وقال (ن): المراد من الدَّخَن أن لا تصفوَ القلوب بعضها لبعضٍ، ولا ترجع إلى ما كانت عليه من الصفاء.
وقال (ع): المراد بالخير بعد الشر أيّام عُمر بن عبد العزيز، والذين تعرِف منهم وتُنكر الأُمراءُ بعدهم، ومنهم من يدعو إلى بدعةٍ وضلالٍ، كالخوارج ونحوهم.
(ولو أن تَغَضَّ) بفتح العين، وتضم في لغة، أي: ولو كان الاعتزال بأن تعضَّ.
وفيه لزوم جماعة المسلمين، ومطاوعة إمامهم، وإن فسَق في غير المعاصي، وفيه معجزاتٌ.
* * *
٣٦٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنِي قَيْسٌ، عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: تَعَلَّمَ أَصْحَابِي الْخَيْرَ وَتَعَلَّمْتُ الشَّرَّ.
الرّابع والثلاثون:
معناه ظاهر.
* * *
٣٦٠٨ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
стр. 4836
"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِتْيَانٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ".
الخامس والثلاثون:
(دعواهما واحدة): أي: يدعي كلٌّ منهما أنه على الحق، وخصمه مبطلٌ، ولا بدَّ أن يكون أحدهما مصيبًا، والآخر مبطِلًا، كما كان عليٌّ ومعاوية، وكان عليٌّ هو المصيب، ومخالفه مخطئٌ معذورٌ في الخطأ؛ لأنه باجتهادٍ، فلا إثم عليه، بل له أجرٌ، وللمصيب أجران.
* * *
٣٦٠٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَقْتَتِلَ فِتْيَانٌ، فَيَكُونَ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ".
٣٦٠٩ / -م - وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ، كلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ".
السّادس والثلاثون:
(حتّى يبعث)؛ أي: يخرج ويظهر، ويُسمى الدجال؛ لتمويهه، من: الدجل، وهو التمويه والتغطية، يقال: دَجَل الحقَّ، أي: غطاه بالباطل.
فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي نَعَتَهُ.
السابع والثلاثون:
(ذو الخُويصِرة) بضم المعجمة، وفتح الواو، وسكون الياء، وبمهملة مكسورة، وراء، سبق وصفه في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥]: أنه غائر العينين، محلوقٌ، كَثُّ اللِّحية.
(خَبت) بلفظ التكلم والخطاب، أي: خبت أنت لكونك تابعًا ومقتديًا بمن لا يعدل، والفتح أشهر.
(عُمر) سبق هناك أن خالدًا قال ذلك، ولا منافاة؛ لجواز أن كُلًّا منهما استأذن في قتله.
(فأضرب) بالنصب، وقيل: صوابه: أضرب، بحذف الفاء والجزم.
(فإن له أصحابًا) هذا ليس تعليلًا لمنع قتله مع وجود ما يوجب قتلَه، بل الفاء لتعقيب الإخبار، أي: قال: دَعْهُ، ثمّ عقَّب مقالته بذلك، وغايته أن حكمه حكم المنافق، وكان ﷺ لا يقتلهم؛ لئلا يقال: إن محمدًا ﷺ يقتل أصحابه.
(لا يجاوز)؛ أي: لا تفقهه قلوبهم، ولا ينتفعون بما تَلوْه منه، أو لا تصعد تلاوتهم في جُملة الكَلِم الطيب إلى الله تعالى.
(تَرَاقِيهم) جمع ترقوة، وهي عظام أعلى الصدر.
(يَمْرقُون) يخرجون، وبه سميت هذه الفرقة: المارقة.
(من الدين)؛ أي: الإسلام، وبه يتمسك من كفَّر الخوارج.
стр. 4839
وقال (خ): الدِّين الطّاعة للإمام.
(الرمية): فعيلةٌ، من الرمي، بمعنى مفعولةٍ.
(نصله) هو حَديد السَّهم.
(رِصافه) بكسر الراء، وبالمهملة، جمع رِصْفة، بالتحريك، وهي العصَب الّذي يلوى فوق مدخل النَّصل في السهم، وحكى القابِسِي ضم الراء.
(نضيّه) بفتح النون، وكسر المعجمة، بوزن فَعِيل، وحكى السَّفَاقُسِي ضم النون؛ سُمي بذلك لكثرة البَرْي والنَّحْت، فكأنه جعل نِضْوًا، أي: هزيلًا.
(قدحه) بكسر القاف، أي: العُود أول ما يكون قبل أن يعمل، وقيل: هو ما بين الريش والنصل.
(قُذَذه) بضم القاف، وفتح المعجمة الأولى، جمع قُذَّة، وهي ريش السهم.
(الفرث)؛ أي: السِّرجين، ما دام في الكَرِش، أي: مرَّ سريعًا في الرميَّة، وخرج منها لم يعلَق به شيءٌ منهما، ولم يظهر أثرهما فيه.
وقال (ع): يعني نفذ السهم الصَّيد، وخرَج من جهة أُخرى، ولم يتعلَّق شيءٌ منه به.
(آيتهم)؛ أي: علامتهم.
(البضعة) بفتح الموحدة: القطعة من اللّحم.
الثّامن والثلاثون:
قال الدَّارَقُطْني: ليس لسُويد بن غَفَلة عن علي حديثٌ صحيحٌ غيره.
(خدعة) مثلث المعجمة، والظاهر أن حقيقة الكذب جائزةٌ في الحرب؛ لكن الاقتصار على التعريض أفضل.
(حدثَاء)؛ أي: صغار.
(الأسنان)؛ الأعمار.
(سفهاء)؛ أي: ضعفاء.
(الأحلام): العقول.
(من قول)؛ أي: من سنة محمّد ﷺ ، وفي بعضها: (من خَيْر قَول البريَّة)؛ أي: من القرآن، ويحتمل أن الإضافة من باب ما يكون المضاف داخلًا في المضاف إليه، وحينئذٍ تُراد السنَّة لا القرآن، وهو كما قال الخوارج: لا حُكمَ إلا لله، وهو حقٌّ؛ لكن أرادوا به باطلًا.
(أجرًا)، في بعضها: (أَجْرٌ)، فيقدر ضمير الشأن.
وفيه إيجاب قتال الخوارج على الأئمة.
* * *
(باب)
كذا في بعض النسخ، وجرى عليه (ك).
إذ الإسراءِ إنّما يكون باللّيل.
(قائم الظهيرة) نصف النهار، وهو استواء حال الشّمس، وسمي قائمًا؛ لأن الظل لا يظهر حينئذ، فكأنه قائم واقف.
(رفعت)؛ أي: ظهرت لأبصارنا.
(فروة) قيل: الجلد المعروف، وقيل: قطعة حشيش مجتمعة.
(أنفض)؛ أي: أحرسك وأنظر هل أرى عدوًا، ونفضت المكان واستنفضته: نظرت جميع ما فيه، والنفضة: قوم يبعثون في الأرض، ينظرون هل بها عدو أو خوف.
(المدينة)؛ أي: مكّة، بدليل قوله: (أو مكّة) فإنّه شك في أي اللفظتين قال، مع أن المراد واحد، وإن كان في رواية أُخرى الجزم بالمدينة.
وفي "مسند أحمد": (فسماه فعرفته) وهي زيادة حسنة توضح أنه صديق أو قرابة له، وستأتي هذه الزيادة أيضًا في (مناقب المهاجرين)، فلهذا أقدما على شرب لبنها.
وسبق فيه أقوال أُخرى في (باب البيع).
وأيضًا فتسمية يثرب بالمدينة إنّما كان بعد الهجرة إليها، ويحتمل أنه أراد بالمدينة يثرب، ولكن حكاية ذلك بعد أن صار اسمها المدينة.
(لَبَن) بفتح اللام والموحدة، ويروى بضم اللام، وبسكون الموحدة، أي: شياه ذوات لبن.
стр. 4848
(القذا) أصلهُ ما يقع في العين، وفي نسخة: (القذر).
(قعب) هو قدح من خشب ضخم.
(كُثْبةً) بضم الكاف، وسكون المثلثة: قدر حلبة، وقيل: ملء القدح.
(إداوة) بكسر الهمزة: وعاء من جلد.
(يرتوي)؛ أي: يشرب.
(حين استيقظ)؛ أي: وقت إتياني وقت استيقاظه، وفي بعضها:
(حتّى)، أي: تأنَّيت به حتّى استيقظ.
(برد) بفتح الراء، وقال الجَوْهَري: بضمها، وشربهما إمّا لأن عادة العرب الإذن لرعاتهم إذا مرَّ بهم ضيف أن يسقوه، أو كان ذلك لصديق، أو قريب، كما سبق من زيادة أحمد: (أنه سماه فعرفه)، أو أنه مال حربي لا أمان له، أو لعلّهم كانوا مضطرين.
(ألم يأن)؛ أي: ألم يأت وقت الارتحال.
(سُرَاقة) أسلم بالجِعْرَانة حين انصرف النّبيّ ﷺ من حنين والطائف، وقال له: (كيف بك إذا ألبست سوار كسرى)، ولما أُتِيَ عُمر بسواريه ألبسَهُ، وقال: ارفع يديك فقل: الله أكبر، الحمد لله الّذي سلبهما كسرى، وألبسهما سُرَاقة.
(أُتينا) مبني للمفعول.
(ارتطمت) بالمهملة، أي: غاصت قوائمها في تلك الأرض
стр. 4849
الصلبة، ويقال: ارتطم في الوحل، أي: دخل فيه واحتبس.
(أرى)؛ أي: أظن.
(جَلَد) بفتح الجيم واللام: الصلب.
(فالله لكما) مبتدأ وخبر، أي: ناصر لكما.
(أن أرد)؛ أي: أدعو الآن، فهو علة الدُّعاء، وفي بعضها بالنصب والجر، أي: أقسم بالله لأن أرد عنكما، أي: لأجلكما، واللام المقدرة على تقدير الرفع بالكسر، وفي الأُخرى بالفتح، وقيل: التقدير: فادعوا لي على أن أرد طلبكما، أو فالله أشهد لأجلكما أن أرد، وفي "شرح السنة": أقسم بالله لكُما على الردِّ.
(الطلب) جمع طالب.
وفيه معجزة لرسول الله ﷺ ، وفضيلة أبي بكر ﵁، وخدمة التابع للمتبوع، واستصحاب الركوة في السَّفر، وفضل التوكل على الله، وأن الرَّجل الجليل إذا نام يُدافع عنه ويُحْرس.
وقال (خ): استدل به بعض شيوخ السوء من المحدثين على الأخذ على الحديث؛ لأن عازبًا لم يحمل الرَّجل حتّى يحدثه أبو بكر بالقصة، وليس الاستدلال صحيحًا بأن هؤلاء اتخذوا الحديث بضاعةً يبيعونها ويأخذون عليها أجرًا، وأمّا ما التمسه أبو بكر من تحمل الرَّجل، فهو من باب المعروف، والعادة المقررة أن تلامذة التجار يحملون الأثقال إلى بيت المشتري، ولو لم يكن ذلك لكان لا يمنعه أبو بكر إفادة القصة، والقدوة في قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ
(أمرَ اللهِ)؛ أي: خيبتك فيما أملته من النبوة، وهلاكك دون ذلك، وفيما سبق من قضاء الله بشقاوتك، وفي بعضها: (لن تعد)، بحذف الواو والجزم بـ (لن) لغة حكاها الكسائي، قالوا: وإنما جاءه النّبيّ ﷺ تألفًا له ولقومه رجاء إسلامهم، وليبلغه ما أنزل إليه، وقال (ع): يحتمل أن مسيلمة قصده من بلده للقائه فجاءه مكافأةً. قال: وكان مسيلمة يومئذ يظهر الإسلام، وإنّما ظهر كفره بعد ذلك.
(أدبرت) عن طاعتي.
(ليعقرنك) ليقتلنك الله، وليُهلكنك، وأصله: من عقر الإبل، وهو أن يضرب قوائمها بالسيف، وكان كذلك، قتله الله يوم اليمامة.
(لأراك)؛ أي: أظنك الشخص الّذي أريت في المنام في حقه ما رأيت.
(سِوارين) بكسر المهملة وضمها.
(أنفخهما) بالمعجمة، فيه دليل على اضمحلال أمرهما، وكان كذلك.
(يخرجان)؛ أي: يظهران شوكتهما ودعواهما النبوة، وإلا فقد كانا في زمنه، والمراد بعد دعوى النبوة، أو بعد نبوتي.
(العَنْسِي) بفتح المهملة، وسكون النون، ومهملة، اسمه: الأسود الصنعاني، ادعى النبوة، وقيل: اسمه: عَبْهلة، بفتح المهملة، وسكون الموحدة، ابن كعب، وكان يقال له: ذو حمار؛ لأنه زعم أن الّذي يأتيه
стр. 4854
ذو حمار؛ قتله فيروز الديلمي الصحابي بصنعاء، دخل عليه فحطم عنقَهُ، وهذا كان في حياة رسول الله ﷺ في مرضه الّذي توفي فيه على الأصح المشهور، وبشر النّبيّ ﷺ الصّحابة بذلك، ثمّ بعده حمل رأسه إليه، وقيل: كان ذلك في زمان الصديق ﷺ .
(اليَمَامة) بفتح الياء، وتخفيف الميم: مدينة باليمن على أربع مراحل من مكّة.
* * *
٣٦٢٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى -أُرَاهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ، وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ بِأُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللهُ بِهِ مِنَ الْفَتْح وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ، وَرَأَيْتُ فِيهَا بَقَرًا وَاللهُ خَيْرٌ، فَإِذَا هُمُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإذَا الْخَيْرُ مَا جَاءَ اللهُ مِنَ الْخَيْرِ وَثَوَابِ الصِّدْقِ الَّذِي آتَانَا اللهُ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ؟.
العاشر:
(وَهلي) بفتح الهاء، وسكونها، وقيل: بالسكون فقط، أي:
стр. 4855
وهمي واعتقادي؛ وأمّا بالفتح معناه: جبُن، وأيضًا: قلق.
(هجر) وربما قيل: الهجر -بالألف واللام-: مدينة معروفة، وهي قاعدة البحرين، وهو منصرف، بينها وبين البحرين عشر مراحل.
(يثرب) تسميتها بذلك إمّا قبل النّهي عن ذلك، أو النّهي للتنْزيه، أو خوطب به من لا يعرفها إلا به، ولهذا جمع بين الاسمين فقال: المدينة يثرب.
(الفتح)؛ أي: إمّا فتح مكّة، أو مجاز عن اجتماع المؤمنين، وانصلاح حالهم.
(بقرًا) قال (ن): في بعض الروايات: (بقرًا تنحر)، وبهذه الزيادة يتم تأويل الرؤيا، إذ نحر البقر كان قبل موت الصّحابة ﷺ بأُحد.
قال (ع): ضبطناه برفعهما مبتدأ وخبر، أي: ذلك خير على التفاؤل، وقد ذكر ابن هشام هذا الخبر فقال: (ورأيت والله خيرًا، رأيت بقرًا تنحر)، فقوله: (والله) مبين أنه قسم، وقوله: (خير) يدلُّ على أنه من جملة الرؤيا.
(بَعْدُ) بضم الدال.
(يوم بدر) بنصب يوم.
قال (ع): ويروى بنصب الدال، ومعناه: ما جاء الله به بعد بدر الثّانية من تثبيت قلوب المؤمنين؛ لأن النَّاس جمعوا لهم، وخوفوهم، فزادهم ذلك إيمانًا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، وتفرق العدوّ
стр. 4856
عنهم هيبة لهم، ومعنى: (والله خير): ثواب الله خير، أي: صنع الله بالمقتولين خير لهم من بقائهم في الدنيا.
قال: والأولى قول من قال: إنّه من جملة الرؤيا، فإنها كلمة سمعها في الرؤيا عند رؤيا البقر، بدليل تأويله لها بقوله: فإذا الخير ما جاء الله به.
* * *
٣٦٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي، كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَرْحَبًا بِابْنَتِي"، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينهِ، أَوْ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَبَكَتْ، فَقُلْتُ لَهَا: لِمِ تَبْكِينَ؟! ثُمَّ أَسَرَّ إِلَيْهَا حَدِيثًا فَضَحِكَتْ، فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ فرَحًا أَقْرَبَ مِنْ حُزْنٍ، فَسَأَلْتُهَا عَمَّا قَالَ.
٣٦٢٤ - فَقَالَتْ مَا كنْتُ لأُفْشِيَ سِرَّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَسَأَلْتُهَا، فَقَالَتْ أَسَرَّ إِلَيَّ: "إِنَّ جِبْرِيلَ كانَ يُعَارِضُنِي الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَاهُ إلا حَضَرَ أَجَلِي، وَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِي لَحَاقًا بِي"، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ -أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ"، فَضَحِكْتُ لِذَلِكَ.
الحادي عشر:
(أقرب من حزن)؛ أي: كان عقبه.
стр. 4857
(حتّى قبض) متعلّق بمقدر، أي: لم يقل.
وفيه أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنَّة، وفي تفضيلها على خديجة وعائشة خلاف، ولكن يستلزم لأنها أفضل، إلا أن يقال: الرِّواية بالشك؛ نعم المتبادر من لفظ المؤمنين، أي: غير النّبيّ ﷺ عرفًا، وأيضًا ففي دخول المتكلم في عموم كلامه خلاف للأصوليين.
* * *
٣٦٢٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَاطِمَةَ ابْنتَهُ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ، فَسَارَّهَا بِشَيْءٍ فَبَكَتْ، ثُمَّ دَعَاهَا، فَسَارَّهَا فَضَحِكَتْ، قَالَتْ فَسَأَلْتُهَا عَنْ ذَلِكَ.
٣٦٢٦ - فَقَالَتْ: سَارَّنِي النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِي فِيهِ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أتبَعُهُ فَضَحِكْتُ.
الثّاني عشر:
(فضحكت) رتبه هنا على أنها أول لاحق به، وفي الحديث السابق على أنها سيدَةُ نساء أهل الجنَّة، بل رتب فيه البكاء على وفاته ﷺ ، وأنها أول لاحق به، وقد يجمع بأن البكاء رتب على الأمرين، وهو قبضه ﷺ ، أو على المجموع منه ومن لحاقها به، وأمّا الضحك فلا يبعد أن يرتب
стр. 4858
على كلّ من الأمرين: السيادة، وأنها أول لاحق به، فذكر أحدهما هنا، والآخر في السابق، وفيه إيثارهم الآخرة، وسرورهم بالانتقال إليها، والخلاص من الدنيا.
وفيه معجزتان: الإخبار ببقائها بعده، وأنها أول أهله لحاقًا به.
* * *
٣٦٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لنا أَبْنَاءً مِثْلَهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ، فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إلا مَا تَعْلَمُ.
الثّالث عشر:
(مثله)؛ أي: في العمر، أي: نحن شيوخ وهو شاب، فلم تقدمه وتقربه، فأجاب بأن تقديمه من جهة العلم:
والعلم يرفع قدرَ من لم يُرفع
(أجل)؛ أي: مجيء النصر والفتح، ودخول النَّاس في الدين علامة وفاة النّبيّ ﷺ ، أخبر الله تعالى رسول الله ﷺ بذلك.
* * *
الثّامن عشر:
(أُمَيَّة) بضم الهمزة، وتخفيف الميم، وتشديد الياء.
(ابن خَلَف) بفتح المعجمة واللام، الجُمَحي بضم الجيم، وفتح الميم، وبمهملة.
(فتلاحيا)؛ أي: تخاصما.
(على أبي الحكم) بفتح المهملة والكاف، كنية لعدوّ الله، فكناه النّبيّ ﷺ أبا جهل، واسمه عمرو بن هشام المخزومي.
(لأقطعن)؛ أي: فإنّه قادر على ذلك؛ لأنه سيد قبيلة الأوس، ومن أعظم الأنصار.
(أنه قاتلك)؛ أي: أن أبا جهل يقتلك، وبيَّن ذلك بعد، فإنّه سبب في خروجه إلى بدر حتّى قتل، فكان أبو جهل هو قاتل أُميَّة بالتسبب.
(أخي اليثربي) يعني سعدًا، أخوة المودة والصداقة بينهما، لا النسب ولا الدِّين.
(فلما خرجوا إلى بدر) فيه تقديم وتأخير؛ لأن الصريخ قبل خروجهم، إلا أن يحمل: (خرجوا) على إرادة الخروج إلى يثرب لما أخبروهم أن النبي ﷺ وأصحابه خرجوا إلى عير أبي سُفيان.
(الصريخ) قيل: من الصراخ، وهو الصوت المستصرخ، أي: المستغيث.
стр. 4864
(قالت له امرأته)؛ أي: قالت امرأة أمية له: لا تخرج للحرب مع أبي جهل، واذكر ما قال سعد.
* * *
٣٦٣٤ - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ: "مَنْ هَذَا؟ "، أَوْ كمَا قَالَ، قَالَ: قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللهِ مَا حَسِبْتُهُ إلا إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نبَيِّ اللهِ ﷺ يُخْبِرُ جِبْرِيلَ، أَوْ كمَا قَالَ، قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ.
التّاسع عشر:
(أُنبئتُ)؛ أي: أُخبرتُ، وهذا وإن كان ظاهره الإرسال من أبي عثمان النَّهْدي، لكنه اتصل آخرًا بقوله: (سمعته من أُسامة).
(دِحْية) بكسر الدال المهملة وفتحها، وسكون المهملة: ابن خليفة الكلبي الصحابي، وكان من أجمل النَّاس.
* * *
٣٦٣٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبةَ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ
стр. 4865
عَبْدِ اللهِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "رَأَيْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ فِي صَعِيدٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ، وَفِي بَعْضِ نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ، فَاسْتَحَالَتْ بِيَدِهِ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا فِي النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ"، وَقَالَ هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبَينِ".
العشرون:
(رأيت)؛ أي: في المنام.
(فنَزع)؛ أي: استقى.
(ذَنوبًا) بفتح المعجمة: الدلو المملوء بالماء.
(أو ذنوبين) كالقطع بهذا وزوال الشك، وهو مطابق لسنتي خلافته.
(ضعف) بالضم والفتح، لغتان، والمراد ما قاله المسلمون في خلافة أبي بكر ﵁ من أموال المشركين، وقيل: إنّما أراد قصر مدته؛ كيف وقد قاتل أهل الردة فلم يتفرغ لافتتاح الأمصار، وجباية الأموال.
(غَرْبًا) بفتح المعجمة، وسكون الراء: الدلو العظيم، أي: تحولت الدلو من الصغر إلى الكبر، فإن فتحت الراء من (غرب) فهو الماء السائل من البئر والحوض.
وهذا تمثيل، ومعناه أن عُمر لما أخذ الدلو ليستقي عظم في يده؛
стр. 4866
لأن الفتوح في زمنه أكثر منها في زمن أبي بكر.
(عبقريًّا) هو الحاذق في علمه، وعبقري القوم، هو سيدهم وكبيرهم وقويهم، وأصله فيما قيل: إن عبقر قرية يسكنها الجنّ، فصار مثلًا لكل منسوب إلى شيء غريب في جودة صنعته، وكمال رفعته.
(يفري)؛ أي: يقطع.
(فريه) بإسكان الراء، وتخفيف الياء، وبكسر الرأء، وتشديد الياء، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، أى: عظيمًا، وأنكر الخليل التشديد، وغلَّط قائله.
(بعطن) هو مبرك الإبل حول موردها لتشرب عللًا بعد نهل، وتستريح فيه.
قال (ن): هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين من ظهور آثارهما، وانتفاع النَّاس بهما، وكله مأخوذ من النّبيّ ﷺ ، إذ هو صاحب الأمر، فقام به أكمل قيام، وقرر القواعد، ثمّ خلفه أبو بكر ﵁ سنتين، فقاتل أهل الردة، وقطع دابرهم، ثمّ خلفه عُمر ﵁ فاتسع الإسلام في زمنه، فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الّذي به حياتهم وصلاحهم، وأميرهم بالمستقي لهم منها، وسقيه هو قيامه بمصالحهم، وقوله: (وفي نزعه ضعف)، ليس حطًّا من فضيلة أبي بكر، وإنّما هو إخبار عن حال ولايتهما، وقد كثر انتفاع النَّاس في ولاية عُمر،
стр. 4867
لطولها، واتساع الإسلام وبلاده، والفتوحات؛ فمصَّر الأمصار، ودوَّن الدواوين، وأمّا قوله: (والله يغفر له) فليس فيه تنقيص له، ولا إشارة إلى ذنب، وإنّما هي كلمة كانوا يدعّمون بها كلامهم، ونِعْمةُ الدعامة.
قال: وفيه إعلام بخلافتهما، وصحة ولايتهما، وكثرة انتفاع المسلمين بهما.
قال (ع): ظاهر لفظ: (حتّى ضرب النَّاس بعطن) عَوده إلى خلافة عُمر، وقيل: يعود إلى خلافتهما؛ لأن بتدبيرها وقيامهما بمصالح المسلمين تَمَّ هذا الأمر؛ لأن أبا بكر ﵁ جمع شملهم، وابتدأ الفتوح، وتكامل في زمن عمر ﵁.
(وقال همام) موصول في (التعبير).
* * *
وفي الحديث عُلْقة لمن قال: إنّه ﷺ كان متعبدًا بشرع موسى ﵊ فيما لم ينسخ منه.
قلت: إنّما أرادَ تكذيبهم بظهوره عندهم.
* * *
٢٧ - بابُ سُؤَالِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُرِيَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انشِقَاقَ الْقَمَرِ
(باب سؤال المشركين أن يريهم النّبيّ ﷺ آية، فأراهم انشقاق القمر)
٣٦٣٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شِقَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اشْهَدُوا".
الحديث الأوّل:
(اشهدوا) من الشهادَة، وإنّما قال ذلك؛ لأنه معجزة عظيمة محسوسة، خارجة عن عادة المعجزات.
* * *
стр. 4870
٣٦٣٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونس، حَدَّثنا شَيْبَانُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَألوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ.
٣٦٣٨ - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ خَالِدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ .
الثاني، والثالث:
قال (ع): انشقاق القمر آية عظيمة، لا يعادلها شيء من آيات الأنبياء؛ لأنه ظهر في ملكوت السَّماء، والخطب فيه أعظم، والبرهان به أظهر؛ لأنه خارج من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من العناصر؛ وأمّا إنكار بعضهم ذلك بأنه لو كان له حقيقة لم يخف أثره على عوام النَّاس، ولتواترت به الأخبار؛ لأنه أمر محسوس مشاهد، والناس فيه شركاءُ، وللنفوس دواعٍ على نقل الأمر العجيب، والأمر الغريب، فلو كان لَذُكِرَ في الكتب، ودوّن في الصحف، ولكان أهل التنجيم والسير والتواريخ عارفين به، إذ لا يجوز إطباقهم على إغفاله، مع جلالة شأنه وجلاء أمره؛ فالجواب عنه: أن الأمر فيه خارج عما ذهبوا إليه؛ لأنه شيء طلبه قوم خاص من أهل مكّة، وكان ذلك ليلًا، وأكثر النَّاس فيه نيام، ومستكنون بالحُجُب والأبنية، والأيقاظ البارزون في الصحاري لهم