← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

قال (ط): الحياء المانع من العِلْم مذمومٌ، لا الذي على جهة التَّوقير والإجلال، فإنَّه حسنٌ كما غطَّتْ أُمُّ سلَمة وجهَها. وفيه أن المرأة تحتلم لكن نادرًا، وفيه أن الرجل في ذلك مثلها؛ لأن حكمه عامٌّ. * * * ١٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ الْمُسْلِم، حَدِّثُوني مَا هِيَ؟ "، فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ، وَوقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْناَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هِيَ النَّخْلَةُ"، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا. سبَق شرحه في (باب أُمور الإيمان) إلا أنَّ هنا: (فحدثت أبي ...) إلى آخره. (تكون) أتى به مُضارعًا مع قوله بعده: (قُلت)، وهو ماضٍ، وحقُّه: لأَنْ كُنت قُلتَ؛ لأنَّ المعنى لا يكون في الحال موصوفًا بهذا القول الصادر في الماضي. (كذا وكذا)؛ أي: مِن حُمر النَّعَم وغيرها، فـ (كذا) كِنايةٌ عن العدَد.

стр. 597

قال (ط): وفيه حِرْصُ الرجل على ظُهور ابنه في العِلْم على الشُّيوخ، وسُروره بذلك. وقيل: إنما تمنَّى ذلك رجاءَ أَنْ يُسرَّ النبيُّ ﷺ بإصابته، فيَدعو له. وفيه: أنَّ الابن الموفَّق أفضَل مَكاسِب الدُّنيا. * * * ٥١ - بابُ مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ (باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال) ١٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ الْحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: "فِيهِ الْوُضُوءُ". في سنَده تابعيَّان يَروِيان عن غير تابعيٍّ، والأَوَّلان بَصْريَّان، والأَوسَطان كُوفيَّان، والأَخيران هاشِميَّان حِجازيَّان. (مَذَّاءً) مُبالغةٌ من المَذْي، وهو ماءٌ رقيقٌ لَزِجٌ، يَخرج عند المُلاعَبة لا بشَهوةٍ، ولا تدفُّقٍ، وربَّما لا يُحسُّ بخُروجه، وهو في النِّساء أكثَر منه في الرِّجال. وفيه لُغاتٌ: سُكون الذَّال، وكسرها مع تشديد الياء، وتخفيفها، والأَوَّلَتان مَشهورتان، وأُولاهما أفصَح وأشهَر، يُقال: مذَى الرَّجل

стр. 598

وأَمذَى، ومذَّى -بالتشديد- كأَمْنَى ومَنَى ومَنَّى. أما الوَذْي: فهو ما يخرج بعد البَول، ويكون من البُرودة، وحكَى الأُمويُّ تشديد يائِه. (فأمرت المقداد) قال (ك): ليس للوُجوب؛ لأنَّ ذلك صيغة: افْعَلْ، وأيضًا فيُعدَل عن الأصل بقرينةٍ. وهو كلامٌ عجيبٌ، إنما ذلك في الأَمْر المُسنَد إلى الله، أو إلى رسوله. (فسأله)؛ أي: عن حُكم المَذْي، يُقال: سألَه الشَّيءَ، وسأَلتُه عن الشَّيء، وقد يُعدَّى إلى الثاني بنفْسه، والى الأَوَّل بـ (عن)، وقد تُخفَّف همزتُه، فيُقال: سَالَه. (فيه الوضوء) يحتمل كونه مبتدأً، أو خبرًا، ويحتمل أن يكون مبتدأً، أو فاعلًا وخبرُه أو فعلُه محذوفٌ، أي: واجبًا أو يَجبُ، ولفظة (في) متعلِّقةٌ بـ (قال). ثم على ذلك هل هو من النبيِّ ﷺ حيث لم يقُل فيه: قال المِقْداد: قال رسولُ الله ﷺ ، أو مِن المِقْداد؟، الظَّاهر الأوَّل، ولئِنْ سُلِّم؛ فمُرسَل صَحابيٍّ. وهذا الحياء إنما منَعه أنْ يَسأَل بنفسه، فبعَث مَن يقُوم مَقامه جمعًا بين السُّؤال وعدَمه للحَياء. وفيه قَبُول [خبر] الواحِد، وجوازُ الاستِنابة في الاستِفتاء، والاعتِماد على الخبَر المَظْنون مع القُدرة على القطْع؛ لأنَّه مُتمكِّنٌ من

стр. 599

سُؤاله بنفسه، نعَمْ، يحتمل أنَّه كان حاضِرَ الجَوابِ من النبيِّ ﷺ . وفيه استِحباب حُسن العِشْرة مع الأَصْهار، وأنَّ الزَّوج لا يَذكُر ما يتعلَّق بالاستِمتاع بالنِّساء بحُضور أَقاربها. * * * ٥٢ - بابُ ذِكْرِ الْعِلْمِ وَالْفُتيَا فِي الْمَسْجِدِ (باب ذكر العلم والفتيا في المسجد) عطْف الفُتيا إما على (العِلْم)، أو على (ذِكْر). ١٣٣ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ناَفِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُناَ أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، ويُهِلُّ أَهْلُ الشَّأمِ مِنَ الْجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَيزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ"، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أفقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . (في المسجد)؛ أي: مَسجِد رسول الله ﷺ . (نهل) بضم النُّون، وكسر الهاء، مِن الإهْلال: وهو رفع الصَّوت بالتَّلْبية.

стр. 600

والسُّؤال عن مَوضع الإحرام، وهو المِيْقات المَكاني. (الحليفة) بمهملةٍ مضمومةٍ، ولامٍ مفتوحةٍ، تَصغير: حَلَفة بلامٍ مفتوحةٍ، جمعها: حَلْفاء، وهي نبتٌ في الماء، والموضع على عشْر مراحِل من مكة، وستَّة أميالٍ من المدينة خلافًا لقول الرَّافعي: مِيْل. (ويهل) بضم الياء؛ أي: يُحرم. (الشام) من العَريش إلى الفُرات، ومن أَيْلَة إلى بحر الرُّوم، وقد سبَق بيانُه في قصَّة هِرَقْل. (الجحفة) بضم الجيم، وسُكون الحاء المهملة. قال (ك): يُحاذي ذِي الحُلَيفة، وكان اسمها: مَهْيَعة بفتح الميم، وسُكون الهاء، وفتح الياء، فأَجْحَف السَّيْلُ أهلَها، أي: أذهبَه، وهي على سبعْ مَراحِل، أو ستِّ من مكة. قال (ن): على ثلاث مَراحِل قَريبةٌ من البحر، وكانت قريةً كبيرةً. (نجد): ما ارتَفع من أَرض تِهامة إلى أَرض العِراق سبَق في (باب الزكاة من الإسلام). (قرن) بفتح القاف، وسُكون الرَّاء: جبَلٌ مُدوَّرٌ أَملَس كأنَّه بَيضةٌ، مُطِلٌ على عرَفاتٍ، وغَلِطَ الجَوْهَري في قوله: إنَّه بفتح الراء، وأَنَّ أُوَيْسًا القَرَني منسوبٌ إليه، فإنَّه إنما يُنسب إلى بني قَرَن، قَبيلةٌ، وهو على نحو مَرحلتَين من مكة، وهو أقْرب مِيقاتٍ إليها، قاله (ن) في "شرح مسلم" في: (وقَّتَ ﷺ لأهل نَجْدٍ قَرنًا).

стр. 601

و (١) يُوجد في بعض النُّسَخ: (قَرن) بلا ألفٍ، وهو على رأْي مَن يَكتُب المنصوبَ المنوَّن كذلك نحو: رأَيتُ أنَس، ويحتمل أنَّه اسمٌ للبُقْعة، فيُمنعَ الصَّرف. (وقال ابن عمر) عطْفٌ على (قال) مقدَّرةٍ كأنَّه قال: عن ابن عمر أنَّ رجلًا، وقال: ويَزعُمون. ويحتمل على بُعدٍ أنْ تكون من تعليق البُخاري، وكذا القَول في قوله بعدُ: وكان ابن عُمر. (ويزعمون) عطْفٌ على مقدَّرٍ، وهو: قالَ رسولُ الله ﷺ ، والزَّعْم يُراد به القَول المُحقَّق، أو المعنى المَشْهور، وهذه الزِّيادة من طريق ابن عبَّاس. (يلملم) بفتح الياء، واللامَين، ويُقال فيه: ألَمْلَم بالهمز: جبَلٌ من جِبال تِهَامة على مَرحلتين من مكَّة، وهو مُنصرِفٌ إنْ أُريد به الجبَل، وممنوعٌ إنْ أُريد به البُقعة. (لم أفقه)؛ أي: لم أَفْهم، ولم أَعْرف هذه المَقالَة. قال الرافعي: كلٌّ من اليمَن والحِجاز مشتمِلٌ على نَجْدٍ وتِهَامَة، وإذا أُطلِق نجْدٌ فهو نَجْدُ الحِجاز، ولكنَّ مِيْقات النَّجْدين: قَرْن، وإذا قُلنا: مِيْقات اليمَن يَلَمْلَم، فإنَّما نُريد تهامتَها لا كلَّ اليمَن. ومَنْ جاوَز المِيْقات مُريدًا للنُّسُك ولم يُحرِم عصَى، ولَزِمَه دمٌ،

стр. 602

ولكنَّ نُسُكه صحيحٌ. * * * ٥٣ - بابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثرَ مِمَّا سَأَلَهُ (باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله) ١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ؟ فَقَالَ: "لَا يَلْبَسِ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْبُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسِ الْخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُوناَ تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ". (والزُّهري) يقَع قبلَه في بعض النُّسَخ: (ح) للتَّحويل. قال (ك): إنَّه بالجرِّ عطفٌ على (نافِع)، لأنَّه من رواية ابن أبي ذِئْب عنه كما روى عن نافع، لا بالرفع عطفًا على (ابن أبي ذِئْب) حتى تكون من رواية آدمَ عنه أيضًا، فابنُ أبي ذِئْب يَروي عن الزُّهري لا عن سالم، وآدَم يَروي عن ابن أبي ذِئْب لا عن الزُّهري. قال أحمد: أصحُّ الأسانيد: الزُّهري، عن سالم، عن أبيه. (ما يلبس) بفتح الأول والثالث، مضارعُ: لَبِسَ بكسر المُوحَّدة،

стр. 603

والمَصدر لُبْسٌ بالضم عكس لَبَستُ عليه الأمرَ، فإنَّه بالفتْح في الماضي، والكسر في المُضارع، و (ما): مفعولٌ ثانٍ لـ (سأَله)؛ أي: سأله (١) عن ذلك إما موصولةٌ، أو موصوفةٌ، أو استفهاميةٌ. (المحرم)؛ أي: ناوي الحجِّ والعُمرة أو كليهما، وأَصلُه الدَّاخِل في الحُرمة، لأنَّه يَحرُم عليه ما كان يَحِلُّ له من صيدٍ ونحوه. (لا يلبس) بضم السين: خبَرٌ بمعنى النَّهي، وبكسرها نهيٌ. (العمامة) بكسر العين. (السراويل) أعجميٌّ عُرِّب، غير مُنصرِفٍ على الأكثَر، جاء بلفْظ الجمع وهو مُفرَدٌ، يُذكَّر ويؤنَّث، ولم يَعرِف الأَصْمَعيُّ فيه إلا التأْنيثَ، وجمْعه: سَراوِيْلات، وقيل: سَراوِيْل جمع سِرْوالَة، قال: عَلَيهِ مِنَ اللُّؤمِ سِرْوالَةٌ ... فَلَيْسَ يَرِقُّ لمُستَضعَفِ (البرنس) بضم المُوحَّدة، وسُكون الراء، وضمِّ النُّون: ثَوبٌ رأْسُه مُلتزِقٌ فيه، وقيل: قَلَنْسُوةٌ طَويلةٌ كان النَّاسُ يَلبَسونها في صَدْر الإسلام. (ولا ثوبًا) في بعضها: (ثَوبٌ) بالرفع على مُقدَّر فِعْلٍ مبنيٍّ للمفعول، أي: ولا يُلبَس ثَوبٌ، وإنما أُخرج عن طريق إخوانه؛ لأنَّ الطِّيْب حرامٌ على الرجل والمَرأَة بخلاف الثِّياب، فإنَّها على الرجل فقط، ولكنْ لا يُعلم ذلك من الحديث بل من أدلَّةٍ خارجةٍ، بل على

стр. 604

تقدير رفعْ (ثوبٌ) يكون فيه الإيماء للعُموم كما ذكرناه. (الورس) بفتح الواو، وسُكون الرَّاء، وبمهملةٍ: نبتٌ أصفَر باليمَن يُصبَغ به، ويُتخذُ منه غمرة (١) الوَجْه. (الزعفران) بفتح الزاي، والفاء، جمعه: زَعافِر. (النعل) الحذَاء مؤنثةٌ، تثنيتها: نَعْلان. (فليلبس الخفين) ليس طلَبًا، بل إذْنٌ في ذلك، حتى لا يجب على مَن فقَد النَّعْلَ لُبسُ الخُفِّ المَقطُوع. (وليقطعها) هو زيادةٌ على رِواية ابن عبَّاس: (فليلبس خفين)، ولم يذكر قطعًا، والعمل بالزيادة واجبٌ. فتمسَّك أحمدٌ بحديث ابن عبَّاس في أنَّه لا يجب القَطْع لإطلاقه، وتَرك زيادة الثِّقة، وربَّما قال أصحابه: إنَّ حديث ابن عُمر الذي فيه القَطْع مَنْسوخٌ، وأيضًا فالقَطْع إضاعة مالٍ، ورُدَّ بأن ذلك إنما هو من تقييد المُطلَق، وأما الإضاعة فحيث لم يَأْمُر الشَّرع بها، ولكنَّ الشَّرع قد أَمَر، فلا إضاعةَ. * تنبيه: إنما أَجاب ﷺ بما لا يَلبس المُحرِم، والسُّؤالُ كان عمَّا يَلبس؛ لأنَّه تضمَّن جوابَه بالمَفهوم، فكأنَّه قال: ويَلبس ما سِوى ذلك. وهذا وجه مُطابقته لترجمة الباب؛ لأنَّه فيه الجواب وزيادةٌ، وأيضًا فالتَّفْصيل في السَّراويل زيادةٌ على الجواب.

стр. 605

وإنَّما عدَل عن التَّصريح في الجواب؛ لأنَّه أقلُّ وأضبَط؛ إذْ لو قال: فلْيَلْبَس كذا؛ لكان يُعتقَد أنَّه من المَناسِك، أو للتَّنبيه على أنَّ السائل كان يَنبغي له أن يَسأل عمَّا لا يَلبَس؛ لأنَّ ما يَلبس شائعٌ بالاستِصحاب، فلا يُسأَل إلا عمَّا حدَث فيه التَّحريم. ثم في عطف البَرانِس على العِمامة: الإشارةُ إلى أنَّ المُحرِم لا يُغطِّي رأْسَه بمعتادٍ ولا غيره. ونبَّه بالقَميص والسَّراويل على جميع المَخِيْطات، وبالوَرْس والزَّعْفَران على سائر أَنواع الطِّيْب. والحكمة في تحريم اللِّباس المَذكور: بُعْدُ المُحرِم عن الترفُّه، واتصافه بصِفَة الخاشِع الذَّليل، ولِيتذكَّرَ به الموتَ، ولُبْسَ الأكفان، والبعْثَ يوم القيامة حُفاةً عُراةً: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٨]، وتَرْكُ الطِّيْب للبُعد من زينة الدُّنيا، ولأنَّه داعٍ إلى الجِماع، وأيضًا فيُنافي كونَ الحاجِّ أشعثَ أغبَرَ، والحاصل أنْ يُحصِّل بذلك همَّةً لإرادة الآخرة. قال (ط): نقلًا عن المُهَلَّب: إنَّ في الحديث أنَّ للعالِم أنْ يُجيب بخلاف ما سُئل عنه إذا كان فيه بَيانُ ما سُئل عنه. ومِن الزِّيادة أيضًا: حُكم الخُفِّ؛ لعِلْمه مشقَّة السفَر، والضَّرر الحاصل من الحَفاء وغير ذلك، فالعالِم يجب عليه أن يُنبِه الناس على ما يَنتفعون به. * * *

стр. 606

٤ - كِتابُ الوُضُوءِ

стр. 607

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤ - كِتابُ الوُضُوءِ (كتاب الوضوء)، في بعض النُّسَخ: (الطَّهارة)، وسبقت الإشارةُ أولَ الكتاب إلى المناسبة بأنَّ المصالِحَ دينيةٌ، وهي العبادة؛ لأنَّها سببُ خَلقِ العِباد ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وإنَّ أهمَّ العباداتِ الصلاةُ، فبدأ بِها؛ لأنهَّا أفضلُ، وتتكرر كلَّ يوم خمسَ مرات، وهي مُتوقِّفةٌ على الوُضوء. وهو بضمِّ الواو: الفعلُ الذي هو المصدر، وبفتحها: الماءُ الذي يُتَوضأُ به، وقال الخليل بالفتح فيهما، وحكى في (المَطالع) الضمَّ فيهما. واشتقاقُه من (الوَضَاءَة) وهي: الحُسنُ والنَّظافة؛ لما فيه من تنظيفِ المُتَوضِّئ وتحسينِه، وأوردَ فيه البخاريُّ أبوابًا. ١ - بابُ مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى

стр. 608

الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْم الإسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ . (باب ما جاء في الوضوء)، وربَّما لا توجد هذه التَّرجمةُ في بعض النُّسخ؛ للاستغناء عنه بالسَّابق. (قال أبو عبد الله) إلى آخرِه، أي: البخاريُّ ذَكرَ ذلك بلا سندٍ. فأمَّا قوله: (مرَّة مرَّةً)؛ فوصلَه بعدَ ذلك من حديث ابنِ عبَّاس. (مرَّتين مرَّتين) وصلَه من حديث عبد اللهُ بنِ زيد. (وثلاثًا ثلاثًا) وصلَه من حديث عثمانَ، وإنَّما أوردَ البخاريُّ ذلك هنا؛ لتقريرِ أنَّ الأمرَ في الآية بالوُضوء لإيجادِ حقيقته، من غيرِ أن يقتَضِيَ مرَّةً أو أكثرَ، وإنَّما أوردَ البخاري ذلك هنا لاقتِصاره ﷺ في بعضِ أحيانه عليه، وأنَّ الزِّيادةَ على الثَّلاث فعلَها النبيُّ ﷺ ، فتكونُ مستحبَّةً، ثم بيَّنَ حكمَ الزَّائد بعد ذلك. قلتُ: على أنَّ بعضَهم شذَّ فأوجبَ الثَّلاث، حكاه الشَّيخ أبو حامدٍ وغيرُه، وحكاه في "الإِبانة" عن ابنِ أبي ليلى وغيرِه، ويردُّه الإجماعُ والنُّصوصُ. واعلم أن قولَه: (مرَّة مرَّة) مرفوعٌ خبرُ (أنَّ)، ويقعُ في بعض الأحوالِ بالنَّصبِ على نصب (أنَّ) الخبَرَين، أو على الحالِ السَّادَةِ مسدَّ الخبر، أي: يفعلُ مرَّةً، كقراءة ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: ٨] بالنَّصب،

стр. 609

وقال (ك): مفعولٌ مطلقٌ، أي: فرضُ الوُضوءِ غَسلُ الأعضاء واحدةً، أو ظَرفٌ، أي: فرضُ الوُضوء ثابتٌ في الزَّمان المُسمَّى بالمرَّة. قلت: ولا يخفَى ما فيه من نَظَر. قال: وتكريرُ (مرَّة) إمَّا للتأكيد، أو بحسَب الأعضَاء، فهو تفصيلٌ لأجزاء الوُضوء بحسَب تعدُّد الوُضوء، أو هو تفصيلٌ لجزئياتِ الوُضوء. قلت: الأوَّل من التفصيلين هو الأرجَحُ، والثَّاني وجهٌ ضعيفٌ. (ولم يزد على ثلاث) أي: ثلاث مرَّات. قال (ش): إن الثَّابتَ (ثلاثة) بالهاء، وكان الأصلُ (ثلاث) لو ذُكِّر المعدود، كما يقالُ: عندي ثلاثُ نِسوةٍ. (وكره أهل العلم)؛ أي: كراهةَ تنزيهٍ، وهي اقتضاءُ التَّركِ مع عدمِ المَنع من الفعلِ، إذ المكروهُ: ما يُمدح تاركُه، ولا يُذمُّ فاعلُه. والمرادُ بأهل العلم: المُجتهدون، وفيه إشارةٌ للإجماع. قلتُ: وسنَدُه ما روى ابنُ خزيمةَ في "صحيحه"، وأبو داودَ، عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه في جوابِ سؤالِ الأعرابي عن الوُضوء، فأَراهُ ثلاثًا ثلاثًا، ثم قال: "فمَن زادَ فقد أساءَ، أو تعدَّى وظَلَم"، ورواه أحمدُ، والنَّسائيُّ، بلفظِ: "أو نَقَصَ، فقد أساءَ وظَلَم". (الإسراف) هو: الصَّرف فيما لا ينبغي. (وأن يجاوزوا): هو من عطفِ التَّفسير، إذ الإسرافُ: المُجاوَزةُ عن فعلِ النبيِّ ﷺ ، وهو الثَّلاث.

стр. 610

نعم، اختُلف في الزِّيادة عليها، فقيلَ: حرامٌ، وقيلَ: مكروهٌ، وقيل: خلافُ الأَولى، وشذَّ بعضُهم فقال: تُبطِلُ الوضوءَ. ولفظُ الشَّافعي في "الأمِّ ": لا أحبُّ الزِّيادةَ على الثَّلاث، فإنْ زادَ لم أكرهْهُ إن شاء الله تعالى. فقال بعضُ أصحابه: أرادَ: لم أُحرِّمه، بل الكَراهية تتعيَّن به. * * * ٢ - بابُ لَا تُقْبَلُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورِ (باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور): بضمِّ الطَّاء: الفِعلُ الذي هو مصدر، أمَّا بالفتح: فالماءُ الذي يُتطهَّر به. قلتُ: والإشارة به إلى ما رواه مسلم، ولكنَّه من حديث سِمَاكِ ابن حَرْبٍ، وليسَ على شَرطِه، وإنْ أَخرجَ له تعليقًا. ١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ)، قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الحَدَثُ يَا أبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُراطٌ. (م د ت): (لا تُقبل) مبنيٌّ للمفعول، وفي بعضِها: (لا يَقبلُ الله).

стр. 611

(حتى يتوضأ)؛ أي: أو ما يقومُ مُقامه، كالتَّيمم، أو أنَّه يسمَّى أيضًا وُضوءًا، كما جاء في بعض الأحاديث، والضَّمير فيه يعودُ على: (مَن أحدَث)، باعتبارِ حالِه قبل الوُضوء نحو ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢]. (حضرموت) -بفتح المُهملة وسكون المُعجمة-: بلدٌ باليمَن، وقبيلة أيضًا، وهما اسمان جُعلا واحدًا، والجُزء الأوَّل مبنيٌّ على الفتح، والثاني مُعرَب، وقيل: مبنيَّان، وقيل: مُعربان إعرابَ (١) مُتَضَايفَين. قال الزَّمَخشَرِيُّ: فيه وجهان: منعُ الصَّرف للتَّركيب، وإضافَةُ الأوَّل، فيجوزُ معها صَرفُ الثاني وتركُه. (فساء): بضمِّ الفاء والمَدِّ. (ضراط): بضمِّ المُعجمةِ، وآخرُه مُهمَلة مُشالَة، والحَدَثُ وإنْ لم ينحصر فيهما؛ لكنْ فسَّره بِهما؛ لأنَّه جوابُ من سألَ عن المُصلِّي يُحدِث في صلاته بما يَغلِبُ، والغائطُ ونحوُه لا يقعُ في الصَّلاة غالبًا، أو أرادَ: أنَّ الباقيَ يُفهَم من الأمر المُشترَك، وهو خروجُ خارجٍ، فيُفهَم من الأخَفِّ الأغلظُ مَن كان أولى، أو أنَّ المُجمعَ عليه ما كان خارِجًا من فَرجه أو مظنةً له كالنَّوم، وغيرُه مختَلفٌ فيه، أو أنَّ السَّائلَ يعلمُ الأحداثَ إلا هذين، فإنَّه يجهلُ أنَّهما حَدَثٌ، وأبو هريرة يعلمُ منهُ

стр. 612

ذلك، وإذا تبيَّن أن العُمومَ مرادٌ من الحديثِ طابَقَ ترجَمة الباب. وفي الحديث افتقارُ الصَّلوات كلِّها للطَّهارة، ولو جنازةً وعيدًا، وربَّما دخل الطَّوافُ، لقوله ﷺ : "الطَّوافُ بالبيتِ صلاةٌ، إلا أنَّه أُبيحَ فيه الكَلامُ". وقد اختُلِفَ في المُوجِب للوُضوء، فقيل: الحَدَثُ، وقيل: إرادةُ القيام للصَّلاة، وقيل: الأمران، وهو الرَّاجح، ولا يَخفى أنَّ آخرَ الحديث: (حتى يتوضَّأ)، وأنَّ ما بعدَه مُدرجٌ، والظَّاهر أنَّه من هَمَّام. * * * ٣ - بابُ فَضْلِ الوُضُوءِ، وَالغُرُّ المُحَجَّلونَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ (باب فضلِ الوُضُوءِ والغُرِّ المُحجَّلين) قال (ك): في بعضِها: (المُحَجَّلون) بالرَّفع، ووجهُه: أنَّ (الغرُّ) مبتدأٌ، والخبرُ محذوفٌ؛ أي: مُفضَّلونَ على غيرهم، أو نحوُه، أو أنَّ (من آثَارِ الوُضُوء) خَبرُه؛ أي: مَنشَؤُهم آثارُ، والبابُ مضافٌ للجُملة، أي: وبابُ هذه الجُملة، أو رفعُه على الحكاية؛ لورودِ: "أمَّتي الغرُّ المُحجَّلون من آثارِ الوُضُوء"، انتهى. وفي ذلك بعضُ رِكَّةٍ ونَظَر! وقال (ش): إن الرِّواية: (المُحجَّلون) بالواو، وإنَّه إنَّما قطَعَه عمَّا قبله؛ لأنَّه ليس من جُملةِ التَّرجَمة.

стр. 613

قلتُ: وفيه نَظَر! إذ هو عينُ التَّرجمة، بدليلِ الحديث الذي أوردَه صريحًا فيه، وفضلُ الوُضُوء إنَّما يُفهم من الحديث بطريق اللُّزوم، وبالجملة: فوجهُ الرَّفع على النُّسخة التي فيها سُقوطُ (باب) ظاهرٌ، وعلى النُّسخة التي فيها (باب) (١) يكونُ (والغُرُّ) عطفًا على (باب)، وهو على تقديرِ: (بابٌ فيه)، كأنَّه قيلَ: (وبابُ الغُرِّ المُحجَّلين)، فأُقيمَ المُضافُ إليه مُقامَ (باب) المَحذوف. * * * ١٣٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ المَسْجدِ، فتَوَضَّأ، فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (إِن أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ). (م). (خالد) هو ابنُ يزيدَ الإسكَندَرانِيُّ، أحدُ الفُقَهاء الثِّقاتِ. (نعيم المجمر) صريحٌ في وَصف نُعَيْمٍ بذلك، وقد قالَ (ن): إنَّه صفَةُ لأبيه عبدِ الله، ويُوصَف به نُعَيمٌ مَجازًا. ورُدَّ باحتمالِ أن كلًّا منهما كان يُجَمِّر، أي: يُبَخِّر، وسيأتي في

стр. 614

نوع الأسماء فيه زيادةُ بَيان (١). (رقيت) بكسر القاف، أي: صَعَدتُ، وفي "المَطالِع" حكايةُ فتحِها بِهمزٍ ودونَه. (المسجد) أي: مسجدِ النبيّ ﷺ . (توضأ، قال)؛ أي: فتوضَّأ وقَالَ، وكلٌّ منهما جوابُ سؤالٍ، كأنَّه قيلَ: ماذا فَعل؟ قال: توضَّأَ، قيلَ: وما قال؟ فقيلَ: قال: كذا وكذا، ولهذا لم يذكر واوَ العطفِ فيهما، وفي بعضِها: (فتوضَّأ). (يقول) مجيئُه مضارِعًا بعد: (سمعتُ)، وهو ماضٍ؛ سبَقَ جوابُه مراتٍ، فإنه استِحضَارٌ للصُّورة الماضية، أو حكايةٌ عنها. (أُمتي) المراد: أمَّةُ الإجابة، وهي: مَن آمَنَ به، لا أمَّةُ الدَّعوة، وهي: كلُّ من بُعِثَ إليهم، وأصلُ الأُمَّة: المُجتمِعَةُ على مَقصِد واحد، والمُراد: المُتوضِّئونَ منهم. قلت: مَن جعله لكلِّ الأمَّة، مَن توضَّأ ومَن لم يتوضَّأ، يصيرُ مثلَ أهلِ القِبلة، لمن صلَّى ومَن لم يُصلِّ، حكاه الرُّمَّانيُّ في "شرح الرسالة"، وهو غريبٌ مُخالفٌ لظاهرِ الحديث. (غُرًّا) جمع (أغَرّ)، والغُرَّةُ: -بالضم-: بياضٌ في جبهةِ الفَرس فوقَ الدِّرهم، شَبَّه به ما يكونُ لهم من النُّور في الآخرة، ويقالُ للأبيَضِ أيضًا: أغَرّ، وللشَّريف، وفلانٌ غُرَّةُ قَومِه؛ أي: سيِّدُهم.

стр. 615

(محجلين)، التَّحْجيلُ: بَياضٌ في قَوائمِ الفَرس، أو في ثلاثٍ منها، أو في رِجلَيه، قَلَّ أو كَثُر، بعدَ أن يُجاوِزَ الأرساغَ، ولا يتجاوزُ الرُّكبَتين والعُرْقُوبَين، فيقالُ: مُحجَّلُ الأربعِ أو الرِّجلَين أو اليُمنى أو اليُسرى كيفما قُدِّر، ولا يُسمَّى ما كانَ بيدٍ أو يدَين تَحجيلًا؛ ما لم يكُن معه تحجيلٌ في رِجل أو رِجلَين. وانتصابُ (غُرًّا محجَّلين) على الحال، أي: يُدعَون إلى يومِ القيامَة وهم بِهذه الصِّفة، فيكونُ متعدِّيًا بـ (إلى) نحو ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣]، أو مَفعولًا ثانيًا لِـ (يُدعَونَ)؛ بمعنى: يُنادَون على رُؤوس الأشهادِ بذلك، أو بمعنى: يُسمَّونَ بذلك. ففي الحديثِ استِحبابُ تطويلِ الغُرَّةِ بغَسلِ شيءٍ من مُقَدَّم الرَّأس، وما يجاوزُ الوَجهَ زائدًا على الواجِبِ. والتَّحجيلُ: غَسلُ ما فَوق المِرفَقَين والكَعبَين، ولا تحديدَ في قَدرِه على الرَّاجح، وفي وَجهٍ: إلى نِصفِ العَضُدِ والسَّاق، وفي ثالثٍ: إلى المَنكِبِ والرُّكبَة. وأمَّا قولُ (ط): إنَّه لا يستحَبُّ لحديث: "مَن زادَ على هذا أو نَقَص"؟ فمَردودٌ بأنَّ ذلك في عددِ الغَسْل. قيلَ: وفيه دليلٌ على اختصاصِ الوُضوء بِهذه الأُمَّة، ورُدَّ بحديث: "وُضُوئي ووُضُوءُ الأنبياءِ قَبلِي"، ولا خُصوصِيَّةَ لهذه الأُمَّة إلا بالغُرَّة والتَّحجيلِ فيه، لكنَّ الحديثَ ضعيفٌ، ولو صَحَّ احتَملَ أنَّ المرادَ الأنبياءُ دونَ أمَّتهم، لكنَّ حديثَ جُرَيجٍ الآتي: (أنَّه توضَّأ)؛ صريحٌ أنَّه

стр. 616

عامٌّ في الأُمَم أيضًا مع أنبيائِهم. (فمن استطاع) إلى آخره، قيل: مُدرجٌ من قَول أبي هريرة، واستُبعِدَ. نعم، في "مسند أحمد": أنَّ نُعَيمًا قال: لا أَدري هَل هو من قَولِ النبيِّ ﷺ ، أو مِن قَولِ أبي هريرة. (أن يطيل غرته)، إنَّما لم يقُل: (وتَحجيلَه)؛ لشُمولِ الغُرَّةِ تغليبًا، أو من الاكتِفاء نحو: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]؛ أي: والبَردَ. وحَمَلَ (ط) (يطيل) على معنى (يُديم)؛ أي: يُواظِبُ على الوُضُوء لكلِّ صَلاة، وهو تَعَسُّفٌ. وقد نقَل الرَّافِعِيُّ عَدمَ التَّحجيلِ عن أكثَرِهم، ونُقلَ عن أبي الزِّناَدِ أنَّه كنَّى بالغُرَّة عن الحجلة، لأنَّ أبا هُرَيرة كانَ يتوضَّأ إلى نصفِ ساقِه. قال (ط): وفيه الوُضُوء على ظَهرِ المَسجد، وهو جائزٌ عندَ الأكثَر، وكَرِهَه قومٌ، وقال ابنُ المُنذِر: إنْ بلَّه وتأَذَّى النَّاسُ به كُرِه، وإنْ فَحَصَ عن الحَصى ورَدَّه فلا. * * * ٤ - باب لَا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ (باب لا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ): الشَّكُّ: التَّردُّدُ على

стр. 617

السَّواء، فإِنْ رَجَح طَرفٌ فهو ظَنٌّ، ومقابِلُه: وَهْمٌ، أمَّا في اللُّغة فلا فَرقَ. * * * ١٣٧ - حَدَّثنا عليُّ قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ قالَ: حدّثنا الزُّهرِيُّ، عنْ سَعيدِ بنِ المسيَّب، عن عَبَّادِ بنِ تميمٍ، عن عَمِّه: أَنَّهُ شَكا إلى رسولِ اللهِ ﷺ الرَّجلُ الذّي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجدُ الشَّيءَ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: (لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ لَا يَنْصَرِفْ- حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجدَ رِيحًا). (م د س). (علي): هو ابنُ المَدينِيِّ. (عن عمه)؛ أي: عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ بنِ عاصمٍ المَازنِيِّ؛ لأنَّ عبَّادًا هو ابنُ تميمِ بنِ زيدٍ، وهذا يتعلَّق بكلٍّ من: ابنِ المُسَيِّب، وعبَّاد؛ لأنَّ ابنَ المُسيِّب يَروي عن عبَّاد كثيرًا، وإن احتُمِل أنَّه من مُرسلِ سعيدٍ؛ لكنَّ الظاهرَ خِلافُه، كذا قرَّره (ك). وفيه نظَر! لأنَّ ابنَ المُسَيِّب لا روايةَ له عن عبَّادٍ أصلًا، فعلى هذا يُحتَمَلُ أن يكونَ شيخُه عمَّ عبَّاد، وكأَنَّه قال: كلاهُما عن عمِّه، أي: عمِّ الثَّاني، وهو عبَّاد، وعليه جَرى الِمزِّي في "الأَطراف". أو يكونَ محذوفًا، فيكون مُرسَلًا، ويُؤيِّده أنَّ ابنَ ماجه أخرجَه من طريق الزُّهرِيِّ، عن ابن المُسَيِّب، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ. (أنه شكا) هو بالفَتح على البناءِ للفَاعل، كذا الرِّوايةُ هنا، وجوَّز (ن) الضَّمَّ.

стр. 618

(الرجل) بالرَّفع أو النَّصب على تقديرَي بناءِ (شَكا) للفَاعل أو المَفعول؛ كذا نقَلَه (ش). لكنَّ (ن) إنَّما قاله في لفظِ رواية مُسلمٍ، فقال: ولم يُسمَّ الشَّاكي هُنا، وقد سُمِّي في رواية البُخاري أنَّه: عبدُ اللهُ بنُ زيدٍ، قال: ولا ينبَغي أن يُتَوهَّمَ من هذا أنَّ (شكا) بفتح الشين والكاف؛ ويكونَ الشَّاكي عمَّه المَذكور، فإنَّ هذا التَّوهُّمَ غَلَطٌ، انتهى. وضُعِّفَ بأنَّه لا يَمتَنِعُ ما نفَاه. وقال (ك): إنَّ (الرَّجل) فاعلُ (شكا). (الذي يُخيل): صِفةٌ له، (أنه يجد) هو مفعولُ ما لم يُسمَّ فاعلُه، أي: لَيُخيَّلُ، وهو من الخَيال، بمعنَى: يُشبَّه له. قال: وفي بعضِها: (شُكِيَ) بصيغة المَجهول، وفي بعضِها: بدونِ لفظِ (الذي). قلت: فظَهر مِن هذا أنَّه لا دِلالَة في رواية البخَاريّ على تعيين الشَّاكي أنَّه عبدُ اللهُ بنُ زيدٍ، نعَم، وقَع في "صحيحِ ابنِ خُزيمَة" التَّصريحُ بأنَّه الشَّاكي، ولفظُه: عن عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن الرَّجل. (ينفتل) أي: ينصَرِف، وهو بالفاء واللَّام مَقلوبٌ، قلتُ: ورُوِيَ بالرَّفع على أنَّه خبرٌ، وبالجَزمِ على أنَّه نهَيٌ. (أو لا ينصرف) الظَّاهرُ أنَّ الشَّكَّ من عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، قاله (ك). وفيه نَظَر! بل الظَّاهرُ أنه من شيخِ البخَاريّ؛ لأنَّ الرُّواةَ غيرَه

стр. 619

روَوْه عن سُفيانَ بلا شكٍّ. (صوتًا)؛ أي: وهو من الدُّبُر، (أو ريحًا) أي: ولو من القُبُل، وذِكرُ الصَّوتِ والرِّيحِ ليس لقَصرِ الحُكمِ عليهما، فكلُّ حَدَثٍ كذلك، إلا أنَّه وقَع جوابًا لسؤالٍ، ثمَّ المُرادُ بِـ (يَسمع) (ويَجد): التَّحقيقُ، حتَّى لو كانَ أَخشَمَ لا يشُمُّ؛ أو أصَمَّ لا يسمَعُ؛ كان الحكمُ كذلك، لأنَّ المعنَى مفهومٌ، وقد جاء في روايةٍ: "إذا وَجَدَ أحدُكم في بطنِه شيئًا فأشكَلَ عليه ... " إلخ. وهذا الحديثُ أصلٌ في قاعدة: اليقينُ لا يُزالُ بحدوثِ الشَّكِّ، كمن تيقَّن النِّكاحَ، وشكَّ في الطَّلاق ونحوِ ذلك؛ نعم، مالكٌ يُخالفُ فيهما، فيُروى عنه: أنَّ من شكَّ في الحَدَث بعدَ تيقُّن الطَّهارة فعليه الوُضُوء، قال: لأنَّا تُعُبِّدنا باليقين؛ والشَّكُّ يبطِلُه، كالمُتوضِّئ ينامُ مضطجعًا، فإنَّ النومَ نفسَه ليسَ حدثًا؛ بل هو شكَّ أَخَرجَ منه شيءٌ أم لا؟ ومع ذلك ينتقضُ الوُضُوء به. قلتُ: لمَّا كانَ مظنةً لأمرٍ غيرِ مُنضَبطٍ؛ جُعلت المظنَّة حَدثًا، بخلاف مَسألتِنا. * * * ٥ - بابُ التَّخْفِيفِ فِي الوُضُوءِ (باب: التَّخْفِيفِ فِي الوُضُوءِ) ١٣٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو

стр. 620

قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَامَ حَتَّى نَفَخَ ثُمَّ صَلَّى -وَرُبَّمَا قَالَ: اضْطَجَعَ حَتَّى نَفَخَ- ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ حَدَّثَنَا بِهِ سُفْيَانُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونة لَيْلَةً، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فتَوَضَّأ مِنْ شَنٍّ مُعَلَّقٍ وُضُوءًا خَفِيفًا -يُخَفِّفُهُ عَمْرٌو ويُقَلِّلُهُ - وَقَامَ يُصَلِّي فتَوَضَّأْتُ نَحْوًا مِمَّا تَوَضَّأَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: عَنْ شِمَالِهِ- فَحَوَّلَنِي فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ، فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثُمَّ أَتَاهُ المُنَادِي فآذَنَهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ مَعَهُ إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى وَلَمْ يتَوَضَّأْ، قُلْنَا لِعَمْرٍو: إنَّ ناَسًا يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: رُؤْيَا الأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: ١٠٢]. (ع) وإسنادُه مكِّيون سوى عليٍّ، وقد أقامَ بِها، وهو روايةُ تابعيٍّ عن تابعيٍّ. (نفخ) بفاءٍ ومُعجَمَة، أي: من خَيشُومِه، وهو المُسمَّى: (غَطيطًا) كما سبَق في (باب السَّمَرِ في العِلم).

стр. 621

(وربما) أصلُ (رُبَّ) للتَّقليل، وتستَعمَلُ للتَّكثير، وهما محتَمَلان هنا. (اضطجع)؛ أي: قالَها بدلَ (نام)، وزادَ لفظَ (قامَ). (ثم حدثنا) هو من قولِ ابنِ المَدينِيِّ. (خالتي) لأنَّ أمَّه لُبابةُ، أختُ ميمونةَ كما سبقَ بيانُه. (فلما) إلى آخره، هو من عَطفِ مُفصَّل على مُجملٍ، حتَّى يتغَايرا. (كان) الضميرُ فيه للنبيِّ ﷺ ، اسمُها إنْ كانت ناقصةً، وفاعلُها إن كانت تامَّةً على رِوايةِ (في بعضِ الليلِ)، أمَّا على رواية (مِن)، فتكونُ زائدةً، و (بعضُ) هو الفاعلُ بِـ (كان). (شَنٌ) بفتح المُعجَمة: قِربةٌ خَلَقٌ، (معلق) بالتَّذكير على معنَى الجِلدِ أو السِّقاءِ أو الوِعاءِ، ويروى: (معلَّقة) -بالتأنيث-؛ أي: القِربَة. (يخففه عمرو) أي: ابنُ دينار، وهو: مُدرَجٌ من ابنِ عُيينةَ، (ويقلله) من باب الكَمِّ، بخلافِ (يخفِّفُه)؛ فإنَّه من بابِ الكَيف، فهذا الفرقُ بينَهُما. قال (ط): يريدُ بالتَّخفيف: تَمامَ غَسلِ الأعضاء دونَ التَّكثير، وإمرارِ اليدِ عليها، وذلك أدنَى ما تُجزئُ الصلاةُ به، وإنَّما خفَّفه الرَّاوي؛ لأنَّه ﷺ كان يتوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، فالواحدةُ بالنِّسبة إلى الثَّلاث تخفيفٌ.

стр. 622

(نحوًا)، هي دونَ (مِثل)، لأنَّه لا يقدِرُ على مثلِه، قاله: (ك). وسيأتي بعدَ أبوابٍ: (فقُمتُ فصَنعتُ مثلَ ما صنعَ)، ولا يلزمُ من إطلاقِ المثليَّةَ المُساواةُ من كل جِهَة. (وربَّما ...) إلخ، هو إدراجٌ من ابنِ المَدينِيِّ. (بشماله) ضِدُّ اليمين، بخلافِ الشَّمَال بفتح الشِّين، فإنَّه الرِّيحُ التي تَهُبُّ من ناحِيَة القُطبِ خلافِ الجَنوبِ. (فآذنه) بالمدِّ، أي: أعْلَمَه، وفي بعضِها: (يُآذِنُه)، بلفظِ المُضارعِ بلا فَاء. (معه)؛ أي: مع المُنادي، أو مع الإيذانِ. (قلنا ...) إلخ، وهو من قَولِ سفيانَ. (عبيد) هو: أبو عاصِمٍ المَكِّيُّ، قيلَ: رأى النبِيَّ ﷺ ، وَلِيَ قضاءَ مكَّةَ، وماتَ قبل ابنِ عمرَ. (رؤيا) مصدرٌ كـ (رُجْعَى)، وتختصُّ بالمَنامِ كما اختصَّ الرَّأيُ بالقَلبِ، والرُّؤيةُ بالعَين. قلت: هذا صوابٌ، خلافًا لما قالَه (ك) في حديث: (أولُ ما بُدِئَ به منَ الوَحي)، وسبَقَ بيانُه. ووجهُ الاستدلالِ بالآية: أنَّ الرُّؤيا لو لَم تكن وحيًا؛ لما جَازَ لإبراهيمَ ﵇ الإقدامُ على ذبحِ ولدِه، فإنَّ ذلكَ حرامٌ.

стр. 623

وفيه: أنَّ (١) موقفَ المأمومِ الواحِد عن يَمينِ الإمَام، وأنَّ الفعلَ القليلَ لا يُبطِل الصَّلاة، وصحَّةُ صلاةِ الصَّبيِّ، وإتيانُ المؤذن الإمامَ ليخرُج للصَّلاة، وندبيَّةُ صلاةِ اللَّيل، والجماعةُ في النَّفل، وأنَّ نومَه ﷺ لا ينقُضُ وضوءَه؛ فهو من خَصائِصِه، وروايةُ: (أنَّه توضَّأ بعدَ النوم)؛ للاحتياطِ، أو نحو ذلك. قال (خ): وإنَّما مُنِعَ النومُ قلبَه ﷺ ؛ لأنَّه يوحَى إليه في مَنامِه، وفيه أنَّ النَّوم مَظِنَّةُ الحدَث لا عينُه، حتى لا ينتقِضَ الجالسُ المُمَكِّنُ مَقعَدَه. * * * ٦ - بابُ إِسْبَاغِ الوُضُوءِ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِسْبَاغُ الوُضُوءِ الإنْقَاءُ. (باب إسباغ الوضوء)؛ أي: إتمامُه، وقولُ ابنِ عمرَ في تفسيره: (الإنقاء) لاستِلزامِه الإتمامَ له عادةً. * * * ١٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ: أَنَّهُ سَمِعَهُ

стр. 624

يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نزَلَ فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبغِ الوُضُوءَ، فَقُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: (الصَّلَاةُ أَمَامَكَ)، فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ المُزْدلِفَةَ نزَلَ فتَوَضَّأ، فَأَسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أناَخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ العِشَاءُ فَصَلَّى وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. (م د س). وإسنادُه مَدَنيُّون، وهو أيضًا روايةُ تابعيٍّ عن تابعيٍّ. (دفع)؛ أي: أفاضَ من وقوفِ عرَفةَ، أو من مكانِ الوقوفِ؛ لأنَّ (عرفةَ) أو (عرفاتٍ) اسمٌ له، والأوَّل أولى؛ لأنَّه المُرادُ والجاري على عُرف الشَّرع، وقيل: (عرفاتٌ) اسمٌ بلفظِ الجمع. قال الفرَّاء: ولا واحدَ له بصِحَّةٍ. (بالشعب) هو الطَّريق في الجبلِ، واللامُ للعَهد، أي: الشّعبُ المَعهودُ للحُجَّاج. (الصلاة) نُصِبَ بفعلٍ مقدَّر، أي: أتؤدِّي الصَّلاةَ؟ أو صَلِّ الصَّلاةَ. (أمامك)؛ أي: قُدَّامَك، وهو نصبٌ على الظَّرفيَّة. (المزدلفة) هي جَمعٌ، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ آدمَ اجتَمَع بِها مع حواءَ وازدَلَفَ إليها، أي: دناَ منها، وقيل: لأَنَّها يُجمَعُ فيها بين الصَّلاتين، ويُحتَمل أنَّ أهلَها يزدَلِفون إلى الله تعالى، أي: يتقرَّبون إليهِ فيها.

стр. 625

(العشاء) بكَسر العَين والمَدّ، أي: صلاةُ العِشَاء، وإنْ كانَ أصلُ العِشَاء الوقتَ من الغروبِ للعَتَمَة، أو منَ الزَّوالِ إلى الطُّلوعِ. قال (خ): أرادَ بِـ (الصَّلاةُ أمَامَك) أنَّ ذلك بالمُزدَلِفة، وهي أمَامَك، وهي تخصيصٌ لعمومِ الأوقَات للصَّلوات الخَمس ببَيان فعلِ النبيِّ ﷺ ، ففيه دليلٌ على أنَّ الحاجَّ إذا أفاضَ من عرفةَ لا يصلي حتَّى يبلُغَ مزدَلفةَ جَمعًا بينَ المَغرب والعِشاء. قال (ك): لا دليلَ فيه على الوجوبِ، بل فِعلُه ﷺ يدلُّ على النَّدبِ، والتَّأخير إنَّما هو لبيَانِ الجَوازِ. (ولم يصل بينهما) دليلٌ على أنْ لا يصليَ بينَهما، ولا يؤذِّنَ، بل الإقامةُ فقَط لكلٍّ منهُما. وفي الحديث أيضًا: أنَّ يسيرَ العمَل لا يُبطِلُ الموالاةَ؛ لقوله: (ثمَّ أناخَ ...) إلى آخره، ولكنْ لا يتكلَّم؛ كذا قال: (خ)، ونازَعَه (ك): بأنَّه إنَّما يدلُّ على عدم القَطع مُطلقًا، يسيرًا كانَ أو كثيرًا، لا على مَنعِ التَّكلُّم؛ لأنَّ جمعَ التَّأخيرِ هذا حكمُه، وأمَّا الأذانُ فقد ثبَتَ في حديثِ جابرٍ الطَّويل: (أنَّه جَمَعَ بالمُزدلفَة المَغربَين بأذانٍ واحدٍ وإقامَتين)، وزيادةُ الثِّقةِ مقبولةٌ. قال (١) (خ): وأما وُضُوؤُه وتركُه الإِسباغَ؛ فإنَّما هو ليكونَ

стр. 626

مستَصحِبًا للطَّهارةِ في مسيرِه إلى أن يبلُغَ جَمعًا، فإنَّه ﷺ كانَ يُناجي ربَّه في غالبِ أحواله، فأَحَبَّ أن يكونَ على طُهرٍ، وإنَّما لم يُسبِغْها؛ لأنَّه لم يفعَل ذلك ليصلِّيَ بِها، ولهذا أسبَغَها حينَ أرادَ أن يُصليَ، وفي وُضوئِه لغير الصَّلاة دليلٌ على أنَّ الوُضوءَ نفسَه عبادةٌ وقُربةٌ، ونحوُه طهارتُه إذا أَوى إلى فِراشِه. قلت: قد يُنازَعُ في ذلك بأنَّ الوضوءَ يُندَب لأمورٍ كثيرةٍ، فلا ينحصرُ في الصَّلاة، فالوُضُوء لأجلِها لا لذَاتِه. قال (ط): ولم يُسبغ الوضوءَ؛ أي: توضَّأ مرَّةً مرَّةً، لأنَّه أعجَلَه دفعُ الحُجَّاجِ إلى المُزدلفة، وذلك يبيحُ الصَّلاة، وأمَّا تفسيرُه بالاستِنجاء فقط؛ فمردودٌ بقولِ أسامةَ: (الصَّلاةَ يا رسولَ الله)؛ إذ من المُحالِ أن يقولَ له ذلك وهو لم يتوَضَّأ وضُوءَه للصَّلاة. قال (ك): يُحتمَل أنَّ المُراد: تُريدُ الصَّلاة؛ فَلِمَ لا تتوضَّأُ وُضوءَها؟ فأجابَه ﷺ بأنَّ الصَّلاة أمامَك، فلا أحتاجُ الوُضوءَ في هذه الحَالة، وإنَّما الجوابُ: أنَّ اللَّفظَ يُحمَل على معناه الشَّرعيِّ، فلا يُحمَل الوُضوءُ على الاستِنجاء، فأجابَ ﷺ بأنَّ السُّنة التأخيرُ، فلمَّا جاءَ المُزدلفة أسبغَ الوُضوءَ أخْذًا بالأفضَلِ والأكَمَل على عادَتِه. وفيه: أنَّ الأدونَ يذكِّرُ الأَعلى؛ فخشِيَ أسامةُ أنَّه ﷺ قد ينسى لِمَا كانَ فيه من الشُّغل، فأجَابه: بأنَّ مَحلَّ الصَّلاة تلكَ اللَّيلة هناك بطريقِ الجَمعِ.

стр. 627

قيل: وفيه حُجَّةٌ لمَن لا يَتنفَّلُ في السَّفر، ومُنِعَ بأنَّ الذي فيه: تركُ الشُّغل بينهما لا مُطلقًا، وفيه اشتِراكُ وقتِ المَغرب مع العِشاء. * * * ٧ - بابُ غَسْلِ الوَجْهِ بِاليَدَيْنِ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ (باب غسْلِ الوَجهِ بِاليَدَينِ مِن غَرفَةٍ وَاحِدَةٍ): الغَرفَةُ: -بالفَتح- بمعنى المَصدَر، وبالضَّم: المَعروفُ، وهوَ مِلءُ الكَفِّ، والفتحُ قراءةُ أبي عَمرو في (إِلا مَنْ اغتَرفَ غَرفةً). ويُحكى أنَّ الحجَّاجَ طلَب منه شاهِدًا على قراءته بذلك فهَرب، فإذا هو براكبٍ يُنشد قولَ أُميةَ بنِ أبي الصَّلت: ربَّما تكرَهُ النُّفوسُ منَ الأَمـ ... ـر له فُرجَةٌ كحَلِّ العِقَالِ فقلتُ له: ما الخبرُ؟ قال: ماتَ الحجَّاجُ، قال: فلا أدري بأي الأمرَين كانَ فرَحي أكثرَ، بمَوتِ الحَجَّاج أو بقوله: (فُرجَة)، فإنَّها بمعنَى: المُنفَرَج، كالغُرفَة بمعنَى المَغروفِ. ١٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبُو سَلَمَةَ الْخُزَاعِيُّ مَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: أخبَرَناَ ابْنُ بِلَالٍ -يَعْنِي سُلَيْمَانَ-، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ

стр. 628

فَغَسَلَ وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَجَعَلَ بِهَا هَكَذَا، أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُخرَى، فَغَسَلَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُمْنَى، ثُمِّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ، فَغَسَلَ بِهَا يَدَهُ اليُسْرَى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أَخَذ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَرَشَّ عَلَى رِجْلِهِ اليُمْنَى حَتَّى غَسَلَهَا، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً أُخْرَى، فَغَسَلَ بِهَا رِجْلَهُ -يَعْنِي اليُسْرَى- ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ. (د). (يعني سليمان) يُحتَمَل أن يكونَ من كلامِ عبدِ الرَّحيم المُلقَّب: صَاعقَة، وأن يكونَ ذلك من كلامِ البُخارِيّ. (فغسل) عَطفُ مفصَّل على مُجمَل. (أخذ غرفة) لم يعطِفْه؛ لأنَّه استئنافٌ بيانِيٌّ. (فتمضمض واستنشق) ذكَرَهَما في غَسلِ الوَجه، وليسا منه؛ لكونِهما في الوَجه، فأُعطِيا حُكمَه. والمضمَضةُ: تحريكُ الماء في الفَم، والاستِنشاقُ: إدخالُ الماء وغيرِه في الأنفِ، لكنَّ الإدارَة في الفَمِ لا تُشترط شَرعًا عندَ الجُمهور. وكمَالُ الاستنشاقِ بجَذبِ الماء بالنَّفَسِ إلى أقصَاه، وفي كيفيَّتهما خمسةُ أوجهٍ مشهورةٍ، أرجحُها عندَ الرَّافعي الفَصلُ بغَرفتين، وعند النَّووي الجَمعُ بثلاث غَرفات، وتقديمُ المَضمَضة مستحَقٌّ لا مستحَبٌّ فقَط.

стр. 629

أمَّا حكمُهما، فقال مالكٌ والشَّافعيّ: سنَّتان في الوُضوء والغُسل، وأوجَبَهما أحمدُ فيهما، وأبو حنيفةَ في الغُسل فقط، وداودُ الاستنشاقَ فيهما، وقال: المضمضةُ سُنَّةٌ فيهما. حجةُ الأوَّل كما قال (ط): أنه لا فرضَ إلا ما ذَكَرَ اللهُ تعالى، أو أوجبَه الرَّسولُ ﷺ ، أو الإجماعُ، والكلُّ مُنتَفٍ، وأيضًا الوَجهُ: ما ظَهَر لا ما بَطَن. وكذا لا يجبُ غَسلُ باطنِ العَين، وحُجَّةُ الكوفيين حديثُ: "تحتَ كلِّ شعرةٍ جنابةٌ، فبُلُّوا الشَّعر، وأَنقُوا البَشَرة"، وفي الأَنفِ شَعرٌ، ولا يوصَل إلى غَسل الأَسنان والشَّفتين إلا بالمَضمَضة. وحجَّةُ مَن أوجَب فيهما ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وفي الوضوء ﴿فاغسلوا﴾ [المائدة: ٦]، فمَا وجَبَ في أحدِهما وجَب في الآخَر، وحجَّة الفَارق: أنَّه ﷺ فَعَلَ المضمضة، ولم يأمر بِها، وفعلَ الاستنشاقَ وأمرَ به؛ فكانَ أقوى. (أضافها) بيانٌ لقَوله: (هكذا). (بها)؛ أي: بالغَرفَة، وفي بعضِها: (بِهما)، أي: باليَدين. (ثم مسح)؛ أي: ثمَّ بَلَّ يدَه فمَسحَ؛ لأنَّ المَسحَ بِبَلَلِ غَسلِ اليَدين لا يَكفي. (فرش) لا ينافي قولَه بعدَ ذلك: (فَغَسَلَ)؛ لأنَّ الرَّشَّ القويَّ يكونُ معه الإسالةُ، وإنَّما عبَّر به؛ لأنَّه مَظِنَّةُ الإسرافِ.

стр. 630

(يعني رجله) هو فيما يَظهَرُ من كلامِ زيدٍ، لا من كلامِ عطَاءٍ، وفي بعض النُّسَخ: (بل رِجلَه -يعني- اليُسرى). قال (ط): فيه الوُضوءُ مرَّةً، وأنَّ الماءَ المستَعملَ طَهورٌ، وهو قَول مالكٍ، لأنَّ الماءَ إذا لاقى أولَ جُزءٍ من أجزاءِ البَدَن صار مستَعملًا، مع أنَّه يُجزِئُ فيما بقِيَ من العُضوِ، فلو لم يجُز الوُضوءُ بالمُستعمَل لَمَا أجزأَ الوُضوءُ مرَّةً مرَّةً. ورُدَّ بأنَّ الماءَ ما دامَ متَّصلًا فلا يُحكَم بالاستعمال حتى ينفصل، ولو سُلِّم فقد أجمَعُوا على جَوازه، ويصيرُ الحُكم في غيره على أصلِه، وهوَ الاستعمالُ. قلت: لا يُعارِضُ ذلك كونُه مَقيسًا عليه، بل يُقال: الفَرقُ الانفصالُ وعدمُه. * * * ٨ - بابُ التَّسْمِيَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَعِنْدَ الوِقَاعِ (باب التَّسميةِ على كلِّ حالٍ وعندَ الوِقاع)؛ أي: الجِمَاع. وإنَّما لم يذكُره قبلَ ابتداءِ الوُضوء الذي هو مَحَلُّه؛ لأنَّه لا يُقصدُ في مثلِ ذلك مناسَبةٌ، ولِهذا ذَكَرَ بعدَه ما يقولُ عندَ الخَلاء، وحقُّه أن يكونَ قبلَ الكُلِّ، وأَورَدَ في الباب التَّسميةَ في الجِماعِ فقط؛ لأنَّه يُستَنبَطُ منها أنَّه على كلِّ حالٍ، لأنَّ الذِّكرَ في حالتِها أبعدُ؛ فغيرُها أولى. * * *

стр. 631

١٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْم اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ). (ق م ت س). وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين. (يبلغ به) بضمِّ أوَّله وفَتحِ ثالثِه؛ أي: يوصِلُه، ولو احتَمَل أنَّه بواسِطَة صحابيٍّ آخرَ، لا أنَّه موقوفٌ علَيه. (لو أن)؛ أي: لو ثبتَ أنَّ. (أتى أهله) كنايةٌ عن الجِمَاع. (الشيطان) فَيْعَال، من (شَطَنَ)، أو فَعلان، من (شَاطَ). (ما رزقتنا) مفعولٌ ثانٍ لِـ (جَنِّبْ)، والمُراد: الوَلَد، وإن كانَ اللَّفظُ أعمَّ، ففيه أنَّ الوَلَدَ من الرِّزقِ، واستعمَل (ما) بمعنَى شيء، فيَصدُقُ على العاقِلِ كما هنا، أو لإِبهامِه كما في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ [آل عمران: ٣٦]، وعائدُ الموصولِ محذوفٌ. (فيقضى) للقَضَاء معَانٍ؛ المُناسِبُ هنا: حُكِمَ، نحو: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أو قدر نحو: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]. قلت: ذكَرَ العسكَرِيُّ مما وردَ منها في القُرآن اثنا عَشَر، وإن كانَ

стр. 632

في بعضِها إمكانُ التَّداخُل، والمُناسِبُ منها معنَى: قُدِّرَ أنَّه يقَعُ، كما في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]، أما ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، فبِمعنَى: خَلَقهُنَّ، أو أتَمَّهُنَّ. وأمَّا معنى القَضاء، فإن أُريدَ به التَّقدير؛ فهو الثَّاني، أو الحُكمُ؛ فلا منَاسبَة فيه. وتمثيلُه بِـ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، خلافُ ما مثَّلَ به الأكثرُ لِمَجيءِ قَضَى؛ بمعنى: أَمَرَ. (بينهما) في بعضِها: (بينهُم). قال (ك): بناءً على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان. قلت: الخلافُ في صِيغَ الجَمعِ لا في الضَّمائر، وإنَّما هذا باعتبارِ الجِنسِ. (لم يضرَّه) جوابُ (لو)، وهو بضمِّ الرَّاء على الأفصَح، والضميرُ للوَلَدِ. قال (ط): في الحديثِ ردٌّ لقولِ مَن منَعَ ذِكرَ الله على غير طهارةٍ، أو كَرِهَه على الخَلاء، أو الوِقَاعِ. واستحبابُ التَّسميةِ عندَ ابتداءِ كل عَملٍ تبرُّكًا، واستحضَارُ أنَّ الله هو الذي يسَّر ذلك الفعلَ له، وأوجَبَ بعضُهم التَّسميةَ في الوُضوء لحديثِ: "لا وُضوءَ لِمن لم يذكُر اسمَ الله". ورُدَّ بأنَّه لا يصحُّ في ذلك حديثٌ، كما قالَه أحمدُ، والمعنى:

стр. 633

لا وضوءَ كاملًا، نحو: "لا صلاةَ لجار المَسجد إلا في المَسجد"، وأيضًا فلا تَجبُ في الغُسلِ اتفاقًا، فكذا في الوُضوء، وحَمَلَ بعضُهم الحديثَ على النيَّة؛ لأنَّها ذِكرُ القَلب؛ أنَّه يتَوَضأ لله تعالى، وَيمتَثلُ أمرَه، ولفظ (اسم): صلة، والمعنَى: لِمَن لم يذكُر الله. * * * ٩ - بابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الخَلَاءِ (باب ما يقولُ عندَ الخلاء): بالمدِّ؛ لأنَّ الإنسانَ يخلو فيه. ١٤٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ). تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ غُنْدَرٌ: عَنْ شُعْبَةَ: إِذَا أَتَى الخَلَاءَ، وَقَالَ مُوسَى عَنْ حَمَّادٍ: إِذَا دَخَلَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زيدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ. (ع). (كان): يقتضي التَّكرارَ في مثل ذلك، وأنَّه عادةٌ. (دخل)؛ أي: أرادَ الدُّخولَ؛ لأنَّ بعدَ الدُّخول لا تسميةَ، ولتوافِقَ الرِّوايةَ الآتيةَ.

стр. 634

(الخبث) بضمِّ الخاء والباء؛ جَمع: خَبيث. (والخبائث) جَمع خبيثة، أي: ذُكرانُ الشياطينِ وإناثُهم. قال (خ): روايةُ أصحابِ الحديث بسكون البَاء، وهو غَلَطٌ. ورُدَّ بأنَّه لا يَمتَنع التَّخفيفُ في مثلِه، إلا أنْ يُرادَ أنَّه يلتبِسُ بالمَصدر، وأصلُ الخُبْثِ في كلامهم: المَكروهُ، والخبيثُ من القَول: الشَّتمُ، ومن المِلَلِ: الكُفرُ، ومن الطَّعام: الحرامُ والضَّارُّ. ومناسبةُ الاستِعاذَة من ذلك: أنَّ الشَّياطين تحضُر في الأَخلِية؛ لأنَّها مواضعُ مهجورٌ فيها ذكرُ الله تعالى، كما قال ﷺ : "إنَّ هذه الحُشوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فإذا دخلَ أحدُكم الخَلاء فَليتَعوَّذْ". وقيلَ: الخُبْثُ: الكفرُ، والخَبائثُ: الشَّياطين. وقيلَ: الخُبث: الشَّرُّ، والخبائثُ: الشَّياطين، والخُبْثُ بالسّكون: مصدرُ خَبُثَ. قال (ط): وفي الحديث جوازُ ذِكرِ الله على الخَلاء، وقال عِكرِمَةُ: يذكرُ بقَلبه لا بلِسانِه. (تابعه ابن عرعرة) بفتح المُهمَلتَين والرَّاء المُكرَّرة، واسمُه: محمَّد، والضميرُ في (تابَعَه): راجعٌ إلى (آدم)، وقد وَصَلَ هذه المُتابَعة في (كتاب الدَّعوات). (وقال غندر) وَصَله البزَّارُ بِهذا اللَّفظ، وأحمدُ بلفظِ: (إذا دَخَل). (وقال موسى)؛ أي: ابنُ إسماعيلُ التَّبوذَكِيُّ: وصَلَه البيهقيُّ.

стр. 635

(وقال سعيد) هو ابنُ زيدٍ أخو حمَّادِ بنِ زيدٍ: وصَلَه البخاريُّ في كتاب "الأدب المُفرد"، ولم يروِ لسعيدٍ في الصَّحيح إلا استِشهادًا، وعلَّق عنه؛ لأنَّه لم يلحَقْه. والحاصلُ أنَّ الأولَ: مُتابعَةٌ تامَّة، والثَّانيَ: استِشهادٌ يتَّفقُ مع الإسناد الأوَّل في الرَّاوي، والثالثَ: متابعةٌ ناقصَةٌ، والرابعَ: استشهادٌ يتَّفِقُ مع الأوَّل في الرَّاوي الثَّالثِ. وأمَّا اختلافُ ألفاظِ الرُّواةِ، فالمَعنى فيها مُتقارِبٌ، لكنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]، المَعنى: إذا أردتَ القراءةَ، فالاستعاذَةُ متَّصلةٌ بالقِراءة، وأمَّا الاستعاذةُ هنا فلا منعَ من إتمامِها في الخَلاء، وتُقدَّمَ روايةُ: (كانَ يقولُ ذلك)، على روايَة: (إذا أرادَ أن يدخُلَ)؛ لأنَّها زيادةُ ثقةٍ في المَعنى، والأخذُ بالزِّيادةِ أَولى؛ كذا قالَ (ك)، وفيه نَظَر! * * * ١٠ - بابُ وَضْعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ (باب وضع الماءِ عندَ الخَلاء) ١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ: (مَنْ وَضَعَ هَذَا؟)،
следующие страницы →