فيه ﷺ : "أشبَه مَن رأَيتُ به، يعني: الدجَّال، أكثَم بن أبي الجَوْن"، فقال أكثَم: يا رسولَ اللهِ، هل يضرُّني شَبَهي إيَّاه؟، قال: "لا، أنت مسلمٌ، وهو كافرٌ".
وقال ابن مَنْدَه في أكثَم: إنَّ النبي ﷺ شبَّهه بعَمْرو بن لُحَيٍّ لا بالدجَّال.
* * *
٣٤٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، وَالأَنْبِيَاءُ أَولَادُ عَلَّاتٍ، لَيسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نبِيٌّ".
٣٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ".
стр. 4692
٣٤٤٣ / -م - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
السادس:
(أولى)؛ أي: أقرب، وقيل: أخصُّ؛ إذ لا نبيَّ بينهما، وأنه مبشِّرٌ بأنه يأتي بعده، واسمه: أحمد، في آخِر الزمان، وأنه بعد نُزوله متابعٌ لشريعته، ناصرٌ لدينه.
ولا يعارض هذا قولَه تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]؛ لأن الحديث واردٌ في كون النبي ﷺ مَتبوعًا، والقرآن في كونه تابِعًا، وله الفَضْل تابعًا ومَتبوعًا.
وعُلم منه أنَّ ما يقال: إنَّ بينهما خالد بن سِنَان لا اعتبارَ له.
(عَلاّت) بفتح المهملة، وشدة اللام بمثناةٍ: الإخوة لأبٍ من أُمهات شتَّى، كما أن الإخوة من الأُمِّ فقط أولاد أَخْيَاف، ومن الأبوين أولاد أَعيَان.
والمعنى: أن أُصولهم واحدة، وفروعهم مختلفةٌ، أي: متفقون في العقائد، مختلفون في الأحكام العملية، وهي الفقهيات.
(أُمهاتهم شتى) هو تفسيرٌ لـ (عَلَّات)، مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]، وأصل العَلَّات: الضَّرائِر.
* * *
стр. 4693
٣٤٤٤ - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَى عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي".
السابع:
(آمنت بالله وكذبت عيني) بتخفيف الذال للمُستَمْلي، وتشديدها للحَمُّوي وأبي الهيْثَم، وهو الصَّواب؛ لأنه رُوي في "الصَّحيح" من رواية مَعْمر: (وكذَّبْتُ نفْسي)، ذكره الحُمَيدي في "جامعه".
ثم هو على المبالغة في تصديق الحالف، لا أنه كذَّب عينه حقيقةً، وقيل: أراد أنه صدَّقه في الحكم؛ لأنه لم يحكُم بعلْمه.
وقال (ع): ظاهره: صدَّقت من حلَف بالله، وكذَّبت ما ظهَر لي من ظاهر سَرِقته، فلعلَّه أخذَ ما له فيه حقٌّ، أو لم يقصِد الغَصْب، أو ظهَر له من مدِّ يده أنَّه أخذ شيئًا، فلمَّا حلَف أسقط ظنَّه، ورجَع عنه.
قال (ك): جعل لفظ: (بالله)، متعلِّقًا بمحذوف، ولا حاجةَ إليه؛ لاحتمال أن يتعلق بلفظ: (آمنت).
* * *
٣٤٤٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عُمَرَ ﵄ -
стр. 4694
يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ".
الثامن:
(لا تطروني) الإطراء: المدح بالباطل، وذلك أنهم اتخذوه إلهًا، حيث قالوا: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، ودعَوهُ ولدَ إلهٍ، فقالوا: المسيح ابن الله، تعالى عما يشركون، وذلك من إفراطهم في مدحه، ولهذا المعنى -والله أعلم- هضَم النبي ﷺ نفْسَه بقوله: "لا تُفضِّلوني على يُونس بن مَتَّى" شفَقًا أن يُطروه، ويقولوا فيه باطلًا.
* * *
٣٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا صَالِحُ ابْنُ حَيٍّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَالَ لِلشَّعْبِيِّ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَخْبَرَني أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَدَّبَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، كَانَ لَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا آمَنَ بِعِيسَى ثُمَّ آمَنَ بِي، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْدُ إِذَا اتَّقَى رَبَّهُ وَأَطَاعَ مَوَالِيَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ".
التاسع:
سبق في (العلم)، في (باب: تعليم الرجل أمته).