Полный текст (8 898 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
النُّسَخ: (عن محمد، عن أبي بكرة)، وفي بعضها: (محمد بن أبي بكرة، عن أبي بكرة)، وكلاهما وهمٌ فاحشٌ.
(ذكر)؛ أي: ما يأتي، وهو النبي ﷺ ؛ لأن الذِّكر الذي يكون بعد النِّسيان.
(إن دماءكم) عطف على ما سبق من الحديث بطوله في (باب قول النبي ﷺ : رب مبلغ): أي يوم هذا؟ فسكتنا، إلى أن قال: "فإن دماءكم"، ويسمى هذا الخرم كما سبق، وسببه هنا الاقتصار على المقصود، وهو بيان التبليغ.
(قال محمد)؛ أي: ابن سيرين.
(وأحسبه)؛ أي: أظن ابن أبي بكرة زاد في الرواية.
(وأعراضكم) فهو عطف على (دماءكم)، والجملة معترضة بين اسم (إن) وخبرها، وظنه ذلك في رواية أيوب عنه، وجزمه هنا في رواية ابن عون عنه، إما لأن الظن متقدم، ثم حصل الجزم، وإما لأن الجزم متقدم، ثم حصل تردد وظن.
(عليكم) معناه مالُ بعضٍ حرام على بعضٍ، لا أنَّ مال الشخص حرامٌ عليه، يدلُّ على ذلك العقل، ويؤيده رواية: (بينكم) بدل (عليكم)، والمراد بالعِرْض الحسَب، وهو وإن كان يُطلق على النفْس لكن ليس مرادًا هنا؛ لئلا يلزم تكرار الأَعراض مع الدماء، كما قاله البَغَوي.
стр. 527
وقال الطِّيْبِي: الظاهر من الأعراض الأخلاق النفسانية.
(كان ذلك) بيانٌ لقوله: (صدق)، لكن الإشارة إن كانت لقوله: (ليبلِّغ)، فهو أمر، والتصديق إنما يكون للخبر، إلا أن تكون الرواية: (ليبلَّغ) بفتح اللام، والرفع، فيبقى خبرًا، أو أن الأمر معناه الخبر، وأن المراد الإخبار بأنَّه سيقَع التبليغ، فتصح الإشارة إليه، ويحتمل أن الإشارة إلى ما في آخر الحديث من قوله: (عَسَى أنْ يُبلِّغ مَن هو أَوْعَى منه)، أو إلى قوله: (ألا هل بلغت)، أي: وقع التبليغ كما في قوله: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨].
(ألا هل بلغت) بالتخفيف في (ألا)، أي: ألا يا قوم، هل بلَّغتُ؟ أي: امتثلت قوله تعالى: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
(مرتين) متعلِّقٌ بـ (قال) مقدَّرةٍ، أي: قال ﷺ ذلك مرتين، وإنما لم يجعل تتمة (قال) المذكورة، ويكون: (وكان محمد ...) إلى آخره، جملةً معترضةً = لئلا يلزم أنْ يكون مجموع هذا الكلام مقولًا مرتين، ولم يثبت ذلك.
وفي الحديث بيان حرمة القتل، والغَصْب، ونحوه، والغِيبة، وفيه تكرار الكلام للتوكيد.
وسبق بيان أمورٍ أُخرى في الحديث في الباب المذكور.
قال (ط): لما أخذ الله تعالى الميثاق على أنبيائه بتبليغ دينه لأُممهم، وجعل العلماء ورثة الأنبياء، وجب عليهم التبليغ والنَّشر، حتى يظهر الدِّين على جميع الأديان، وكان في زمنه فرض عين،
стр. 528
والآن فرض كفايةٍ لحصول الانتشار.
* * *
٣٨ - بابُ إِثمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ -
(باب إثم من كذب على النبي ﷺ )
١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ كذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلِج النَّارَ".
(لا تكذبوا عليَّ) الكذِب عدَم مطابقة الخبر للواقع، سواءٌ طابَق الاعتقاد أو لا، وقيل: عدَم مطابقة الاعتقاد، طابق الواقع أو لا، وقيل: عدم مطابقتهما، كما أنَّ الصِّدق مطابقتهما، فبينهما واسطةٌ، ومعنى: (عليَّ) نسَب الخبر إليَّ كاذبًا، لا أنَّ بين: (كذَب عليه)، و (كذَب لَه) فَرقًا، ويدخل الكذب على الله في الكذب على رسوله؛ لأن خبره عن الدين خبر الله.
واعلم أن الكذب من حيث هو معصيةٌ، سواءٌ على النبي ﷺ أو على غيره، والعاصي في النار، ففائدة الوعيد على الكذب عليه أنَّ عذابه أشدُّ من عذاب مَن كذب على غيره، لكونه مقتضيًا شرعًا عامًّا إلى يوم القيامة، ففيه من المفسدة ما لا ينحصِر، أو أنَّ الكذب عليه كبيرةٌ، وعلى
стр. 529
غيره صغيرةٌ، والصغائر تكفَّر عند اجتناب الكبائر، أو أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣]: عصيانه بالكبيرة.
(فيلج النار) وجه تسبب الجزاء هنا على الشرط: أن المُسبَّب هو لازم الأمر بالوُلوج، وهو الإلزام به، إلا أنْ يكون الكذِب سببًا للأمر به؛ لأنَّه إنما هو سبَب الوُلوج نفسه.
قال (ن): في الحديث أن هذا جزاؤه، وقد يجازى، وقد يعفو الله عنه، فلا نقطع بدخوله النار، وكذا كل وعيدٍ لكبيرةٍ غير الكفر، وإنْ جُوزي بدخول النار، فلا يخلَّد في النار بل لا بُدَّ من خروجه بفضل الله ورحمته.
* * *
(باب)
كذا في نسخةٍ شرَح عليها (ك)، وفي كثيرٍ لفظ: (باب) هنا ساقطٌ، فعلى الثبوت:
١٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَامعِ بْنِ شَدَّادٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ: إِنِّي لَا أَسمَعُكَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ كَمَا يُحَدِّثُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ، وَلَكِنْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ
стр. 530
مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
(لا أسمعك)، وفي بعضها: (إني لأَسمعُك).
(تحدث) حذفت مفاعيله الثلاثة.
(أما) بتخفيف الميم، حرف تنبيهٍ.
(لا أفارقه) المراد نفي المفارقة العُرفية، أي: الملازمة حضَرًا وسفَرًا، على عادة مُلازمة الملوك، وهو وإنْ هاجر للحبشَة لكن ذلك قبل ظُهور شوكة الإسلام، أو أن المراد: في أكثر الأحوال.
(لكني) في بعضها: (لكنَّني)؛ لأن نون الوقاية مع (لكن) تُحذف وتُذكر، ووجه الاستدراك هنا: أن من لازِم عدَم المفارقة السماع، ولازِم السماع الحديث، ولازِم ما رواه من ذلك أن لا يحدث، فبين اللازمين مُنافاةٌ.
(يقول) سبق مراتٍ وجْهُ الجمع بينه وبين (سمعت) بلفْظ المضيِّ: أنَّه إما استحضاره للسامعين، أو حكاية الحال.
(فليتبوأ) بسكون اللام في المشهور، وإنْ كان الأصل كسرها، والتَبَوُّؤ: اتخاذ المَبَاءَة، أي: المنْزِل، يُقال: تبوَّأ المكان: اتخذه موضعًا لمقامه.
وقال الجَوْهَري: تبوَّأْتُ منْزلًا، أي: نزلته، وهذا ظاهر الأمر، ومعناه الخبر، أي: إن الله يُبوِّئه مقعدَه من النار.
قال (خ): إنما خاف الزبير من ذلك أن يزلَّ أو يُخطئ، فيكون كذبًا، حيث لم يتيقَّن أنَّه ﷺ قالَه، لا أنَّه خاف أن يتعمد الكذب عليه.
стр. 531
ففي الحديث أنَّه لا يجوز التحديث عنه بالشك وغالب الظن، حتى يتيقن سماعه.
وقال (ط): الأمر بالتبوُّؤ إن كان للكاذب فله إلى تركه سبيل، أو لله تعالى، فأمر العبد بما لا سبيل إليه غير جائز، وأجيب بأنَّه بمعنى الدُّعاء، أي: بوأه الله.
ثم هذا الوعيد هل يعم كلَّ كاذبٍ عليه، أو خاصٌّ بمن كذب في الدِّين، فيُنسب إليه تحريم حلالٍ، أو تحليل حرامٍ، فيه خلافٌ، والأرجح العموم.
وقيل: إنما كان هذا في رجلٍ بعينه كذَب عليه، فادعى عند قومٍ أنَّه ﷺ بعثَه إليهم للحُكم فيهم.
وقال الطِّيْبِي: الأمر بالتبوُّؤ تهكُّمٌ وتغليظٌ، إذ لو قيل: كان مقعده في النار لم يكُن فيه هذا التغليظ، وأيضًا ففيه معنى أنَّه يقصد في جزاء الذَّنب، كما قصَد في نفْس الذَّنب حيث تعمَّد.
قلت: لكن المَحفوظ في حديث الزبير أنَّه ليس فيه: متعمِّدًا، وقد رُوي عن الزُّبير أنَّه قال: واللهِ ما قال: مُتعمِّدًا، وأنتم تقولون: متعمِّدًا، قاله المنذِري في "مختصر السنن".
قال (ك): ويحتمل أنَّه على حقيقته، وأنَّه يلزم بالتبوُّؤ أنْ لو قصد الكذب، ولكن لم يكن في الواقع كذب، فإنَّه يأْثم بقصد المعصية، لا بها نفسها؛ لأنَّها لم تقَع.
واعلم أن هذا الحديث في نهاية الصحة، وقيل: إنَّه متواترٌ، قال
стр. 532
الصَّيْرفي في "شرح رسالة الشافعي": رُوي عن أكثر من ستِّين صحابيًّا، منهم العشرة، قال: ولا يُعرف في غيره.
قلتُ: قد اجتمع العشرة في حديث رفْع اليدين، والمسح على الخفين، وقال بعضهم في حديثِ: "من كذَبَ عليَّ"، رواه مئتان من الصحابة.
قال ابن الصلاح: ثم لم يزل عدده في ازدياد على الاستمرار، وليس في الأحاديث ما في مرتبته من التواتر، ولا للمتواتر مثالٌ إلا هو.
وقال (ك): تواتره معنويٌّ.
قال (ن): ومن فوائده: أن الكذب: الخبر عن الشيء بخلاف ما هو أعم من العمد والشهود، كما هو قاعدة أهل السنة، وتحريم الكذب عليه ﷺ ، وأن الكذب فاحشةٌ عظيمةٌ، لكن لا يَكْفُر به إلا من يستحلُّه خلافًا لقول الشيخ أبي محمَّد الجُوَيني: يكَفْرُ ويُراق دمه، ومن كذب عليه ثم تابَ وحسُنت توبته تُقبل روايته بعد ذلك، جريًا على القواعد، خلافًا لقول أحمد، وجماعةٍ من أصحابنا: لا تُقبل روايته أبدًا، ثم يحتم جرحه.
وقد أجمعوا على قبول الكافر إذا أسلم، ولا فرق في تحريم الكذب عليه بين الأحكام، والكذب في الترغيب والترهيب، خلافًا لتجويز الكرَّامية وَضْعَ الحديث فيما لا حكمَ له، فالزبير إنما خاف الغلَط، أو النِّسيان، وإنْ كان لا إثمَ عليه، فقد يُنسب لتفريطٍ بتساهلٍ،
стр. 533
أو نحوه، بل الناسي قد يؤاخذ بغرامة المتلَفات، وانتقاض الطهارات، ونحو ذلك.
* * *
١٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ أَنَسٌ: إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
(أن أحدثكم) هو المفعول الثاني لـ (يمنع)، وفاعله: (أن النبي ﷺ ) إلى آخره، ومعنى قوله: (حديثًا كثيرًا)، أي: عن النبي ﷺ ؛ لأنَّه إذا أُطلق الحديث فالمراد به ذلك.
وعبارة (ك) في إعراب ذلك فاسدةٌ يحتمل أنَّها من الناسخ.
ومعنى كون هذا الحديث يمنعه من الحديث الكثير وإنْ كان لا يمنع الصادق: أنَّه يجرُّ إلى الوقوع في كَذِب، "فإنَّ مَنْ حامَ حَولَ الحِمَى يُوشِكُ أنْ يقَعَ فيهِ" وإنْ لم يكن بالقصد.
(كذبًا) نكرةٌ في سياق الشَّرط، فيعمُّ كما في سِياق النفي.
* * *
١٠٩ - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أقلْ فَلْيتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
стр. 534
(ما لم أقل) حذف مفعوله، أي: أقله، وهذا الحكم لا يختص بالقول، فمن نسب إليه فعل لم يفعله كان كذلك، إذ لا فرق.
(من النار) يحتمل أن تكون (من) بيانيةً، وأن تكون ابتدائيةً.
واعلم أن هذا الحديث من ثلاثيات البخاري، أي: بينه وبين النبي ﷺ فيه ثلاثةٌ، وهذا أعلى ما له.
وفي الحديث كما قبله من تعظيم أمر الكذب عليه ﷺ ما لا نهايةَ له، فلقد كان كثيرٌ من الصحابة والتابعين يمتنع من إكثار التحديث عن النبي ﷺ خوفًا من الزيادة والنقصان والغلَط، حتى إنَّ من التابعين من كان يُهمل رفع المرفوع، فيوقفه على الصحابة، ويقول: الكذب عليه أهون من الكذب على رسول الله ﷺ ، ودار بين الزُّهري وربيعة مُعاتبةٌ، فقال ربيعة للزُّهري: إنما أنا أُخبر الناس برأيي، وأنت تُخبرهم عن رسول الله ﷺ ، فانظر ما تخبرهم به.
* * *
١١٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أبي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتي، وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ".
(تسموا) تفعَّلوا، إما على حقيقته، أو بمعنى: سمُّوا.
(تكنوا) من الكنية، كأبي زيد، وهو تَفعُّل، وفي نسخةٍ من الفِعْل،
стр. 535
وفي نُسخةٍ من الافتِعال، والكلُّ صحيحٌ.
قال الجَوْهَري: أن تتكلم بشيء وتريد غيره، يقال: كنَيتُ، وكَنَوت بكذا، وعن كذا، والكنية والكِناية بالضم والكسر، وكُنِّي فلانٌ بكذا، وكنَّيتُه أبا زيد، وبأبي زيد، ورسول الله ﷺ اسمه: محمد، وكنيته: أبو القاسم، ولقبه: رسول الله ﷺ ، وسيد المرسلين.
قلت: هذا مثالٌ، وإلا فله غير هذا الاسم والكنية واللَّقب.
وفي التكني بكنيته خلاف، فمنع أهل الظاهر التكنية بأبي القاسم مطلقًا؛ لظاهر هذا النهي ونحوه.
وجوَّزه مالك مطلقًا؛ لأنَّ هذا إنما كان في زمنه للالتباس، فرُوي أن رجلًا نادى: يا أبا القاسم، فالتفت له رسول الله ﷺ ، فقال: لم أَعْنِكَ، بل عَنَيتُ فُلانًا، ثم نُسخ فلم يبق التباسٌ.
وقال جُرير: النهي للتنزيه، لا للتحريم.
وقال جمعٌ من السلَف: النهي مختصٌّ اسمه محمد، أو أحمد؛ لحديث: "نَهى أَنْ يُجمَع بين اسمِهِ وكُنْيتِه"، وزاد بعض مَن منع مطلقًا أن يُسمى ولده بقاسِم، بل منَع بعضهم التسمية بمحمدٍ، سواءٌ كان له كُنيةٌ، أو لا؛ لحديث: "تُسمُّون أَولاكُم محمَّدًا، ثم تَلْعَنونَهم".
قلت: تُعارضه أحاديث: "تَسَمَّوا باسمِي"، "خيرُ الأسماء ما حُمِّد"، ونحو ذلك.
(فقد رآني) مغايرتُه للشرط حتى يصحَّ وقوعه جوابًا، إما على
стр. 536
تقدير محذوفٍ، أي: فليَستبشر بأنَّه قد رآني، أو أن الثاني مرادٌ به بُلوغ غاية الكمال، كما في: "فمَنْ كانت هجرتُه إلى اللهِ ورسولِه"، كما سبق.
ثم قال القاضي أبو بكر الباقِلَّاني: إن معنى الرؤية هنا أنَّها رؤيةٌ صحيحةٌ، لا أضغاث أحلامٍ، ولا من تشبيهات الشيطان، وقد يراه الرائي على خلاف صفته المعروفة، كمن يراه أبيض اللحية، وقد يراه شخصان في زمنٍ واحدٍ، أحدهما في المشرق، والآخر في المغرب، يراه كلٌّ في مكانه.
وقال قومٌ: الحديث على ظاهره، ولا مانع من حقيقته؛ فإن العقل لا يُحيله حتى يؤوَّل، وأما قوله: قد يُرى على خلاف صفته، أو في مكانين، فذلك لأن التغيير في صفاته لا في ذاته، فتكون ذاته مرئيةً، وصفاته متخيلةً، والرؤية أمرٌ يخلقه الله تعالى في الحي، لا بمواجهةٍ، ولا تحديق بصرٍ، ولا كون المرئي ظاهرًا، بل الشرط كونه موجودًا فقط، حتى تجوز رؤية أعمى الصين من في قبة الأندلس، ولم يقم دليل على فَناء جسمه ﷺ ، بل الحديث يقتضي بقاءه.
وقال الغزالي: ليس معناه أنَّه رأى جسمي وبدني، بل رأى مثالًا يتأدَّى به المعنى الذي في نفسي إليه، بل البدن في اليقظة أيضًا ليس إلا آلة النفس، فالحقُّ أن ما يَراه مثالُ حقيقةِ روحه المقدَّسة، التي هي محل النُّبوَّة، لا نفس روحه، ولا شخصه.
стр. 537
قال (ك): الأوسط من الثلاثة أرجح، فخير الأمور أوسطها.
قال (ع): خُصَّ ﷺ بأن رؤيته صحيحةٌ، لا يتصور الشيطان في صورته؛ لئلا يكذب على لسانه في النوم، فخرق الله العادة للأنبياء بالمعجزة.
قال البَغَوي: رؤياه حقٌّ، وكذا جميع الأنبياء والملائكة، نعم، مَن رآه في المنام لا يصدُق عليه صحابي؛ لأن المراد من الصحابي: أن يَراه الرؤية المعهودة في حياته في الدنيا؛ لأنَّه مخبرٌ عن الله، وما كان مخبرًا عنه إلا في الدنيا، لا في القبر، ولهذه مدَّته ثلاث وعشرون سنةً على أنَّه لو التزم إطلاق الصحابي له لجاز، قاله (ك)، ولا يُستدلُّ بما يرويه عنه الرائي له في المنام؛ لأن شرط الراوي أن يكون ضابطًا عند السماع، والنوم ليس حالة ضبطٍ.
* * *
٣٩ - بابُ كِتَابَةِ الْعِلْمِ
(باب كتابة العلم)
١١١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا كِتَابُ اللهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ،
стр. 538
وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.
(م د ت).
(سُفْيان) يجوز أن يُريد به الثَّوري، وأن يُريد به ابن عُيَينة؛ لأنَّ وكيعًا يروي عنهما، وهما يرويان عن مُطرِّف، ومثل هذا الالتباس لا يَقدح؛ لأن كلًّا منهما إمامٌ حافظٌ على شرط البخاري، وهو يروي عنهما كثيرًا.
نعم، قال الغَسَّاني في "تقييد المهمل": إن هذا الحديث محفوظٌ عن ابن عُيينة، وقال أبو مسعود الدمشقي: إن هذا ابن عُيينة، ولم يُنبِه عليه البخاري.
قال: وقد رواه يَزيد العَدَني -أي: بفتح المهملتين والنون-، عن الثَّوري أيضًا.
(عندكم) إما خاطب به عليًّا بالجمع تعظيمًا، أو إرادة مع سائر أهل البيت، أو للالتفات من خطاب المفرد للجمع، إذ مثله التفاتٌ نحو: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١]، ولا فرقَ بين الانتقال حقيقةً، أو تقديرًا عند الجمهور.
(كتاب)؛ أي: مكتوب عن النبي ﷺ .
ووجه السؤال أنَّ الشِّيعة كانوا يزعُمون أنَّه ﷺ خصَّ أهل البيت -لا سيَّما عليًّا - بأسرار من الوحي، أو لأنَّه كان يرى منه علمًا وتحقيقًا لا يجده عند غيره، فسأله.
стр. 539
(إلا كتاب الله) بالرفع.
(فهم)؛ أي: فهم من فحوى الكلام، ويدرك من بواطن المعاني بالاستنباط، والناس يتفاوتون فيه، وهو من بقية الاستثناء المتصل؛ لأنَّه من توابع الكتاب.
(أعطيته) بالبناء للمفعول، ومفعوله الأول هو نائب الفاعل، والثاني هو الضمير.
(الصحيفة)؛ أي: الكتاب، وكانت معلقةً بقبضة سيفه، إما احتياطًا، واستحضارًا، أو لانفراده بسَماعها، أو للإشعار بأن مصالح الدُّنيا ليست بالسيف وحده، بل إما بالقتل، أو الدِّيَة، أو العَفو، فلا يوضع السَّيف في موضع النَّدى، بل يوضع كلٌّ في موضعه.
(فما) في بعضها: و (ما) -بالواو- وهي استفهامية، بخلاف (ما) السابقة.
(العقل)؛ أي: الدِّيَة؛ لأن إبلها تعقل بفناء دار المستحِقِّ، والمراد بيان أحكام ذلك.
(وفكاك) -بكسر الفاء-: ما يفتك به، أي: يخلص، يقال: فكَّه، أو افتكَّه بمعنىً، قال القَزَّاز: إنَّه بالفتح أفصح.
(الأسير) فعيلٌ بمعنى: مأسور، من أَسَره: شدَّه بالإسار، وهو القِدُّ، بكسر القاف والمهملة؛ لأنَّهم كانوا يشدُّون الأسير به، ثم سُمي كل مأْخوذٍ أسيرًا، وإن لم يشدَّ به، والمراد أن فيها حكمه، والترغيب في تخليصه، وأنَّه من البر الذي يهتم به.
стр. 540
(وإن لا يقتل) في بعضها: (ولا يُقتَل)، وعطف الجملة حينئذٍ على مفرد بالتأْويل، أي: وفيها حُكم حرمة قصاص المسلم بالكافر، ونحوه: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
ففيه دليلٌ على منع قتل المسلم بالذِّمي، وعليه الشافعي، ومالك، وأحمد، خلافًا لأبي حنيفة، تعلُّقًا بما رَوى عبد الرحمن البَيْلَماني: أنَّ رجُلًا مِن المُسلمين قتَلَ ذِمِّيًّا، فأَمر به ﷺ فقُتل.
قال البَيْضاوي: هو منقطعٌ لا يحتجُّ به، وأيضًا زعموا أن القاتِل كان عمرو بن أُميَّة، وهو قد عاش بعد النبيِّ ﷺ سنين، وأيضًا فمتروكٌ بالإجماع؛ لأنَّه روي أن الكافر كان رسولًا، فيكون مستأْمنًا، وهو لا يُقتل به المسلم اتفاقًا، وإن صحَّ فمنسوخٌ؛ لأنَّه رُوي أن ذلك كان قبل الفتح، وقد قال ﷺ يوم الفتح في خُطبته على درج البَيت: "ولا يُقتَلُ مُؤمنٌ بكافرٍ، ولا ذُو عَهدٍ في عَهْدِهِ".
قال: ومعنى كلام علي ﵁ أنَّه ليس عندي سوى القرآن، وأنَّه لم يخصَّ بالتبليغ والإرشاد قومًا دون قومٍ، وإنما التفاوُت في الفهم، واستعداد الاستنباط، واستثنى ما في الصَّحيفة احتياطًا؛ لاحتمال أن يكون فيها ما لا يكون عند غيره، وقيل: كان فيها من الأحكام غير ما ذكر، ولكنه اقتصر على ذكر المقصود حينئذٍ، أو ذكره ولكن لم يحفظه الراوي.
قال (ط): وفيه ما يقطَع بدعة المتشيِّعة أن عليًّا ﵁ وصيٌ، ومخصوصٌ بعلمٍ لا يعرفه غيره، ققال: ما عندي إلا ما عند الناس، ثم
стр. 541
أَحالَ على تفاوُت درجاتهم في الفهم.
قال (ك): وفيه إرشادٌ إلى أن العالم له أن يستخرج بفهمه من القرآن ما لم يكن منقولًا عن المفسرين بشرط موافقة الأصول الشرعية، وإباحةُ كتابة الأحكام وتفسيرها، وجواب السؤال عن الإمام فيما يتعلق بخاصته.
* * *
١١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَخَطَبَ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ -أَوِ الْفِيلَ شَكَّ أَبُو عَبْدِ اللهِ- وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلَا وإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، ولم تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلَا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نهَارٍ، أَلَا وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ"، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: اكتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "اكْتُبُوا لأَبِي فُلَانٍ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتنَا وَقُبُورِناَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إلَّا الإذْخِرَ، إلَّا الإذْخِر".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالْقَافِ، فَقِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: أَيُّ
стр. 542
شَيْءٍ كتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كتَبَ لَهُ هَذِهِ الْخُطْبَةَ.
(خُزَاعَة) بضم المعجمة، وبالزاي: حيٌّ من الأَزْد، سميت بذلك؛ لأن الأزْد لمَّا خرجوا من مكة وتفرَّقوا خزعَتْ، أي: تخلَّفتْ، وأقامت بمكة.
(رجلًا) سماه ابن هشام: جُنَيْدِب بن الأَكْوَع.
(بقتيل) سماه ابن إسحاق: منبه الخُزاعي.
(فأخبر) بالبناء للمفعول.
(راحلته) هي الناقة التي تصلُح أن ترحل، ويقال: المركوب من الإبل، ذكرًا كان أم أنثى.
(الفتك) بالفاء: سفك الدم على غفلةٍ، وفي بعضها: (القتل) بالقاف واللام.
(أو الفيل)؛ أي: الذي أرسل الله تعالى على أصحابه طير الأَبابيل، تَرميهم بحجارةٍ من سجِّيلٍ حين قربوا من مكة.
(واجعلوا) يحتمل أنَّه من قول أبي نُعَيم للسامعين، أي: اجعلوا هذا اللفظ على الشك، وفي نسخة: (قال أبو عبد الله -أي: البخاري-: اجعلوا)، فيكون من مقوله، أي: أما عن أبي نُعَيم فجازمٌ بأنَّه الفِيْل، بالفاء واللام، وصوَّبه بعضهم، والمراد أنَّه جنس أصحاب الفيل، أو جنس الفيل نفسه، كما هو معروفٌ في قصته.
(سلط) بالبناء للفاعل، أو للمفعول.
стр. 543
(عليها)؛ أي: مكة، وفي نسخة: (عليهم)، أي: أهلها.
(والمؤمنون) بالواو، فإن بُني (سُلِّط) للمفعول؛ فهو عطفٌ على نائب الفاعل، وإلا فمبتدأٌ، أي: والمؤمنون كذلك.
(ألا) حرف تنبيهٍ.
(وإن) عطفٌ على مقدَّرٍ، أي: ألا إنَّ الله حبَس، وأنَّها لم تحلَّ، وإلا فترك العطف هو الأصل، كما في: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، والمراد بحِلِّ مكة حِلُّ القِتال فيها.
(ولا تحل لأحد بعدي) في بعض النُّسَخ: (ولم تحلَّ)، وهو مشكلٌ لأنَّ: (لم) تَقلب إلى الماضي، فهو ينافي: (بَعْدِي)، إلا أنْ يُؤوَّل بأنَّه لم يحكم الله في الماضي أن تحلَّ في المستقبل.
(ساعتي) سبق بيانها قريبًا.
(حرام) إخبارٌ عن مكة، وهي مؤنَّثٌ؛ لأنَّه وإن كان صفةً مشبهةً في الأصل لكنْ غلبت الاسمية عليه، فتساوى في الإخبار به المذكر والمؤنث، أو أنَّه مصدرٌ يخبر به عن الكل بلفظٍ واحدٍ.
(يُختلى)؛ أي: يُجزُّ ويُقطع.
(شوكها)؛ أي: فالشجر من باب أولى.
(يعضد)؛ أي: يقطع.
(ساقطتها)؛ أي ما سقط بغفلة المالك، أي: اللقطة.
(لمنشد)؛ أي: معرّفٍ، أما طالبها فناشدٌ.
стр. 544
قال البغوي: الحديث مخصوصٌ بغير المؤذي من الشوك، كالعَوسَج، فإنَّه لا بأس بقطعه، كالحيوان المؤذي، واليابس، كما في الصيد الميت، من باب التخصيص بالقياس، وأما اللُّقطة فهو دليل لأصح قولي الشافعي: أنَّه ليس لواجدها غير التعريف، ولا يملكها.
قال: وخالف مالك والأكثرون فسوَّوا بينها وبين لُقطة غير الحرم في جواز التعريف والتملك، وقالوا معنى: (إلا لمنشِد): أنَّه يُعرِّفها كما يعرفها في سائر البقاع حولًا كاملًا؛ لئلا يتوهم أنَّه إذا عرفها في الموسم فلم يظهر مالكها يتملك من غير اعتبار حولٍ، لكن المقام بيان فضل مكة، وحينئذٍ فلا يبقى لها خصوصيةٌ.
ويجوز رعي البهائم في كلأ الحرم، خلافًا لأحمد وأبي حنيفة.
(فمن قتل ...) إلى آخره، هو بالبناء للمفعول، وليس المراد أن القتيل يخير، بل على تقدير محذوف، أي: فالمستحق لدمه مخير، وإنما نسب الحكم للقتيل؛ لأنَّه السبب، وقال (خ): التقدير فمن قُتل له قتيلٌ.
(يعقل)؛ أي: يعطى العقل، وهو الدية.
(يقاد) بالبناء للمفعول، والقود: القصاص، يقال: أقدت القاتل بالمقتول: اقتصصته منه، فالنائب عن الفاعل ضمير يعود للمقتول، أي: يُؤخذ له القوَد، والمراد بالقتل هنا الذي يوجب القصاص، وهو العمد المحض العدوان، وفي بعض النُّسَخ: (يفاد) بالفاء؛ من أفدت المال، أي: أعطيته، وفي بعضها: (يفادي) من إعطاء الفِداء، نعم،
стр. 545
يلزم منه التكرار مع قوله: (يعقل) إلا أن يُراد بالعقل دفع العاقلة، وبالفداء نفس الجاني.
(أهل) بالرفع. قال (ك): وفيه تنازع الفعلين: يعقل، ويقاد.
واعلم أنَّه ليس في الحديث نفي أخذ القصاص في الحرم، فهو حجةٌ للشافعي، وحينئذٍ فإنكاره ﷺ على خُزَاعَة ليس لأجل كون القصاص في الحرم، بل لأنَّه لعلهم قتلوا غير القاتل، على عادة الجاهلية، لكن إذا كان ذلك جائزًا في الحرم، وإن كل قتل وقتال بحق يجوز فيه، حتى لو تحصن كفار -والعياذ بالله- بالحرم قوتلوا.
فما الذي أُحل له ﷺ ساعةً، ولا يحل لأحد بعده؟
وجوابه: أن المراد -كما قال الشافعي- نصب القتال على مكة بما يعم، كالمنجنيق وغيره، إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك، بخلاف غير مكة، فإنَّه يجوز قتالهم بكل شيءٍ.
وفي الحديث على تقدير: أن يُقاد، -بالقاف- حجةٌ للشافعي في تخيير الولي بين القصاص والدية، وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء.
وقال مالك: ليس له إلا القتل أو العفو، وليس له الدِّية إلا برضا الجاني.
وقال أهل العراق: ليس له إلا القصاص، فإن ترك حقَّه لم يكن له أخذ الدية.
وفيه دليلٌ لأحد قولي الشافعي أن الواجب أحد الأمرين:
стр. 546
القِصاص، أو الدِّية، ولكن الأرجح أنَّه القصاص عيْنًا، والدِّية بدلٌ.
قلت: فالمراد في الحديث حينئذٍ أن الولي مخيرٌ بين أن يأخذ حقه بعينه، أو بين أن يعفو على الدية إذا لم يرد القصاص، أو يعفو مطلقًا، وهذا لا يلزم منه أن الواجب أحدهما.
(لأبي شاه) بمعجمةٍ، وهاءٍ وقفًا ودَرْجًا، لا يعرف له اسم، وهو يَمنيٌّ بَجَليٌّ، قيل للبخاري: أي شيء كتب له؟ قال: هذه الخُطبة.
(رجل من قريش)؛ أي: العبَّاس.
(الإذخر) بكسر الهمزة، وسكون المعجمة، ثم معجمة مكسورةٍ: نبتٌ معروفٌ، طيب الرائحة.
(في بيوتنا)؛ أي: يسقف به فوق الخشب.
(وقبورنا)؛ أي تسد به فُرج اللحد المتخللة بين اللَّبِنات، وهذا الاستثناء في كلام العبَّاس ليس في شيءٍ من كلامه، بل تلقينٌ، كانَّه قيل: قل يا رسولَ الله، إلا الإذخر، أما استثناء الرسول ﷺ فهو من كلامه السابق، ولا يضره الفصل؛ لأنَّه يسيرٌ، ولأن العبَّاس كان يرى رأْي ابنه من جواز الفصل، أو يقدَّر تكرار لفظ: (لا يُختلى شوكها)، فيكون استثناءً من المُعاد الأول، وفي بعضها: (إلا الإذخر)، مرتين]، فالثاني تأكيدٌ للأول.
وليس في الحديث حجةٌ لإفتائه باجتهاده ﷺ ، أو تجويز التفويض إليه؛ لاحتمال أنَّه أُوحي إليه في الحال، باستثناء الإذْخر، وتخصيصه من
стр. 547
العموم، أو: أُوحي إليه مِنْ قَبل: أنَّ مَنْ طَلَبَ استثناءَ شيءٍ فاستثنه، أو لما علم الضرورة استثنى؛ لأنَّها تبيح المحظور.
قال (ط): وفيه كتابة العلم خلافًا لمن كرهه، وكتابة المُصحَف، فقد كان للنبي ﷺ كُتَّابٌ يكتبون الوحي.
قال الشَّعبي: إذا سمعت شيئًا اكتُبْه، ولو في الحائط.
قال (ك): محلُّ الخلاف في غير المُصحَف، ففي "مسلم": "لا تَكتُبُوا عنِّي غيرَ القُرآن، ومَن كتَبَ غيرَ القُرآن فليَمحُه"، وكان في ذلك خلافٌ، ثم أجمعوا على الجواز بل الاستحباب، وحملوا النهي على أنَّه في حق من يوثق بحفظه، ويخاف اتكاله على الكتابة، ويحمل حديث أبي شاه على من لا يوثق بحفظه، أو كان النهي عند الخوف من الاختلاط بالقرآن، وقد أمن ذلك، أو النهي على كتابة القرآن والحديث في صحيفةٍ واحدةٍ؛ لئلا يختلط فيشتبه على القارى، أو بأنَّه نهي تنزيه، أو منسوخٌ.
* * *
١١٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِهٍ، عَنْ أَخِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: مَا مِنْ أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَدٌ أكثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكتُبُ، تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 548
(عن أخيه)؛ أي: هَمَّام بن مُنبِه.
(أكثر) بالنصب، ويحتمل الرفع، وهو أفعل تفضيل، وفصل بينه وبين لفظ (من)؛ لأنَّها ليست أجنبية.
(من عبد الله بن عمرو)؛ أي: ابن العاص، وإنما قلَّت الرواية عنه مع كثرة ما حمل: لأنَّه سكن مصر، وكان الواردون إليها قليلًا، بخلاف أبي هريرة، فإنَّه استوطن المدينة، وهي مقصد المسلمين من كل جهةٍ.
والاستثناء هنا يحتمل الانقطاع، أي: لكن الذي كان من عبد الله، أي: الكتابة لم تكن مني، والخبر محذوفٌ، بقرينة باقي الكلام، سواءٌ يلزم منه أن يكون أكثر حديثًا؛ لأن الملازمة تقتضي الكثرة في العادة، ويحتمل الاتصال نظرًا إلى المعنى، أو حديثًا، وقع تمييزًا، والتمييز كالمحكوم عليه، وكأنَّه قال: حديثه أكثر من حديثي، إلا ابن عمرو، كان يكتب ولا أكتب.
والاستدلال على جواز الكتابة بفعل الصحابة إما لأنَّه حجةٌ، وإما بتقريره ﷺ على ذلك.
(تابعه معمر) وهي هنا ناقصةٌ؛ لذكره فيها المتابَعَ عليه، ثم يحتمل أن يكون بين البخاري ومعمر مَن سبَق، ويحتمل غيرَهم، فيكون تعليقًا، نعم، وصلها أبو بكر المَرْوَزي في "كتاب العلم" له، والبَغَوي في "شرح السنَّة".
* * *
стр. 549
١١٤ - حَدَّثَنَا يَحْيىَ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَجَعُهُ قَالَ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ"، قَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَبَهُ الْوَجَعُ وَعِنْدَناَ كِتَابُ اللهِ حَسْبُنَا، فَاخْتَلَفُوا وَكثُرَ اللَّغَطُ، قَالَ: "قُومُوا عَنِّي، وَلَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ"، فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِّيةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ كِتَابِهِ.
(ائتوني بكتاب) على حذف مضاف، أي: بأداة كتاب، من قلمٍ ودواةٍ، والمراد بالكتاب: الكتابة، فهُما بمعنى، أو أراد بالكتاب: ما من شأْنه أن يُكتب فيه، كالكاغِد والكَتف.
(اكتب) بالجزم جوابًا للأمر، ويُرفع استئنافًا، ومعنى ذلك مع كونه أميًّا إما لأن الأمي من لا يُحسن الكتابة، لا مَن لا يقدر، وقد ثبت في "الصحيح" أنَّه كتَبَ بيدِه، أو هو من المَجاز، بمعنى: أمر بالكتابة، نحو: كسَا الخليفة الكعبة، أي: أمَرَ.
(لن تضلوا) في بعضها: (لا تَضِلُّوا) بحذف النون، لأنَّه بدلٌ من جواب الأمر، وجوَّز بعضهم تعدُّد جواب الأمر من غير عاطفٍ، وهو بكسر الضاد: من الضلال، ضد الرشاد، والماضي: ضللت، بالفتح، هذا الفصيح، وأهل العالِيَة يكسرون الماضي، ويفتحون المضارع، وجاء: تضِل، بالكسر، بمعنى: ضاع، وهلك.
(حسبنا)؛ أي: كافينا، وهو خبر مبتدأ محذوفٍ.
стр. 550
(اللغط) بفتح اللام، والمعجمة، هو الصَّوت والجَلَبة.
(عني)، ويروى: عندي؛ أي: مبتعدين عني، بخلاف قوموا لي، نحو: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، لا في نحو: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦]، وقمت بكذا.
(الرزية)؛ أي: المصيبة، يقال: رزأَتْه، أي: أصابتْه، ويجوز تشديد الباء بإدغام، نحو: بَريَّة.
(حال)؛ أي: حجَزَ.
قال (خ): هذا يُتأوَّل بوجهين:
أحدهما: أنَّه أراد كتابة اسم الخليفة بعده، حتى لا يتنازعوا، فيؤدي إلى الضلال.
والثاني: أنَّه همَّ بأن يكتب كتابًا يرتفع به الاختلاف بعده، شفقةً على أُمته، وتخفيفًا عنهم، فلما رأى اختلافهم، قال: (قُومُوا عَنِّي).
ووجْهُ ما قال عمر: أنَّه لو زال الاختلاف بالنصِّ على كلِّ شي لعدم الاجتهاد في طلب الحق، ولاستوى الناس، وبطلت فضيلة العلماء على غيرهم، وعمر لم يتوهم قط أنَّه ﷺ يقع له غلطٌ فيما يفعل بوجه من الوجوه، بل إنَّه لمَّا أكمل الله له الدين، وتمت شريعته، وقد أظلته الوفاة، وهو بعدُ يعتريه في المرض ما يعتري البشر، أشفق أن يكون ذلك القول من نوع ما يتكلم به المريض، مما لا عزيمة فيه، فيجد به المنافقون سبيلًا إلى تلبيس في الدين.
وأيضًا فقد كان ﷺ يرى الصواب في الأمر فيراجعه أصحابه إلى أن
стр. 551
يعزم الله له على شيء، كما راجعوه في الحُدَيْبِيَة فيما كتب بينه وبين قريش، أما إذا كان أمرَ بشيءٍ، أو عزَم، فلا يُراجع فيه، ولا يخالف.
وجوَّزوا على رسول الله ﷺ الاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه وحي، ولا يخطئ اجتهاده أبدًا.
وفيه: المريض غير مكلف، وقد سها النبي ﷺ في صلاته حتى يشرع لأُمته، فكذا في مرضه يجوز أن يقع منه شيء، ثم يراجع عنه.
قال (ط): وفيه ما يبطل دعوى الشيعة أنَّه أوصى بما قبله منه عليٌّ؛ ويردُّه أنَّه لو كان عنده ذلك لأحال عليه ﵁.
وفيه: من فقه عمر: أنَّه خشي من أن يكتب ﷺ أمورًا ربما عَجَزوا عنها، فاستحقوا العقوبة عليها؛ لأنَّها منصوصة، لا مجال للاجتهاد فيها، وقوله: حسْبُنا كتابُ الله، أي: لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، فقنع به، وأراد الترفيه عن النبي ﷺ لاشتداد مرضه، فعُمَرُ أفقهُ من ابن عبَّاس، حيث اكتفى بالقرآن، ولم يكتف به.
وفيه: أنَّ الإمام له أن يُوصي عند موته، وفي تركه الكتاب إباحةُ الاجتهاد؛ لأنَّه وَكَلَهم إلى اجتهادهم، وإنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب؛ لأن القرينة قد تَصْرِف الأمر من الإيجاب إلى الندب، فأدى اجتهادهم إلى أنَّه غير واجبٍ، وخاف عُمر أن المنافقين يتطرَّقون إلى القَدْح فيما اشتُهر من قواعد الدِّين بكتابٍ يُكتب في خلوةٍ من آحادٍ، فيُضيفون إليه ما يشبِهون على الذين في قلوبهم مرضٌ، فلهذا قال: القرآن حسبنا.
стр. 552
قال (ن): هو ﷺ معصومٌ، لكن [لا]، من الأمراض والأسقام العارضة للجسم، فيما لا نقصَ فيه، ولا فسادَ في شرعه.
فقول عمر: حسبنا كتاب الله، ردٌّ على مَنْ نازعه، لا على أمر النبي ﷺ ، وكان ظهَر له ﷺ حين هَمَّ بالكتاب أنَّه مصلحةٌ، أو أوحي إليه بذلك، ثم ظهر، أو أوحي إليه أن المصلحةَ تَرْكُه، والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال.
* * *
٤٠ - بابُ الْعِلْمِ وَالْعِظَةِ بِاللَّيْلِ
(باب العلم والعظة بالليل)، في نسخةٍ بدَل (العِظَة): (اليَقَظة).
١١٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَناَ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَمْرٍو، وَيَحْيىَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتِ: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: "سُبْحَانَ اللهِ! مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الْحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ".
(وعمرو ويحيى) عطفٌ على (معمر)، أي: وروى ابن عُيينة عنهما أيضًا، عن الزُّهري، وفي بعض النُّسَخ قبل ذلك جاء التحويل.
قال (ك): وفي بعضها برفع (عمرو)، أي: قال عمرو، ويحتمل
стр. 553
أن يكون تعليقًا من البخاري، والظاهر الأصح الأول.
(عن امرأة) كذا في نسخةٍ، أي: هند السابقة، واغتُفر ذلك؛ لأنَّه متابعةٌ، وفي كثيرٍ من النسخ: (عن هند)، وكذا بقية روايات البخاري في: (صلاة الليل)، و (اللباس)، و (علامات النُّبوَّة)، و (الأدب)، و (الفتن).
(استيقظ)؛ أي: تيقَّظ، أي: انتبه من النوم.
(ذات ليلة)؛ أي: في ليلة، و (ذات)، مقحمةٌ للتأكيد.
وقال الزَّمَخْشَري: من باب إضافة المسمَّى إلى اسمه.
وقال الجَوْهَري: قولهم: ذات مرةٍ، وذو صباحٍ، من ظروف الزمان التي لا تتمكَّن، تقول: لقيته ذات يومٍ، وذات ليلةٍ.
(سبحان) نصب على المصدر، بمعنى التنزيه، والعرب تقوله في مقام التعجُّب.
قال بعض النحاة: إنَّه من ألفاظ التعجب.
(ما) استفهامية ضُمِّنت معنى التعجب والتعظيم.
(الليلة) ظرف للإنزال.
(الفتن)؛ أي: العذاب؛ لأنَّها سببه.
(الخزائن)؛ أي: الرحمة، قال تعالى: ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ١٠٠].
والمراد: أنَّه ﷺ رأى في المنام أنَّه سيقع بعده فتنٌ، وتفتح لهم الخزائن، أو أوحي إليه ذلك قبل النوم، أو بعده، وهو من معجزاته،
стр. 554
فقد وقع بعده الفتن، وفتحت الخزائن من فارس والروم وغيرهما.
(أيقظوا) -بفتح الهمزة- أي: نبِّهوا.
(صواحب) مفعولُه، وهو جمع صاحبة، والمراد أزواجه، ويجوز كسر همزة: (أيقظوا)، أو نصب: صواحب على النداء لو رُوي كذلك، كذا قال (ك)، وفيه نظرٌ؛ لأن النِّسوة لا يُخاطبن إلا بالنون.
(رب) للتكثير، وإن كان أصلها للتقليل، وهي مُتعلِّقةٌ وجوبًا بفعل ماضٍ متأخرٍ، أي: عرفتها، أو نحو ذلك.
(عارية) قال (ع): أكثر الروايات بخفضه صفة لمجرور (ربَّ).
وقال غيره: الأَولى رفعه خبر مبتدأ مضمر، أي: هي عاريةٌ.
وقال السُّهَيْلي: الأحسن عند سِيْبَوَيْهِ الخفض؛ لأن (ربَّ) عنده حرف جرٍّ لها الصدر، ويجوز الرفع، وتكون الجملة نعتًا لمجرور (ربَّ).
قال: واختيارُ الكسائيِّ أن (ربَّ) اسمٌ مبتدأٌ، والمرفوع خبرها، وإليه كان يذهب شيخنا ابن الطَّرَاوة، والمراد: لابساتٌ رقيق الثياب التي لا تمنع لون البشرة، معاقَباتٌ في الآخرة بفضيحة التعرِّي، وأنَّ لابسات الثياب النفيسة في الدنيا عاريةٌ في الآخرة، أو أن لابستها في غير بيتها، أو لغير زوجها عاريةٌ في الآخرة من الثواب، أو غير ذلك، فندبهنَّ بذلك إلى الصدقة، وترك السَّرَف، وأخذ أقلِّ الكفاية، والتصدُّق بما سواه.
وقال الطِّيْبِي: هذا بيان موجب الاستيقاظ، أي: لا ينبغي لهن
стр. 555
أن يتغافلن، ويعتمدن على كونهن أهلًا للنبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١].
* * *
٤١ - بابُ السَّمَرِ في الْعِلْمِ
(باب السمر في العلم)، في نسخةٍ: (باب: في العلم والسَّمَر)، والسَّمر: هو الحديث بالليل.
١١٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: "أَرَأَيْتكُمْ لَيْلَتكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ".
(صلى بنا) في بعضها: (لنا)، أي: إمامًا لنا.
(العشاء)؛ أي: صلاة العشاء، وإن كان الوقت من الغُروب يسمى عِشاءً، وقيل: من الزوال إلى الفجر عِشاء.
(أرَأيتكم) بهمزة الاستفهام، وفتح الراء، والخطاب والرؤية هنا بصرية، ولفظ: (كم) حرف خطابٍ بمنزلة تنوينٍ، أو تأنيثٍ، لا محل له من الإعراب، إذ لو كان ضميرًا لقال: أرأيتموكم؛ لأن الخطاب لجمع.
стр. 556
(فإن رأس) في بعضها: (على رأس).
قال (ن): كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها أكثر من مئة سنةٍ، وفيه احترازٌ عن الملائكة.
وقد تعلَّق بهذا من يَرى موت الخَضِر، وجواب الجمهور: أنَّه على السُّحُب، لا على الأرض، أما عيسى ﵇ ففي السماء، وأما إبليس ففي الهواء، أو في النار، أو أن المراد عن الإنس.
قال (ط): إنما أراد اخترام الجِيْل الذي هم فيه، فوعظهم لقِصَر أعمارهم، وأن أعمارهم ليست كأعمار مَنْ تقدم؛ ليجتهدوا في العبادة.
* * *
١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الْعِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَصَلَّى أَرْبَعَ ركَعَاتٍ، ثُمَّ ناَمَ، ثُمَّ قَامَ، ثُمَّ قَالَ: "ناَمَ الْغُلَيِّمُ"، أَوْ كلِمَةً تُشْبِهُهَا، ثُمَّ قَامَ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، فَصَلَّى خَمْسَ ركَعَاتٍ، ثُمَّ صَلَّى ركْعَتَيْنِ، ثُمَّ ناَمَ حَتَّى سَمِعْتُ عَطِيطَهُ -أَوْ خَطِيطَهُ- ثمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ.
(خالتي) لأنَّها أخت أُمِّ لُبابَة الكُبرى بنت الحارث.
(في ليلتها)؛ أي: المختصة بها من القَسْم في الزوجات.
стр. 557
(فصلى) ليس هو وما بعده مرتبًا على تمام المبيت، بل للبيان، والتَّفْصيل للإجمال الذي تضمنه، كما قاله الزَّمَخْشَري في: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٦].
(ثم جاء)؛ أي: من المنزل إلى بيته.
(نام الغليم)؛ أي: أنام، فحذفت الهمزة؛ لقرينة المقام، ويحتمل أنَّه إخبار لميمونة بنومه، والغليم، التصغير فيه للشفَقة، نحو: يا بني، والمراد به عبد الله.
(أو كلمة)؛ أي: شكَّ ابن عبَّاس في ذلك، ونصبها بـ (قال) مع أنَّه يحكى به الجملة؛ إما لتسمية الكلام كلمةً، نحو: كلمة الشهادة، وقرينته لفظ: يشبهها، ولم يُعلم أصلَّى بعد هذا القيام شيئًا أم لا؟
(ثم صلى ركعتين) إفراد ذلك، ولم يقل صلَّى سبع ركعات؛ إما لأن الخمسة بسلامٍ، وركعتين بسلامٍ، وإما لاقتداء ابن عبَّاس به في الخمس فقط.
(غطيطه)؛ أي: نخيره، أي: صوت أنفه، وقيل: هو أعلا من النخير.
(أو خطيطه) بفتح المعجمة، أي: الممدود من صوته، وقيل: هما بمعنًى، وهو صوت يسمع من تردُّد النفَس، أو النفخ عند الخفقة؛ قالَه الدَّاوُدي.
стр. 558
وقال (ط): إنَّه لم يجده النحاة بالخاء في اللُّغة.
وقال (ع): إنَّه لا معنى له هنا.
واعلم أن مناسبة هذا الحديث للترجمة: أن الغالب أن الأقارب والأضياف إذا اجتمعوا تجري بينهم مؤانسةٌ وإكرامٌ، وحديثه ﷺ كلُّه علمٌ، فكان سمرًا بالعلم؛ إذ يبعدُ أن يجد ابن عبَّاس ولا يسأَله، ولا يكلِّمه أصلًا، وأيضًا فقوله: نامَ الغُلَيم خطابٌ له، أو لأهله، وأيًّا ما كان هو حديث فيه علمٌ.
قلتُ: قال بعضهم: ارتقاب ابن عبَّاس لأفعاله ﷺ سَمَرٌ في العلم، وإن كان من سَمَر ابن عبَّاس، لكن الإِسْمَاعِيْلي قال: إنَّ هذا سَهَر لا سَمَر، إذ السَّمَر لا بُدَّ فيه من حديثٍ، وإدارته ابن عبَّاس من الشمال إلى اليمين عِلْمٌ لكن لا حديث فيه.
وللحافظ عبد الكريم جوابٌ آخر، وهو: أن من عادة البخاري أن يذكر في الحديث حكمًا ليس هو فيما أورده بل في باقي الحديث، وإن لم يكن قد أَوردَه.
وقد جاء في بعض طرق الحديث: أنَّه ﷺ كان يحدِّث أهله وابن عبَّاس حاضرٌ، وحديثه لا يخلو من علم.
وفي الحديث من حِذْق ابن عبَّاس على صِغر سنه، ومن فضله حيث رصَد النبيَّ ﷺ طُول ليلته، وقيل: إن أباه أوصاه بذلك؛ ليطلع على عمله.
وقال شيخنا شيخ الإسلام البُلْقِيْني: إنما جاء يتقاضَى وعدًا كان
стр. 559
النبي ﷺ وعده للعبَّاس.
(ثم خرج) هذا من خصائصه ﷺ ، وهو أنَّه لا ينتقض وُضوءه بالنوم مضطجعًا، أو على تقدير: ثم توضأ، ثم خرج، أو أن الغطيط ليس من النوم الناقض.
قال البَغَوي: في الحديث جواز الجماعة في النافلة، والعمل اليسير في الصلاة، والصلاة خلف من لم ينو الإمامة.
قلت: نيتها قد تقع في الأثناء، بل قيل: إنَّه لا يتصور إلا كذلك، كما أشار إليه صاحب "البيان" من أصحابنا وغيره، انتهى.
وفيه: أن صلاة الليل أحد عشرة ركعة، ورواية الشك مع التنبيه على الشك.
* * *
٤٢ - بابُ حِفْظِ الْعِلْمِ
(باب حفظ العلم)
١١٨ - حدثنا عَبْدَ العَزيزِ بنُ عبدِ اللهِ قالَ: حدَّثني مالكٌ، عن ابنِ شهابٍ، عنِ الأَعْرجِ، عن أبِي هُرَيْرَةَ قال: إنَّ النَّاسَ يقولونَ أَكثَرَ أَبو هُريرةَ، ولولا آيتانِ في كتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يتْلُو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠]، إنَّ
стр. 560
إِخْوَانَنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَانَنَا مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَإِنَّ أبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِشِبَعِ بَطْنِهِ، وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ، وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ.
(م ت).
(أَكثر)؛ أي: من رواية الحديث، وهو حكاية كلام الناس، وإلا لقال: أكثرت.
(ولولا) إلى آخره، هو بقية كلام أبي هريرة.
(ما حدثت) حذف اللام من جواب (لولا) جائزٌ.
(ثم يتلو) هو بقية كلام الأَعرج، وذكر المضارع استحضارًا لصورة التلاوة، وفي بعضها: (ثم تَلا)، والمراد: لولا أن الله ذمَّ كاتم العِلْم لَمَا حدثتكم، فإن كتمان العلم حرام، فلذلك ذكرت ما عندي وإنْ كان كثيرًا.
(إن) ترك العاطف؛ لأنَّه جملة استئنافية، كالتعليل للإكثار، جوابًا للسؤال عنه.
(إخواننا) إنما لم يقل: إخوانه، قصدًا للالتفات، وجمعه ولم يقل: إخواني، قصدًا لإدخال نفسه وغيره، والمراد هنا إخوة الإسلام.
(يشغلهم) بفتح أوله وثالثه، وحُكي ضم الأول، وهو غريبٌ.
(الصفق) كُنِّي به عن التبايُع؛ لأنَّهم كانوا يضربون فيه يدًا بيد للمعاقدة.
стр. 561
(بالأسواق)؛ أي: في الأسواق، والسوق يذكر ويؤنث، سمي بذلك لقيام الناس فيه على سوقهم.
(العمل في الأموال)؛ أي: الزراعة.
(لشبع) في نسخة: (بشبع) بالباء، ومراده أنَّه يقتَنع بالقُوت، لا يتجِر ولا يزرع، فيلازم الحضور، فيحفظ ما لا يحفظون.
(ويحضر) إشارةٌ إلى المشاهدات.
(ويحفظ) إشارةٌ إلى المسموعات، فالفعلان إما بالنصب عطفًا على (لشبع)، أو بالرفع عطفًا على (يلزم)، أو حالٌ.
واعلم أن هذا لا ينافي قوله أولًا: (ما أحدٌ أكثَر حديثًا من ابن عمرو)؛ لأن المراد أنَّه كان أكثر تحملًا، وأبا هريرة أكثَر روايةً، وإنما كان ابن عمرو أكثر تحمُّلًا، وهو داخلٌ في المهاجرين؛ لأنَّه كان يكتب، فكثُر باعتبار كثرة كتابته.
قال (ك): فيه حفظ العلم، والمواظبة على طلبه، وفضل أبي هريرة، وفضل التقلُّل من الدنيا، وإيثار طلب العلم على طلَب المال، والإخبار بفضل نفسه للضرورة.
قال (ك): وجواز إكثار الحديث، والتجارة، والعمل، والاقتصار على الشِّبَع، وربَّما وجب، أو نُدب باعتبار بعض الأحوال.
* * *
١١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي
стр. 562
هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أنسَاهُ، قَالَ: "ابْسُطْ رِداءَكَ" فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "ضُمُّهُ"، فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نسَيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ.
حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا، أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ.
(أحمد بن أبي بكرة) في بعض النُّسَخ: (هو أبو مُصعَب)، فهو كنية أحمد.
(يا رسول الله)، في بعضها: (لرسول الله).
(ابسط) كأنَّه تمثيلٌ للمعنى بعالم الحس.
(ضمه) مثلث الميم، وقيل: لا يجوز إلا ضمها؛ لأجل الهاء المضمومة بعده، فجعل كالشيء الذي يغرف منه، وجعل الضم إشارة إلى ضبطه.
(أنساه) صفةٌ ثانيةٌ لـ (حديثًا)، والنسيان زوال علمٍ سابقٍ، أي: مع طول أمدٍ، بخلاف السهو، فإنَّه مع قِصَر.
قال (ك): النسيان: زوال عن الحافِظة والمُدرِكة، والسهو زوالٌ عن الحافظة فقط، والفرق بين السهو والخطأ: أنَّ السهو ما يُنبه صاحبه بأدنى تنبيهٍ.
(ضم) وفي نسخةٍ: (ضمَّه).
(شيئًا) عام في كل شيء؛ لأنَّه نكرة في نفي، ولا يختص في
стр. 563
الحديث، إلا أن يكون السياق يقتضي ذلك، ولهذا في بعض الروايات: (فمَا نسَيتُ مِن مقَالتِهِ شَيئًا).
(بعده)؛ أي: بعد الضم، وفي نسخةٍ: (بعدُ)، بلا إضافة، بل مبني على الضم لنيتها، وإنما لم ينس بعد ذلك، مع أنَّه من لوازم الإنسان، حتى إنَّه قيل: إنَّه مشتق من النسيان = ببركة النبي ﷺ ، وهو معجزةٌ ظاهرةٌ.
ولا ينافي هذا ما سبق من أن ابن عمرو كان أكثر حديثًا؛ لضبطه بالكتابة؛ لاحتمال أن ذلك كان قبل هذه القصة، أو الاستثناء منقطع، أي: لكن عبد الله كان أكثر بالكتابة، وإنْ كنتُ أنا أكثر من حيث عدَم النِّسيان.
واعلم أنَّه يوجد في بعض النُّسَخ هنا: (حدثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا ابن أبي فديك بهذا، وقال: يحذف بيده فيه)، أي: زاد هذا القدر، والمعنى أنه حدثه بهذا الحديث، والظاهر أن ابن أبي فديك يرويه أيضًا عن ابن أبي ذِئْب، فيتفق معه إلى آخِر الإسناد الأول، مع احتمال روايته عن غيره.
* * *
١٢٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثُتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثُتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ.
стр. 564
(أخي) هو عبد الحميد بن أبي أُوَيْس الأَصْبَحي.
(وعاءين) تثنية: وِعاء، بالكسر، والمدِّ، وهو الظرف الذي يُحفظ فيه الشيء، وأطلق المَحلَّ على الحالِّ، إذ المراد نوعان من العلوم، أو أنَّه لو كتب لكان في وعاء.
(بثثته)؛ أي: نشَرته، والمضارع: أَبثُّه -بالضم-.
(البلعوم) بضم المُوحَّدة: مَجرى الطعام، وهو المريء، وفوقه الحلقوم، وهو مجرى النفس.
وقال (ط): البُلْعوم: الحُلْقوم، وهو مجرى النفس إلى الرئة، والمريء: مجرى الطعام والشراب إلى المعدة.
قال: والمراد من الوعاء الثاني: أحاديث أشراط الساعة، وما يتعلق بفساد الدين، وتغير الأحوال، وتضييع حقوق الله تعالى، كحديث: "يكُون فيهِ فَسادُ هذا الدِّين على يَدي أُغَيْلِمةٍ سُفَهاءَ مِن قُرَيش"، وكان أبو هريرة يقول: (لو شئتُ أَنْ أُسميَهم بأسمائهم)، فخَشي على نفْسه، فلم يُصرِّح، وكذا ينبغي لمن يأمر بالمعروف إذا خاف في التصريح يُعرِّض، ولو كان ما لم يحدِّث به يتعلق بالحلال والحرام لمَا وَسِعَه كتْمُه للآية.
وقيل: الوِعاء الثاني هو ما يتعلَّق بالفتن، وتعيين المنافقين، والمرتدين، ونحو ذلك.
قال (ك): إن مدار استدلال الصوفية على هذا الحديث، فإنَّهم يقولون: أبو هريرة عريف أهل الصُّفَّة، الذين هم شُيوخنا في الطريقة،
стр. 565
عالِمٌ بذلك، قائلٌ به، قالوا: فالوِعاء الأول علم الأحكام والأخلاق، والثاني علم الأسرار المصون عن الأغيار، المختصُّ بأهل العِرفان.
قال قائلهم:
يا رُبَّ جَوهرِ علْمٍ لو أَبوحُ بهِ ... لقِيْل لي أنتَ ممن يَعبُدُ الوَثَنا
ولاستَحلَّ رِجالٌ مُسلِمون دَمِي ... يَرَون أقبَحَ ما يأْتُونَه حسَنَا
وقال بعضهم: العِلْم المكنون، والسرُّ المصُون عِلْمنا، وهو نتيجة الخدمة، وثمرة الحِكْمة لا يظفر بها إلا الغوَّاصون في بحار المُجاهدات، ولا يسعد بها إلا المصطفون بأنوار المشاهدات، إذ هي أسرارٌ متمكنةٌ في القلوب، لا تظهر إلا بالرياضة، وأنوار ملمعة في الغيوب، لا تنكشف إلا للمرتاضة.
قال (ك): نِعْمَ ما قال، لكنْ بشرط أن لا تدفعه القواعد الإسلامية، ولا تنفيه القوانين الإيمانية؛ إذ ما بعد الحق إلا الضلال، ثم نقل (ك) كلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى المبيَّن في الفرْق بين هؤلاء ومتصوفة الزمان بطُوله، وحذفتُه لخروجه عن شرح الحديث الذي هو المقصود.
* * *
٤٣ - بابُ الإِنصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ
(باب الإنصات للعلماء)، أي: السكوت لأجلهم.
١٢١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أخبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ
следующие страницы →