(بالأسواق)؛ أي: في الأسواق، والسوق يذكر ويؤنث، سمي بذلك لقيام الناس فيه على سوقهم.
(العمل في الأموال)؛ أي: الزراعة.
(لشبع) في نسخة: (بشبع) بالباء، ومراده أنَّه يقتَنع بالقُوت، لا يتجِر ولا يزرع، فيلازم الحضور، فيحفظ ما لا يحفظون.
(ويحضر) إشارةٌ إلى المشاهدات.
(ويحفظ) إشارةٌ إلى المسموعات، فالفعلان إما بالنصب عطفًا على (لشبع)، أو بالرفع عطفًا على (يلزم)، أو حالٌ.
واعلم أن هذا لا ينافي قوله أولًا: (ما أحدٌ أكثَر حديثًا من ابن عمرو)؛ لأن المراد أنَّه كان أكثر تحملًا، وأبا هريرة أكثَر روايةً، وإنما كان ابن عمرو أكثر تحمُّلًا، وهو داخلٌ في المهاجرين؛ لأنَّه كان يكتب، فكثُر باعتبار كثرة كتابته.
قال (ك): فيه حفظ العلم، والمواظبة على طلبه، وفضل أبي هريرة، وفضل التقلُّل من الدنيا، وإيثار طلب العلم على طلَب المال، والإخبار بفضل نفسه للضرورة.
قال (ك): وجواز إكثار الحديث، والتجارة، والعمل، والاقتصار على الشِّبَع، وربَّما وجب، أو نُدب باعتبار بعض الأحوال.
* * *
١١٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَبُو مُصْعَبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي
стр. 562
هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أنسَاهُ، قَالَ: "ابْسُطْ رِداءَكَ" فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "ضُمُّهُ"، فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نسَيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ.
حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ بِهَذَا، أَوْ قَالَ: غَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ.
(أحمد بن أبي بكرة) في بعض النُّسَخ: (هو أبو مُصعَب)، فهو كنية أحمد.
(يا رسول الله)، في بعضها: (لرسول الله).
(ابسط) كأنَّه تمثيلٌ للمعنى بعالم الحس.
(ضمه) مثلث الميم، وقيل: لا يجوز إلا ضمها؛ لأجل الهاء المضمومة بعده، فجعل كالشيء الذي يغرف منه، وجعل الضم إشارة إلى ضبطه.
(أنساه) صفةٌ ثانيةٌ لـ (حديثًا)، والنسيان زوال علمٍ سابقٍ، أي: مع طول أمدٍ، بخلاف السهو، فإنَّه مع قِصَر.
قال (ك): النسيان: زوال عن الحافِظة والمُدرِكة، والسهو زوالٌ عن الحافظة فقط، والفرق بين السهو والخطأ: أنَّ السهو ما يُنبه صاحبه بأدنى تنبيهٍ.
(ضم) وفي نسخةٍ: (ضمَّه).
(شيئًا) عام في كل شيء؛ لأنَّه نكرة في نفي، ولا يختص في
стр. 563
الحديث، إلا أن يكون السياق يقتضي ذلك، ولهذا في بعض الروايات: (فمَا نسَيتُ مِن مقَالتِهِ شَيئًا).
(بعده)؛ أي: بعد الضم، وفي نسخةٍ: (بعدُ)، بلا إضافة، بل مبني على الضم لنيتها، وإنما لم ينس بعد ذلك، مع أنَّه من لوازم الإنسان، حتى إنَّه قيل: إنَّه مشتق من النسيان = ببركة النبي ﷺ ، وهو معجزةٌ ظاهرةٌ.
ولا ينافي هذا ما سبق من أن ابن عمرو كان أكثر حديثًا؛ لضبطه بالكتابة؛ لاحتمال أن ذلك كان قبل هذه القصة، أو الاستثناء منقطع، أي: لكن عبد الله كان أكثر بالكتابة، وإنْ كنتُ أنا أكثر من حيث عدَم النِّسيان.
واعلم أنَّه يوجد في بعض النُّسَخ هنا: (حدثنا إبراهيم بن المنذر، ثنا ابن أبي فديك بهذا، وقال: يحذف بيده فيه)، أي: زاد هذا القدر، والمعنى أنه حدثه بهذا الحديث، والظاهر أن ابن أبي فديك يرويه أيضًا عن ابن أبي ذِئْب، فيتفق معه إلى آخِر الإسناد الأول، مع احتمال روايته عن غيره.
* * *
١٢٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثُتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثُتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ.
стр. 564
(أخي) هو عبد الحميد بن أبي أُوَيْس الأَصْبَحي.
(وعاءين) تثنية: وِعاء، بالكسر، والمدِّ، وهو الظرف الذي يُحفظ فيه الشيء، وأطلق المَحلَّ على الحالِّ، إذ المراد نوعان من العلوم، أو أنَّه لو كتب لكان في وعاء.
(بثثته)؛ أي: نشَرته، والمضارع: أَبثُّه -بالضم-.
(البلعوم) بضم المُوحَّدة: مَجرى الطعام، وهو المريء، وفوقه الحلقوم، وهو مجرى النفس.
وقال (ط): البُلْعوم: الحُلْقوم، وهو مجرى النفس إلى الرئة، والمريء: مجرى الطعام والشراب إلى المعدة.
قال: والمراد من الوعاء الثاني: أحاديث أشراط الساعة، وما يتعلق بفساد الدين، وتغير الأحوال، وتضييع حقوق الله تعالى، كحديث: "يكُون فيهِ فَسادُ هذا الدِّين على يَدي أُغَيْلِمةٍ سُفَهاءَ مِن قُرَيش"، وكان أبو هريرة يقول: (لو شئتُ أَنْ أُسميَهم بأسمائهم)، فخَشي على نفْسه، فلم يُصرِّح، وكذا ينبغي لمن يأمر بالمعروف إذا خاف في التصريح يُعرِّض، ولو كان ما لم يحدِّث به يتعلق بالحلال والحرام لمَا وَسِعَه كتْمُه للآية.
وقيل: الوِعاء الثاني هو ما يتعلَّق بالفتن، وتعيين المنافقين، والمرتدين، ونحو ذلك.
قال (ك): إن مدار استدلال الصوفية على هذا الحديث، فإنَّهم يقولون: أبو هريرة عريف أهل الصُّفَّة، الذين هم شُيوخنا في الطريقة،
стр. 565
عالِمٌ بذلك، قائلٌ به، قالوا: فالوِعاء الأول علم الأحكام والأخلاق، والثاني علم الأسرار المصون عن الأغيار، المختصُّ بأهل العِرفان.
قال قائلهم:
يا رُبَّ جَوهرِ علْمٍ لو أَبوحُ بهِ ... لقِيْل لي أنتَ ممن يَعبُدُ الوَثَنا
ولاستَحلَّ رِجالٌ مُسلِمون دَمِي ... يَرَون أقبَحَ ما يأْتُونَه حسَنَا
وقال بعضهم: العِلْم المكنون، والسرُّ المصُون عِلْمنا، وهو نتيجة الخدمة، وثمرة الحِكْمة لا يظفر بها إلا الغوَّاصون في بحار المُجاهدات، ولا يسعد بها إلا المصطفون بأنوار المشاهدات، إذ هي أسرارٌ متمكنةٌ في القلوب، لا تظهر إلا بالرياضة، وأنوار ملمعة في الغيوب، لا تنكشف إلا للمرتاضة.
قال (ك): نِعْمَ ما قال، لكنْ بشرط أن لا تدفعه القواعد الإسلامية، ولا تنفيه القوانين الإيمانية؛ إذ ما بعد الحق إلا الضلال، ثم نقل (ك) كلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى المبيَّن في الفرْق بين هؤلاء ومتصوفة الزمان بطُوله، وحذفتُه لخروجه عن شرح الحديث الذي هو المقصود.
* * *
٤٣ - بابُ الإِنصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ
(باب الإنصات للعلماء)، أي: السكوت لأجلهم.
١٢١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أخبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ
стр. 566
مُدْرِكٍ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَداعِ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ"، فَقَالَ: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ".
(الوداع) بفتح الواو، على المشهور؛ لأنَّه ﷺ ودع الناس فيها.
(استنصت) استفعال، من: أَنصَتَ، الرباعي، وهو قليلٌ، والإنصات لازمٌ ومتعدٍّ، يقال: أنصته، وأنصت له.
(بعدي)؛ أي: بعد موتي، أو بعد موقفي هذا، أو المراد: خِلافي.
(لا ترجعوا) إلى آخره، أي: لا تتشبهوا بالكفار في قتل بعضهم بعضًا.
قال موسى بن هارون: هؤلاء أهل الردة الذين قتلهم الصدِّيق، وقيل المعنى: لا تصيروا.
قال ابن مالك: رجع، بمعنى: صار، وقيل: المعنى: اثبتوا على التقوى المناسبة للإيمان، ولا تحاربوا المسلمين، ولا تأخذوا أموالهم بالباطل.
وحكى (ن) ستة أقوالٍ أُخرى:
أحدها: أنَّه المستحِلُّ بغير حق.
ثانيها: كفر النعمة، وحق الإسلام.
ثالثها: ما يقرب من الكفر، ويؤدي إليه.
رابعها: أنَّه على بابه، والمراد: دُوموا على الإسلام.
خامسها: المراد التكفير بالسلاح، وهو نصبه، والتستُّر به، فيقال
стр. 567
للابس السلاح: كافرٌ.
سادسها: لا يُكفر بعضهم بعضًا، فيستحلوا قتال بعضهم بعضًا، انتهى.
قال (ط): فيه أن الإنصات للعلماء وتوقيرهم واجب، قال تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، ويجب الإنصات عند قراءة حديث النبي ﷺ مثل ما يجب له.
(يضرب) قال (ع): الرواية بالرفع، ومن سكَّن أحال المعنى؛ فإنَّ الجملة مستأنفةٌ، مبينةٌ لقوله: (لا تَرجعوا)، وجوَّز أبو البَقاء وابن مالك الجزم، بتقدير شرطٍ، أي: فإِنْ تَرجعوا.
* * *
٤٤ - بابُ مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ، فَيَكِلُ الْعِلْمَ إِلَى اللهِ
(باب ما يستحب للعالم إذا سئل: أي الناس أعلم، فيكل العلم إلى الله) يحتمل أنَّ (إذا) شرطيةٌ، والفاء في جوابها، أي: فهو يَكِلُ، والجملة بيانٌ لما يستحب على حَدِّ: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ويحتمل ظرفيتها؛ لقوله: يستحب، والفاء تفسيريةٌ، على تقدير المضارع مصدرًا، أي: الوكول.
١٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ:
بفتحها، وتخفيف الكاف، وبِكال بطنٌ من حِمْير، ووهم صاحب "الأَحوذي" فقال: بطن من دَرَّان.
(موسى)؛ أي صاحب الخَضِر، الذي قص الله قصتهما.
(ليس موسى بني إسرائيل) موسى ممنوعٌ من الصرف؛ للعلمية والعُجْمة، وإنما أُضيف مع كونه علمًا؛ لقصد تنكيره، أي: تأْويله بواحدٍ من الأمة المسماة بذلك، وهو موسى بن عمران.
(موسى آخر)؛ أي: ابن ميشا ابن يوسف، وإنما وصف بالنكرة لقصد تنكير العَلَم، كما سبق في إضافته، ولهذا يُنوَّن هنا.
قال ابن مالك: قد ينكَّر العَلم تحقيقًا، أو تقديرًا، فيجري مجرى نكرة، ومثل بهذا للتحقيقي، وفي تقديره بحثٌ.
(فقال: كذب عدو الله) خارجٌ مخرج التنفير، لا القدْح في القائل، فإن ابن عبَّاس إنما قاله في حال غضَبه، فيكون زَجْرًا عن قوله، لا اعتقادًا فيه أنَّه عدو الله.
(أُبي) بضم الهمزة، أُبَيُّ بن كَعْب، سيد الأنصار.
(أنا أعلم)؛ أي: بحسب اعتقاده، وهو أبلغ مما في الرواية السابقة في (باب الخروج في طلب العلم): (هَلْ تعلَمُ أنَّ أَحَدًا أَعلَمُ منْكَ، قال: لا)، فإنَّه إنما نفى هناك علمه، وهنا على البَتِّ.
(فعتب الله عليهم)؛ أي: لم يرض به شرعًا لأن حقيقة العتب -وهو المَوْجِدة- وتغيُّر النفس على الله تعالى = محالٌ.
стр. 571
(لم يرد) يقرأ بالفتح، والضم، والكسر.
(إلى الله تعالى) في نسخةٍ: (إليه)، أي: كان حقه أن يقول: الله أعلم، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
(أن عبدًا)؛ أي: الخَضِر.
(بمجمع البحرين)؛ أي: ملتقى بحري فارس والروم، مما يلي الشرق.
(فكيف به)؛ أي: كيف الالتقاء، والالتباس به؟ أي: كيف الطريق إلى لقائه؟
(حوتًا) قيل: كان سمكةً مملوحةً.
(مكتل) بكسر الميم، وفتح المُثنَّاة، أي: زنْبيل، وهو: القُفَّة.
(فهو ثم)؛ أي: العبد الأعلم هناك.
(معه بفتاه) تصريحٌ بالمَعِيَّة، وإلا فالباء تدل عليها.
(يوشع) بضم الياء، وفتح المعجمة، وبعينٍ مهملةٍ.
(ابن نون) بضم النون الأولى، منصرفٌ على اللُّغة الفصحى.
قال أبو عبد الله: ويقال بالسين المهملة أيضًا.
(عند الصخرة)؛ أي: عند ساحل البحر، يقال: وهناك عينٌ تسمى عين الحياة، لمَّا أصاب ماؤها الحوت حيِي وانسلَّ من المكتل.
(سربًا)؛ أي: ذهابًا، يقال: سرَبَ سَرَبًا، أي: ذهب ذهابًا، قيل: وأمسَك الله جَرْيةَ الماءِ على الحُوت، فصار عليه مثْل الطَّاق،
стр. 572
وحصل منه في مثْل السَّرَب -وهو ضد النَّفَق- معجزةً.
(ويومهما) بالجر، عطفًا على المضاف إليه، وبالنصب، على المضاف، على أن السير في جميعه.
قلتُ: كذا هذه الرواية، لكن رواه البخاري في (التفسير)، ومسلم: (بقيَّة يَومهما وليلَتهما)، وهي الصواب؛ لقوله: (فلما أصبح)، وفي روايةٍ: (حتى إذا كان مِن الغَدِ).
(غداءنا) بفتح العين المعجمة والمد: الطعام الذي يؤكل أول النهار.
(نَصَبًا)؛ أي: تعبًا، لحقه ذلك ليذكر به نسيان الحوت، ولهذا لم يمسَّه النَّصَب قبل ذلك.
(نسيت) لا يقال: كيف نسي، وقد جعل ذلك أمارةً على المطلوب؟
وفيه معجزة حياة السمكة المملوحة المأكول منها، وانصباب الماء مثل الطَّاق، وتفردها في مثل السَّرَب؛ لأن الشيطان لما شغله بوسواسه نسي، ولذلك قال: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيْطَانُ﴾.
(ذلك)؛ أي: فقدان الحوت، هو الذي كنَّا نَبْغيه، أي: نطلبه.
(فارتدا)؛ أي: رجعا.
(على آثارهما) يقُصَّان (قصصًا)؛ أي: يتبعان إتباعًا.
(مسجى)؛ أي: مغطًّى، كما يُغطَّى الميت، كما جاء في روايةٍ، وهو صفةٌ لـ (رجل)، أو خبرٌ له.
стр. 573
وسبق بيان الخَضِر، وكثيرٌ من القصة في الباب السابق.
(وأنى) استفهام، أي: من أين السلام في هذه الأرض التي لا يعرف بها ذلك؟ قالوا: (أنى) تأتي بمعنى: (من أين)، نحو: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ﴾ [آل عمران: ٣٧]، وبمعنى: (متى)، و (حيث)، و (كيف).
قال (ش): كلمة تعجب، وفيها مسامحةٌ؛ لأن التعجب في الاستفهام، لا لها بخصوصها، ولهذا في رواية تأتي في (التفسير) في الإسراء: (هل بأرضكَ من سلامٍ).
(بأرضك) قال أبو البقاء: حال، أي: كائنًا بأرضك، وقد سأل في "الكشاف": كيف يكون أرشد منه، والنبي لا بد أن يكون أعلم أهل زمانه؟ وأجاب بأنَّه لا نقص في أخذ نبي من نبي مثله.
قال (ك): لكن لا يتم الجواب على تقدير ولاية الخضر، بل إنَّه لم يسأل عن شيء من أمر الدين، والأنبياء لا يجهلون ما يتعلق بدينهم، وإنما سأله عن غير ذلك.
(موسى بني إسرائيل) خبر مبتدأ محذوف، أي: أنت موسى؟.
(حملوهما) ثنَّى الضمير؛ لأن يوشع تابع، وإلا فهم جمع، ولذلك قال: (فكلموهم)، ومثله قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]، فثنى ثم أفرد لما ذكرناه.
(قوم)؛ أي: هؤلاء قوم، أو هم قوم، فحذف المبتدأ.
(نول) بفتح النون، وإسكان الواو، أي: أجر، ويقال فيه: نوال أيضًا.
стр. 574
(عصفور) بضم العين، ذكر بعضهم أنَّه الصُّرَد.
(نقص) يكون متعديًا كما هنا، ولازمًا.
فإن قيل: نسبة النقرة إلى البحر، نسبة المتناهي إلى المتناهي، ونسبة علمهما إلى علم الله، نسبة متناه إلى غير متناه؟
قيل: ليس المراد بالنسبة أن فيه نقصًا، بل هو تقريب إلى الأفهام، وقيل: بل: نقص بمعنى: أخذ؛ لأن النقص أخذ خاص، وقيل: (إلا) بمعنى: (ولا)، أي: ما نقص علمي وعلمك، ولا ما أخذ هذا العصفور شيئًا من علم الله، أي: أن علم الله لا يدخله النقص، أو أن المراد بالنقص التفويت الذي له تأثير محسوس، ونقص العصفور لا تأثير له، فكأنَّه لم يأخذ شيئًا، كما قال:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهُمْ ... بهنَّ فُلولٌ من قِراع الكتائب
أي: ليس فيهم عيب؛ قاله الإِسْمَاعِيْلي.
وقيل: العلم هنا بمعنى: المعلوم، كما في: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ولولا ذلك لما صح التنقيص؛ لأن الصفة القديمة لا يدخلها تنقيص.
(فعمد) بفتح الميم.
(وكانت الأولى)؛ أي: المسألة من موسى.
(نسيانًا) في بعضها: (نسيانٌ)، على أن في (كان) ضمير القصَّة، وما بعده مبتدأٌ وخبرًا، و (كان) تامةٌ، أو زائدةٌ.
стр. 575
(زكية)؛ أي: طاهرة من الذنوب؛ لعدم بلوغ الحنث؛ لأنَّه صفة الغلام، وقيل: كان بالغًا، بدليل قوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤]، أي: ممن يجب عليه القصاص، وإلا فالصبي لا قصاص عليه، وجوابه: أنَّه نبه بذلك على أنَّه قتل بغير حق، وأن شرعهم كان بإيجاب القصاص على الصبي، كما يؤاخذ في شرعنا بغرم المتلفات.
(وهذا أوكد)؛ أي: لزيادة (لك) في هذه المرة، ولهذا قال الزَّمَخْشَري: إنَّها زيدت للمكافحة بالعتاب على رفض الوصية، والوَسْم بقلة الصبر عند الكَرَّة الثانية.
(حتى أتيا) في نسخةٍ: (إذا أتيا)، وهي الموافقة للآية.
(قرية) هي أنطاكية، وقيل: أُبُلَّة، وهي أبعد أرض الله من السماء.
(يريد) إسناد الإرادة للجدار مجاز، والمراد المشارَفة، وقد استُدلَّ بذلك على وقوع المجاز في القرآن.
(ينقض)؛ أي: يسرع سقوطه.
(قال الخَضِر بيده) قيل: معجزةً، فيكون نبيًّا، وأجيب بجواز الكرامة من الولي.
(لو شئت) إنما قال موسى ذلك؛ لأنَّه محل اضطرار للتطعم، فاقتضى أن يكتسب لذلك بأخذ الأُجرة.
(برأسه) يحتمل زيادة الباء، أو الأصالة، على معنى أنَّه جرَّه إليه برأسه، ثم اقتلعه، إذ لو كانت زائدةً لم يكن لقوله: (اقتلعَه) معنى زائدًا
стр. 576
على (أخذه)، وفي التفاسير قولٌ: أنَّه أضجعَه، ثم ذبحه بالسكِّين.
(هذا فراق) الإشارة إلى الفراق الذي تصوره عند حلول ميعاده، إذ قال: (فلا تصاحبني)، أو إلى السؤال الثالث، أي: أنَّه سبب الفراق.
(لوددنا) اللام فيه جواب قسمٍ محذوفٍ.
(لو صبر) مؤول بمصدر، أي: صبره حتى نرى الأعاجيب.
(يُقَصُ) مبنيٌّ للمفعول، ونائب الفاعل.
(من أمرهما) قال (ن): فيه استحباب الرحلة للعلم، وفضل طلبه، والتردُّد للسَّفَر، والأدب مع العالم، وحُرمة المشايخ، وترك الاعتراض عليهم، وتأْويل ما لم يُفهم ظاهره من أقوالهم وأفعالهم، والوفاء بعُهودهم، والاعتذار عند المخالفة، وإثبات كرامات الأولياء، وجواز سُؤال الطعام عند الحاجة، والإجارة، وركوب السفينة ونحوها بلا أجرةٍ برضا صاحبها، والحُكم بالظاهر حتى يتبين خلافُه، وأن الكذب: الخبر بخلاف الواقع ولو سهوًا، خلافًا للمعتزلة، ودفع أعظم المفسدتين بأخفهما عند التعارُض، وتسليم ما جاء في الشرع وإنْ لم يعرف حِكَمه، وإن كان ظاهره مما يُنكر؛ لقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، وهذا أصلٌ عظيمٌ.
وفيه أنواع أُخرى من الأُصول والفُروع سبق بعضُها في (باب ما ذكر في ذهاب موسى).
قال (ط): وفيه أن ما تعبَّد الله به حُجةٌ على العقول، لا أن
стр. 577
العقول حجةٌ عليه، فإن ما ظهر لموسى كان حرامًا في ظاهر العُقول، ثم تبيَّن أن ما فعله الخضر هو الصواب، وفيه أن ذلك كله كان بوحيٍ، فليس لأحد أن يقتُل نفسًا لما يتوقعه منها، ولا يقتضى قبل البلوغ بشيء؛ لأنَّه إخبارٌ عن الغَيب، وكذا القول في باقي ما وقع من الخَضِر، وفيه حجةٌ لمن قال: إنه نبيٌّ.
* * *
٤٥ - بابُ مَنْ سَأَلَ وَهْوَ قَائِمٌ عَالِمًا جَالِسًا
(باب من سأل وهو قائم)، الجملة الأخيرة حاليةٌ.
(جالسًا) صفةٌ لمحذوفٍ، أي: عالمًا جالسًا، والقصد أنَّ هذا ليس من باب: (مَنْ تمثَّلَ له الناسُ قِيامًا)، بل هو جائزٌ إذا سَلِمت النفْسُ من الإعجاب.
١٢٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ قَالَ: أَخْبَرَناَ جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَإِنَّ أَحَدَناَ يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً؟ فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ -قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا- فَقَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ".
(إلى النبي ﷺ )؛ أي: انتهى إليه مجيئه إليه، وإلا فـ (جاء) متعدٍّ بنفسه.
стр. 578
(غضبًا) هو ما يحصل عند غَلَيان دم القَلْب؛ لإرادة الانتقام.
(حمية) هو المحافظة على الحرَم، وقيل: الأَنَفة والغَيرة، فأُشير بالأول إلى مقتضى القوة الغضَبية، والثاني إلى مقتضى القوة الشَّهوانية، أو الأول لدفع المضرَّة، والثاني لطلب المنفعة.
(إلا أنَّه) استثناءٌ مفرَّغٌ، أي: لم يرفع إليه الأمر إلا لقيام الرجل.
(من قاتل) أجاب بالمقاتل، مع أن السؤال عن ماهية القتال؛ إما لأنَّه يتضمنه، ففيه الجواب وزيادةٌ، أو أن القتال في السؤال بمعنى: المقاتِل؛ لقرينة قوله: (فإنَّ أحدنا)، ويكون قد عبر عن المقاتل، لأنَّا إنْ قلنا: إنَّها له ولغيره فظاهرٌ، وإن قلنا: مختصٌّ بغيره؛ فذاك إذا لم يعتبر معنى الوصفية، فإن اعتبر فلا فرق في استعمالها في العالم، وفي غيره، كما قرره الزَّمَخْشَري في قوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [البقرة: ١١٦]، أنَّه مثل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا﴾ [الزخرف: ١٣]، أو يقال: ضميرٌ، فهو راجعٌ للقتال الذي في ضِمْن: قاتَل، أي: قتاله قتالٌ في سبيل الله.
(كلمة الله)؛ أي: دعوته إلى الإسلام.
(هي) ضميرُ فصلٍ، أو مبتدأٌ، والقصد التأكيد لفضل كلمته، وأنَّها المختصة به.
(فهو في سبيل الله) يدخل فيه مَنْ قاتل لطلب ثواب الآخرة، أو رضا الله؛ لأنَّهما إعلاء كلمة الله، وهذه هي القوة العقلية، ليخرج
стр. 579
الغضبية والشهوانية، والانحصار في الثلاث مبيَّنٌ في موضعه.
قال (ط): هذا الجواب من النبي ﷺ من جوامع الكَلِم؛ لأن الغضَب والحكمة قد يكون لله، فأَجابه بالمعنى، لا باللفظ الذي سأله؛ خشيةَ التباس الجواب عليه لو قسَّم له وجوه الغضَب والحميَّة.
قال (ن): وفيه أن الأعمال إنما تُحسب بالنيات الصالحة، وَأَنَّ الْفَضْل الوارد فِي الْمُجَاهِدِ يَخْتَصُّ بِمَنْ قَاتَلَ لإعلاء كَلِمَة الله، وإقبال المتكلم على المخاطب.
* * *
٤٦ - بابُ السُّؤَالِ وَالْفُتيَا عِنْدَ رَمْيِ الْجِمَارِ
(باب السؤال والفتيا عند رمي الجمار) السؤال من جانب المستفتي، والفُتيا من المفتي، والجِمار جمع: جمرة.
١٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الْجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْئَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: "ارْمِ وَلَا حَرَجَ". قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ! حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، قَالَ: "انْحَرْ وَلَا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ".
стр. 580
(الجمرة) تحتمل لامه العَهْد، أي: جمرة العَقَبة؛ لأنَّها المراد عند الإطلاق، ويحتمل الجنس، أي: واحدةٍ من الثلاث.
(نحرت) هو الذَّبح في اللَّبَّة من الإبل كما سبق.
وسبق كثيرٌ من شرح ألفاظ الحديث في (باب الفُتيا).
قال (ط): معنى هذا الحديث: يُسأل عن علمٍ وهو مشغولٌ في طاعة الله، فيُجيب؛ لأنَّه انتقالٌ لطاعةٍ أُخرى.
قيل: لكن ليس في الحديث أنَّه في الرمي، بل أنَّه عند جَمْرة العَقَبة، فأين معنى الترجمة؟
وأجيب: بأن كونه عند الجمرة قرينةٌ أنَّه كان يَرمي، أو في الذِّكر المقول عندها.
* * *
٤٧ - بابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]
(باب قول الله تعالى ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥])
١٢٥ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ
стр. 581
بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ لَا يَجيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْألَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِم! مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، فقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾، قَالَ الأَعْمَشُ هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا.
(خرب) بفتح المعجمة، وكسر الراء، والباء المُوحَّدة، وفى بعضها: بكسرٍ، ثم فتح، والخَراب ضِدُّ العمارة، يُقال: خَرِبَ المَوضع -بالكسر- فهو خَرِبٌ.
قال (ع): ورواه البخاري في غير هذا الموضع بمهملةٍ، ومُثلَّثة.
(عسيب) بفتح، ثم كسر المهملتين: السَّعَف ما لم ينبُت عليه خُوصٌ، أو بعد أن كُشط عنه خُوصه.
(بنفر) بالتحريك: عدَّةُ رجالٍ.
(اليهود) أصله يهوديون، فحُذفت ياء النسب منه، كما قالوا في زنجي: زنج؛ للفرق بين المفرد والجمع، فلفظ اليهود معرفةٌ باللام، وبدونها.
واعلم أن قوله: (فمرَّ بنفَرٍ): إذا كان جواب (بينا) أشكل العاملُ فيه، إذ الفاء الجزائية تمنع عملَ ما بعدها فيما قبلَها، فلا تعمل (مر) في (بينا)، فقال (ك): لا نُسلم أن (بينا) جوابه صريحًا، بل فيه رائحةٌ منها، سلَّمنا، ولكن لا نُسلِّم أنَّ ما بعد فاء الجزاء لايعمل فيما قبلها، فقد قالوا
стр. 582
في: أما زيدًا فأنا ضاربٌ: أنَّ (ضاربٌ) عاملٌ في (زيدًا)، سلَّمنا ولكن الظرف يُتوسع فيه، سلمنا، ولكن العامل: (مرَّ) مقدرًا دلَّ عليه: (مرَّ) المذكور؛ لأنَّها مفسِّرةٌ له، على أنَّ بين: (إذا) و (الفاء) أُخوةً، فيجاب بينا بالفاء كالجواب بـ (إذا)، كقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦].
على أن السؤال وارد لو أُجيب: (بينا) بـ (إذ)، أو (إذا)؛ لأنَّهما مضافان لما بعدها، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، فلا يعمل في ما قبله من بابٍ أَولى، وإذا كان مُشترَك الإلزام، فما كان جوابًا لهذا كان جوابًا لهذا.
(لا يجيء) قال السُّهَيْلي: النصب فيه بعيد؛ لأنَّه على معنى (أن)، ويجوز الجزم على جواب النهي، نحو: لا تَدْنُ من الأَسَد تَسْلَم، أي: لا تدنُ، وجوَّز ابن الأَبرش الرفع على القطع، أي: لا يجيء فيه شيءٌ تكرهونه.
قلت: إذا قدَّر في النصب أنَّ (لا) زائدةٌ، والأصل: (لا تسألوه) إرادة أن يجيء ساغ على رأي الكوفيين.
(لنسألنه) جواب قسم محذوف.
(يا با القاسم) حذف الهمزة من الأب تخفيفًا.
(فَقُمْتُ)؛ أي: حتى لا يتشوَّش مني.
(وانجلى)؛ أي: انكشف الوحي، أي: أمره عنه، أو انجلى النبي ﷺ عن أثره.
(الروح) الأكثر أن المراد به رُوح الحيوان، سألوه عن حقيقته،
стр. 583
فأخبر أنَّه من أمر الله تعالى، أي: أنَّه تعالى استأثَر بعلمه.
وقيل: هو خَلْق عظيمٌ روحانيٌّ أعظم من الملَك.
وقيل: خَلْقٌ كهيئة الناس، وقيل: جبريل، وقيل: القرآن.
(من أمر ربي)؛ أي: من وحيه كلامه لا من كلام البشَر.
(أرأيتكم) الخطاب عامٌّ، وقيل: لليهود.
(وما أوتوا) هو بصيغة الغائب، وإن كانت القراءة المشهورة: (أُوتيتُم).
(إلا قليلًا) استثناءٌ من العلم؛ أي: إلا عِلْمًا قليلًا، أو من الإيتاء، إلا إيتاءً قليلًا، أو من الضمير، أي: إلا قليلًا منكم.
قال (ط): فيه أن من العِلْم أشياء لن يُطلع الله عليها نبيًّا ولا غيره.
* * *
٤٨ - بابُ مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الاِخْتِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ مِنْهُ
(باب من ترك بعض الاختيار)؛ أي: المُختار.
(في أشد منه)؛ أي: مِن تَرْك المختار، وفي بعضها: (أشَرَّ) بالراء، وفي بعضها: (من شَر).
* * *
стр. 584
١٢٦ - حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى، عَنْ إسْرَائيلَ، عَنْ أَبِي إسْحاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ قالَ: قالَ لي ابنُ الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كثِيرًا فَمَا حَدَّثتكَ فِي الْكَعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "يَا عَائِشَةُ! لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ -قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِكُفْرٍ- لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ؛ بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ"، فَفَعَلَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ.
(عن أبي إسحاق)؛ أي: السَّبِيْعي، جد إِسرائيل الراوي عنه؛ لأنَّه ابن يونسُ، بن أبي إسحاق.
(تسر إليك) أتى به مضارعًا بعد (كان)، وهو ماض؛ لإفادة الاستمرار، أو إحضاره للسامع، كما سبق مرات.
(في الكعبة)؛ أي: في شأنها، وسُميت بذلك من الكُعوب، وهو النُّشوز؛ لأنَّها ناشزةٌ في الأرض، أو من التَّربيع؛ لأنَّها مُربَّعةٌ.
(حديث) منوَّنٌ خبرًا عن (قومك) الذي هو مبتدأٌ، وحذف الخبر بعد (لولا) وإنْ كان واجبًا، فمحلُّه إذا كان كونًا عامًّا، أما الخاصُّ فيُذكر كما هنا، وكما في نحو:
ولولا الشِّعرُ بالعُلَماءِ يُزْرِي ... لكُنتُ اليومَ أَشعَرَ مِنْ لَبيدِ
(عهدهم) فاعل لـ (حديث)، الذي هو صفة مشبهةٌ، وفي بعضها: (ولَولا أَنَّ قَومَكِ)، فيكون الخبر كونًا عامًّا، فحُذف.
стр. 585
(قال ابن الزبير)؛ أي: زاد في روايته هذه اللفظة، فالجملة معترضةٌ، أو هو تنبيهٌ منه على أن للكلام بقيةً، نعم، ظاهر كلام ابن الزبير أنَّه موقوفٌ عليه؛ إذ لم يُسنده إلى رسول الله ﷺ ، لكنَّ السِّياق والروايات تدلُّ على رفْعه، فيكون الحديث مَرويًّا بعضه من صحابيٍّ، وبعضه من صحابي آخَر.
(بابًا) بالنصب، بدلٌ، أو بيانٌ لبابين، وفي بعضها: (بابٌ) -بالرفع- خبرٌ، أي: أحدهما بابٌ، وضمير المفعول محذوفٌ من (يدخل)؛ أي: منه، أو هو مِن تنازع (منه) (١) المذكور تَنازعه الفعلان: يدخل، ويخرج.
(ففعله)؛ أي: المذكور من النَّقض، وجَعْل البابين، وهذه رابعةٌ من بُنيان البيت: بَنتْه الملائكة، ثم إبراهيم ﵇، ثم قريشٌ في الجاهلية، وكان النبيُّ ﷺ يومئذٍ ابن خمسٍ وثلاثين سنةً، ولمَّا تَنازعوا في وَضْع الحجَر الأسود حكَّموه ﷺ ، فأمرهم برفْعه في ثوبٍ، كلُّ قبيلةٍ يحملون طرَفًا، ثم قام ووضعه ﷺ بيده الكريمة، ثم بنيَّة ابن الزُّبير هذه، ثم الخامسة بنيَّة الحجَّاج، واستمرَّ، وقيل: بُني بنيتين أُخريين، ولما أراد الرَّشيد هدمَها وبناءها علي بناء ابن الزُّبير سأَل مالكًا فقال: نشدتُك الله يا أمير المؤمنين، أنْ تجعلوا هذا البيت مَلْعبةً للمُلوك، لا يشاء أحدٌ إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبتُه من صُدور الناس.
стр. 586
قال (ن): فيه دليلٌ لقواعد، منها: إذا تعارَض مصلحةٌ ومفسدةٌ بُدئ بالأهم من فعل المصلحة وترك المفسدة؛ لأنَّه ﷺ ترَك مفسدةَ خوف الفِتْنة من بعض مَنْ أسلَم قريبًا، ومنها فِكْر وليِّ الأمر في المصالح، واجتناب ما فيه ضرَرٌ عليهم في دينِ أو دنيا إلا الأمور الشرعية كأَخذ الزكاة، وإقامة الحُدود.
ومنها تألُّف قلوبهم، وحُسن حياطتهم، وأنْ لا يُنفَّروا، ولا يُتعرَّض لِمَا يُخاف نفرتُهم بسبَبه ما لم يكن فيه ترك أمرٍ شرعيٍّ.
* * *
٤٩ - بابُ مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا
(باب من خص بالعلم قومًا دون قوم)؛ أي: خلافَهم.
(كراهية) مفعولٌ لأجله مضافٌ لما بعدَه.
١٢٧ - وقالَ عليٌّ: حَدِّثُوا النّاسَ بما يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُهُ.
حدثنا عبيدُ الله بنُ موسَى، عَن معرُوفٍ بنُ خَرَّبُوذٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ.
стр. 587
(حدثوا الناس)؛ أي: كلِّموهم على قَدْر ما يَعرفون ويُدركون بعُقولهم.
(يكذب) بفتح الذال؛ لأن السامع لمَا لا يَفهم ويَعتقد استحالتَه جهلًا لا يُصدِّقه، فيلزم التكذيب.
(عن معروف) هو ابن خَرَّبُوذ، بفتح المعجمة، وقد تضم، وتشديد الراء، وضم المُوحَّدة، وبذال معجمة، ضعَّفه ابن مَعِيْن.
(عن أبي الطُّفيل) بضم الطاء المهملة، وفتح الفاء: عامِر بن واثِلَة، وإنما أخَّر البخاري السنَد إلى عليٍّ فَرْقًا بين سنَد الحديث، وسنَد الأثَر، أو أن الأثَر تتمة ترجمةِ الباب، أو لضعْف السنَد بسبب ابن خَرَّبُوذ، أو للتفنُّن، أو لأن الأمرين جائزان، ولهذا يقَع في بعض النُّسَخ مقدَّمًا على المتن.
* * *
١٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ! "، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ! "، قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ، ثَلَاثًا، قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: "إِذًا يَتَّكِلُوا"، وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتهِ تَأَثُّمًا.
стр. 588
(ومعاذ رديفه) جملةٌ حاليةٌ.
(على الرحل) متعلق برديفه، أي: راكبٌ خلفَه، والرَّحْل للبعير أصغر من القَتَب، ويحتمل أنَّه حالٌ من النبي ﷺ .
قلت: قال في "مَجمَع الغَرائب": ردفتُه: ركبتُ خلْفَه، وأَردفتُه: أركبتُه خلفي، وقد جمع ابن مَنْدَهْ مَن أردفَهم النبيُّ ﷺ في جزءٍ نحو نَيِّفٍ وثلاثين.
(يا معاذ بن) بنصب (ابن) وضم (معاذ)؛ لأنَّه مُنادى مفردٌ، ونصبه؛ لأنَّه مع صفته كشيءٍ واحدٍ مضافٍ لما بعده.
قال (ك): إنَّه المختار، أي: كما اختاره ابن الحاجب؛ لكن مختار ابن مالك الضم.
(لبيك وسعديك) من المصادر المحذوف فعلُها وجوبًا، وثُنِّيا للتأكيد والتكثير، أي: إقامةً على طاعتك بعد إقامةٍ، وإسعادًا بعد إسعادٍ، أي: لنفْسي بإجابتك إلى ما لا يتناهى.
(ثلاثًا) راجعٌ لقول معاذ، ويحتمل أنَّه لقوله ﷺ أيضًا، فيكون من التنازع.
(صدقًا) لإخراج شهادة المنافق.
(من قلبه) يحتمل تعلُّقه بـ (صدقًا)؛ فالشهادة لفظيةٌ، ويتشهد، فالشهادة قلبيةٌ، ويوصف الفعل بالصدق، كالقول، باعتبار تحري كماله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣]، أي: حقَّق ما أوردَه قولًا بما تحرَّاه فِعْلًا.
стр. 589
(إلا حرمه)؛ أي: منَعه، كما في: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ٩٥]، الآية، وفي معناه: حرَّم الله النارَ عليه؛ لتلازُمهما، وإن اختلفا مفهومًا، وحكم ما في القرآن من قوله تعالى: ﴿حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّة﴾ [المائدة: ٧٢]،: أن الجنة متصرَّفٌ فيها، بخلاف النار، فإنَّها متصرِّفةٌ، والتحريم على المتصرِّف أنسب، فرُوعيَ المناسبة في الموضعين، والاستثناء من أعم عام الصفات، أي: ما أحدٌ يشهد كائنًا بصفةٍ إلا بصفة التحريم.
(أفلا أخبر) العطف على مقدَّرٍ بعد الهمزة، أي: أقلتَ ذلك؟، فلا أخبر به، وسبق الخلاف في مثل ذلك.
(فيستبشروا) جواب الاستفهام، أو النفي، أو العرض، فلذلك حذفت النون كما في:
يا ابنَ الكرامِ ألا تدنو فتبْصرَ ما
وعند أبي الهيثم: (فيستبشرون)، بالنون، كأنَّه قصد مجرد العطف، كما في: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، والبشارة هي الخبر الأول السَّارُّ الصادق؛ لظهور أثر السرور فيه على البشَرة.
(إذن) جوابٌ وجزاءٌ، أي: إن أخبرتهم.
(يتكلوا)؛ أي: على مجرَّد الشهادة من غير أن يعملوا الصالحات، وأصل الاتكال: اوْتِكَال، فقُلبت الواو تاءً، وأُدغمت في تاء الافتعال، ورواية الكُشْمِيْهَني: (يُنكِّلوا) من النَّكال.
стр. 590
(موته)؛ أي: موت معاذ، أي: قبل ذلك، أو موت النبي ﷺ ، أي: بعده.
(تأثمًا)؛ أي: تجنُّبًا للإثم، أي: إثم كِتمان ما أَمر اللهُ تبليغه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَه﴾ [آل عمران: ١٨٧]، وهذا مما أورد أنس في الرواية؛ فإنَّ الحديث منسوبٌ لرواية أنس، إلا أنَّه إذا كان المراد أنَّه أخبر بذلك أنَسًا، فيصير الحديث من رواية معاذٍ، فبالجُملة فهو جوابٌ لمقدَّر، أي: لم خالَفَ مُعاذٌ نهيه ﷺ ، وأخبَر، فأجاب بالخوف من الكتْمان الإثمَ، وليس فيه مُخالفةٌ لرسول الله ﷺ ؛ لأن نهيه مقيَّدٌ بالاتكال؛ إذ كانوا حَديثي عهد بالإسلام، فلما زال القيْدُ، وثبتوا، وصاروا حريصين على العبادة؛ لم يبقَ نهيٌ، أو أن النهي لم يكُن للتحريم، أو أنَّه كان قبل وُرود الأمر بالتبليغ، والوَعيد على الكِتْمان، أو المراد أنَّه لا يُخبر بها العوام؛ لأنَّه من الأسرار الإلهية التي لا يجوز كشفها إلا للخواصِّ، ولهذا أخبر به ﷺ من يَأْمَن عليه الاتكالَ، فَسَلَكَ معاذٌ ذلك، ولم يُخبر به إلا مَن رآه أهلًا لذلك، ولا يبعُد أن نداءه معاذًا ثلاث مراتٍ كان للتوقُّف في إفشاء هذا السرِّ عليه أيضًا.
واعلم أنَّه ليس في الحديث عُلْقةٌ لا للمُرجئة، ولا لغيرهم في التجاسُر على المُحرَّمات من إراقة الدماء، ونهب الأموال، أو نحو ذلك؛ لأن هذا قبْل نُزول الفرائض، فمن أتى به أتى بما وجب عليه، وقيل: الشَّهادة مِن صدق القَلْب إنما هي بأَداء حُقوقها، أو أنَّ الكافر
стр. 591
إذا تشهَّد بذلك، ومات قبل أن يتمكن من العمَل، حرَّمه الله على النار، أو هو لمن قالَها توبةً وندَمًا، ومات عليها، أو أنَّ ذلك معارَضٌ بنُصوص عذاب العصاة.
وقال (ط): معناه: حرَّم الله خُلوده في النار؛ لحديث: "أَخرِجُوا من النَّار مَن في قَلْبه مِثْقالُ حَبَّةٍ من إيمانٍ".
وفيه جواز تخصيص ذي الضبط والفهم بالمعنى اللَّطيف من العِلم دون من يُخاف عليه لقُصور فهمه.
قال (ك): وفيه جواز ركوب اثنين على دابةٍ، وبيان منزلة مُعاذ، وتكرار الكلام، والاستِفسار من الإمام.
واعلم أن هذا يدلُّ على تخصيص واحدٍ، فكيف يُطابق الترجمة مطابقة؟
وجوابه: أنَّه في المعنى لا فرقَ؛ إذ إنَّ أنَسًا سمع أيضًا، والطائفة تكون من اثنين، أو أنَّ مُعاذًا نُزِّل مَنْزلة طائفةٍ، كما في: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، وقد قال ابن مَسعود في قولهم: كان مُعاذ أمةً قانِتًا، كنَّا نشُبِهه بإبراهيم ﵇.
* * *
١٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: "مَنْ لَقِيَ اللهَ
стр. 592
لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ"، قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "لَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا".
وبالسند إلى المؤلف:
(سمعت أبي)؛ أي: سُليمان بن المعتمِر.
(ذكر لي) لا يقدح في صِحَّة الحديث ذلك؛ لأن المتْن ثابتٌ من طريقٍ آخر، وأيضًا فأنَسٌ لا يروي إلا عن عدلٍ، صحابيٍّ أو غيره، فلا تضرُّ الجهالة هنا، وأيضًا فيُغتفَر في المتابعة ما لا يُحتمَل في الأُصول، نعم، يحتمِل أن معاذًا صاحب القصَّة.
(لا يشرك) إنما لم يقل: لم يشرك، حتى يعتبر ذلك في الدنيا؛ لأن الإشراك لا يُتصور في القيامة؛ لمَحلِّ الاستصحاب؛ لعدم إشراكه في الدُّنيا، أو المراد: بلقاء الله الموت، أي: لا يُشرك عند موته.
وإنما لم يذكر: محمدٌ رسول الله؛ لأنَّه مِن لازم عدَم الإشراك، فهو نحو: مَن توضَّأ صحَّت صلاتُه، أي: عند وُجود سائر الشُّروط، فالمراد: من لقِيَ الله موحِّدًا بسائر ما يجب الإيمان به، أو أنَّه ﷺ علم أنَّ من الناس من يعتقد أن المُشرِك يدخُل الجنة، فردَّ اعتقادَه بذلك.
(دخل الجنة)؛ أي: وإن لم يعمل صالحًا، إما قبل دخول النار، أو بعده بفضل الله وعفوه.
(لا)؛ أي: لا تبشِّر، ثم استأنف فقال: (أخاف) فلم يُدخل (لا) على (أخاف).
* * *
стр. 593
٥٠ - بابُ الْحَيَاءِ فِي الْعِلْمِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَتَعَلَّمُ الْعِلْمَ مُسْتَحْيٍ وَلَا مُسْتكْبِرٌ.
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الْحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ.
(باب الحياء): هو ممدودٌ بمعنى: الاستحياء، وسبق بيان معناه في (باب من قعد حيث ينتهي به المجلس).
(في العلم)؛ أي: في تعلُّمه، وتلقِّيه.
(مستحيي) بياءَين، من استَحيَا، يَستحيي، فإذا نوَّنته قلتَ: مُستحي، على وزْن مستَفِع.
(متكبر)؛ أي: متعظِّم، ومثله الاستكبار، أي: التعظُّم.
(وقالت) عطف على (قال مجاهد)، كما هو الظاهر، ويحتمل أن يكون على (لا يتعلم)، فيكون مقول مجاهد أيضًا؛ لأن الصَّحيح أنَّه سَمع منها.
(نساء الأنصار)؛ أي: مؤمنات أهل المدينة.
* * *
١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زينَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ:
стр. 594
جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ"، فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ -تَعْنِي وَجْهَهَا- وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: "نعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا؟! ".
(ع).
(بنت أم سلمة) نُسبت إلى أمها تشريفًا، إذ يعلم منه أنَّها ربيبة النبي ﷺ ، وأنَّها روت عن أمها أم سلمة هند، وروى البخاري لزينب حديثًا واحدًا.
(أم سُليم) بضم المهملة، اسمها: سَهْلة، أو رميثة، أو غير ذلك، كما سيأْتي في (الأسماء).
(لا يستحيي)؛ أي: لا يمتنع من بَيان الحقِّ، فأنا لا أمتنعُ من سُؤالي عما أحتاجه مما تستحيي النِّساء في العادة من السؤال عنه؛ لأنَّ نُزول المنيِّ منهنَّ يدلُّ على قوة شهوتهنَّ للرجال.
(من غسل) بضم الغين، اسمٌ للفعل المشهور، وبالفتح، مصدرٌ، أما بالكسر، فما يُغسل به، و (من) زائدةٌ.
(احتلمت) من الحُلُم، بالضم، وهو ما يَراه النائم، تقول: حلَم -بفتح اللام- واحتَلَم.
(إذا رأت)؛ أي: وقْت رؤيته عند انتباهها، ويحتمل أنَّها شرطيةٌ،
стр. 595
أي: إذا رأَتْ وجب عليها الغُسل، أما من رأَى أنَّه يُجامع، أو رأتْ أنَّها تُجامَع، ولم يَريا ماءً فلا غُسل.
(فغطت) الظاهر أنَّه من كلام زَينب، فالحديث مُلفَّقٌ من رواية صحابيَّتين، ويحتمل أن يكون من كلام أُم سلَمة على وجه الالتفات، كأنَّها جرَّدت من نفسها شخصًا فأسندَتْ إليه التغطية، والأصل: فغطيتُ وجهي وقلتُ.
(تعني وجهها) إدراجٌ من عُروة، ويحتمل أن يكون من راوٍ آخر، فتكون إدراجًا في إدراجٍ.
(أوَتحتلم) العطف على مقدَّر، أي: القول، أو ترى، أو نحوه وتحتلم.
قلت: كثيرًا يُكرر (ك) ذلك، وبيَّنا أنَّه طريقةٌ، ورجَّح المحققون خلافَها.
(تربت) بكسر الراء، وأصل المعنى فيه: افتقَرت، لكن كثُر استعماله للتَّحسين في الكلام لا على حقيقته، فيُقال: تَرِبَتْ يدُه، أو يداه، أو يمينُه، كما يُقال: قاتَلَ اللهُ فلانًا ما أَشجَعه، ولا أَبَا له، وما أشبهه، فيُقال مثل ذلك إنكار الشَّيء، أو الزَّجر عنه، أو الذم عليه، أو الحث، أو الإعجاب به، وقيل: ليس دعاءً، بل خبرٌ لا يُراد حقيقةً.
(فَبِمَ) أصله (فبما)، حُذفت الألف، أي: أنَّه لا يُشبه أُمه إلا إنْ غلب ماؤها ماء الرجل عند الجماع، ومَنْ أنكر نُزول مائها عند الجماع أنكر نُزوله عند الاحتلام.
стр. 596
قال (ط): الحياء المانع من العِلْم مذمومٌ، لا الذي على جهة التَّوقير والإجلال، فإنَّه حسنٌ كما غطَّتْ أُمُّ سلَمة وجهَها.
وفيه أن المرأة تحتلم لكن نادرًا، وفيه أن الرجل في ذلك مثلها؛ لأن حكمه عامٌّ.
* * *
١٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ الْمُسْلِم، حَدِّثُوني مَا هِيَ؟ "، فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْناَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هِيَ النَّخْلَةُ"، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا.
سبَق شرحه في (باب أُمور الإيمان) إلا أنَّ هنا: (فحدثت أبي ...) إلى آخره.
(تكون) أتى به مُضارعًا مع قوله بعده: (قُلت)، وهو ماضٍ، وحقُّه: لأَنْ كُنت قُلتَ؛ لأنَّ المعنى لا يكون في الحال موصوفًا بهذا القول الصادر في الماضي.
(كذا وكذا)؛ أي: مِن حُمر النَّعَم وغيرها، فـ (كذا) كِنايةٌ عن العدَد.
стр. 597
قال (ط): وفيه حِرْصُ الرجل على ظُهور ابنه في العِلْم على الشُّيوخ، وسُروره بذلك.
وقيل: إنما تمنَّى ذلك رجاءَ أَنْ يُسرَّ النبيُّ ﷺ بإصابته، فيَدعو له.
وفيه: أنَّ الابن الموفَّق أفضَل مَكاسِب الدُّنيا.
* * *
٥١ - بابُ مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ
(باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال)
١٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "فِيهِ الْوُضُوءُ".
في سنَده تابعيَّان يَروِيان عن غير تابعيٍّ، والأَوَّلان بَصْريَّان، والأَوسَطان كُوفيَّان، والأَخيران هاشِميَّان حِجازيَّان.
(مَذَّاءً) مُبالغةٌ من المَذْي، وهو ماءٌ رقيقٌ لَزِجٌ، يَخرج عند المُلاعَبة لا بشَهوةٍ، ولا تدفُّقٍ، وربَّما لا يُحسُّ بخُروجه، وهو في النِّساء أكثَر منه في الرِّجال.
وفيه لُغاتٌ: سُكون الذَّال، وكسرها مع تشديد الياء، وتخفيفها، والأَوَّلَتان مَشهورتان، وأُولاهما أفصَح وأشهَر، يُقال: مذَى الرَّجل
стр. 598
وأَمذَى، ومذَّى -بالتشديد- كأَمْنَى ومَنَى ومَنَّى.
أما الوَذْي: فهو ما يخرج بعد البَول، ويكون من البُرودة، وحكَى الأُمويُّ تشديد يائِه.
(فأمرت المقداد) قال (ك): ليس للوُجوب؛ لأنَّ ذلك صيغة: افْعَلْ، وأيضًا فيُعدَل عن الأصل بقرينةٍ.
وهو كلامٌ عجيبٌ، إنما ذلك في الأَمْر المُسنَد إلى الله، أو إلى رسوله.
(فسأله)؛ أي: عن حُكم المَذْي، يُقال: سألَه الشَّيءَ، وسأَلتُه عن الشَّيء، وقد يُعدَّى إلى الثاني بنفْسه، والى الأَوَّل بـ (عن)، وقد تُخفَّف همزتُه، فيُقال: سَالَه.
(فيه الوضوء) يحتمل كونه مبتدأً، أو خبرًا، ويحتمل أن يكون مبتدأً، أو فاعلًا وخبرُه أو فعلُه محذوفٌ، أي: واجبًا أو يَجبُ، ولفظة (في) متعلِّقةٌ بـ (قال).
ثم على ذلك هل هو من النبيِّ ﷺ حيث لم يقُل فيه: قال المِقْداد: قال رسولُ الله ﷺ ، أو مِن المِقْداد؟، الظَّاهر الأوَّل، ولئِنْ سُلِّم؛ فمُرسَل صَحابيٍّ.
وهذا الحياء إنما منَعه أنْ يَسأَل بنفسه، فبعَث مَن يقُوم مَقامه جمعًا بين السُّؤال وعدَمه للحَياء.
وفيه قَبُول [خبر] الواحِد، وجوازُ الاستِنابة في الاستِفتاء، والاعتِماد على الخبَر المَظْنون مع القُدرة على القطْع؛ لأنَّه مُتمكِّنٌ من
стр. 599
سُؤاله بنفسه، نعَمْ، يحتمل أنَّه كان حاضِرَ الجَوابِ من النبيِّ ﷺ .
وفيه استِحباب حُسن العِشْرة مع الأَصْهار، وأنَّ الزَّوج لا يَذكُر ما يتعلَّق بالاستِمتاع بالنِّساء بحُضور أَقاربها.
* * *
٥٢ - بابُ ذِكْرِ الْعِلْمِ وَالْفُتيَا فِي الْمَسْجِدِ
(باب ذكر العلم والفتيا في المسجد) عطْف الفُتيا إما على (العِلْم)، أو على (ذِكْر).
١٣٣ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ناَفِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُناَ أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، ويُهِلُّ أَهْلُ الشَّأمِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ"، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أفقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
(في المسجد)؛ أي: مَسجِد رسول الله ﷺ .
(نهل) بضم النُّون، وكسر الهاء، مِن الإهْلال: وهو رفع الصَّوت بالتَّلْبية.
стр. 600
والسُّؤال عن مَوضع الإحرام، وهو المِيْقات المَكاني.
(الحليفة) بمهملةٍ مضمومةٍ، ولامٍ مفتوحةٍ، تَصغير: حَلَفة بلامٍ مفتوحةٍ، جمعها: حَلْفاء، وهي نبتٌ في الماء، والموضع على عشْر مراحِل من مكة، وستَّة أميالٍ من المدينة خلافًا لقول الرَّافعي: مِيْل.
(ويهل) بضم الياء؛ أي: يُحرم.
(الشام) من العَريش إلى الفُرات، ومن أَيْلَة إلى بحر الرُّوم، وقد سبَق بيانُه في قصَّة هِرَقْل.
(الجحفة) بضم الجيم، وسُكون الحاء المهملة.
قال (ك): يُحاذي ذِي الحُلَيفة، وكان اسمها: مَهْيَعة بفتح الميم، وسُكون الهاء، وفتح الياء، فأَجْحَف السَّيْلُ أهلَها، أي: أذهبَه، وهي على سبعْ مَراحِل، أو ستِّ من مكة.
قال (ن): على ثلاث مَراحِل قَريبةٌ من البحر، وكانت قريةً كبيرةً.
(نجد): ما ارتَفع من أَرض تِهامة إلى أَرض العِراق سبَق في (باب الزكاة من الإسلام).
(قرن) بفتح القاف، وسُكون الرَّاء: جبَلٌ مُدوَّرٌ أَملَس كأنَّه بَيضةٌ، مُطِلٌ على عرَفاتٍ، وغَلِطَ الجَوْهَري في قوله: إنَّه بفتح الراء، وأَنَّ أُوَيْسًا القَرَني منسوبٌ إليه، فإنَّه إنما يُنسب إلى بني قَرَن، قَبيلةٌ، وهو على نحو مَرحلتَين من مكة، وهو أقْرب مِيقاتٍ إليها، قاله (ن) في "شرح مسلم" في: (وقَّتَ ﷺ لأهل نَجْدٍ قَرنًا).