لأن الفتوح في زمنه أكثر منها في زمن أبي بكر.
(عبقريًّا) هو الحاذق في علمه، وعبقري القوم، هو سيدهم وكبيرهم وقويهم، وأصله فيما قيل: إن عبقر قرية يسكنها الجنّ، فصار مثلًا لكل منسوب إلى شيء غريب في جودة صنعته، وكمال رفعته.
(يفري)؛ أي: يقطع.
(فريه) بإسكان الراء، وتخفيف الياء، وبكسر الرأء، وتشديد الياء، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، أى: عظيمًا، وأنكر الخليل التشديد، وغلَّط قائله.
(بعطن) هو مبرك الإبل حول موردها لتشرب عللًا بعد نهل، وتستريح فيه.
قال (ن): هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين من ظهور آثارهما، وانتفاع النَّاس بهما، وكله مأخوذ من النّبيّ ﷺ ، إذ هو صاحب الأمر، فقام به أكمل قيام، وقرر القواعد، ثمّ خلفه أبو بكر ﵁ سنتين، فقاتل أهل الردة، وقطع دابرهم، ثمّ خلفه عُمر ﵁ فاتسع الإسلام في زمنه، فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الّذي به حياتهم وصلاحهم، وأميرهم بالمستقي لهم منها، وسقيه هو قيامه بمصالحهم، وقوله: (وفي نزعه ضعف)، ليس حطًّا من فضيلة أبي بكر، وإنّما هو إخبار عن حال ولايتهما، وقد كثر انتفاع النَّاس في ولاية عُمر،
стр. 4867
لطولها، واتساع الإسلام وبلاده، والفتوحات؛ فمصَّر الأمصار، ودوَّن الدواوين، وأمّا قوله: (والله يغفر له) فليس فيه تنقيص له، ولا إشارة إلى ذنب، وإنّما هي كلمة كانوا يدعّمون بها كلامهم، ونِعْمةُ الدعامة.
قال: وفيه إعلام بخلافتهما، وصحة ولايتهما، وكثرة انتفاع المسلمين بهما.
قال (ع): ظاهر لفظ: (حتّى ضرب النَّاس بعطن) عَوده إلى خلافة عُمر، وقيل: يعود إلى خلافتهما؛ لأن بتدبيرها وقيامهما بمصالح المسلمين تَمَّ هذا الأمر؛ لأن أبا بكر ﵁ جمع شملهم، وابتدأ الفتوح، وتكامل في زمن عمر ﵁.
(وقال همام) موصول في (التعبير).
* * *
وفي الحديث عُلْقة لمن قال: إنّه ﷺ كان متعبدًا بشرع موسى ﵊ فيما لم ينسخ منه.
قلت: إنّما أرادَ تكذيبهم بظهوره عندهم.
* * *
٢٧ - بابُ سُؤَالِ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُرِيَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انشِقَاقَ الْقَمَرِ
(باب سؤال المشركين أن يريهم النّبيّ ﷺ آية، فأراهم انشقاق القمر)
٣٦٣٦ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شِقَّتَيْنِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اشْهَدُوا".
الحديث الأوّل:
(اشهدوا) من الشهادَة، وإنّما قال ذلك؛ لأنه معجزة عظيمة محسوسة، خارجة عن عادة المعجزات.
* * *
стр. 4870
٣٦٣٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونس، حَدَّثنا شَيْبَانُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ أنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَألوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ.
٣٦٣٨ - حَدَّثَنِي خَلَفُ بْنُ خَالِدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ ﷺ .
الثاني، والثالث:
قال (ع): انشقاق القمر آية عظيمة، لا يعادلها شيء من آيات الأنبياء؛ لأنه ظهر في ملكوت السَّماء، والخطب فيه أعظم، والبرهان به أظهر؛ لأنه خارج من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من العناصر؛ وأمّا إنكار بعضهم ذلك بأنه لو كان له حقيقة لم يخف أثره على عوام النَّاس، ولتواترت به الأخبار؛ لأنه أمر محسوس مشاهد، والناس فيه شركاءُ، وللنفوس دواعٍ على نقل الأمر العجيب، والأمر الغريب، فلو كان لَذُكِرَ في الكتب، ودوّن في الصحف، ولكان أهل التنجيم والسير والتواريخ عارفين به، إذ لا يجوز إطباقهم على إغفاله، مع جلالة شأنه وجلاء أمره؛ فالجواب عنه: أن الأمر فيه خارج عما ذهبوا إليه؛ لأنه شيء طلبه قوم خاص من أهل مكّة، وكان ذلك ليلًا، وأكثر النَّاس فيه نيام، ومستكنون بالحُجُب والأبنية، والأيقاظ البارزون في الصحاري لهم
стр. 4871
اشتغال عن ذلك، وكيفَ ولم يكونوا رافعين رؤوسهم إلى السَّماء مترصدين مركز القمر من الفلك لا يغفلون عنه، حتّى إذا حدث لجرم القمر ما حدث من الانشقاق أبصروهُ، وكثيرًا ما يقع له الخسوف، ولا يشعر به النَّاس، حتّى يخبرهم الآحاد منهم مع طول زمانه، وهذا إنّما كان في قدر اللحظة الّتي هي مدرك البصر، ولو أحبَّ الله تعالى أن تكون معجزات النّبيّ ﷺ أمورًا واقعة بحسب الحس، بحيث يشترك فيه الكل لفعل ذلك، والله تعالى جرت سنته باستئصال الأُمة الّتي أتاها نبيها بالآية العامة الّتي تدرك بالحس ولم يؤمنوا بها، وخص هذه الأُمة بالرّحمة، فجعل آية نبيه ﷺ عقلية، وذلك لِمَا أُوتوه من فضل العقول، وزيادة الأفهام، ولئلا يكون سبيلهم سبيلَ من هلك من الأُمم المسخوط عليهم، المقطوع دابرهم، ولم يبق لهم عين ولا أثر.
* * *
٢٨ - بابٌ
(باب)
٣٦٣٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا مُعَاذ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قتادَةَ، حَدَّثَنَا أَنسٌ ﵁: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ الْمِصْبَاحَيْنِ يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ.
стр. 4872
الحديث الأوّل:
سبق في (كتاب المساجد)، وأن الرجلين: عباد بن بشر، وأُسيد ابن حُضير، بتصغير لفظ أُسيد وأبيه.
* * *
٣٦٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ، سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَزَالُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ".
الثّاني:
(ظاهرين) من ظهرت، أي: علوت وغلبت.
(أمر الله) قبل يوم القيامة، وتعلّق الحنابلة بهذا على أنه لا يخلو الزّمان من مجتهد.
* * *
٣٦٤١ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، أَنَّهُ سَمعَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأْمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ"، قَالَ
مِنْ عُرْوَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَيَّ يُخْبِرُونَهُ عَنْهُ.
٣٦٤٣ - وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: "الْخَيرُ مَعْقُود بِنَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، قَالَ: وَقَدْ رَأَيْتُ فِي دَارِهِ سَبْعِينَ فَرَسًا. قَالَ سُفْيَانُ: يَشْتَرِي لَهُ شَاةً كَأَنَّهَا أُضْحِيَّةٌ.
الرابع:
(الحي)؛ أي: القبيلة الّتي أنا فيها، ورواة الحي وإن كانوا مجاهيل؛ لكن قد علم أن شبيبًا لا يروي إلا عن عدل، أو لَمَّا كان الحديث ثابتًا بالطريق المعين المعلوم، اعتمد على ذلك فلم يبال بالإبهام، أو أراد نقله بوجه آكد، إذ فيه إشعار بأنه لم يسمع من رجل واحد فقط، بل من جماعة متعددة، وربما يفيد خبرهم القطع به؛ فإن قيل: الحسن بن عُمارة كاذب يكذب؛ فكيف جاز النقل عنه، قيل: لم يثبت شيء من هذا الحديث بقوله، مع احتمال أنه قال ذلك بناء على ظنه.
قال (ش): إنّما قصد البخاريّ الحديث الّذي بعده، ولكنه لما سمع الكل أورده كما سمعه.
(في داره)؛ أي: دار عروة.
(له)؛ أي: للنبي ﷺ ، وتعلَّق بالحديث من جوَّز بيع الفضولي؛ لأن عروة لم يكن وكيلًا إلا في الشراء، وأُجيب باحتمال أنه كان وكيلًا
٣٦٤٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: صَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ بُكْرَةً وَقَدْ خَرَجُوا بِالْمَسَاحِي، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ، وَأَحَالُوا إِلَى الْحِصْنِ يَسْعَوْنَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: "اللهُ أَكبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ".
الثّامن:
(والخميس) بالرفع والنصب، أي: الجيش؛ لأنه خمسة: ميمنة، وميسرة، ومقدمة، وساقة، وقلب.
(وأحالوا) بمهملة، أي: أقبلوا هاربين إلى الحصن، وأحال الرَّجل إلى مكان كذا: تحول إليه، وعن أبي ذر: (أجالوا) بالجيم، وليس بشيء، إلا أن يجعل من أجال بالشيء: أطاف به، وجال به أيضًا، وهو بعيد، ومرَّ الحديث مرارًا، وقال البخاريّ: لفظ: (فرفع النّبيّ ﷺ يديه) غريب، أخشى أن لا يكون محفوظًا.
* * *
٣٦٤٨ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الْفُدَيْكِ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ حَدِيثًا كثِيرًا فَأَنْسَاهُ، قَالَ: "ابْسُطْ رِدَاءَكَ"، فَبَسَطْتُ، فَغَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: "ضُمَّهُ"، فَضَمَمْتُهُ، فَمَا
стр. 4878
نسَيتُ حَدِيثًا بَعْدُ.
التّاسع:
سبق شرحه في (باب: حفظ العلم).
* * *
стр. 4879
٦٢ - فَضَائِلُ أَصْحَاب النَّبيِّ ﷺ -
стр. 4880
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٢ - فَضَائِلُ أَصْحَاب النَّبيِّ ﷺ
١ - بابُ فَضَائِلُ أَصْحَاب النَّبيِّ ﷺ ، وَمَنْ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ أوْ رَآهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهْوَ مِنْ أَصْحَابِهِ
(باب فضائل أصحاب النّبيّ ﷺ )
قوله: (ومن صحب) إلى آخره، تفسير للصحابي، أي: مسلم صحب النّبيّ ﷺ .
(أو رآه) ضمير المفعول للنبي ﷺ ، ويحتمل العكس، أو يكون النّبيّ ﷺ هو الرائي، والمسلم هو المرئي، وهما بمعنى؛ لتلازمهما عُرفًا.
فإن قيل: الترديد ينافي التعريف؟ قيل: إنّما هو للتقسيم، فهو ترديد في المحدود، لا في الحدّ.
فإن قيل: الصحبة تستلزم الرؤية، فما فائدة ذكرها؟ قيل: لا يلزم، بدليل ابن أُمِّ مكتوم، وحينئذ فمن اكتفى بالرؤية يقول:
стр. 4881
يصدق في العرف أنه رأى، وان لم يكن هناك رؤية بصر.
أنها من رآه بعد وفاته ﷺ قبل دفنه فالظاهر أنه صحابي.
قلت: كأبي ذئب الشاعر، رآه مُدْرَجًا في أكفانه، وممن عده صحابيًّا الذهبيُّ في "التجريد".
وأمّا الرؤية في المنام فلا يكون الرائي بها صحابيًّا؛ لأن المراد بالرؤية العرفية، وهي الّتي في اليقظة.
* * *
٣٦٤٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نعمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ فَيَقُولُونَ: نعمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فئامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَقُولُونَ: نعمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ".
الحديث الأوّل:
(فِئام) بكسر الفاء: الجماعة من النَّاس، لا واحد له من لفظه.
стр. 4882
قال الجَوْهَري: والعامة تقول: فيام، بلا همز.
وتسمى الطبقة الثّانية تابعين، والثالثة تابعي التابعين.
* * *
٣٦٥٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، سَمِعْتُ زَهْدَمَ بْنَ مُضَرِّبٍ، سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَيْرُ أُمَّتِي قَرْني، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونهمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونهمْ"، قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنهِ قَرْنينِ أَوْ ثَلَاثًا، "ثُمَّ إِنَّ بَعْدُكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ".
الثّاني:
(إسحاق) إمّا ابن إبراهيم، أو ابن منصور.
(يخونون)؛ أي: خيانة ظاهرة، بحيث لا يبقى معها اعتماد النَّاس عليه.
(وَينْذرون) بكسر الذال وضمها.
(ويظهر فيهم السمن)؛ أي: يتكثرون بما ليس فيهم من الشرف، أو يجمعون الأموال، أو يغفلون عن أمر الدين، ويقللون الاهتمام به؛ لأن الغالب على السمين أن لا يهتم بالرياضة، والظاهر أنه حقيقة في معناه، وقالوا: المذموم منه ما يستكسبه، وأمّا الخلقي فلا، وقد مر
стр. 4883
الحديث وما بعده وهو: الحديث الثّالث، أوائل (كتاب الشهادات).
* * *
٣٦٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ".
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْربُونَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ وَنَحْنُ صِغَارٌ.
الثّالث:
(ويمينه شهادته) ليس فيه دور؛ لأن المراد: من حرصهم على الشّهادة وترويجها أنهم يحلفون على ما يشهدون، تارة قبل، وتارة بعد، حتّى لا يدري بأيهما يبتدئ، وكأنهما يتسابقان، لقلة مبالاته بالدين.
(يضربوننا)؛ أي: ضرب التأديب، أو يضربون رجالها على الحرص على الشّهادة، واليمين أن يأمروننا بأن نكف عنهما وأن نحتاط فيهما، وبعدم الاستعجال فيهما، وقال المهلب: على الشّهادة، أي: على قول الرَّجل: أشهد بالله ما كان كذا، على معنى الحلف، فكره ذلك كما كره الحلف وإن صادقًا.
(ونحن صغار)؛ أي: لم نبلغ حدّ التفقّه، وإن كانوا بلغوا حدّ
(من أمنّ النَّاس)؛ أي: أسمح النَّاس بماله وأبذل، ولم يردّ معنى الامتنان؛ لأن المنة تفسد الصنيعة، ولا منة لأحد على رسول الله ﷺ .
(أبا بكر) اسم (إن)، ويروى: (أبو بكر) بالرفع، إمّا لأن (من) زائدة على رأي الكسائي، وإما على إضمار الشأن، أي: أنه وما بعده مبتدأ وخبر: خبر (إن)، وإما على تقدير محذوف موصوف بالجار والمجرور، أي: إن رجلًا أو إنسانًا من أمنّ النَّاس؛ قاله ابن بَرِّي، وإما على مذهب من جوّز أن يقال: علي بن أبو طالب، وإما أن (إنّ) بمعنى: نعم.
(مُتخذًا) بكسر الخاء، اسم فاعل، مِن (اتخذ) المتعدي لمفعولين، أحدهما بحرف الجر، بمعنى: اختار، وتقديره هنا من النَّاس، أي: أن أبا بكر ﵁ أهل لأن يتخذه النّبيّ ﷺ خليلًا لولا المانع، وهو أن قلبه الكريم لم يسع غير الله .
(خليلًا) هو الّذي ينقطع إليه بالكلية.
(أخوة) مبتدأ خبره محذوف، أي: أفضل من كلّ مودة لغير الإسلام، وسيأتي في الباب الثّاني: (ولكن أخوة الإسلام أفضل).
قال الداودي: ما أراه محفوظًا، فإن يكن محفوظًا فمعناه أن أخوة الإسلام دون المخالَّة أفضل من المخالة دون أخوة الإسلام، وإن يكن قوله: (لو كنت متخذًا غير ربي خليلًا) مرويًّا لم يجز أن يقول: أخوة الإسلام أفضل.
* * *
وَقَالَ: "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُهُ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ أفضَلُ".
٣٦٥٧ / -م - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبُ مِثْلَهُ.
الحديث الأوّل، والثّاني:
سبقا في الباب قبله، وسبق الكلام في (أفضل).
(التبوذكي) وفي بعضها: (التَّنُوخي)، وهو سهوٌ.
* * *
٣٦٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: كَتَبَ أَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي الْجَدِّ، فَقَالَ: أَمَّا الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُهُ"، أَنْزَلَهُ أَبًا، يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ.
الثّالث:
(في الجد)؛ أي: في مسألة الجد وميراثه.
(لاتخذته)؛ أي: اتخذت أبا بكر.
(أنزله)؛ أي: أنزل أبو بكر الجد منزلة الأب في الإرث، وحاصله أنه قال في جوابهم: أما الّذي قال ﷺ في حقه هو الّذي جعل الجد في الإرث.
стр. 4891
وستأتي المسألةُ في (الفرائض).
* * *
٣٦٥٩ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَتِ امرَأةٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إلَيْهِ، قَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ كَأَنَّهَا تَقُولُ الْمَوْتَ، قَالَ ﵇: "إِنْ لَمْ تَجدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ".
الرابع:
(أرأيت)؛ أي: أخبرني.
(إن لم أجدك)؛ أي: وإن لم أجدك، كيف أعمل؟
(كأنها تقول الموت)؛ أي: كأنها كنّت عن موت رسول الله ﷺ ، قائل هذا: هو جُبير ابن مطعم راوي الحديث، وروي: (قال أبي)، فإن صح، فقائله عنه ابنه محمّد بن جُبير المذكور في هذا الحديث.
قال (ش): قد ذكره البخاريّ في (كتاب الأحكام)، وقال الحُمَيدي: عن إبراهيم بن سعد: (كأنها تعني الموت).
وقد احتج به على خلافة أبي بكر ﵁ بعده ﷺ .
* * *
وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي؟ "، مَرَّتَيْنِ فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا.
السادس:
إسناده شاميون.
(أما) قسيمها محذوف، كأنه قال: وأمّا غيره فلا أعلمه.
(غامر) بمعجمة، أي: خاصم، ولابس الخصومة، ونحوها من الأمور.
(يَتَمَعَّر) بفتح المهملة المشددة، وبالراء، أي: يتغير لونه من الضجر، حتّى خاف أبو بكر ﵁.
(فجثا) بجيم ومثلثة.
(مرتين) ظرف لـ (قال)، أو لـ (كنت).
(تاركو لي صاحبي) فيه فصل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور عناية بتقديم لفظ الاختصاص، وذلك جائز كقوله:
فرشْنِي بخَيرٍ لا أكونَنْ ومِدْحَتي ... كناحِتِ يَومًا صخرة بفَسِيْلِ (١)
والفصل بالظرف كذلك، وفي بعضها: (تاركون لي) بالنون، وإنّما جمع بين الإضافتين لنفسه للاختصاص والتعظيم.
стр. 4894
قال أبو البقاء: الوجه تاركون؛ لأن الكلمة ليست مضافةً؛ لأن حرف الجر منع الإضافة، وإنّما يجوز حذف النون في موضع الإضافة، ولا إضافة هنا، أو يكون في: (تاركوا) ألف ولام، كقوله: الحافظُوا عورة العشيرة.
قال: والأشبه أن حذفها من غلط الرواة.
وقال غيره: فيه وجهان:
أحدهما: أنها حذفت لاستطالة الكلمة، كما حذفت من الموصول، نحو: ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩].
والثّاني: الفصل بين المضاف والمضاف إليه كما سبق تقريره، ونظير هذا قراءة ابن عامر: ﴿قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧]، بنصب (أولادهم)، وخفض (شركائهم)، فصل بالمفعول به.
* * *
٣٦٦٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، قَالَ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ: حَدَّثَنَا عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَةُ"، فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: "أَبُوهَا"، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ"، فَعَدَّ رِجَالًا.
стр. 4895
السابع:
(السلاسِل) بفتح المهملة، وكسر الثّانية، كذا قيده البكري وغيره: موضع، قيل: لأنه أرض بها رمل ينعقد بعضه على بعض كالسلسلة، وقال ابن الأثير في "النهاية": بضم المهملة، وهو بمعنى السلسال، وكانت هذه الغزوة سنة سبع.
* * *
٣٦٦٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو سَلَمَةَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "بَيْنَمَا رَاعٍ فِي غَنَمِهِ عَدَا عَلَيْهِ الذِّئْبُ فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ الذِّئْبُ فَقَالَ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ غَيْرِي، وَبَيْنَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً قَدْ حَمَلَ عَلَيْهَا، فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَتْ: إِنِّي لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، وَلَكِنِّي خُلِقْتُ لِلْحَرْثِ"، قَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللهِ! قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ" ﵄.
الثّامن:
(يوم السَّبُع) بضم الموحدة، وَرُويَ بالسكون، وفسروه بوجوه ستة، أظهرها: مَنْ لها عند الفتن، حين يتركها النَّاس هَمَلًا لا راعي لها، فبقي السَبُع راعيًا، وسبق في (كتاب الحرث).
* * *
الثّاني عشر:
(بالسُّنُح) بضم المهملة، والنون، وكان أبو ذَرٍّ يقول: بسكون النون، والحاء المهملة: موضع من عوالي المدينة.
(إلا ذاك)؛ أي: عدم الموت حينئذ.
(بأبي)؛ أي: مُفدَّى بأبي، فإن قيل: مذهب أهل السنة أن في القبر حياةً وموتًا، فلا بد من ذوق الموتتين؟ قيل: المراد نفي الموت اللازم الّذي أثبته عُمر بقوله: ليبعثنه الله في الدنيا؛ لقطع أيدي القائلين بموته، فليس نفي موت عالم البرزخ، وسبق أول (الجنائز).
ويحتمل أن يُراد: أن حياتك في القبر لا يتعقبها موت، فلا تذوق مشقة الموت مرتين، بخلاف سائر الخلق، فإنهم يموتون في القبر، ثمّ يحيون يوم القيامة، وإنما جاز لعُمر أن يحلف لما في ظنه الغالب، حيث أدى اجتهاده إليه، أو من شدة ما دَهَمَه من سماع أنه مات، وعظم المصاب؛ نعم في "سيرة ابن إسحاق" عن ابن عبّاس: كنت أمشي مع عُمر في خلافته، وما معه غيري، وبيده الدِّرَّة، وهو يحدث نفسه، ويضرب وجه قدميه بدِرَّته، فالتفت إليَّ وقال: يا ابن عبّاس! هل تدري ما حملني على مقالتي يوم تُوفي النّبيّ ﷺ ؟ قلت: لا، قال: هو قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فكنت أظن أنه يبقى في أُمته حتّى يشهد عليها في آخر أعمالها. وبهذا يزول الإشكال في نفي موته، والحلف عليه.
стр. 4901
(رِسلك) بكسر الراء، أي: اتئد في الحلف، ولا تستعجل.
(فنشج) بنون، ومعجمة مفتوحتين، وجيم، ويقال: نشج الباكي: إذا غَصَّ في حلقه بالبكاء، وقيل: النشج: بكاء معه صوت.
(أبلغ النَّاس) قال السُّهَيْلي: ليس له وجه إلا الحال، جيء بها تأكيدًا وربطًا للكلام بما قبله، وتأكيدًا لمدحه، وصرف الوهم عن أن يكون الممدوح بالبلاغة غيره، وقال (ع): ضبطناه بالنصب، ويصح فيه الرفع على الفاعل، أي: تكلم منهم رجل بهذه الصِّفَة.
(حُبَاب) بمهملة مضمومة، وخفة الموحدة الأولى، الأنصاري السلمي، كان يقال له: ذو الرأي، وهو الّذي أشار على النّبيّ ﷺ يوم بدر أن ينْزل على مائه للقاء القوم، ونزل جبريل فقال: الرأي ما أشار به حُبَاب، مات في خلافة عُمر ﵃.
(منا أمير)؛ أي: على عادة العرب أن لا يَسُودَ القبيلة إلا رجل منهم، فلما ثبت عندهم أن النّبيّ ﷺ قال: (الخلافة في قُريش) أذعنوا، وبايعوا أبا بكر.
(أوسط العرب دارًا)، أي: مكّة، وقال (خ): أراد توسط النسب.
(أحسابًا)؛ أي: أحسنهم شمائل وأفعالًا بالعرب، والحسب مأخوذ من الحساب، إذا حسبوا مناقبهم، فمن عُدَّ له مناقب كثيرة كان أحسب.
(فبايعوا) بلفظ الأمر.
(قتلتُم)؛ أي: بتركه، يكني بذلك عن الإعراض والخذلان.
(قتله الله) إمّا خبر عما قدره الله من إهماله، وإما دعاء عليه؛ لكونه
стр. 4902
لم ينصر الحق، يقال: إنّه تخلف عن البيعة وخرج عن المدينة، فلم يزل حتّى مات بالشام في ولاية عُمر، قالوا: وجد ميتًا في مُغْتَسَلِه، وقد اخضَرَّ جسده، ولم يشعروا بموته، حتّى سمعوا قائلَا يقول ولا يرون شَخْصَهُ:
قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ... فرميناه بسهمين فلم نُخْطِ فؤاده
(وقال عبد الله بن سالم) وصله الطَّبرانيُّ في "مسند الشاميين".
(شخص) بالفتح: ارتفع.
(في الرفيق الأعلى) متعلّق بمحذوف دل عليه السياق، أي: أدخلوني فيهم، يريد الملأ الأعلى، وذلك قاله ﷺ حين خُيّر بين الحياة والموت، فاختار الموت.
(من خطبتهما): (من) فيه للبيان، أو للتبعيض.
(من خطبة): (من) زائدة، ونفع خطبة عُمر ﵁ أنه خوّف فيها النَّاس بقوله: (ليُقطعنّ أيدي رجال)، وعاد من كان فيه زيغ إلى الحق بسبب ذلك وهو معنى قوله: (لقد خوف عُمر النَّاس) وهذا هو الصواب، ووقع للأصيلي: (أبو بكر).
(لنفاقًا) كذا في النسخ.
ووقع في "الجمع بين الصحيحين" للحُميدي: (لتقي)، فأفردهم الله بذلك، قال (ع): فلا أدري أهو إصلاح منه، أو من غيره، أو رواية؟ وكأنه أنكر النفاق عليهم يومئذ، ولكن لا إنكار؛ لأن النفاق كان في
стр. 4903
زمنه، وعند موته، وقد ظهر في أهل الردة وغيرهم، لا سيما عند الحادث العظيم موتِه الّذي أذهل عُقول الأكابر، فكيف ضعفاء الإيمان.
قال: والصواب عندي ما في النسخ، وفائدة خطبة أبي بكر ﵁ تبصير الهدى، وتعريف الحق.
* * *
٣٦٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ، وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ: عُثْمَانُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: مَا أَنا إلا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
الثّالث عشر:
(وخشيت) وجه خشيته مع أنه حق: أنه بني على ظنه أن عليًّا خير منه، فخاف أن يقول عليٌّ: عثمان خير مني، ويكون ذلك القول منه على سبيل الهضم والتواضع، ويفهم منه بيان الواقع، فيضطرب حال الاعتقاد فيه.
* * *
٣٦٧٢ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ