حديث أُمِّ زَرْع: (صِفْرُ ردائِها، ومِلْءُ كسائها).
(ابن قطن) هو عبد العُزَّى بن قطَن بن عمرو بن حَبِيْب، أُمُّهُ هالة بنت خُويلد، أُخت خديجة.
وفي "طبقات ابن سعد": أكثَم بن أبي الجَون، عبد العُزَّى بن مُنقِذ، قال فيه ﷺ : "أشبَه مَن رأَيتُ به، يعني: الدجَّال، أكثَم بن أبي الجَوْن"، فقال أكثَم: يا رسولَ اللهِ، هل يضرُّني شَبَهي إيَّاه؟، قال: "لا، أنت مسلمٌ، وهو كافرٌ".
وقال ابن مَنْدَه في أكثَم: إنَّ النبي ﷺ شبَّهه بعَمْرو بن لُحَيٍّ لا بالدجَّال.
* * *
٣٤٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ، وَالأَنْبِيَاءُ أَولَادُ عَلَّاتٍ، لَيسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نبِيٌّ".
٣٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ".
стр. 4692
٣٤٤٣ / -م - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
السادس:
(أولى)؛ أي: أقرب، وقيل: أخصُّ؛ إذ لا نبيَّ بينهما، وأنه مبشِّرٌ بأنه يأتي بعده، واسمه: أحمد، في آخِر الزمان، وأنه بعد نُزوله متابعٌ لشريعته، ناصرٌ لدينه.
ولا يعارض هذا قولَه تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]؛ لأن الحديث واردٌ في كون النبي ﷺ مَتبوعًا، والقرآن في كونه تابِعًا، وله الفَضْل تابعًا ومَتبوعًا.
وعُلم منه أنَّ ما يقال: إنَّ بينهما خالد بن سِنَان لا اعتبارَ له.
(عَلاّت) بفتح المهملة، وشدة اللام بمثناةٍ: الإخوة لأبٍ من أُمهات شتَّى، كما أن الإخوة من الأُمِّ فقط أولاد أَخْيَاف، ومن الأبوين أولاد أَعيَان.
والمعنى: أن أُصولهم واحدة، وفروعهم مختلفةٌ، أي: متفقون في العقائد، مختلفون في الأحكام العملية، وهي الفقهيات.
(أُمهاتهم شتى) هو تفسيرٌ لـ (عَلَّات)، مثل: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ١٩ - ٢١]، وأصل العَلَّات: الضَّرائِر.
* * *
стр. 4693
٣٤٤٤ - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَى عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي".
السابع:
(آمنت بالله وكذبت عيني) بتخفيف الذال للمُستَمْلي، وتشديدها للحَمُّوي وأبي الهيْثَم، وهو الصَّواب؛ لأنه رُوي في "الصَّحيح" من رواية مَعْمر: (وكذَّبْتُ نفْسي)، ذكره الحُمَيدي في "جامعه".
ثم هو على المبالغة في تصديق الحالف، لا أنه كذَّب عينه حقيقةً، وقيل: أراد أنه صدَّقه في الحكم؛ لأنه لم يحكُم بعلْمه.
وقال (ع): ظاهره: صدَّقت من حلَف بالله، وكذَّبت ما ظهَر لي من ظاهر سَرِقته، فلعلَّه أخذَ ما له فيه حقٌّ، أو لم يقصِد الغَصْب، أو ظهَر له من مدِّ يده أنَّه أخذ شيئًا، فلمَّا حلَف أسقط ظنَّه، ورجَع عنه.
قال (ك): جعل لفظ: (بالله)، متعلِّقًا بمحذوف، ولا حاجةَ إليه؛ لاحتمال أن يتعلق بلفظ: (آمنت).
* * *
٣٤٤٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعَ عُمَرَ ﵄ -
стр. 4694
يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ".
الثامن:
(لا تطروني) الإطراء: المدح بالباطل، وذلك أنهم اتخذوه إلهًا، حيث قالوا: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، ودعَوهُ ولدَ إلهٍ، فقالوا: المسيح ابن الله، تعالى عما يشركون، وذلك من إفراطهم في مدحه، ولهذا المعنى -والله أعلم- هضَم النبي ﷺ نفْسَه بقوله: "لا تُفضِّلوني على يُونس بن مَتَّى" شفَقًا أن يُطروه، ويقولوا فيه باطلًا.
* * *
٣٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا صَالِحُ ابْنُ حَيٍّ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَالَ لِلشَّعْبِيِّ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَخْبَرَني أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أَدَّبَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، كَانَ لَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا آمَنَ بِعِيسَى ثُمَّ آمَنَ بِي، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْدُ إِذَا اتَّقَى رَبَّهُ وَأَطَاعَ مَوَالِيَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ".
التاسع:
سبق في (العلم)، في (باب: تعليم الرجل أمته).
(فيكسر الصليب)؛ أي: يبطل النصرانية.
وسبق الحديث في آخر (البيع)، و (الجزية).
(ويقتل الخنزير) قال (خ): معناه تحريم اقتنائه وأكله.
وفيه أنهُ نجسٌ، وأن سُؤره حرامٌ؛ لأن الطَّاهر المنتفَع به لا يُؤمر بإتلافه.
(ويضع الجزية)؛ أي: يضربها على مَن لم يُؤمن، وقيل: لا يأخذُها؛ لعدم احتياج الناس إليه؛ لما تُخرج الأرض من بركاتها؛ ولما تُلقيه من الأموال، وهو معنى قوله بعده: (ويفيض المال) بفتح الياء، أي: يكثُر.
وقال (خ): معنى وضْع الجِزْية: أن تكون الأديان كلُّها واحدًا، وهو الإسلام، فلا يبقَى ذميٌّ يؤدِّي جزيةً.
(حتى تكون السجدة) إلى آخره، أي (١): تكون خيرًا من إعطاء الدنيا وما فيها؛ لأنه لا يمكن حينئذٍ التقرُّب بالمال، وإلا فمعلومٌ أنَّ السَّجدة الواحدة دائمًا خيرٌ من الدنيا وما فيها، لأن الآخرةَ خيرٌ وأبقى.
وقال التُّوْرِبِشْتي: معناه أن النَّاس يرغَبون عن الدُّنيا، حتى تكون السجدة الواحدة أحبَّ إليهم من الدُّنيا وما فيها.
* * *
стр. 4698
٣٤٤٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَيْفَ أَنْتُم إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وإمَامُكُمْ مِنْكُمْ".
تَابَعَهُ عُقَيْلٌ وَالأَوْزَاعِيُّ.
الثاني:
(وإمامكم منكم)؛ أي: رجلٌ منكم، أي: لا يتأَمَّر عليكم، ولا يأتكم، كما في "مسلم": أنه "يُقال له: صَلِّ لنا، فيقول: لا، إنَّ بعضَكم على بعضٍ أُمراء، تكرمةً لهذا الأُمة".
ويحتجُّ به مَن يرى عدَم خلوِّ العصر عن القائم لله تعالى بالحجَّة.
وحكى الجَوْزَقي عن بعضهم أنَّ معناه: يصير منكم بالجماعة، أو وَضَعَ المُظْهَر موضعَ المضمَر؛ تعظيمًا له، وتربيةً للمهابة، يعني: هو منْكم، والغرَض أنه خليفتكم، وهو على دينكم.
(تابعه عقيل) وصلَه ابن مَنْدَه في كتاب "الإيمان".
(والأوزاعي) وصلَه البيهقي.
* * *
(تابعه جابر وأبو هريرة) موصولان في (البيوع).
* * *
٣٤٦١ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ أَبِي كَبْشَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
الحادي عشر:
(ولو آية) قال البَيْضاوي: أي: مِن القُرآن، هذا مع تكفُّل الله بحفْظه، فتبليغ الحديث بطريق أَولى.
وقال ابن حِبَّان في: "صحيحه": فيه دليلٌ على أن السُّنَن يُقال لها: آيٌ، قيل: وفيه نظَرٌ، إذ لا ينحصِر عنه التبليغ في السُّنن، بل القُرآن كذلك كما سبق.
وقيل: المراد بالآية: العلامة الظاهِرة، أي: ولو كان المبلَّغ فعلًا، أو إشارةً، ونحوهما.
(وحدثوا عن بني إسرائيل) هو أمرٌ إباحةٍ، إذ لا وُجوبَ ولا نَدْبَ فيه بالإجماع.
(ولا حرج)؛ أي: إذا بلَغك عنهم حديثٌ فلا حرَج عليك في أدائه، لا أنه يجوز الافتِراء عليهم بخلاف حديثِ الرسول ﷺ ، فإنَّه
стр. 4707
لا يجوز التَّبليغ إلا بالإسناد عن الثِّقات.
قال (خ): لا حرجَ إذا بلَّغتَ عنهم ذلك حقًّا، أو غير حقٌّ؛ لأنَّ شرعهم لا يلزمُنا، بخلاف الحديث عن النبي ﷺ ، فلا يجوز إلا عن ثقةٍ؛ ليؤمنَ به الكذب على رسول الله ﷺ .
وقال الشافعي: معنى ذلك: حدِّثوا عنهم، وإنْ استحال مثلُه في هذه الأُمة، مثل: نُزول نارٍ من السَّماء تأكل القُربان ونحوه، وليس له أن يحدِّث عنهم بالكذب.
* * *
٣٤٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ، فَخَالِفُوهُمْ".
الثاني عشر:
(لا يصبغون) بفتح الموحدة، وضمها.
(فخالفوهم)؛ أي: اصبغوا أنتم لِحَاكُم.
قال الشَّافعية: يستحبُّ خِضاب الشَّيب للرجل والمرأة بالحُمرة والصُّفرة كالحِنَّاء والزَّعْفران.
* * *
стр. 4708
٣٤٦٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي هَذَا الْمَسْجدِ، وَمَا نَسِينَا مُنْذُ حَدَّثَنَا، وَمَا نَخْشَى أَنْ يَكُونَ جُنْدُبٌ كَذَبَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ".
الثالث عشر:
(محمد) قال الحاكم: هو ابن يحيى الذُّهْلِي، وقيل: محمد بن مَعْمر، وعليه الأكثر.
(المسجد)؛ أي: مسجد البصرة، وذكر مثل هذه القُيود للإشعار بحُسْن الضَّبْط، وكمال الحفْظ.
(فجزع) بكسر الزاي، قيَّده الجَوْهَري، وقال: إنهُ نقيض الصبر.
(فحز)؛ أي: قطَع.
(رقأ) بالهمز، أي: انقطَع، وأرقأَ الله دمعَه، أي: أَسكنَه.
(بادرني عبدي بنفسه) قيل: يحتمل أنه كان كافرًا؛ لقوله: "فحرَّمتُ عليهِ الجنَّةَ"، ويحتمل أنَّ المراد التَّغليظ عليه، أو يُحرِّمُها عليه في أوَّل الأمر، لا في آخره.
* * *
(الله) فاعل، أي: حكَم وأرادَ، وقال (خ): معناه: قضى؛ لأن قضاءه سابقٌ. ورواه بعضهم: (بَدَا)؛ أي: ظهَر، من البُدوِّ، وهو غلَطٌ؛ لأنه ممتنعٌ على الله تعالى، وكذا قال ابن قُرقُول: ضبطناه على متقني شيوخنا بالهمز، ورواه بعضهم بلا همز، وهو خطأٌ؛ لأن البَداء محالٌ على الله تعالى إلا أن يُتأوَّل بمعنى: أراد، وفي "مسلم": (أراد الله)، أو أن المراد: سبَق في علم الله، فأراد فعلَه وإظهاره.
(قذرني) بكسر المعجمة: كَرهوني، وفي بعضها: (قذَرُوني)، نحو: أكلُوني البراغيثُ.
(شك) الموافِق لما في "شرح مسلم" وغيره: أن الضمير راجعٌ إلى إسحاق.
(عشراء) هي الناقة التي أتى على حملها عشرة أشهرٍ، وهي من أنفس الإبل.
(شاة والدًا)؛ أي: حاملًا، والشاة تذكَّر وتؤنَّث.
(فأنتج) قيل: هو خلاف قول أهل اللغة: نُتجت الناقة، بضم النون، ونتَجها أهلُها، ويقال: أنتَجت الفرس، أي: حملَت، فهي نتَوج، ولا يقال: مُنتِج.
(هذان)؛ أي: الإبل والبقر.
(وولَّد هذا) بتشديد اللام، راعى العُرف في استعمال الولادة في الشاة، وفي الأولَين: أنتج.
стр. 4712
(الحبال) بالمهملة، والموحدة: جمع (١) حبْل، وهو: الوِصال، أي: الأسباب التي يقطعُها في طلب الرزق، كالرَّسَن، وقيل: العقَبات.
وفي بعضها بالجيم، قال (ش): رُوي بها، لكن بضم المثنَّاة مِن تقطَّعت.
(بلاغ)؛ أي: كفايةٌ، وتبلَّغ بكذا، أي: اكتفَى به.
(يقذَرك) بفتح الدال.
(كابرًا عن كابر)؛ أي: كبيرًا عن كبيرٍ في العزِّ والشرف.
(فصيرك) هو جواب الشرط، وإنما دخلت الفاء فيه؛ لأنه دعاءٌ.
(أجهدك)؛ أي: بلَّغك غايةً، أي: لك ما تُريد، أو لا أشقُّ عليك، أو لا أشدِّد.
وفي بعضها: (لأحمدك) بلام، وأحمدك من الحمْد، وفي بعضها: (لا أحمدك) بـ (لا) النافية، ولعلَّه من قولهم: فلانٌ يتحمَّد عليَّ، أي: يمتنُّ، يُقال: مَن أنفَق مالَه على نفسه، فلا يتحمَّدْ به على الناس.
وقال (ن): معناه لا أحمدك بترْك شيءٍ تحتاج إليه، فتكون لفظة الترك محذوفةً، كقول الشاعر:
ليسَ علَى طُول الحياةِ نَدَمُ
أي: فوات طولها.
стр. 4713
وقال (ش): هو بالحاء والميم بلا خلافٍ في البخاري، ولبعض رواة مسلم بالجيم والهاء، وقال بعضهم: هو بإسقاط الميم، أي: لا أجدُك، أي: لا أمنعُك شيئًا، وهذا تكلفٌ وتغيير للرواية.
(رَضِيَ) مبنيٌّ للمفعول، وكان هو خير الثَّلاث، وكان مزاجه أقرب للسلامة من مزاجهما؛ لأن البرَص لا يحصُل إلا من فسادٍ في المزاج، وخللٍ في الطبيعة، وكذلك ذهاب الشعر، بخلاف العمى؛ فإنه لا يستلزم فساده، وقد يكون من أمرٍ خارجيٍّ.
* * *
٥٢ - ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾
الْكَهْفُ الْفَتْحُ فِي الْجَبَلِ، وَالرَّقِيمُ الْكِتَابُ، مَرْقُومٌ مَكْتُوبٌ مِنَ الرَّقْمِ، ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ أَلهَمْنَاهُمْ صَبْرًا. ﴿شَطَطًا﴾ إِفْرَاطًا. الْوَصِيدُ الْفِنَاءُ، وَجَمْعُهُ وَصَائِدُ وَوُصُدٌ، وَيُقَالُ: الْوَصِيدُ الْبَابُ، ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ مُطْبَقَةٌ، آصَدَ الْبَابَ، وَأَوْصَدَ. ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ أَحْيَيْنَاهُمْ. ﴿أَزْكَى﴾ أَكثَرُ رَيْعًا. فَضَرَبَ اللهُ عَلَى آذَانِهِمْ فَنَامُوا. ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ لَمْ يَسْتَبِنْ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ تَتْرُكُهُمْ.
(باب): ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ﴾ [الكهف: ٩])
قوله: (الوصيد) يقال: أوصدتُ البابَ، وآصدتُه: أغلقتُه.
(ريعًا)؛ أي: نماءً وزيادةً، قال تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾
لَيْلَةً، فَجئْتُ وَقَدْ رَقَدَا وَأَهْلِي وَعِيَالِي يَتَضَاغَوْنَ مِنَ الْجُوعِ، فَكُنْتُ لَا أَسْقِيهِمْ حَتَّى يَشْرَبَ أَبَوَايَ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَهُمَا فَيَسْتكِنَّا لِشَرْبَتِهِمَا، فَلَمْ أَزَلْ أَنْتَظِرُ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا. فَانْسَاحَتْ عَنْهُمُ الصَّخْرَةُ، حَتَّى نَظَرُوا إِلَى السَّمَاءِ. فَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنْ كنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ لِي ابْنَةُ عَمٍّ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَنِّي رَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ آتِيَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَطَلَبْتُهَا حَتَّى قَدَرْتُ، فَأَتَيْتُهَا بِهَا فَدَفَعْتُهَا إِلَيْهَا، فَأَمْكَنتنِي مِنْ نَفْسِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا، فَقَالَتِ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ. فَقُمْتُ وَتَرَكْتُ الْمِائَةَ دِينَارٍ، فَإِنْ كنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَتِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا. فَفَرَّجَ اللهُ عَنْهُمْ فَخَرَجُوا".
(باب حديث الغار)
(فانطبق)؛ أي: باب الغار.
(إن كنت تعلم)، (إن) كلمة شكٍّ، وهم جازمون بأن الله تعالى عالمٌ، فمعناه: أنت تعلَمُ ذلك، فرتِّبْ عليه ما نسألك بفضلك.
وقال (ك): إنه على خلاف مقتضى الظاهر، أو أنهم لم يكونوا عالمين بأنَّ لأعمالهم اعتبارًا عند الله، ولا جازمين به، فقالوا: إنْ كنت تعلم أنَّ لها اعتبارًا؛ ففرِّج عنا.
(فَرَق) بفتح الفاء، والراء، وسُكونها: ظَرفٌ يسَع ثلاثة آصُعٍ.
стр. 4716
وليس لمن جوَّز بيع الفُضولي تعلُّقٌ بهذا! لأنه شرْع من قبلَنا.
وأيضًا فليس فيه أنَّ الفرَق كان معيَّنًا، ولم يكن في الذِّمَّة، وقبضَه الأجير، ودخَل ملْكه، بل كان هذا تبرُّعًا منه له.
(انساخت) بالمعجمة، أي: غابتْ في الأرض.
وقال (خ): صوابُه بمهملةٍ، أي: اتسعَتْ، ومنه ساحة الدَّار، ويُروى بالخاء المعجمة والصاد، مِن انصَاخَ الثَّوب انصِياخًا: إذا انشَقَّ من قِبَل نفْسه.
قال (ك): ويمكِن أن يكُون: انسَاخَ، بالسين بدلًا من الصَّاد، يُقال: انسَاخَ البَرْق: إذا تصدَّع.
(يتضاغون) بمعجمتين: يتصايحُون، وقيل: يَستغيثون من الجُوع، وأصله مِن ضُغاء الثَّعلب والسِّنَّور إذا صاحَ، وذلك صوتُ كلِّ ذليلٍ مقهورٍ.
(فيستكينا) من السَّكينة، وقال (ك): يستكينا، أي: يَضعُفا لشربتهما التي فاتتْ عنهما.
قال: وفي بعضها: (يستَكِنَّا)، أي: يَلبَثا في كِنِّهما منتظرَين لشُربهما.
وسبق الحديث آخر (البيع) إلا أنَّ هناك الفرَق من الذُّرة، فلعلَّه كان مخلُوطًا منهما، وأُطلق كلًّا من النوعين بأَدنى مشابهةٍ بينهما.
* * *
(حرسي) واحد الحرَس الذين يحرُسون السُّلطان، لكن لمَّا صار اسمَ جنسٍ نُسب إليه، ولا تقُل: حارِس، إلا أن تذهب به إلى معنى الحِراسة دون الجنْس، ويُطلَق الحرَسي ويُراد به الجُندي.
(أين علماؤكم) هذا السؤال للإنكار عليهم بإهمالهم إنكارَ مثلِ هذا المُنكَر، وغَفْلتهم عن تغييره.
وفي هذا اعتِناءُ الوُلاة بإزالة المنكَر، وتوبيخُ مَن أهملَه.
(هذه)؛ أي: القُصَّة، والغرَض النهي عن تزيين الشعر بمثلها، والوَصْل به.
قال (ع): يحتمل أنه كان مُحرَّمًا على بني إسرائيل، فعُوقبوا باستعماله، وهلَكوا بسبَبه، ويحتمل أنَّ الهلاك كان به وبغَيره من المعاصي، وعند ظُهور ذلك فيهم هلَكوا.
وفيه معاتَبة العامة بظُهور المنكر.
* * *
٣٤٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، وَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي أُمَّتِي هَذِهِ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ".
الرابع:
(محدَّثون) بفتح المهملة المشدَّدة.
الثامن:
(الطَّاعُون) الموت الكثير، أو بَثَرٌ، وَوَرَمٌ مُؤلمٌ جدًّا، يخرُج مع لهيبٍ، وَيسْوَدُّ ما حولَه، أو يخضَرُّ، ويحصل معه خفَقان القلْب، والقَيء، ويخرج في المراق والآبَاط غالبًا.
(تقدموا) بفتح الدال.
(لا يخرجكم)؛ أي: أن أبا النَّضْر فسَّر: لا تَخرجُوا فِرارًا: بأنَّ المراد منه الحَصْر، يعني: الخُروج المنهي عنه هو الذي لمُجرَّد الفِرار لا لغرَضٍ آخر، فهو تفسيرٌ للمعلِّل المنهي، لا للنهي، أو أنه زاد بعد رواية: (لا تخرجوا فرارًا، لا يُخرجُكم إلا فِرارًا)، فيكون تفسيره نقْلًا عن النبي ﷺ ، لا من تلْقاء نفسه، فإنْ ثبَت أنَّ: (إلا) تُزاد في كلام العرب، فيكون واضحًا.
قال (ن): رُوي: (إلا فرارٌ) بالرفع والنصب، وكلاهما مُشْكلٌ؛ لأنَّ ظاهره المنْع من الخُروج لكل سبَبٍ إلا للفِرار، وهو ضِدُّ المراد.
وقيل: لفْظة: (إلا) هنا غلَطٌ من الرَّاوي، وصوابه حذفها كما هو المعروف في الروايات.
وَوَجّه طائفةٌ النصب، فقالوا: هو حالٌ، وكلمة: (إلا) للإيجاب لا للاستِثناء، وتقديره: لا تخرُجوا إذا لم يكن خُروجكم إلا فِرارًا منه.
وفيه التَّسليم لقَضاء الله، ومنْع القُدوم على بلَد الطَّاعون، ومنْع الخُروج منه فِرارًا من ذلك، فأما الخروج لعارضٍ فلا بأْسَ به.
* * *