Полный текст (8 898 стр.). Показаны 5706–5745 · переход к 5711.
стр. 5706
(إما قتلوه) أتَى به بلفْظ الماضي، وقابلَه بالمضارع في: (يعذبوه)؛ لأنَّ التَّعذيب يستمرُّ بخلاف القِتْل.
(يعفو)؛ أي: اللهُ، وفي بعضها: (تَعفُوا) بالخِطاب للجمْع، فتُسكَّن واوه.
(حيث ترون)؛ أي: من حُجرات النبي ﷺ ، يُريد بَيان قُربه وقرابته، فهو قريبٌ عند النبي ﷺ منزلًا ومنزلةً.
* * *
﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
التَّهْلُكَةُ وَالْهَلَاكُ وَاحِدٌ.
(باب: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٥])
٤٥١٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ قَالَ: نزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ.
ما أوردَه فيه ظاهرٌ.
стр. 5707
﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾
(باب: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٤])
٤٥١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْقِلٍ، قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمَسْجدِ -يَعْنِي: مَسْجدَ الْكُوفَةِ-، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾، فَقَالَ: حُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: "مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ هَذَا، أَمَا تَجدُ شَاةً؟ " قُلْتُ: لَا، قَالَ: "صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، وَاحْلِقْ رَأْسَكَ". فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً.
(من صيام) متعلِّقٌ بـ (فِدْية)، أي: الفِدْية التي هي الصِّيام، أَهوَ ثَلاثة أيامٍ، أو أكثَر، أو أقلُّ؟، أو سألتُه عن هذه الآية.
(حملت) مبنيٌّ للمفعول، أي: إما حقيقةً لمرَضٍ ونحوه، أو هو مِن حمَل نفسَه في السَّير، أي: جَهَدها.
(أُرى) بالضم، أي: أظُنُّ.
(الجهد) بفتح الجيم: الطَّاقة، وبالضم: المَشقَّة.
(عامة)؛ أي: لجميع الأُمة، أي: من باب: خُصوص السَّبَب، وعُموم الحُكم.
* * *
стр. 5708
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح
تأليف
الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي
(المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الثاني عشر]
стр. 5709
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 5710
اللامِعُ الصَّبيحْ بِشَرْحِ الْجَامِع الصَّحِيح
[١٢]
стр. 5711
جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظة
الطَّبْعةُ الأُولَى
١٤٣٣ - هـ - ٢٠١٢ م
ردمك: ٧ - ٦٩ - ٤٥٩ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN
الرقيم
للِبُحُوثِ وَالدِّراساتِ
قطر - الدوحة
فاكس: ٠٠٩٧٤٤٤٤٤١٨٧٠
E-mail: arraqeem@gmail.com
دَارُ النَّوادِرِ
سورية - لبنان - الكويت
مؤسسة دَارُ النَّوادِرِ م. ف - سُورية * شركَة دَار النَّوَادِر اللبنانية ش. م. م - لبنان * شركَة دَار النَّوَادِر الكويتية ذ. م. م - الكويت
سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١)
لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)
الكويت - الصالحية - برج السَّحَاب - ص. ب: ٤٣١٦ حَولي - الرَّمْز البريدي: ٣٢٠٤٦
هَاتِف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥)
info@daralnawader.com
www.daralnawader.com
أسسها سنة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نور الدّين طَالب المدير الْعَام والرئيس التنفيذي
стр. 5712
تَابِع (٦٥) كِتابُ التَّفسِيرِ
(باب: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦])
٤٥١٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عِمْرَانَ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، قَالَ: أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كتَابِ اللهِ، فَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يُنْزَلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ.
الحديث فيه اجتمع ثلاثةٌ كُلٌّ يُسمَّى: عِمْران، وهو لطيفٌ.
(ففعلناها)؛ أي: المُتْعة.
(بحرمة)؛ أي: التمتُّع، فلا القُرآن حرَّمه، ولا رسول الله ﷺ نهى عنه، فمَن حرَّمه قال شيئًا برأْيه، وإليه الإشارة بقوله: (قال رجل)، فقيل: المراد به عثمان، وهو كان يمنع التمتُّع، وسبَق في (الحج).
وقال البخاري: يُقال: إنه عُمر، واستُشكل بأنه إنما كان ينهى عن فسخ الحج إلى العُمْرَة، ولم يُخالف فيه كتابًا ولا سنةً.
* * *
стр. 5713
﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾
(باب: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨])
٤٥١٩ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوَاسِم، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فِي مَوَاسِم الْحَجِّ.
الحديث الأول:
(عمرو)؛ أي: ابن دِيْنار.
(عُكاظ) بضم المهملة، وخفَّة الكاف، وبمعجمةٍ.
(ومَجَنّة) بفتح الميم، والجيم، وشدَّة النون.
(وذو المَجاز) بفتح الميم: أَسْواقٌ كانت للعَرَب.
(في المواسم) وسُمي مَوسِمًا؛ لأنَّه مَعْلَمٌ يجتمع الناس إليه، قيل: ولفظ: (في مواسم) عند ابن عبَّاس مِن القرآن مِن تَتمَّة الآية.
والصَّحيح أنه تفسيرٌ بيَّن به مَحلَّ ابتِغاء الفَضْل، فكأنه قال: أي: في مَواسِم الحجِّ، والله أعلم.
* * *
стр. 5714
﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾
٤٥٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ، أَمَرَ اللهُ نبَيَّهُ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾.
الثاني:
(الحُمْس) جمع: أحْمَس، بمهملتين.
قال الجَوْهَري: هم قُريش، وكِنانَة، وكانوا في الإحرام لا يَستظِلُّون بمِنَى.
(الناس)؛ أي: أكثَر الناس، وهو سائِر العرَب.
قال (خ): القَبائل التي كانت تَدينُ مع قُريش: بنو عامِر بن صَعْصَعْة، وثَقِيْف، وخُزَاعَة، وكانوا إذًا لا يَتناولون السَّمْن والأَقِط، ولا يَدخلون من أبواب بُيوتهم، وإنما سموا حُمْسًا؛ لأنهم تحمَّسوا في دينهم، أي: تشدَّدوا وتَصلَّبوا، والحَماسة الشِّدَّة.
قال: وفي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] بيانُ أنَّهم مأْمورون بالوُقوف بعَرَفة؛ لأنَّ الإفاضة -ومعناها التفرُّق- لا تكون إلا عن اجتِماعٍ في مكانٍ واحدٍ، وكان الناس -وهم أكثَر قبائل العرَب-
стр. 5715
يقفون بعرَفاتٍ، ويُفيضون منها، فأُمروا هم أيضًا أن يُفيضوا منها.
* * *
٤٥٢١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يَطَوَّفُ الرَّجُلُ بِالْبَيْتِ مَا كَانَ حَلَالًا حَتَّى يُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَإِذَا رَكِبَ إِلَى عَرَفَةَ، فَمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ هَدِيَّةٌ مِنَ الإبِلِ أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ، مَا تَيَسَّرَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ، غَيْرَ إِنْ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ، فَعَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ كَانَ آخِرُ يَوْمٍ مِنَ الأيَّامِ الثَّلَاثَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيَنْطَلِقْ حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَاتٍ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ يَكُونَ الظَّلَامُ، ثُمَّ لِيَدْفَعُوا مِنْ عَرَفَاتٍ إِذَا أَفَاضُوا مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغُوا جَمْعًا الَّذِي يَبِيتُونَ بِهِ، ثُمَّ لِيَذْكرِ اللهَ كثِيرًا، وأَكْثِرُوا التَّكْبِيرَ وَالتَّهْلِيلَ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا، ثُمَّ أَفِيضُوا، فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يُفِيضُونَ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حتى ترموا الجمرة.
الثالث:
(الرجل)؛ أي: المُتمتِّع.
(ما تيسر له) هو جواب الشَّرط، أي: فَفِدْيَتُهُ ما تَيسَّر، أو بدَلٌ من الهَدْي، والجَزاء بأَسره محذوفٌ، أي: فَفِدْيَتُه ذلك، أو فليَفتدِ بذلك.
стр. 5716
(من صلاة العصر) هذا مراعاةٌ للأَشرف مِن وقْت الوُقوف، وهو من الزَّوال إلى صُبح الغَدِ.
(جَمْعًا)؛ أي: مُزْدَلفة.
(يتبرز)؛ أي: يَخرج للبَراز، وهو الفَضاء الواسِع، وفي بعضها بتكرار الرَّاء، أي: يتكلَّف البِرَّ فيه.
فإن قيل: هذا السِّياق يدلُّ على أنَّ الإفاضة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ من المُزْدَلِفَة، والحديث السابِق يدلُّ على أنها من عَرَفاتٍ.
قيل: لا مُنافاةَ؛ إذْ هذا تفسيرُ ابنِ عبَّاس، والمراد من الناس: الحُمْس، وذلك تفسير عائشة، والمراد منهم غير الحُمْس.
* * *
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
٤٥٢٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ".
الرابع:
مُناسبة دُخوله هنا أنَّ الغرَض الاستِمرار المُستَفاد مِن: (كان
стр. 5717
يقول)، والإكثارِ منه حتى في الحجِّ ومَقاماته.
* * *
﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾
وَقَالَ عَطَاءٌ: النَّسْلُ: الْحَيَوَانُ.
(باب قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤])
قوله: (النسل)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
* * *
٤٥٢٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ تَرْفَعُهُ، قَالَ: "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ".
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِي ﷺ .
الحديث الأول:
(ترفعه)؛ أي: الحديثَ للنبيِّ ﷺ .
(الألد): شَديد الخُصومة.
(الخَصِم) بكسر الصاد المهملة: تأكيدٌ للأَلَدِّ.
стр. 5718
(وقال عبد الله) موصولٌ في "جامع سُفيان".
* * *
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ إِلَى ﴿قَرِيبٌ﴾
٤٥٢٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ خَفِيفَةً، ذَهَبَ بِهَا هُنَاكَ، وَتَلَا: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾.
فَلَقِيتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ.
٤٥٢٥ - فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: مَعَاذَ اللهِ! وَاللهِ مَا وَعَدَ اللهُ رَسُولَهُ مِنْ شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا عَلِمَ أَنَّهُ كَائِنٌ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلِ الْبَلَاءُ بِالرُّسُلِ حَتَّى خَافُوا أَنْ يَكُونَ مَنْ مَعَهُمْ يُكَذِّبُونَهُمْ، فَكَانَتْ تَقْرَؤُهَا: ﴿ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ مُثَقَّلَةً.
الثاني:
(خفيفة)؛ أي: بتخفيف الدَّال، وقال ابن أبي مُلَيْكَة: ذهب ابن عبَّاس بهذه الآية إلى الآية التي في البقرة، يعني: فَهِم من هذه ما فَهِم من تلك؛ لكَون الاستفهام في: ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] للاستِبعاد،
стр. 5719
والاستِبطاء، فهُمَا متناسبان في مَجيء النَّصر بعد اليَأْس والاستِبعاد.
(فلقيت) هو كلام ابن أبي مُلَيْكة.
(معاذ الله) وجه إنكار عائشة على ابن عبَّاس وقراءةُ التَّخفيف تحتمل هذا المعنى أيضًا بأنْ يُقال: خافُوا أن يكون مَن معهم يُكذِّبونهم أنَّ مُراده أنَّ الرُّسُل ظَنُّوا أنَّهم مكذَّبون من عند الله لا من عنْدهم بقَرينة الاستِشهاد بالآية التي في البقرة.
فإن قيل: لو كان كما قالت عائشة لَقِيل: وتيقَّنوا أنَّهم قد كُذِّبوا؛ لأنَّ تكذيب القَوم لهم كان متيقَّنًا.
قيل تكذيب أتْباعهم من المؤمنين كان مَظنونًا، والمتيقَّن تكذيب الذين لم يُؤمنوا أصلًا.
وأما وجه كلام ابن عبَّاس، فقال في "الكشَّاف": وعن ابن عبَّاس أنَّهم ظنُّوا حين ضعُفوا وغُلبوا أنهم قد أُخلفوا ما وعَدَهم الله تعالى من النَّصر، وكانوا بشرًا، وتلا: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة:٢١٤]، فإنْ صحَّ هذا، فقد أَرادَ بالظَّن ما يَهجِس في القلب من شِبْه الوَسوسة، وحديث النَّفس على ما عليه البشَريَّة، وأما الظن الذي يترجَّح أحَدُ الجانبين فيه على الآخَر فغير جائزٍ على آحاد الأُمة، فيكف بالرسُل؟.
وذكر (خ) في وجه قول ابن عبَّاس: أنَّ مذهبه أنه لم يجز على الرسل أن يُكذِّبوا بالوحي الذي يأْتيهم من قِبَل الله تعالى، لكن يحتمل أن يُقال: إنهم عند تَطاوُل البلاء وإبْطاءِ نَجْز الوَعْد توهَّموا أن الذي جاءَهم من الوَحْي كان غلَطًا منهم، فالكَذِب متأَوَّل بالغلَط، كقولهم:
стр. 5720
كذَبَتْكَ نفْسُك، أي: فالذي عرَض من الرِّيبة إنما ينصرف إلى الوسائط التي هي مقدِّمات الوَحْي.
(قبل) ظرفٌ للعِلْم لا للكَون.
(كذبوا) بالتشديد قراءة نافِع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر، وبالتخفيف قراءة عاصم، وحمزة، والكسائي.
* * *
﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآيَة
(باب: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣])
٤٥٢٦ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يَتكَلَّمْ حَتَّى يَفْرغُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَكَانٍ قَالَ: تَدْرِي فِيمَا أُنْزِلَتْ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أُنْزِلَتْ فِي كَذَا وَكلذَا. ثُمَّ مَضَى.
٤٥٢٧ - وَعَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، قَالَ: يَأْتِيهَا فِي.
رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
стр. 5721
الحديث الأول:
(فأخذت عليه يومًا)؛ أي: ضبَط عليه قراءتَه.
(يأتيها في)؛ أي: في مَوضع الحَرْث، أي: في قُبُلها وإنْ كان مِن خَلْفها.
ففيه شاهدٌ بحذْف المَجرور وإبْقاء الجارِّ، ويُسمَّى نحوه الاكتِفاء.
* * *
٤٥٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ: سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁، قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
الثاني:
(جامعها)؛ أي: في فَرْجها لكنْ مِن خَلْفٍ.
* * *
﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾
باب: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣١])
٤٥٢٩ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِيُّ،
стр. 5722
حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: كَانَتْ لِي أُخْتٌ تُخْطَبُ إِلَيَّ.
٤٥٢٩ / -م - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ، عَنْ يُونس، عَنِ الْحَسَنِ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ.
حَدَّثَنَا أَبو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا يُونس، عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فترَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا، فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.
الحديث فيه واضحٌ.
* * *
﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إِلَى ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
يَعْفُونَ: يَهَبْنَ.
(باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤])
٤٥٣٠ - حَدَّثَنِي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾، قَالَ: قَدْ نَسَخَتْهَا الآيَةُ الأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا أَوْ تَدَعُهَا؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ.
стр. 5723
الحديث الأول:
(الآية الأُخرى) هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
(الآية الأُخرى)؛ أي: لم يَتركْها في المُصحف، والشكُّ من الرَّاوي.
(يا ابن أخي) إما على عادة العرَب في هذا الإطلاق، أو المراد أُخوَّة الإيمان، أو أن عُثمان مِن أولاد قُصَيٍّ، وكذلك عبد الله.
* * *
٤٥٣١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا وَاجِبٌ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ﴾ قَالَ: جَعَلَ اللهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً، إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، وَهْوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ فَالْعِدَّةُ كمَا هِيَ وَاجِبٌ عَلَيْهَا. زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، فتعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَهْوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قَالَ عَطَاءٌ: إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ
стр. 5724
أَهْلِهِ، وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ﴾. قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ، فَنَسَخَ السُّكْنَى، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَلَا سُكْنَى لَهَا.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِهَذَا.
وَعَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِدَّتَهَا فِي أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ؛ لِقَوْلِ اللهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ نَحْوَه.
الثاني:
(وصية) قيل: أراد مُجاهد أنها تخرج بعد تمام العِدَّة غير أنه يذهب إلى أنَّ هذا للأزواج كلِّهن، وليس كذلك، إنما هو للزوجة التي لا تَرِثُ، فتجوز لها الوصيَّة.
(فالعدة)؛ أي: العِدَّة الواجبة عند أهل زوجها هي الأربعة الأشهر، والزَّائد إلى تمام الحَول هو بحسَب بالوصيَّة، فإنْ شاءَتْ قَبِلت الوصيَّة، وتعتدُّ في بيت أهل الزَّوج إلى التَّمام، وإنْ شاءت اكتفت بالواجب.
(ورقاء) مؤنَّث الأَورق، أي: ابن عمر الخوَارِزْمِي.
فإنْ قيل: (غيرَ إخراجٍ) يدلُّ على أنها لا تعتدُّ إلا في مَسكن الزوج، فكيف جعله دليلًا على أنها تعتدُّ حيث شاءت؟.
стр. 5725
قيل: الإخْراج غير الخُروج، فلها الخُروج، وليس له الإخْراج، أو الاستِدلال ببقيَّة الآية، وهي قوله: ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ [البقرة: ٢٤٠].
* * *
٤٥٣٢ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ عُظْمٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَفِيهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، فَذَكَرْتُ حَدِيثَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ فِي شَأْنِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَلَكِنَّ عَمَّهُ كَانَ لَا يَقُولُ ذَلِكَ. فَقُلْتُ: إِنِّي لَجَرِيءٌ إِنْ كَذَبْتُ عَلَى رَجُلٍ فِي جَانِبِ الْكُوفَةِ. وَرَفَعَ صَوْتَهُ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ، فَلَقِيتُ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ، أَوْ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهْيَ حَامِلٌ؟ فَقَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أتجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ، وَلَا تَجْعَلُونَ لَهَا الرُّخْصَةَ، لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاء الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى.
وَقَالَ أَيُّوبُ: عَنْ مُحَمَّدٍ لَقِيتُ أَبَا عَطِيَّةَ مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ.
الثالث:
(عُظْم) بضم المهملة، وسُكون المعجمة، أي: عُظماؤهم، فخطَبها أبو السَّنابل -بلفْظ جمع سُنْبلة: الحِنْطة ونحوها-، فاستأذَنَت النبيَّ ﷺ أن تَنكح، فأَذِنَ لها، فنكَحت.
(عمه)؛ أي: عبد الله بن مسعود.
стр. 5726
(على رجل في جانب الكوفة) هو عبد الله بن عُتْبة، كان سكَن الكوفة، ومات بها في زمان عبد الملِك بن مَرْوان.
(مالك بن عامر)؛ أي: الهَمْذاني الصَّحابي، على اختلافٍ في كُنْيته أَبو عَطيَّة.
(أو مالك بن عوف) بالفاء، ابن نَضْلَة، بفتح النون، وسُكون المعجمة، الجُشَمي، بضم الجيم، وفتح المعجمة، صاحِب ابن مَسعود.
(التغليظ)؛ أي: طُول العِدَّة بالحَمْل إذا زادتْ مُدَّته على مدة الأَشهر، بل قد يمتدُّ إلى أربع سِنين، فإذا جعلتُم التَّغليظَ عليها؛ فاجعلُوا لها الرُّخصة إذا ولَدتْ لأقلَّ من الأربعة الأشهر وعشرٍ.
(القصرى) هي سُورة الطَّلاق، وفيها: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
(الطُولَى) هنا البقرة؛ لأنها أَطول سُوَر القرآن، لا أنَّ المُراد سُورة النِّساء؛ لأنَّ البقَرة فيها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٤٠].
وقال (خ): حمَل ابن مَسعود على النَّسخ، أي: جَعَل ما في الطَّلاق ناسِخًا لما في البقرة، وكان ابن عبَّاس يجمَع عليها العِدَّتين، فتعتدُّ أقصاها؛ لإمكان الجمع، وأما عامة الفُقهاء فمحمولٌ عندهم على التَّخصيص بخبر سُبَيْعة.
* * *
стр. 5727
﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾
(باب: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨])
٤٥٣٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ .
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: قَالَ: هِشَامٌ حَدَّثَنَا، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: "حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، مَلأَ اللهُ قُبُورَهُمْ، وَبُيُوتَهُمْ أَوْ أَجْوَافَهُمْ -شَكَّ يَحْيَى- ناَرًا".
(عبد الرحمن)؛ أي: ابن بِشْر، بكسر الموحَّدة، وسُكون المعجمة، ابن الحَكَم.
* * *
﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾: مُطِيعِين
(باب: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨])
٤٥٣٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ شُبَيْلٍ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ زيدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنَّا نتكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ؛ يُكَلِّمُ أَحَدُنَا أَخَاهُ فِي حَاجَتِهِ حَتَّى نزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، فَأُمِرْناَ بِالسُّكُوتِ.
стр. 5728
(والصلاة الوسطى) قال (خ): في أكثر الروايات أنها العصْر، وقيل: الفَجْر، وقيل: الظُّهْر، والأقرب أنها المَغرب؛ لأنها ليستْ بأكثَر عدد الركَعات، ولا أقلَّ، فهي وسَطٌ بين أربع وثنتَين، والواو بمعنى التَّخصيص، أي: عطف خاصٍّ على عامٍّ كما في: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨].
(قانتين) قال (خ): أصحُّ الأقوال في تفسير القانِت: الدَّاعي في حال القِيام، وليس السُّكوت المذكور تفسيرَ القُنوت؛ لكن لما أُمروا بالذِّكر شُغلوا عن الكلام، فانقطَعوا عنه، فقيل: (فأُمرنا بالسكوت) مبنيٌّ للمفعول.
* * *
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿كُرْسِيُّهُ﴾ عِلْمُهُ، يُقَالُ: ﴿بَسْطَةً﴾ زِيَادَة وَفَضْلًا، ﴿أَفْرِغْ﴾: أَنْزِلْ، ﴿وَلَا يَئُودُهُ﴾: لَا يُثْقِلُهُ، آدَنِي: أَثْقَلَنِي، وَالآدُ وَالأَيْدُ: الْقُوَّةُ. السِّنَةُ: نُعَاسٌ. ﴿يَتَسَنَّهْ﴾: يَتَغَيَّرْ. ﴿فَبُهِتَ﴾: ذَهَبَتْ حُجَّتُهُ. ﴿خَاوِيَةٌ﴾: لَا أَنِيسَ فِيهَا. عُرُوشُهَا: أَبْنِيَتُهَا. السِّنَةُ نُعاسٌ، نُنْشِرُهَا: نُخْرِجُهَا، ﴿إِعْصَارٌ﴾: رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿صَلْدًا﴾ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
стр. 5729
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَابِلٌ﴾ مَطَرٌ شَدِيدٌ. الطَّلُّ: النَّدَى، وَهَذَا مَثَلُ عَمَلِ الْمُؤْمِنِ. ﴿يَتَسَنَّهْ﴾: يَتَغَيَّرْ.
(باب: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩])
٤٥٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ: يَتَقَدَّمُ الإمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُصَلِّي بِهِمِ الإمَامُ رَكعَةً، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا، فَإِذَا صَلَّوُا الَّذِينَ مَعَهُ رَكعَةً، اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا وَلَا يُسَلِّمُونَ، وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا، فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكَعَةً، ثُمَّ يَنْصَرِفُ الإمَامُ وَقَدْ صَلَّى رَكعَتَيْنِ، فَيَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَيُصَلُّونَ لأَنْفُسِهِمْ رَكَعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الإمَامُ، فَيَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكَعَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا؛ قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا؛ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا.
قَالَ مَالِكٌ: قَالَ نَافِعٌ: لَا أُرَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ذَكرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
سبَق شرح الحديث فيه في (باب: صلاة الخوف)، وأن (قيامًا) جمع: قائمٍ، أو مصدرٌ.
* * *
стр. 5730
(باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠])
٤٥٣٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ، وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةَ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ قَدْ نَسَخَتْهَا الأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا؟ قَالَ: تَدَعُهَا يَا ابْنَ أَخِي! لَا أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ.
قَالَ حُمَيْدٌ: أَوْ نَحْوَ هَذَا.
سبَق قريبًا الترجمة، وشرح ما فيها، وأن (تدعها) بمعنى: تتركها.
* * *
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾
(باب: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠])
قوله: (فصرهن: قطعهن) قال (ع): هذا غريبٌ، والمعروف: أَمِلْهُنَّ، يُقال: صارَ يصِير ويَصُور، أي: أَمالَ.
قال السَّفَاقُسي: الذي ذكَره المفسِّرون: أنَّ (صُرْهُنَّ) بضم الصاد
стр. 5731
معناه: ضُمَّهنَّ إليك، وبكسرها: قَطِّعْهنَّ.
قال (ش) (١) : وبالكسر قرأ حمزة، وغيره، فينبغي على هذا تَقييده في البخاري بالكَسر.
* * *
٤٥٣٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَسَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾.
(بالشك)؛ أي: لو شكَّ، لكنَّه لم يَشُكَّ، فنحن لا نَشُكُّ، أو معناه: لا شكَّ عندنا، فهو أَولى أن لا يكون الشكُّ عندَه، وقيل: الشَّكُّ في إجابة الدعوة أو في كيفية الإحياء.
وسبَق في (كتاب الأنبياء).
ووجه قوله ﷺ : (نحن أحق) مع أنه أفضَل الخلْق، فهو أَولى بعدَم الشَّكِّ لا بالشك أن ذلك تواضُعٌ، وهضْمٌ للنفْس، أو نحن -أيَّتُها الأُمةُ- أحقُّ.
* * * الحواشي
(١) "ش" ليس في الأصل.стр. 5732
باب قَوْلِهِ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿تَتَفَكَّرُونَ﴾
(باب: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٦])
٤٥٣٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ أَخَاهُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁ يَوْمًا لأَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نزَلَتْ: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾؟ قَالُوا: اللهُ أَعْلَمُ. فَغَضِبَ عُمَرُ، فَقَالَ: قُولُوا: نَعْلَمُ أَوْ لَا نَعْلَمُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي نفسِي مِنْهَا شَيْءٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ عُمَرُ: يَا ابْنَ أَخِي قُلْ، وَلَا تَحْقِرْ نَفْسَكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ. قَالَ عُمَرُ: أَيُّ عَمَلٍ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لِعَمَلٍ. قَالَ عُمَرُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللهِ ، ثُمَّ بَعَثَ اللهُ لَهُ الشَّيْطَانَ، فَعَمِلَ بِالْمَعَاصِي حَتَّى أَغْرَقَ أَعْمَالَهُ.
﴿فَصُرْهُنَّ﴾: قَطعْهُنَّ.
(فغضب) ليس وجه غضبه أنهم وكَلُوا العلم إلى الله، قيل: لأنَّه قصَد منهم تَعيين هل يعلمون أو لا؛ لأنَّ جوابَهم يصلُح للعالِم بالجواب، والجاهِل به.
قول ابن عبَّاس: (في نفسي منها شيء)؛ أي: من العِلْم.
стр. 5733
(مثلًا) قال أهل البَلاغة: التَّشبيه التَّمثيلي متى فشَى استِعماله على سَبيل الاستعارة سُمِّي مثَلًا.
(أيُّ عمل) يجوز في (أيِّ) الجرُّ على البدَل من عمَل المَجرور قبلَه، والرَّفعِ على الابتداء.
(غنيّ) ضِدُّ الفَقير، وفي بعضها بالمهملة، فعلٌ مبنيٌّ للمفعول من العِناية.
(أغرق) بالمعجمة، أي: أفنَى الرجل أعمالَه الصَّالحات، ولا عُلْقةَ فيه للمُعتزلة في إحباط الطاعة بالمعصية؛ لأنَّ الكُفر مُحبطٌ للأعمال اتفاقًا، أو يُقال: الإغْراق لا يَستلزم الإحباطَ.
* * *
﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾
يُقَالُ: ألحَفَ عَلَيَّ، وَألحَّ عَلَيَّ، وَأَحْفَانِي بِالْمَسْأَلَةِ، ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾: يُجْهِدْكُمْ.
(باب: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣])
نصب على المفعول لأجله، أي: لا يَسألون كراهيةَ الإِلْحَاف، ويحتمل أن يكون مصدرًا في مَوضع الحال، أي: يَسأَلون عند الحاجة غير مُلِحِّين.
(فيحفكم)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٧]، فحاصل قوله: إنَّ الإلْحَاف والإلْحَاح والإِحْفَاء
стр. 5734
بمعنًى، وهو المُبالغة والجهد.
* * *
٤٥٣٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيَّ، قَالَا: سَمِعْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَا اللُّقْمَةُ وَلَا اللُّقْمَتَانِ، إِنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، وَاقْرَؤُا إِنْ شِئْتُمْ؛ يَعْنِي: قَوْلَهُ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ ".
(يَتَعَفّف)؛ أي: يتحرَّز عن السُّؤال ويَحسَبُه الجاهل غَنيًّا.
وسبَق في (كتاب الزكاة).
* * *
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ﴾
الْمَسُّ: الْجُنُونُ.
(باب: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥])
٤٥٤٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ لَمَّا نزَلَتِ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا، قَرَأَهَا
стр. 5735
رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.
سبَق الحديث فيه في (الصلاة)، في (باب: تحريم التِّجارة في الخَمْر في المسجد).
* * *
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾: يُذهِبُهُ
(باب: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦])
٤٥٤١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبَا الضُّحَى يُحَدِّثُ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ الأَوَاخِرُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فتلَاهُنَّ فِي الْمَسْجدِ، فَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.
﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾: فَاعْلَمُوا.
٤٥٤٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَرَأَهُنَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْمَسْجدِ، وَحَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.
الحديثان فيه بمعنى ما قبلَهما.
* * *
стр. 5736
﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
(باب: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠])
٤٥٤٣ - وَقَالَ لَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، وَالأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَيْنَا، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ.
الحديث عُلم شرحه أيضًا مما سبَق.
* * *
﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾
(باب: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١])
٤٥٤٤ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ ابْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: آخِرُ آيَةٍ نزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبَا.
(آخر آية نزلت) ترجمة البُخاري تدلُّ على أنَّ ابن عبَّاس عنى بآية الربا: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
وقد سبَق في (المغازي)، وسيأتي في آخر (سورة النِّساء): أنَّ آخِرَ آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ولا مُنافاةَ؛ لأنَّ ذلك قَول
стр. 5737
البَراء، وهذا قول ابن عبَّاس، أو تخصيص بأنَّ المراد هناك آخِرُ آيةٍ نزلتْ في المواريث، وهنا في أحكام البَيع.
* * *
﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
(باب: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥])
٤٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد، حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِين، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ -وَهْوَ ابْنُ عُمَرَ-: أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآيَةَ.
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿إِصْرًا﴾ عَهْدًا. ويُقَالُ ﴿غُفْرَانَكَ﴾: مَغْفِرَتَكَ، فَاغْفِرْ لَنَا.
٤٥٤٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ مَرْوَانَ الأَصْفَرِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ -قَالَ: أَحْسِبُهُ ابْنَ عُمَرَ- ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قَالَ: نسًخَتْهَا الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا.
стр. 5738
الحديث الأول، والثاني:
(محمد) قال الكَلابَاذِي: أُرى أنه ابن يحيى الذُّهْلي، ويقال: إنَّه ابن إبراهيم البُوْشَنْجِي.
(وهو ابن عُمر) وفي الثاني: أحسِبُه ابن عُمر، فعيَّنه بعد قوله أولًا: (رجلٌ) بالإبهام، إما لأنَّ التَّوضيح من الرَّاوي عن مَرْوان، أو أنَّه تذكَّر آخِرًا بَعد نسيانه.
(نسختها الآية التي بعدها) هي آية: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قال في "الكشَّاف": تلاها ابن عُمر، وقال: لئِنْ آخَذَنا الله بهذا لنَهلكَنَّ، ثم بكَى حتى سُمع نشَيجُه، فذكر لابن عبَّاس، فقال: يَغفر اللهُ لأبي عبد الرَّحمن قد وجَد المُسلمون مثلَ ما وجَد، فنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
قال (خ): جريٌ على أن النسخ يَدخُل في الخبَر المستقبَل دون الماضي، وعليه جماعةٌ من الأُصوليين؛ لأنَّه بخلاف المستقبَل لجَواز أن يُعلِّقه بشَرط.
قال البيهقي: هذا النَّسخ بمعنى التَّخصيص أو التَّبيين؛ فإنَّ الآية الأُولى وردتْ مَورِد العُموم، فبيَّنت التي بعدها أنَّ ما يَخفى لا يُؤاخذ به، وهو حديث النَّفْس الذي لا يستطيع دفعَه.
* * *
стр. 5739
٣ - سورة آلِ عِمْرَانَ
تُقَاةٌ وَتَقِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، ﴿صِرٌّ﴾: بَرْدٌ، ﴿شَفَا حُفْرَةٍ﴾: مِثْلُ شَفَا الرَّكِيَّةِ، وَهْوَ حَرْفُهَا، ﴿تُبَوِّئُ﴾: تتَّخِذُ مُعَسْكَرًا، الْمُسَوَّمُ: الَّذِي لَهُ سِيمَاءٌ بِعَلَامَةٍ أَوْ بِصُوفَةٍ أَوْ بِمَا كَانَ، ﴿رِبِّيُّونَ﴾: الْجَمِيعُ، وَالْوَاحِدُ رِبِّيٌّ، ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾: تَسْتَأْصِلُونهمْ قَتْلًا. ﴿غُزًّى﴾: وَاحِدُهَا غَازٍ، ﴿سَنَكْتُبُ﴾: سَنَحْفَظُ، ﴿نُزُلًا﴾: ثَوَابًا، وَيَجُوزُ: وَمُنْزَلٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ، كقَوْلِكَ: أَنْزَلْتُهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَالْخَيْلُ الْمُسَوَّمَةُ: الْمُطَهَّمَةُ الْحِسَانُ.
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: ﴿وَحَصُورًا﴾: لَا يَأْتِي النِّسَاءَ.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ مِنْ غَضَبِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ﴾ النُّطْفَةُ تَخْرُجُ مَيِّتَةً، وَيُخْرِجُ مِنْهَا الْحَيَّ.
الإِبْكَارُ: أَوَّلُ الْفَجْرِ، وَالْعَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ -أُرَاهُ- إِلَى أَنْ تَغْرُبَ.
(سورة آل عمران)
قوله: (الركية) بتخفيف الكاف المكسورة، أي: البِئْر.
(رِبيون) نسبةً إلى الرَّبِّ، وكُسرت الراء للمُناسبة.
(ويجوز: ومنزل)؛ أي: ويجوز أن يكون نُزُلًا بمعنى: مَنْزِلًا،
стр. 5740
ولكنَّ الأول مُناسب للمعنى اللُّغوي، وهو ما يُوضَع للقادِم من السفَر النازِل في الحال.
(المطهمة) قال الخَلِيْل: هو التامُّ الخَلْق، وقال يعقوب: الذي يحسُن منه كلُّ شيءٍ على حِدَتِه كالأنْف، والفَمِ، والعَين.
* * *
﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ.
﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾، وَكَقَوْلهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾.
﴿زَيْغٌ﴾: شَكٌّ، ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾: الْمُشْتَبِهَاتَ، ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ يَعْلَمُونَ ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
(باب: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧])
قوله: (يصدق) تفسيرٌ للمُتشابه، وذلك أنَّ المفهوم من الآية الأُولى أنَّ الفاسِق -أي: الضَّالَّ- تَزيد ضلالتُه، وتصدقه الأُخرى حيث يجعل الرِّجْس للذين لا يَعقلون، وكذلك حيث يُريد للمُهتدي الهدايةَ.
وأما اصطِلاح الأُصوليين، فالمُحْكم: هو المُشترَك بين النَّصِّ والظَّاهر، والمتشابِه: هو المشترَك بين المُجمَل والمُؤوَّل.
стр. 5741
وقيل: المُحْكم: ما أُحكم عبارتُه بأن حُفظت من الاحتِمال، والمتشابه بخلافه.
وقال (خ): المُحْكم هو الذي يُعرف بظاهر بَيانه تأْويلُه، وبواضح أدلته باطِن معناه، والمتشابِه ما اشتَبه منها، فلم يُتلقَّ معناه من لفْظه، ولم يُدرَك حكمه من تلاوته، وهو ضربان: ما إذا رُدَّ إلى المُحكَم واعتُبر به عُلِمَ معناهُ، وما لا سَبيل إلى الوُقوف على حقيقته، وهو الذي يَتَّبعه أهل الزَّيغ، فيَطلبون تأْويلَه، ولا يَبلُغون كُنْهَهُ، فيَرتابون فيه، فيفتون به، وذلك كالإيمان بالقدر ونحوه.
قيل: وأحسَنُ ما قيل في المُحْكَم قول جعفر بن محمد: ما لا يَحتمِل إلا وَجْهًا واحدًا، والمتشابه خلافه، وعلى هذا فلا يكون المُحْكَم إلا نَصًّا.
وأسلَم من هذا وأعمُّ أنه ما وضَحَ معناه، فيدخُل فيه النصُّ والظَّاهر كما سبَق تقديره.
والأَولى في: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] رفعه بالابتداء ﴿يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧] خبره؛ لاستحالة علْمهم بالمُتشابه كعِلْم الله تعالى؛ لأنَّه يعلمه من كلِّ وجهٍ، ولأنَّ جميع الرَّاسخين يقولون: آمنَّا به، والعالِم بالمُتشابهات بعضُهم، فكان الأَولى.
* * *
٤٥٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
стр. 5742
التُّسْتَرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ".
(فإذا رأيت) إما بكسر التاء على أنَّ الخِطاب لعائشة، أو بفتحها على أنه لكلِّ أحدٍ.
(فأولئك) يُروى أيضًا بكسر الكاف وفتحها.
(فاحذريهم) في بعضها: (احْذَرْهم) بلا ياءٍ على ما سبَق أيضًا، وفي بعضها: (احذَرُوهم) بلفظ الجمع.
* * *
﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
(باب: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦])
٤٥٤٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ،
стр. 5743
فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا".
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
(فيستهل)؛ أي: يَصيح.
ومرَّ الحديث في (كتاب الأنبياء).
* * *
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾: لَا خَيْرَ
﴿أَلِيمٌ﴾: مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ، مِنَ الأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضعِ مُفْعِلٍ.
(باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧])
قوله: (في موضع مفعل)؛ أي: الفَعِيْل بمعنى: المُفعِل، وهو قليلٌ كقوله:
أمِن ريحانةِ الدَّاعِي السَّمِيع
أي: المُسمِع.
* * *
٤٥٤٩ - و ٤٥٥٠ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ
стр. 5744
رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ؛ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ إلَى آخِرِ الآيَةِ.
قَالَ: فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قُلْنَا: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ؛ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ"، فَقُلْتُ: إِذًا يَحْلِفَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ".
الحديث الأول:
(بيمين صبر) هو بإضافة (يَمين) إلى (صَبْر)، أي: يحبِسُه السُّلطان على الحَلِف.
وإطلاق الغضب على الله تعالى مجازٌ، والمراد لازِمُه، أي: إرادة إيْصال العِقَاب.
وسبَق الحديث في أواخر (كتاب الشَّهادات).
نعم، الحديث السَّابق يدلُّ على أنَّ سبَب النُّزول البِئْر التي في الأرض، وهذا على أن سبَبه بيع السِّلْعة، وذلك لاحتِمال أنَّ الآية لم تبلُغ ابن أبي أَوْفَى إلا عند إقامة السِّلْعة، فظَنَّ أنها نزلت في ذلك، أو وقَعت القَضيَّتان في وقتٍ واحدٍ، فنَزلت الآية بعدَهما، واللَّفظ عامٌّ
стр. 5745
متناوِلٌ لهما ولغيرهما.
* * *
٤٥٥١ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ -هُوَ ابْنُ أَبِي هَاشِمٍ-، سَمِعَ هُشَيْمًا، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄: أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ، فَحَلَفَ فِيهَا: لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَهُ؛ لِيُوقعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
الثاني:
(أعطى) مبنيٌّ للفاعل أو المفعول.
* * *
٤٥٥٢ - حَدَّثَنَا نصرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نصرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ امْرَأتيْنِ كَانتَا تَخْرِزَانِ فِي بَيْتٍ -أَوْ فِي الْحُجْرَةِ-، فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَدْ أُنْفِذَ بِإِشْفًا فِي كفِّهَا، فَادَّعَتْ عَلَى الأُخْرَى، فَرُفِعَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ"، ذَكِّرُوهَا بِاللهِ، وَاقْرَءُوا عَلَيْهَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾. فَذَكَّرُوهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيَّ ﷺ : "الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ".
следующие страницы →