Полный текст (8 898 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
وقيل: المُحْكم: ما أُحكم عبارتُه بأن حُفظت من الاحتِمال، والمتشابه بخلافه.
وقال (خ): المُحْكم هو الذي يُعرف بظاهر بَيانه تأْويلُه، وبواضح أدلته باطِن معناه، والمتشابِه ما اشتَبه منها، فلم يُتلقَّ معناه من لفْظه، ولم يُدرَك حكمه من تلاوته، وهو ضربان: ما إذا رُدَّ إلى المُحكَم واعتُبر به عُلِمَ معناهُ، وما لا سَبيل إلى الوُقوف على حقيقته، وهو الذي يَتَّبعه أهل الزَّيغ، فيَطلبون تأْويلَه، ولا يَبلُغون كُنْهَهُ، فيَرتابون فيه، فيفتون به، وذلك كالإيمان بالقدر ونحوه.
قيل: وأحسَنُ ما قيل في المُحْكَم قول جعفر بن محمد: ما لا يَحتمِل إلا وَجْهًا واحدًا، والمتشابه خلافه، وعلى هذا فلا يكون المُحْكَم إلا نَصًّا.
وأسلَم من هذا وأعمُّ أنه ما وضَحَ معناه، فيدخُل فيه النصُّ والظَّاهر كما سبَق تقديره.
والأَولى في: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ [آل عمران: ٧] رفعه بالابتداء ﴿يَقُولُونَ﴾ [آل عمران: ٧] خبره؛ لاستحالة علْمهم بالمُتشابه كعِلْم الله تعالى؛ لأنَّه يعلمه من كلِّ وجهٍ، ولأنَّ جميع الرَّاسخين يقولون: آمنَّا به، والعالِم بالمُتشابهات بعضُهم، فكان الأَولى.
* * *
٤٥٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
стр. 5742
التُّسْتَرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْقَاسِم بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ".
(فإذا رأيت) إما بكسر التاء على أنَّ الخِطاب لعائشة، أو بفتحها على أنه لكلِّ أحدٍ.
(فأولئك) يُروى أيضًا بكسر الكاف وفتحها.
(فاحذريهم) في بعضها: (احْذَرْهم) بلا ياءٍ على ما سبَق أيضًا، وفي بعضها: (احذَرُوهم) بلفظ الجمع.
* * *
﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾
(باب: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦])
٤٥٤٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ،
стр. 5743
فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ إِيَّاهُ، إِلَّا مَرْيَمَ وَابْنَهَا".
ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
(فيستهل)؛ أي: يَصيح.
ومرَّ الحديث في (كتاب الأنبياء).
* * *
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾: لَا خَيْرَ
﴿أَلِيمٌ﴾: مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ، مِنَ الأَلَمِ، وَهْوَ فِي مَوْضعِ مُفْعِلٍ.
(باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٧])
قوله: (في موضع مفعل)؛ أي: الفَعِيْل بمعنى: المُفعِل، وهو قليلٌ كقوله:
أمِن ريحانةِ الدَّاعِي السَّمِيع
أي: المُسمِع.
* * *
٤٥٤٩ - و ٤٥٥٠ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ
стр. 5744
رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ؛ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ"، فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ إلَى آخِرِ الآيَةِ.
قَالَ: فَدَخَلَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قُلْنَا: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: فِيَّ أُنْزِلَتْ؛ كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ"، فَقُلْتُ: إِذًا يَحْلِفَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ".
الحديث الأول:
(بيمين صبر) هو بإضافة (يَمين) إلى (صَبْر)، أي: يحبِسُه السُّلطان على الحَلِف.
وإطلاق الغضب على الله تعالى مجازٌ، والمراد لازِمُه، أي: إرادة إيْصال العِقَاب.
وسبَق الحديث في أواخر (كتاب الشَّهادات).
نعم، الحديث السَّابق يدلُّ على أنَّ سبَب النُّزول البِئْر التي في الأرض، وهذا على أن سبَبه بيع السِّلْعة، وذلك لاحتِمال أنَّ الآية لم تبلُغ ابن أبي أَوْفَى إلا عند إقامة السِّلْعة، فظَنَّ أنها نزلت في ذلك، أو وقَعت القَضيَّتان في وقتٍ واحدٍ، فنَزلت الآية بعدَهما، واللَّفظ عامٌّ
стр. 5745
متناوِلٌ لهما ولغيرهما.
* * *
٤٥٥١ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ -هُوَ ابْنُ أَبِي هَاشِمٍ-، سَمِعَ هُشَيْمًا، أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄: أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً فِي السُّوقِ، فَحَلَفَ فِيهَا: لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَهُ؛ لِيُوقعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
الثاني:
(أعطى) مبنيٌّ للفاعل أو المفعول.
* * *
٤٥٥٢ - حَدَّثَنَا نصرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نصرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ امْرَأتيْنِ كَانتَا تَخْرِزَانِ فِي بَيْتٍ -أَوْ فِي الْحُجْرَةِ-، فَخَرَجَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَدْ أُنْفِذَ بِإِشْفًا فِي كفِّهَا، فَادَّعَتْ عَلَى الأُخْرَى، فَرُفِعَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَذَهَبَ دِمَاءُ قَوْمٍ وَأَمْوَالُهُمْ"، ذَكِّرُوهَا بِاللهِ، وَاقْرَءُوا عَلَيْهَا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾. فَذَكَّرُوهَا فَاعْتَرَفَتْ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيَّ ﷺ : "الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ".
стр. 5746
الثالث:
(تَخْرُزان) بضم الراء وكسرها.
(فجرحت) كذا للأَصِيْلِي، بالجيم من الجَرْح، على ما لم يُسمَّ فاعلهُ، وعند الباقين: (فخَرَجَتْ) من الخُروج، وهو الصَّواب.
(لم يعطه) مبني للفاعل والمفعول أيضًا.
(بإشْفى) بكسر الهمزة، وسكون المعجمة، وبالفاء، مقصورٌ: آلَة الخَرْز للإِسْكاف، هذه رواية الأَصِيْلِي وغيره.
ولبعضهم: (بالشفاء)، وهو خطأٌ.
* * *
﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ﴾
سَوَاء: قَصْدٌ.
(باب: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤])
٤٥٥٣ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ مَعْمَرٍ.
وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي
стр. 5747
الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّأْمِ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ، قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، قَالَ: فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نبَيٌّ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نبَيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ، فَقُلْتُ: أَنَا. فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بِتُرْجُمَانِهِ، فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذّبُوهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَايْمُ اللهِ! لَوْلَا أَنْ يُؤثِرُوا عَلَيَّ الْكَذِبَ لَكَذَبْتُ، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: سَلْهُ: كيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَهَلْ كُنتمْ تتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: أَيَتَّبِعُهُ أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: يَزِيدُونَ أَوْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوه؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: تَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، لَا نَدْرِي
стр. 5748
مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا. قَالَ: وَاللهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كَلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ. قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا، ثُمَّ قَالَ لِتُرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ، قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ، وَسَأَلْتُكَ عَنْ أتبَاعِهِ؛ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أتبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَألتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تتَّهِمُونه بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَعَرَفْتُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ يَذْهَبَ، فَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ، وَسَألتُكَ: هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوه؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فتكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ الْعَاقِبَةُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَغْدِرُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَالَ أَحَدٌ هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَد قَبْلَهُ، قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ. قَالَ: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ فِيهِ حَقًّا، فَإِنَّهُ
стр. 5749
نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ، لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كنْتُ عِنْدَهُ، لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، قَالَ: ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَرَأَهُ، فَإِذَا فِيهِ: "بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، إِلَى هِرَقْلَ عَظِيم الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيِسِيِّينَ، و ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ". فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ، ارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ عِنْدَهُ، وَكَثُرَ اللَّغَطُ، وَأُمِرَ بِنَا فَأُخْرِجْنَا، قَالَ: فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ خَرَجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ، إنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ! فَمَا زِلْتُ مُوقنًا بِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَدَعَا هِرَقْلُ عُظَمَاءَ الرُّومِ، فَجَمَعَهُمْ فِي دَارٍ لَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ! هَلْ لَكُمْ فِي الْفَلَاحِ وَالرَّشَدِ آخِرَ الأَبَدِ، وَأَنْ يَثْبُتَ لَكُمْ مُلْكُكُمْ، قَالَ: فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِقَتْ، فَقَالَ: عَلَيَّ بِهِمْ، فَدَعَا بِهِمْ، فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا اخْتبَرْتُ شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمُ الَّذِي أَحْبَبْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ.
стр. 5750
(المدة)؛ أي: مُدَّة المُصالحة.
سبَق شرح الحديث مطوَّلًا أول "الجامع".
(حَسَب) سبَق هناك: (نَسَب)، وهما متلازمان.
* * *
﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ إِلَى ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾
(باب: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢])
٤٥٥٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ نَخْلًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءٍ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْحِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، قَامَ أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وَإنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءً، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ، أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَايحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَايحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ". قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ! فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
стр. 5751
قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ: "ذَلِكَ مَالٌ رَابحٌ".
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ: "مَالٌ رَايحٌ".
٤٥٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ وَأُبِيٍّ، وَأَنَا أَقْرَبُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَجْعَلْ لِي مِنْهَا شَيْئًا.
(بَيرَحا) أشهَر الوجوه فيه: فتْح الموحَّدة، وسُكون الياء، وفتح الرَّاء، وإهمال الحاء، مقصورًا: بُستانٌ بالمدينة.
وسبَق الحديث في (باب: الزكاة على الأقارب).
* * *
﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
(باب: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ﴾ [آل عمران: ٩٣])
٤٥٥٦ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إِلَى النَّبِيَّ ﷺ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ وَامْرَأَةٍ قَدْ زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ: "كَيْفَ تَفْعَلُونَ بِمَنْ زَنىَ مِنْكُمْ"؟ قَالُوا: نُحَمِّمُهُمَا وَنَضْرِبُهُمَا. فَقَالَ: "لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ"؟ فَقَالُوا: لَا نَجِدُ فِيهَا شَيْئًا، فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ، ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فَوَضعَ
стр. 5752
مِدْرَاسُهَا الَّذِي يُدَرِّسُهَا مِنْهُمْ كَفَّهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، فَطَفِقَ يَقْرَأُ مَا دُونَ يَدِهِ وَمَا وَرَاءَهَا، وَلَا يَقْرَأُ آيَةَ الرَّجْمِ، فَنَزَعَ يَدَهُ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، فَقَالَ: مَا هَذِهِ؟ فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَالُوا: هِيَ آيَةُ الرَّجْمِ. فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا قَرِيبًا مِنْ حَيْثُ مَوْضعُ الْجَنَائِزِ عِنْدَ الْمَسْجدِ، فَرَأَيْتُ صَاحِبَهَا يَجْنَأُ عَلَيْهَا؛ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ.
(نُحِمّمهما)؛ أي: نُسوِّد وجوههما بالفَحم والرَّماد، وقيل: نسَكُب عليهما الماء الحَميم.
وسبق الحديث قُبيل (كتاب فضائل الصحابة).
فإن إحضار التوراة إظهارٌ للحكم الذي كانوا يكتُمونه احتجاجًا عليهم، ولم يحكُم في الحقيقة إلا بوحي من الله.
وفيه أنَّ الإحصانَ يقَع بنكاحِ أهل الكُفر.
* * *
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾
(باب: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠])
٤٥٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قَالَ: خَيْرَ النَّاسِ لِلنَّاسِ، تأْتُونَ بِهِمْ فِي السَّلَاسِلِ فِي أَعْنَاقِهِمْ، حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الإِسْلَامِ.
стр. 5753
(خير الناس للناس)؛ أي: خيرُ بعضِ الناس لبعضهم، وأنفَعُهم لهم مَن يأْتي بأسيرٍ مقيَّدٍ في السِّلسلة إلى دار الإسلام، فيُسلم، وإنما كان خيرًا؛ لأنَّه بسبَبه صار مُسْلِمًا، وحصل جميع أصل السَّعادات الدُّنيوية والأُخروية.
قيل: هذا التفسير غير صحيحٍ، ولا معنى لإدخاله في المُسنَد؛ لأنه لم يرفعْه إلى النبي ﷺ ، وقيل: الكاف زائدةٌ، ومعنى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠]: أنتُم خير أُمَّةٍ، والخِطاب للصَّحابة، قيل: عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "نَحنُ نَحمِل سَبعينَ أُمةً نحنُ آخرُها، وأَكرمُها علَى اللهِ"، وعلى هذا فهم جميع الأُمة، والمعنى: كُنتُم في علْم الله، أو في اللَّوح المَحفوظ.
* * *
﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾
(باب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢])
٤٥٥٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، يَقُولُ: فِينَا نزَلَتْ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾، قَالَ: نَحْنُ الطَّائِفَتَانِ؛ بَنُو حَارِثَةَ وَبَنُو سَلِمَةَ، وَمَا نُحِبُّ -وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: وَمَا يَسُرُّنِي- أنَّهَا لَمْ تُنْزَلْ؛ لِقَوْلِ اللهِ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾.
стр. 5754
(بنو حارثة، وبنو سلِمة) بكسر اللام: قبيلتان من الأنصار، الأُولى من الأَوْس، والثانية من الخَزْرَج.
* * *
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾
(باب: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨])
٤٥٥٩ - حَدَّثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ أَبِيهِ: أنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنَ الْفَجْرِ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا" بَعْدَمَا يَقُولُ: "سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَنَّا وَلَكَ الْحَمْدُ". فَأنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
الحديث الأول:
(رواه إسحاق بن راشد) وصلَه الطبراني في "الكبير".
* * *
٤٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ
стр. 5755
عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لأَحَدٍ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ، فَرُبَّمَا قَالَ -إِذَا قَالَ: "سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ"-: "اللَّهُمَّ أَنجْ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كسِنِي يُوسُفَ"، يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ: "اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا"؛ لأَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ.
الثاني:
(وطأتك) كالضَّغْطة لفظًا ومعنى.
(مضر) بضم الميم، وفتح المعجمة.
ومرَّ الحديث في (باب: يهوي بالتكبير حين يسجد)، وفي أول (الاستسقاء).
* * *
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾، وَهْوَ تَأْنِيثُ آخِرِكُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿الْحُسْنَيَيْنِ﴾ فَتْحًا أَوْ شَهَادَةً.
(باب: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣])
٤٥٦١ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ابْنَ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الرَّجَّالَةِ
стр. 5756
يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللهِ بْنَ جُبَيْرٍ، وَأَقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَاكَ إِذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ فِي أُخْرَاهُمْ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا.
قوله: (تأنيث آخركم) كذا ثبت في النُّسَخ بكسر الخاء، وإنما هو (تأْنيثُ آخَر) بفتْحها أَفْعَل تفضيلٍ كفُضْلَى وأفْضَل، لكنَّ المراد هنا الانتِهاء، فإنَّه ذُكر مَدْحًا للنبي ﷺ ، والأَعقاب موقِف الأَبْطال.
(الرجّالة) بتشديد الجيم.
(غير اثني عشر) قيل: هم العشَرة، وجابِر بن عبد الله، وعَمَّار، أو ابن مَسْعُود.
وقال السَّفَاقُسي: رُوي أنه بقِي معه طَلْحة، واثنا عشَر من الأنصار، فاستأذنه طَلْحة فلم يأذَنْ له، ولم يَزَل إلا اثنَا عشَر يَستأْذنُونه في المُقاتَلة حتى قُتل الاثنَا عشَر، ولَحِقَ النبيُّ ﷺ وطَلْحةُ بالجبَل.
* * *
بابٌ ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾
(باب: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤])
٤٥٦٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو يَعْقُوبَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قتادَةَ، حَدَّثَنَا أَنسٌ: أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِيَنَا النُّعَاسُ وَنَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أُحُدٍ، قَالَ:
стр. 5757
فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ.
(مصافّنا) بتشديد الفاء، وهو جمع: مَصَفٍّ، وهو المَوقِف في الحَرْب.
مرَّ في (غزوة أُحُد).
* * *
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾
الْقَرْحُ: الْجرَاحُ. اسْتَجَابُوا: أَجَابُوا. يَسْتَجيبُ: يُجيبُ.
(باب: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [آل عمران: ١٧٢])
قوله: (يستجيب)؛ أي: يجيب، استَفعَل بمعنى: أفعَلَ، قال الشاعر: [الطويل]
فلَمْ يَستَجبْهُ عنْدَ ذاكَ مُجِيْبُ ... وداعٍ دَعَا، يا مَنْ يُجِيبُ إلى النَّدَى
* * *
﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية
(باب: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣])
٤٥٦٣ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونس؛ أُرَاهُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ
стр. 5758
أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ ألقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّد ﷺ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.
٤٥٦٤ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيل، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ ألقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
الحديث الأول، والثاني:
(أُراه) بضم الهمزة، أي: أظنُّه، وفي كون هذه الرواية حجةً خلافٌ.
(قال لهم الناس) المراد بهم عُرْوة بن مَسْعُود الثَّقَفِي.
قلتُ: وقيل: نُعَيْم بن مَسْعُود الأَشْجَعِي، ونصَّ الشَّافعي في "الرِّسالة": أنَّهم أربعةٌ.
* * *
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية
﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾: كَقَوْلِكَ: طَوَّقْتُهُ بِطَوْقٍ.
(باب: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٠])
٤٥٦٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ
стр. 5759
الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ-، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتِهِ -يَعْنِي: بِشِدْقَيْهِ- يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ"، ثُمَّ تَلَا هَذ الآيَةَ: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ.
(مُثّلَ)؛ أي: صُوِّرَ له مالُه.
(شُجاعًا)؛ أي: حَيَّةً.
(أقْرَع)؛ أي: مُنْحَسِر شَعر الرَّأْس لكثْرة سُمِّه.
(زَبِيبَتان) بفتح الزاي، وكسر الموحَّدة الأُولى: هما النُّقطتان السَّوداوان فَوق العَين، وقيل: النَّابان.
(بِلِهْزِمتيه) بكسر اللام، والزاي.
سبَق شرحه في (باب: إثم مانع الزكاة).
* * *
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾
(باب: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: ١٨٦])
٤٥٦٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ -
стр. 5760
رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ عَلَى قَطِيفَةٍ فَدَكِيَّةٍ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، قَالَ: حَتَّى مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أبُيٍّ فَإِذَا فِي الْمَجْلِسِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ، وَفِي الْمَجْلِسِ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ الْمَجْلِسَ عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ خَمَّرَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا. فَسَلَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وَقَفَ، فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللهِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: أَيُّهَا الْمَرْءُ! إِنَّهُ لَا أَحْسَنَ مِمَّا تَقُولُ، إِنْ كَانَ حَقًّا، فَلَا تُؤْذِينَا بِهِ فِي مَجْلِسِنَا، ارْجِعْ إِلَى رَحْلِكَ، فَمَنْ جَاءَكَ فَاقْصُصْ عَلَيْهِ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! فَاغْشَنَا بِهِ فِي مَجَالِسِنَا، فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ. فَاسْتَبَّ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ حَتَّى كَادُوا يَتَثَاوَرُونَ، فَلَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَنُوا، ثُمَّ رَكَبَ النَّبِيُّ ﷺ دَابَّتَهُ، فَسَارَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا سَعْدُ! أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ أَبُو حُبَابٍ؟ " -يُرِيدُ: عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ- "قَالَ كَذَا وَكَذَا". قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ! اعْفُ عَنْهُ وَاصْفَحْ عَنْهُ، فَوَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ! لَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالْحَقِّ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ، لَقَدِ اصْطَلَحَ أَهْلُ هَذِهِ الْبُحَيْرَةِ عَلَى أَنْ يُتَوِّجُوهُ، فَيُعَصِّبُونه بِالْعِصَابَةِ، فَلَمَّا أَبَى اللهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ اللهُ، شَرِقَ بِذَلِكَ، فَذَلِكَ فَعَلَ بِهِ
стр. 5761
ما رَأَيْتَ. فَعَفَا عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ كمَا أَمَرَهُمُ اللهُ، وَيَصْبِرُونَ عَلَى الأَذَى، قَالَ اللهُ : ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ الآيَةَ، وَقَالَ اللهُ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَأَوَّلُ الْعَفْوَ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ، حَتَّى أَذِنَ اللهُ فِيهِمْ، فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَدْرًا، فَقَتَلَ اللهُ بِهِ صَنَادِيدَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ. فَبَايَعُوا الرَّسُولَ ﷺ عَلَى الإسْلَامِ، فَأسْلَمُوا.
(قَطيفة)؛ أي: دِثَار مُخمَّل، أي: مُهَدَّب.
(فَدَك) بفتح الفاء، والمهملة: قَريةٌ على مَرحلتين من المدينة.
(واليهود) عطفٌ على المُشركين، أو على العَبَدة، وفي بعضها وقع لفظ: (والمُسلمين) مرَّةً أُخرى بعد اليهود، فلعلَّ في بعض النُّسَخ كان أولًا، وفي بعضها آخِرًا، فجمَع النَّاسخ بينهما.
(لا أحسن) بلفْظ أَفْعَل التَّفضيل، وهو جواب الشَّرط، وهو إنْ كان على مذهب الكوفيِّين، وأما عند البصريين فدليلُ الجواب.
ويجوز في: (أحسَن) الرفع على أنه خبَرُ (لا)، والاسم محذوفٌ، أي: لا شَيءَ أحسَنُ من هذا، وهذا اعترافٌ منه بفَصاحة القُرآن،
стр. 5762
وحُسنه، والنَّصب صفةٌ لاسمِ (لا) المَحذوف، والخبَر الجارُّ والمَجرور بعدَه، أو محذوفٌ، والجارُّ متعلِّقٌ بـ (أحسَن)، أي: لا شيءَ أحسَن من كلام هذا، أو نصبٌ بفعل محذوفٍ، أي: ألا فَعلتَ أحسَن من هذا؟، وحُذف الاستفهام؛ لظُهور معناه.
ويُروى: (لا أُحْسِن) بضم الهمزة، ويُروى: (لا حسن) بحذْفها.
(والمشركون واليهود) عطفُ خاصٍّ على عامٍّ.
(سكنوا) بالنون أو بالمثنَّاة، روايتان.
(أبو حُباب) بضم المهملة، وخفَّة الموحَّدة الأُولى، والتَكْنِيَة هنا لا يَلزم أن تكون تَكْرمةً، بل للشُّهرة ونحوها.
(ولقد اصطلح) في بعضها بلا واوٍ، إما بدَلًا، أو عطْفَ بيانٍ، أو بتقديرِ عاطفٍ.
(البُحيرة) مصغَّر: بَحْرة ضِدُّ البَرِّ، أي: البُلَيدة، يُقال: هذه بَحرتُنا، أي: بَلْدَتنا، والمراد مدينة النبيِّ ﷺ .
(فيعصبوه) في بعضها: (فيَعصِبُونَه) بالنون، أي: يجعلُونه رئيسًا ويُسوِّدونه، وكان الرَّئيس مُعصبًا لما يُعصب برأْيه من الأمر.
وقيل: بل كان الرُّؤَساء يَعصِبون رؤُوسهم بعِصابةٍ يُعرَفون بها.
وقال (ش): قال أبو البَقاء: الوَجْه في رفْع (فيَعصِبونه): أنْ يكون في الكلام مبتدأٌ محذوفٌ، تقديره: فهُم يَعصِبونَه، أو فإذا هم يَعصِبُونه، ولو رُوي: (يَعصِبُوه) بحذف النُّون لكان مَعطوفًا على
стр. 5763
(يُتوِّجوه)، وهو صحيحٌ في المعنى.
(شَرِق) بفتح المعجمة، وكسر الراء، أي: غَصَّ بذلك.
(صناديد) جمع: صِنْدِيد، وهو السيِّد.
(وعبدة الأوثان) عطَفه على المشركين تخصيصًا؛ لأنَّ إيمانهم كان أبعَدَ، وضلالَهم أشَدَّ.
(فبايعوا) بلفْظ الماضي أو الأمر.
* * *
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾
(باب: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ [آل عمران: ١٨٨])
٤٥٦٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ، وَفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، اعْتَذَرُوا إِلَيْهِ وَحَلَفُوا، وَأَحَبُّوا أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الآيَةَ.
الحديث الأول:
(بمقعدهم خلاف رسول الله)؛ أي: بقُعودهم بعد خُروج النبيِّ ﷺ ، يُقال: أقامَ خِلاف الحيِّ، أي: بعدَهم، يعني: ظَعَنوا
стр. 5764
ولم يَظعَن معهم.
* * *
٤٥٦٨ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ مَرْوَانَ قَالَ لِبَوَّابِهِ: اذْهَبْ يَا رَافِعُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْ: لَئِنْ كَانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِمَا أُوتِيَ وَأَحَبَّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا، لَنُعَذَّبَنَّ أَجْمَعُونَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا لَكُمْ وَلِهَذِهِ؟ إِنَّمَا دَعَا النَّبِيُّ ﷺ يَهُودَ، فَسَأَلهُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَكَتَمُوهُ إِيَّاهُ، وَأَخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَأَرَوْهُ أَنْ قَدِ اسْتَحْمَدُوا إِلَيْهِ بِمَا أَخْبَرُوهُ عَنْهُ فِيمَا سَألهُمْ، وَفَرِحُوا بِمَا أُوتُوا مِنْ كِتْمَانِهِمْ، ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ كَذَلِكَ حَتَّى قَوْلِهِ: ﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾.
تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَاقِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ.
٤٥٦٨ / -م - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ مَرْوَانَ بِهَذَا.
الثاني:
(لئن كان كل امرئ فرح بما أُوتي) كذا في البخاري، ورواه مسلم، عن الحَجَّاج، عن ابن جُرَيْج: (بهِ بما أَتى)، وهذا هو الوَجْه
стр. 5765
لمُوافَقة التِّلاوة، ومَرسومِ المُصحف، وبَيان المعنى، فإنَّه من الإتْيان، أي: المَجيء، وهو المُناسب لتفسير ابن عبَّاس وأبي سَعيد اللذَين أوردَهما البخاري.
والذي وقَع هنا من كلام مَروان: أُوتوا، من الإيْتاء، وهو الإعطاء، وقد رُويت قراءةً عن سعيد بن جُبَير، وأبي عبد الرَّحمن السُّلَمي، وفيها بُعدٌ، والقراءة المشهورة أَولى.
(لنُعَذبن)؛ أي: لأنَّ كلَّنا كذلك.
(تابعه عبد الرزاق) وصلَه جَرير.
* * *
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية
(باب: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠])
٤٥٦٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فتحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ثُمَّ قَامَ، فتوَضَّأَ وَاسْتَنَّ، فَصَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكَعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ.
(الآخر) بالرفع صفةٌ لـ (ثلاث).
стр. 5766
(واستن)؛ أي: استَاكَ.
* * *
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
(باب: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١])
٤٥٧٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنسٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وِسَادَةٌ، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي طُولِهَا، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الآيَاتِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ حَتَّى خَتَمَ، ثُمَّ أَتَى شَنًّا مُعَلَّقًا، فَأَخَذَهُ فتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي، فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ.
(بأُذني يفتلها)؛ أي: ليَنتبه عن بَقيَّة النَّوم، وليَستحضِر أفعال رسول الله ﷺ .
стр. 5767
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾
(باب: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢])
٤٥٧١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيَّ ﷺ وَهْيَ خَالَتُهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولِهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى انتصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فتوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي بِيَدِهِ الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمِّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
(عُرض) بضم العين وفتحها.
(مُعلقة) وفي رواية: (مُعلَّقًا) نظَرًا إلى لفْظ (الشَّنِّ)، وإلى معنى القِرْبة.
стр. 5768
وقد مرَّ الحديث في (باب: السَّمَر في العلم)، وفي (باب: التَّخفيف في الوُضوء)، وفي (كتاب الوِتر).
* * *
﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾
(باب: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ [آل عمران: ١٩٣])
٤٥٧٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهْيَ خَالتهُ، قَالَ: فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ، وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ فِي طُولهَا، فَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا انتصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ، أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجَلَسَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ، فتوَضَّأَ مِنْهَا، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي، وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى يَفْتِلُهَا، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.
стр. 5769
فيه حديث ابن عبَّاس أيضًا.
* * *
٤ - سوره النِّسَاءِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَسْتَنْكِفُ: يَسْتكبِرُ. قِوَامًا: قِوَامُكُمْ مِنْ مَعَايِشِكُمْ. ﴿لَهُنَّ سَبِيلًا﴾؛ يَعْنِي: الرَّجْمَ لِلثَّيِّبِ وَالْجَلْدَ لِلْبِكْرِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ﴾؛ يَعْنِي: اثْنتَيْنِ وَثَلَاثًا وَأَرْبَعًا، وَلَا تُجَاوِزُ الْعَرَبُ رُبَاعَ.
(سورة النِّساء)
(قال ابن عبَّاس) وصلَه ابن أبي حاتم بإسنادٍ صحيحٍ.
قوله: (قوامًا) قال (ك): هي قراءة ابن عامر، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥].
وقال (ش): قِوامًا: قِوامكم مِن مَعايشكم، أو ما يَقوم به أَمْرُكم، قيل: هذا غريبٌ، إنما التلاوة: (قِيامًا) بالياء لا بالواو، وبها يَليق التَّفسير المذكور، ويمكن أن يُجاب بأنَّه إنما أتَى به على الأصل، قيل: قلب الواو ياءً للكسرة التي قبلَها، ولهذا قال أبو عُبَيدة: قِيامًا وقِوامًا بمنزلةٍ واحدةٍ، يُقال: هذا قِوام أمرك، وقِيامه، أي: ما يَقوم به أمرُك، فإنما أذهبوا الواو بكسرة القاف، وتركَها بعضهم، قالوا: ضِياء وضِوَاءً.
стр. 5770
(يعني اثنتين وثلاثًا وأربعًا) انتُقد عليه بأنَّ معناها اثنَين اثنَين، إلى آخره، وأُجيب بأنه تركَه اعتمادًا على الشُّهرة، أو أنَّ عنده أنَّه لا تَكرارَ فيه.
وهو غير منصرفٍ للعدْل، والوَصْف، وقال الزَّمَخْشري: لمَا فيها من العَدلَين: عَدْلها عن صِيغتها، وعَدْلها عن تَكرُّرها.
(ولا تجاوز) هو قول بعض النحاة أنَّه لا يُقال: خُماس ومَخمَس، ونحو ذلك، بل يُقتصر على رُباع ومَربَع، وكذا قال ابن الحاجِب، والأصحُّ أنه لم يثبُت.
قال: وقد نصَّ البخاري في "صحيحه" على ذلك.
قال الحَريري في "الدُّرَّة": رَوى خلَفٌ الأَحمر: أنَّهم صاغوا هذا البِناء مُتَّسِقًا إلى عُشَار، وعزاه غيره برواية أَبي حاتم وأبي عمْرو اللُّغَويَين.
* * *
(باب: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣])
٤٥٧٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ يَتِيمَةٌ فَنَكَحَهَا، وَكَانَ لَهَا عَذْقٌ، وَكَانَ يُمْسِكُهَا عَلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، أَحْسِبُهُ قَالَ: كَانَتْ شَرِيكَتَهُ فِي ذَلِكَ الْعَذْقِ وَفِي مَالِهِ.
стр. 5771
الحديث الأول:
(عَذْق) هو بفتح المهملة، وسُكون المعجمة: النَّخْلة نفْسها، وبكسر المهملة: القِنْو مِن النَّخل كالعُنقود من العِنَب، والمراد به هنا الحائِط.
(ولم يكن لها من نفسه شيء)؛ أي: لم يكُن يُحبُّها وتُحبُّه.
* * *
٤٥٧٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ابْنُ الزُّبَيْرِ: أنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾، فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي! هَذِهِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا، تَشْرَكُهُ فِي مَالِهِ، وَيُعْجبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقهَا، فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا عَنْ أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ، إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ، وَيَبْلُغُوا لَهُنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ فِي الصَّدَاقِ، فَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءَ سِوَاهُنَّ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَإِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى فِي آيَةٍ أُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ الْمَالِ وَالْجَمَالِ، قَالَتْ: فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا عَنْ مَنْ رَغِبُوا فِي مَالِهِ وَجَمَالِهِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالْقِسْطِ، مِنْ أَجْلِ
стр. 5772
رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إِذَا كُنَّ قَلِيلَاتِ الْمَالِ وَالْجَمَالِ.
(فيعطها) بالنصب.
(فنهوا)؛ أي: عن نكاحِ المَرغوب فيها جَميلةً مُتموِّلةً؛ لأجل رغْبتهم عنها قليلةَ المال والجَمال، فينبغي أن يكون نكاح اليَتيمات كلِّهنَّ على السَّواء.
يُقال: رغب فيه: إذا أَرادَه، ورَغِب عنه: إذا لم يُرِدْه.
(أن يقسطوا) قال (خ): يُقال: أَقسَط: إذا عَدَل، وقَسَط: إذا جَارَ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]، وقال: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٤]، أي: فإن خِفْتُم المُشاحَّةَ في الصَّداق، وأن لا تَعدِلوا فيهنَّ؛ فلا تَنكحوهنَّ، وانكِحوا غيرهنَّ من الغَرائب.
قيل: والهمز في (أَقسَط) للسَّلْب، كأنَّه أزالَ القُسوط، هذا هو المشهور، وحكى الصَّاغَاني في "كتاب الأَضْدَاد": قَسَط: إذا جَارَ، وإذا عَدَلَ.
(في آية أُخرى ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]) إنما هنا: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٧]، في آيةٍ واحدةٍ إلا أن تَكون أرادتْ بالأُخرى الآيةَ المتقدِّمة: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٣]، وفيه بُعدٌ، وعليه الجمهور.
قال المُبَرِّد: تقديره: وإنْ خِفْتُم ألا تُقسِطوا في نِكاح اليَتامى، ثم حُذف، ودلَّ عليه: ﴿فَانْكِحُوا﴾ [النساء: ٣]، وقوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ
стр. 5773
تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، أي: في أن.
* * *
﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ
و ﴿وَبِدَارًا﴾: مُبَادَرَةً. ﴿أَعْتَدْنَا﴾: أَعْدَدْنَا، أَفْعَلْنَا مِنَ الْعَتَادِ.
(باب: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦])
قوله: (أعتدنا: أعددنا) يريد أنهما بمعنًى؛ لأن العَتيد: الشَّيء المُعَدُّ.
* * *
٤٥٧٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾: أَنَّهَا نزَلَتْ فِي مَالِ الْيَتِيم إِذَا كَانَ فَقِيرًا، أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ مَكَانَ قِيَامِهِ عَلَيْهِ بِمَعْرُوفٍ.
(من كان غنيًّا) التلاوة بالواو.
* * *
﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ الآيَةَ
(باب: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨])
٤٥٧٦ - عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ
стр. 5774
عَبَّاسٍ ﵄: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ﴾ قَالَ: هِيَ مُحْكَمَةٌ، وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ.
تَابَعَهُ سَعِيدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(وليست بمنسوخه) تفسير للمُحْكَمة، والأمر في: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾ للندب، أو للوجوب، فيُشرع إعطاء الحاضِرين نَصيبًا من التَّرِكة، إما مندوبًا، وإما واجبًا.
وقيل: منسوخٌ بآية المِيْراث.
(تابعه سعيد) وصلَه المصنِّف في (الوصايا).
* * *
﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾
(باب: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١])
٤٥٧٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مُنْكَدِرٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ فِي بَنِي سَلِمَةَ مَاشِيَيْنِ، فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ ﷺ لَا أَعْقِلُ، فَدَعَا بِمَاءٍ فتوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: مَا تأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي مَالِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾.
(سَلِمة) بفتح المهملة، وكسر اللام.
стр. 5775
(فنزلت) قال بعضهم: إنَّ الآية نزَلتْ في حقِّ سَعْد بن أبي وَقَّاص.
قال (ش): قال الدِّمْيَاطِي: وَهِمَ ابن جُرَيج في هذا الحديث، والذي نزَل في جابر إنما هو: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، كذا رواه شُعبة، والثَّوري، وابن عُيَيْنة عن محمد بن المُنْكَدِر، ويُؤيده ما رُوي في بعض الطُّرُق قولُ جابر: (يا رسولَ اللهِ! إنما يَرثُني كلالةٌ) والكلالة: مَن لا ولَدَ له، ولا وَالدَ، وأما آية: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ١١] فنزلتْ في ورَثة سَعْد بن الرَّبِيع، قُتل يوم أُحُدٍ، وخلَّف ابنتَين وأُمَّهما وأَخاه، فأراد أَخوه المالَ.
* * *
﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾
(باب: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢])
٤٥٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الْمَالُ لِلْوَلَدِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ، فَنَسَخَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحَبَّ، فَجَعَلَ لِلذَّكَرِ مِثْلَ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبَوينِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسَ وَالثُّلُثَ، وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ الثُّمُنَ وَالرُّبُعَ، وَلِلزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالرُّبُعَ.
الحديث فيه واضح المعنى.
* * *
стр. 5776
﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾: لَا تَقْهَرُوهُنَّ، ﴿حُوبًا﴾: إِثْمًا، ﴿تَعُولُوا﴾: تَمِيلُوا، ﴿نِحْلَةً﴾ النِّحْلَةُ: الْمَهْرُ.
(باب: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩])
قوله: (تنهروهن) قال (ع): كذا لأكثر الرُّواة بالنُّون، مِن الانتِهار، وعند المُستَمْلِي: (تَقهروهُنَّ) بالقاف.
(تعولوا: تميلوا) وورَد مرفوعًا ما يُؤيِّد: تَجُوروا، وقال زيد، أي: لا تَكثُر عِيَالكم، وبه قال الشَّافعيُّ، وأنكره المُبرِّد وغيره؛ لأنه أحلَّ مما ملكت اليمين ما كان من العدد، وهي مما يُعال، وأيضًا فإنما ذكر النساء وما يحلُّ منهنَّ، والعَدْلَ بينهنَّ، والجَورَ، فليس: لأَنْ لا تَعُولوا من العِيال هنا معنًى، وأيضًا فإنما يُقال: أَعال يعيل: إذا كثُر عِياله.
وانتَصر بعضُهم للشافعي وصنَّف فيه.
(فالنحلة: المهر) وقيل: أي: عن طِيْب نفْسٍ، يُقال ذلك لأَولياء النِّساء لا لأزواجهنَّ؛ لأن الأَزواج في الجاهلية كانوا لا يُعطُون النِّساء من مُهورهنَّ شيئًا، وكانوا يقولون لمن وُلد له بنتٌ: هَنِيئًا لكَ النَّافِجَة، يُريدون أنه يَأْخذ مهرَها إبِلًا فيضمُّها إلى إبِله، فيَنتفِجُها، أي: يُعظِّمها ويُكثِّرها، ولذلك قالتْ إحدى النِّساء في زَوجها:
لا يَأْخُذُ الحُلْوانَ مِن بَناتِنَا
تقول: لا يفعل ما يفعله غيره، والحُلوان هاهنا: المهر، وأصله
стр. 5777
النِّحْلة العظيمة، يُقال: نَحلتُه نِحلةً حسنةً، أي: أعطَيتُه عطيَّة حسَنةً، والنِّحْلة لا تكون إلا عن طِيْب نفْسٍ، فأما ما أُخِذ بالحاكم فلا يُقال له: نِحلةٌ.
* * *
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآيَةَ
﴿مَوَالِيَ﴾: أَوْلِيَاءَ وَرَثَةً. ﴿عَقَدَتْ﴾: هُوَ مَوْلَى الْيَمِينِ، وَهْوَ الْحَلِيفُ، وَالْمَوْلَى أَيْضًا ابْنُ الْعَمِّ، وَالْمَوْلَى الْمُنْعِمُ الْمُعْتِقُ، وَالْمَوْلَى الْمُعْتَقُ، وَالْمَوْلَى الْمَلِيكُ، وَالْمَوْلَى مَوْلَى فِي الدِّينِ.
(باب: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣])
قوله (موالي)؛ يعني: أولياءَ ورثةً بنصب اللَّفظين تفسيرًا للمَوالي، وفي بعضها: (أولياء موالي)، والإضافة للبَيان نحو: شجَر الأَراك، يعني: أولياءَ الميِّت، أي: الذين يَلُون ميراثَه، وَيحوزُونه على نوعَين: وليٌّ بالإِرْث، أي: القَرابة، وهو الوالدان والأَقْربون، ووليٌّ بالمُوالاة والمُعاقَدة، وهم الذين عاقَدتْ أيمانُكم.
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾، يَعْنِي: زِنَةَ ذرَّةِ
(باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٥])
أي: وَزْنَ ذَرَّةٍ، يُقال: هذا مِثْقال هذا، أي: وَزْنه، مِفْعالٌ من
стр. 5778
الثِّقَل، والذَّرَّة: النَّمْلة الحَمْراء الصَّغيرة.
* * *
٤٥٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ أُنَاسًا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ، ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ ". قَالُوا: لَا. قَالَ: "وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ضَوْءٌ لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ ". قَالُوا: لَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلَّا كَمَا تُضَارُونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: تتبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ؛ بَرٌّ أَوْ فَاجِرٌ، وَغُبَّرَاتُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيُدْعَى الْيَهُودُ فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ عُزَيْرَ ابْنَ اللهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ، فَمَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقَالُوا: عَطِشْنَا رَبَّنَا فَاسْقِنَا. فَيُشَارُ أَلَا تَرِدُونَ، فَيُحْشَرُونَ إِلَى النَّارِ كَأَنَّهَا سَرَابٌ، يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ، ثُمَّ يُدْعَى النَّصَارَى، فَيُقَالُ لَهُمْ: مَنْ كُنتمْ تَعْبُدُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللهِ. فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَبْتُمْ، مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ. فَيُقَالُ لَهُمْ: مَاذَا تَبْغُونَ؟
стр. 5779
فَكَذَلِكَ مِثْلَ الأَوَّلِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ، أتاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ فِي أَدْنىَ صُورَةٍ مِنَ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا، فَيُقَالُ: مَاذَا تنتَظِرُونَ؟ تتبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا عَلَى أَفْقَرِ مَا كُنَّا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ، وَنَحْنُ ننتَظِرُ رَبَّنَا الَّذِي كُنَّا نَعْبُدُ. فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: لَا نشرِكُ بِاللهِ شَيْئًا" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
(تضارون) بتشديد الرَّاء، وأصله: تَتضارُّون، فحُذفت إحدى التاءين، أي: هل تُضارُّون غيرَكم حالَ الرُّؤية بمزاحمةٍ، أو خَفاءٍ، أو نحوه.
وبتخفيفها، أي: هل يَلحقُكم في رُؤيته ضَيْرٌ، وهو الضَّرَر.
(ضوء) بالجرِّ بدَلٌ مما قبلَه، وفي بعضها: (ضَوْءَا) بلفْظ فَعْلَى بفتح الفاء.
والتشبيه إنما وقَع في الوُضوح، وزَوال الشك، والمشقَّة، والاختِلاف، لا في المُقابَلة والجِهَة، وسائرِ الأمور التي جرَت العادةُ بها عند الرُّؤية.
والحديث يردُّ مذهب المعتزلة فيها.
(تتبع) بالرفع، وفي بعضها بالجزم بتقدير اللام كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١].
(برًّا وفاجرًا) بالرفع والنصب.
стр. 5780
(وغُبَّرات) جمع لجمْع: غابِر، كراكعٍ ورُكَّع، وطرُق وطُرقات، أي: بَقَايا، وهو بالرفع والجرِّ، منوَّنًا وتشديد الموحَّدة.
والمشهور في الاستعمال أنَّ الغبَّر اسم واحدٍ، وهو البقيَّة، وأما البَقايا فهي الغبَّرات، وواحد الأَغبار: غُبَّر، وغُبَّر الشيء: بقاياه.
(كذبتم) قياس التَّكذيب والتَّصديق عَودُه إلى النِّسبة في الأَصْل لا لنِسبةٍ في ضِمْن أحد الطَّرَفين، فإذا قُلت: جاء زيدُ بن عَمْرو؛ فكذَّبتَه، فإنما يَعودُ إلى نِسبة المَجيء لا لنِسبَة البُنوَّة، لكن لمَّا كان نفْي اللازِم -وهو كونُه ابنَ الله- إذا نُفي يَلزم منه نفْي المَلزوم، وهو عِبادة ابن الله، أو يُقال: قد يَتوجَّه إليهما معًا، أو إلى المُشارِ إليه فقط.
(يَحْطِم)؛ أي: يَكسِر بعضُها بعضًا، وبذلك سُمِّيت الحُطَمة.
(أتاهم)؛ أي: ظهَر لهم.
(أدنى): أقرَب.
(صورة) قال (خ): أي: صِفَة، يقال: صُورة هذا الأَمْر كذا، أي: صِفَته، أو أطلق الصُّورة على سَبيل المُشاكلة والمُجانَسة.
(رأوه) الرُّؤية بمعنى: العِلْم؛ لأنَّهم لم يرَوه قبل ذلك، ومعناه: يتجلَّى لهم على الصِّفة التي يَعرفُونه بها.
قال (خ): وهذه الرُّؤية غير الرُّؤية التي هي ثَواب الأولياء، وكرامةٌ لهم في الجنَّة؛ إذ هذه للتَّمييز بين مَنْ عَبَدَ الله، ومَنْ عَبَدَ غيرَه.
(أفقر)؛ أي: أحوج، أي: لم تبعثهم في الدنيا مع الاحتياج
следующие страницы →