الرابع:
(لن تضلوا) قال (ش): صَوابه: لا تَضِلُّون، وهي رواية الكُشْمِيْهَني.
(أهجر) قال (ن): بهمزةِ استفهامٍ إنكاريٍّ، أي: أنكَروا على مَن قال: لا تَكتبُوه، لا تجعلُوا أمره كأَمْر مَن هذا في كَلامه، وإنْ صحَّ بدون الهمزة لمَّا أَصابَه الحَيْرة والدَّهْشة لعِظَم ما شاهدَه من هذه الحالة الدالَّة على وَفاته، وعظم المُصيبة أَجرى الهُجْر مَجرى شدَّة الوجَع.
قال (ك): هو مجازٌ؛ لأنَّ الهذَيان الذي للمَريض مُستلزِمٌ لشدَّة الوجَع، فأَطلَق الملزومَ، وأراد اللازِمَ.
أو هو من الهَجْر ضِدُّ الوصل، أي: يهجر من الدُّنيا، وأطلق بلفظ الماضي لما رأَوا فيه من علامات الهجْرة من دار الفَناء.
وفي بعضها: (أَهجَرَ)، مِن باب الأفعال.
(فذهبوا يرددوا) صوابُه: يُردِّدون.
(جزيرة العرب) هي من عَدَن إلى العِراق طُولًا، ومن جُدَّة إلى الشَّام عرضًا.
(وأجيزوا)؛ أي: أَعطُوا.
(فنسيها) هو قَول سُليمان الأَحْول، وقال المُهلَّب: الثالثة هي بعْث أُسامة.
وقال (ع): يحتمل أنها: لا تتخِذُوا قَبْري وثَنًا يُعْبَد، وفي (كتاب
لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ، وَإِنِّي وَاللهِ لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللهِ ﷺ .
السادس عشر:
(وإسحاق) قال الغَسَّاني: قال ابن السَّكَن: هو ابن مَنْصُور.
(عن الزُّهْرِي: أخبرني عبد الله بن كعب) قال الدِّمْيَاطِي: انفرد البخاريُّ بهذا الإسناد عن الأئمة، وعندي في سماع الزُّهْرِيّ من عبد الله بن كعب نظَرٌ.
وقد تقدَّم من حديث كعْب بن مالك رواية الزهُّري، عن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن كعب، عن أَبيه عبد الله بن كعب، عن أَبيه كعب، وهو كذلك عند مسلم.
(الثلاثة)؛ أي: الذين في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨].
(بارئًا) بالهمز مِن البُرء من المرَض.
(عبد العصا)؛ أي: بلا عِزَّةٍ ولا حُرمةٍ بين النَّاس، وهو كنايةٌ عنه.
(هذا الأمر)؛ أي: أمر الخِلافة.
(لا يعطينا)؛ أي: لو منَعَنا منها لم تَصِل إلينا قطُّ، أما لو لم يمنَع بل سكت؛ فيحتمل أن تصِل إلينا في الجُملة.
* * *
فتلَقَّاهَا مِنْهُ النَّاسُ كُلُّهُمْ، فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ إلا يَتْلُوهَا. فَأَخْبَرَني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: وَاللهِ مَا هُوَ إلا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا، فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ، وَحَتَّى أَهْوَيتُ إِلَى الأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا؛ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ مَاتَ.
٤٤٥٥ - و ٤٤٥٦ و ٤٤٥٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَبَّلَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ مَوْتهِ.
الحادي والعشرون:
(بالسُّنْح) بضم المهملة، وسُكون النُّون وضمها، وبمهملةٍ: موضِعٌ من عَوالي المدينة كان للصِّدِّيق ﵁ فيه سكَنٌ.
(حِبَرة) بكسر المهملة، وفتح الموحَّدة: ثَوبٌ يَمانيُّ، ويُقال: ثَوبُ حِبَرةٍ؛ بالإضافة، وبالصفة.
(لَّا يجمع الله عليك موتتين)؛ أي: أن عُمر لمَّا كان يقول: إنَّ الله سيَبعثُ نبيَّه ﷺ ، فيقَطِّع أَيدي رجالٍ قالوا: إنَّه ماتَ، ثم يموتُ آخِرَ الزَّمان، فأراد أبو بكر رَدَّ كلامِه، أي: لا يكون لك في الدُّنيا إلَّا مَوتةٌ واحدةٌ، ويُقال: ماتَ يَمات، ويموت.
وسبق الحديث أول (الجنائز).
(فأخبرني)؛ أي: ابن المُسيَّب.
стр. 5656
قال (ح): لا أدري مَن يقول ذلك أبو سَلمة، أو الزُّهْري.
(فعَقِرت) بفتح المهملة، وكسر القاف، أي: تَحيَّرتُ ودُهشتُ، وفي بعضها: (عُقِرت) بالبناء للمفعول؛ حكاه السَّفَاقُسِي.
ويُروى بتقديم القاف المضمومة على العين، والصَّواب الأَوَّل.
(تقلني) من الإقْلال، وهو الحَمْل، يُقال: أقلَّ الجَرَّةَ، أي: أطاقَ حملَها.
(تلاها؛ أن النَّبِيّ ﷺ قد مات) أي: تلاها لأجْل ذلك، لا أنَّ هذا قرآنٌ يُتلى.
* * *
٤٤٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدّثَنَا يَحْيَى، وَزَادَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: لَدَدْنَاهُ في مَرَضِهِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لَا تَلُدُّونِي، فَقُلْنَا: كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ، فَلَمَّا أفاقَ قَالَ: "أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي؟ " قُلْنَا: كَرَاهيةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ.
٤٤٥٨ / -م - فَقَالَ: "لَا يَبْقَى أَحَدٌ في الْبَيْتِ إلا لُدَّ -وَأَنَا أَنْظُرُ- إلا الْعَبَّاسَ، فَإنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكمْ". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الثاني والعشرون:
(وزاد)؛ أي: عليٌّ في روايته على عبد الله بن أبي شيبة عن يحيى.
стр. 5657
(لَّا تلدوني) اللَّدود: ما يُصبُّ في أحد شقَّي الفَمِ من الأدوية، بخلاف الوُجور، فإنَّه الذي يُجعَل في وسَطه، وقد لُدَّ الرجلُ، فهو مَلْدود، قيل: وكان الذي لُدَّ به العُود الهنْدي والزَّيت.
(كراهية) قال (ع): ضبَطناه بالرفع، أي: هذا منه كراهيةٌ، وهو أَوجَهُ من النَّصب على المصدر، أي: كره كراهيةً.
قال أبو البَقاء: أو النَّصب على أنَّه مفعولٌ له، أي: لكَراهية.
(وأنا أنظر) جملةٌ حاليةٌ، أي: لا يبقَى أحدٌ إلَّا لُدَّ في حُضوري، وحالَ نظَري إليه قِصاصًا لفعلهم.
(لم يشهدكم)؛ أي: لم يحضركم حالةَ اللَّدودة، وميمونة كانت منهم فلُدَّتْ وهي صائمةٌ لقسَم رسول الله ﷺ .
وفي "مغازي ابن إسحاق": أنَّ العبَّاس هو الآمِر باللَّدِّ، وقال: والله لألُدَّنَّه، ولمَّا أَفاقَ قال: "مَن صنعَ هذا؟ "، قالوا: عمُّك.
فليكن الجمْع بأنَّه لا مُنافاةَ بين الأمر وعدَم الحُضور وقْت اللَّدِّ.
(رواه ابن أبي الزِّناد) وصلَه أَحْمد، والحاكم، وأبو يعلَى.
* * *
٤٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ محَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَزْهَرُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِي ﷺ أَوْصَى إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَتْ: مَنْ قَالَهُ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِي ﷺ وَإِنِّي لَمُسْنِدَتُهُ إِلَى
وَأَرْضًا جَعَلَهَا لاِبْنِ السَّبِيلِ صَدَقَةً.
الخامس والعشرون:
هذا مع الاثنين قبلَه، سبقت الثلاثة في (كتاب الوصيَّة).
* * *
٤٤٦٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِي ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: وَاكَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: "لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ"، فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهْ! أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ! مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهْ! إِلَى جِبْرِيلَ ننعَاهْ. فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: يَا أَنسُ! أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ التّرَابَ؟
السادس والعشرون:
(يتغشاه)؛ أي: يتغشَّاه الثِّقَل، أي: الكَرْب، وهو الغَمُّ الذي يأْخذ النفَس والشدَّة.
(واكرب أباه) مندوبٌ، والألِف ألِف النُّدْبة، والهاء للوقْف.
وقد رواه مُبارَك بن فَضَالة عن ثابتٍ بلفْظ: (واكَرْبَاه).
ولا يُقال: هذا نوعٌ من النِّياحة؛ لأنَّ النياحة ما أَشبَهَ نَوحَ الجاهلية من الكَذِب ونحوه، لا مُطلَق النَّدب.
стр. 5660
قال (خ) (١): قال بعضهم: إنما كان كَرْبه شفَقةً على أُمته؛ لمَا عَلِم من وُقوع الفِتن بعده، وليس بشيءٍ؛ إذ لو كان كذلك لوجَب انقِطاع شفَقته على الأُمة بعد مَوته، لكنَّ شفَقته ﷺ دائمةٌ على الأُمة أيام حياته، وباقيةٌ بعد وفاته، بل هو ما كان يجدُه من كَرْب الموت، وكان ﷺ بشرًا يَنالُه الشيء، فيَجد له من الألم مثْل ما يجِدُ النَّاسُ وأكثر، وإنْ كان صَبْره عليه واحتمالُه أحسَن، كما أنَّ أجْره أكثر، فمعناه: لا يُصيبه بعد اليوم نصَبٌ ولا وصَبٌ يكرهه إذا قضَى إلى دار الآخرة، والنَّعيم المقيم.
(ينعاه) قال صاحب "مرآة الزَّمان": وقع في الأصل: (أنْعَاه) بالألف، وهو غلطٌ من الرُّواة، والصحيح: نعاه، بغير أَلف.
وزاد أبو داوُد عن حمَّاد: (يَا أبتَاهُ، مِن ربِّه ما أَدناه!).
* * *
٨٤ - بابُ آخِرِ مَا تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ -
(باب آخِر ما تكلَّم به النبيُّ ﷺ )
٤٤٦٣ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ: قَالَ يُونس: قَالَ
وسبق في (مناقب زيد).
* * *
٨٨ - بابٌ
(بابٌ)
٤٤٧٠ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ: أَنَّهُ قَالَ لَهُ: مَتَى هَاجَرْتَ؟ قَالَ: خَرَجْنَا مِنَ الْيَمَنِ مُهَاجِرِينَ، فَقَدِمْنَا الْجُحْفَةَ، فَأَقْبَلَ رَاكِبٌ، فَقُلْتُ لَهُ: الْخَبَرَ؟ فَقَالَ: دَفَنَّا النَّبِيَّ ﷺ مُنْذُ خَمْسٍ، قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: نعمْ، أَخْبَرَنِي بِلَالٌ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّهُ في السَّبعِ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ.
(الجحفة) بضم الجيم: من مَواقيت الحج، والقائل مَقولةَ: (هل سمعت) هو أبو الخير.
(العشر الأواخر)؛ أي: من رمضان، وهو ليس بدَلًا من (السبْع)، بل التقدير: السبْع الكائن في العشر، أو في معنى: مِن، وجمع الأَواخر باعتبار أيام العشر، أو جنْس العشر كالدِّرهم البِيْض.
فإن قيل: السبْع هو الأوائل من العشر، أو الأوسط، أو الأواخر، قيل: الأواخر؛ لما مرَّ في (الصوم)، في (باب: فضْل ليلة القَدْر): (فمَنْ
стр. 5665
كان مُتحرِّيها، فليتَحرَّها في السَّبْع الأَواخِر)، فالأواخر صفةٌ للسَّبْع والعشْر كليهما، فاكتُفي بأحدهما عن الآخَر، وهو نوعٌ من التنازع.
* * *
٨٩ - بابٌ كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ -؟
(باب: كم غَزا النَّبِيُّ ﷺ ؟)
٤٤٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَأَلْتُ زيدَ بْنَ أَرْقَمَ ﵁: كَمْ غَزَوْتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ. قُلْتُ: كَمْ غَزَا النَّبِي ﷺ ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ.
٤٤٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا الْبَرَاءُ ﵁، قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسَ عَشْرَةَ.
٤٤٧٣ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ كَهْمَسٍ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً.
الحديث الأول، والثاني:
(أَحْمد)؛ أي: ابن حنبل الإِمام، ولم يُخرج له البُخَارِيّ مسنَدًا إلَّا في هذا الحديث، نعم، استشهد به في (النكاح)، في (باب:
стр. 5666
ما يحلُّ من النِّساء)، فقال: (وقال لنا أَحْمد)، وفي (اللباس)، في (باب: هل يجعل نقْش الخاتم ثلاثة أسطر): (وزادني أَحْمد) (١).
* * *
стр. 5667
٦٥ - كتاب التفسير
стр. 5668
٦٥ - كتاب التفسير
(كتاب التفسير)
هو الكشْف عن مَدلولات نظْم القُرآن.
(بسم الله الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: اسْمَانِ مِنَ الرَّحْمَةِ، الرَّحِيمُ وَالرَّاحِمُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالْعَلِيم وَالْعَالِمِ.
(الرَّحْمَن الرَّحِيم اسمان) قيل: يُريد أنهما بمعنًى، وإليه نحا الجَوْهَري كـ: نَديم ونَدْمان، ولكنَّ الصَّحيح أن الرَّحْمَن أَبلَغ.
(الرَّحِيم والراحم بمعنى) استُدرِك عليه بأن الرَّحِيم إما صيغة مبالغةٍ، فيَزيد على معنى: راحم، أو صفةٌ مشبَّهةٌ، فيدلُّ على الثُّبوت، فلا يكونان بمعنًى واحدٍ، لكنَّ نظَره إلى أصل المعنى دون الزِّيادة، أو غرَضه أن فعيلًا بمعنى: فاعلٍ، لا بمعنى: مفعولٍ.
* * *
стр. 5669
١ - بابُ مَا جَاءَ في فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ؛ أَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا في الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا في الصَّلَاةِ.
وَالدِّينُ: الْجَزَاءُ في الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، كَمَا تَدِينُ تُدَانُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِالدِّينِ﴾: بِالْحِسَابِ، ﴿مَدِيِنِينَ﴾: مُحَاسَبِينَ.
(باب ما جاء في فاتحة الكِتاب)
قوله في تفسير أُمِّ الكتاب: (أنَّه يبدأ) إلى آخره، إنما يُناسب تسميتها فاتِحة الكتاب لا أُمَّ الكتاب إلَّا أنْ يُريد أنَّ الأُمَّ مَبدأُ الولَد.
وقيل: في تعليل أنَّها أُمُّ القرآن اشتمالها على المعاني التي فيه من الثناء على الله تعالى، والتعبُّد بالأمر والنهي، والوعد والوعيد.
وقيل: لأنَّ فيها ذكر الذَّات والصِّفات والأفعال، وليس في الوجود سِواها.
وقيل: لاشتمالها على ذِكْر المبدأ والمعاد.
(بالدِّين)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: ١] ونحو ذلك كما في: ﴿إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ [الواقعة: ٨٦].
* * *
٤٤٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي
стр. 5670
خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي في الْمَسْجدِ، فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ أُجِبْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، فَقَالَ: "أَلِمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ "، ثُمَّ قَالَ لِي: "لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ السُّوَرِ في الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجدِ"، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، قُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَقُلْ: "لأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هِيَ أَعْظَمُ سُورَةٍ في الْقُرْآنِ"؟ قَالَ: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتيتُهُ".
(المثاني) من التثنية، وهي التَّكرير؛ لأن الفاتحة مما يُكرَّر قراءتها في الصلاة، أو من الثَّناء لاشتمالها على ما هو ثناءٌ على الله تعالى.
(والقرآن العظيم) قال (خ): أي: لعِظَم ثَواب قراءتها، وذلك لما تجمَّع من الثَّناء والدُّعاء والسُّؤال.
قال: والواو فيه ليستْ للعطف المُقتضي للتَّغايُر بل من التَّخصيص، أي: من عطْف الخاص على العامِّ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨]، ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨].
قال (خ): المشهور بين النُّحاة أن هذه الواو للجمع بين الوصفَين، أي: فقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ الآية [الحجر: ٨٧]، أي: آتينَاك ما يُقال له كلًّا منهما، ويُوصف به.
قال (خ): في الحديث أنَّ الخاصَّ يُقضى به على ما يُقابله من
حَبَسَهُ الْقُرْآنُ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ".
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: "إلا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ"؛ يَعْنِي: قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.
(يريحنا) بالراء، وقيل بالزاي، أي: يُذهبنا، ويُبعدنا عن هذا المكان، وهو موقِف العرَصات عند الفَزَع الأكبَر.
(ذنبه)؛ أي: قُربان الشَّجرة، والأَكَل منها.
(نوحًا فإنَّه أول رسول)؛ أي: وآدم وإنْ كان نبيًّا رسولًا لكنْ كانت رسالتُه بمنزلة التَّربية والإرشاد للأولاد، ونوحٌ أوَّل رسولٍ مبعوثٍ بإنذار قَومه وإهلاكهم بمخالفته، أو هو أول رسولٍ أُرسل بعد الطُّوفان، أو أنَّ آدَم خرَج بقوله: (إلى أهل الأرض)؛ لأنه لم يكُن لها حينئذٍ أهل.
(وكلمة الله وروحه)؛ أي: قال تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، فهو كلمة الله؛ لأنه وُجِدَ بكلمة الله بلا واسطةِ أبٍ، ونُطفةٍ، ورُوحٍ بقوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] أو لحُصول الرُّوح فيمَن أَحيَا من المَوتَى.
وقال الزَّمَخْشري: لأنه ذُو رُوحٍ وُجد من غير جُزءٍ من ذي رُوحٍ كالنُّطفة المُنفصِلة من الأَبِ الحيِّ، وإنما اختُرع اختراعًا من عند الله تعالى.
(فيؤذن) بالرفع والنصب.
(تشفع)؛ أي: تُقبل شفاعتك.
стр. 5674
(فيحد لي حدًّا)؛ أي: يُعين لي قومًا.
(مثله)؛ أي: أقَعُ ساجدًا، ويدعني، ثم يقول: ارفَعْ، فأَرفعُ، ثم أشفَعُ.
(ووجب عليه الخلود)؛ أي: الكفَّار.
(حبسه)؛ أي: حكم عليه بالحبْس في النَّار أبدًا.
فإن قيل: المطلوب هو الإراحة مِن مَوقِف العرَصات لا الإخراجُ من النَّار؛ قيل: انتهتْ حكاية الإراحة عند لفْظ: (فيُؤذَن)، وما بعده فهو زيادةٌ على ذلك.
* * *
بابٌ
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾: أَصْحَابِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، ﴿مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ﴾: اللهُ جَامِعُهُمْ، ﴿عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾: عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا.
صِبْغَة: دين.
وقال أبو العالية: مرض: شَك.
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بِقُوَّةٍ﴾: يَعْمَلُ بِمَا فِيهِ.
(باب)
قوله (صبغة)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٨]،