Полный текст (8 898 стр.). Показаны 5846–5885 · переход к 5851.
стр. 5846
(وتصدية: الصفير) قال (ش): الصَّواب أنَّ المُكاء: الصَّفير، والتَّصْدِيَة: التَّصفيق بالأكُفَّ.
* * *
﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾
(باب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ﴾ [الأنفال: ٢٢])
لم يَذكر فيه بسنَده إلا مقالةَ ابن عبَّاس.
٤٦٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ قَالَ: هُمْ نَفَرٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.
* * *
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
﴿اسْتَجِيبُوا): أَجِيبُوا. ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾: يُصْلِحُكُمْ.
(باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤])
٤٦٤٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَمِعْتُ حَفْصَ ابْنَ عَاصِمٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي
стр. 5847
سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى ﵁، قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَدَعَانِي، فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ، ثُمَّ أليْتُهُ، فَقَالَ: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟ أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾؟ " ثُمَّ قَالَ: "لأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ"، فَذَهَبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيَخْرُجَ، فَذَكَرْتُ لَهُ.
وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبٍ، سَمعَ حَفْصًا، سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا، وَقَالَ: "هِيَ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) ﴾، السَّبع الْمَثَانِي".
(أعظم سورة)؛ أي: في ثَواب قراءتها، ولمَا تَجمع من الثناء، والدُّعاء، والسُّؤال.
قال (ش): كذا لأبي ذَرٍّ، وعند غيره بدُون (أعظم).
(السبع)؛ أي: الآيات.
(المثاني) من التَّثنية، وهي التَّكرير؛ لأن الفاتحة تُكرَّر في الصلاة، أو من الثَّناء لاشتمالها على الثَّناء على الله تعالى، والكَلِمات المَثاني، أي: المكرَّرة، وهي: الله، الرَّحمن، الرَّحيم، وإيَّاك، والصِّراط، وعليهم، وغَيرِ؛ إذ (لا) في معنى (غير)، فهذه سبعُ كلِماتٍ مكرَّرةٍ فيها.
* * *
стр. 5848
﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مَا سَمَّى اللهُ تَعَالَى مَطَرًا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا عَذَابًا، وَتُسَمِّيهِ الْعَرَبُ الْغَيْثَ، وَهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾.
(باب: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢])
٤٦٤٨ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ، حَدَّثَنَا عُبيدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ -هُوَ ابْنُ كُرْدِيدٍ صَاحِبُ الزِّيادِيِّ-: سَمِعَ أنَس بْنَ مَالِكٍ ﵁: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ، أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآيَةَ.
(أحمد) قال الكَلابَاذِي: هو ابن النّضْر -بسُكون المعجمة- النَّيْسَابُوري، أخو محمد بن النّضر المذكور في الباب بعدَه، كأَنَّ البخاري نزَل عندهما بنَيْسَابُور.
* * *
стр. 5849
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾
(باب: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣])
٤٦٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ صَاحِبِ الزِّيادِيِّ: سَمِعَ أَنس بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ أبُو جَهْلٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءَ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآيَةَ.
معنى الحديث الذي فيه ظاهر.
* * *
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾
(باب: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩])
٤٦٥٠ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا حَيْوَةُ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَلَا تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَمَا
стр. 5850
يَمْنَعُكَ أَنْ لَا تُقَاتِلَ كَمَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! أَغْتَرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ وَلَا أُقَاتِلُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْتَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ إِلَى آخِرِهَا. قَالَ: فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْ كَانَ الإسْلَامُ قَلِيلًا، فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ؛ إِمَّا يَقْتُلُوهُ وَإمَّا يُوثِقُوهُ، حَتَّى كَثُرَ الإسْلَامُ، فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، فَلَمَّا رَأَى أنَّهُ لَا يُوَافِقُهُ فِيمَا يُرِيدُ قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا قَوْلِي فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ؟ أَمَّا عُثْمَانُ فَكَانَ اللهُ قَدْ عَفَا عَنْهُ، فَكَرِهْتُمْ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَخَتَنُهُ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ- وَهَذِهِ ابْنتهُ -أَوْ بِنتهُ- حَيْثُ تَرَوْنَ.
الحديث الأول:
(فما يمنعك أن لا تقاتل) وكان لم يُقاتِل أصلًا في الحروب التي جرَت بين المسلمين لا في صِفِّيْن، ولا في الجَمَل، ولا في مُحاصَرَة ابن الزُّبَير، وغيره.
(اغتر) من الاغتِرار -بالمُعجمة، والرَّاء المكرَّرة-؛ أي: تأْويل هذه الآية أحبُّ إليَّ من تأويل الآية الأُخرى التي فيها تَغليظٌ شديدٌ، وتهديدٌ عظيمٌ.
ويُروى: (أُعَيَّر) بمهملةٍ، وياءٍ.
(يقتلوه) بلا نونٍ؛ لأنَّ حذْفها بلا ناصبٍ وجازمٍ لغةٌ فصيحةٌ.
стр. 5851
(عفا عنه)؛ أي: لدُخوله في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
(وهذه أبنيته) جمع: بِنَاء، وفي بعضها: (ابنتُه)، أي: بِنْتُه، وفي بعضها: (بَيتُه)، وتأنيث الإشارة باعتبار البُقعة.
(حيث ترون)؛ أي: بين حُجَر النبي ﷺ ، فبيَّن قُربه من النبيِّ ﷺ مَكانًا ومكانةً.
وسبَقَ في (البقرة)، في (﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٣٩]).
* * *
٤٦٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونس، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا بَيَان: أَنَّ وَبَرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا -أَوْ إِلَيْنَا- ابْنُ عُمَرَ، فَقَالَ رَجُلٌ: كيْفَ تَرَى فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ؟ فَقَالَ: وَهَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟ كَانَ مُحَمَّد ﷺ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً، وَلَيْسَ كَقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ.
(وليس)؛ أي: القِتال معه قتالًا على المُلْك، بل كان قتالًا على الدِّين؛ لأنَّ المشركين كانوا يَفتِنُون المسلمين إما بالقتْل، وإما بالحبْس.
* * *
стр. 5852
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾
(باب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥])
٤٦٥٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَمَّا نزلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، فَكُتِبَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَقَالَ سُفْيَانُ غَيْرَ مَرَّةٍ: أَنْ لَا يَفِرَّ عِشْرُونَ مِنْ مِائتَيْنِ، ثُمَّ نزلَتِ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ، فَكَتَبَ أَنْ لَا يَفِرَّ مِائَةٌ مِنْ مِائتَيْنِ، زَادَ سُفْيَانُ مَرَّةً: نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾.
قَالَ سُفْيَانُ: وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: وَأُرَى الأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مِثْلَ هَذَا.
(مثل هذا)؛ أي: من أنْ لا يفِرَّ الواحدُ من الاثنين، ولا المائةُ من المائتين عند الأَمْر والنَّهي.
* * *
стр. 5853
﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية إِلَى قَوِلِهِ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
(باب: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٦])
٤٦٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللهِ السُّلَمِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ خِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نزَلَتْ: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حِينَ فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَفِرَّ وَاحِدٌ مِنْ عَشَرَةٍ، فَجَاءَ التَّخْفِيفُ، فَقَالَ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾. قَالَ: فَلَمَّا خَفَّفَ اللهُ عَنْهُمْ مِنَ الْعِدَّةِ، نَقَصَ مِنَ الصَّبْرِ بِقَدْرِ مَا خُفِّفَ عَنْهُمْ.
عُلم مما تقدَّم.
* * *
٩ - سورة بَرَاءَةَ
(سورة بَراءة)
(وَلِيجَةً): كُلُّ شَيْءَ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ. ﴿الشُّقَّة﴾: السَّفَرُ. الْخَبَالُ: الْفَسَادُ، وَالْخَبَالُ: الْمَوْتُ. ﴿وَلَا تَفتِنِّي﴾: لَا تُوَبِّخْنِي. ﴿كَرْهًا﴾: وَكُرْهًا وَاحِدٌ. ﴿مُدَّخَلًا﴾: يُدْخَلُونَ فِيهِ. ﴿يَجْمَحُونَ﴾:
стр. 5854
يُسْرِعُونَ. ﴿وَالمُؤتفكات﴾: ائتفَكَتْ: انْقَلَبَتْ بِهَا الأَرْضُ. ﴿أهوى﴾: أَلْقَاهُ فِي هُوَّةٍ. ﴿عَدْنٍ﴾: خُلْدٍ، عَدَنْتُ بِأَرْضٍ؛ أَيْ: أقمْتُ، وَمِنْهُ: مَعْدِنٌ، ويُقَالُ: فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ: فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ. ﴿الخَوَالِفِ﴾: الْخَالِفُ الَّذِي خَلَفَنِي، فَقَعَدَ بَعْدِي، وَمِنْهُ: يَخْلُفُهُ فِي الْغَابِرِينَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الْخَالِفَةِ، وَإِنْ كَانَ جَمْعَ الذُّكُورِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ إِلَّا حَرْفَانِ: فَارِسٌ وَفَوَارِسُ، وَهَالِكٌ وَهَوَالِكُ. ﴿الخيرات﴾: وَاحِدُهَا خَيْرَةٌ، وَهْيَ: الْفَوَاضِلُ. ﴿مُرْجَؤُنَ﴾: مُؤَخَّرُونَ. الشَّفَا شَفِيرٌ، وَهْوَ: حَدُّهُ، وَالْجُرُفُ: مَا تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالأَوْدِيَةِ. ﴿هَارٍ﴾: هَائِرٍ. ﴿لَأوَّاهٌ﴾: شَفَقًا وَفَرَقًا، وَقَالَ:
إِذَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ ... تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ
قوله: (الشقة)؛ أي: مِن بعُدت عليهم الشُّقَّة.
(هوّة)؛ أي: مكانٍ عميقٍ.
قال في "الكشاف": أي: رفعَها على جَناح جبريل، ثم أَهواها إلى الأرض، أي: أسقطَها، وهذه الكلمة وإنْ كانت في سورة النَّجْم؛ لكن ذُكرت هنا لمناسبة: ﴿وَالمؤَتفكات﴾ [التوبة: ٧٠].
(ويجوز أن تكون النساء) هو الظَّاهر؛ لما ذُكر.
(على تقدير جمعه) احترازًا عما إذا كان جمعًا للإِناث، وإما احترازًا عن كونه اسمَ جمعٍ.
قال (ش): هذا يُوضِّحه قول أبي عُبَيدة في "غَريب القرآن":
стр. 5855
يجوز أن تكون الخَوالِف النِّساء، ولا يَكادون يجمعون الرِّجال على تَقدير فَوَاعِل غير أنَّهم قد قالوا: فارِسٌ وفوارسٌ، وهالكٌ وهوالكٌ.
قال ابن جذل (١) :
فأَيْقَنْتُ أَنِّي ثائِرُ ابنِ مُكَدَّمِ ... غَداةَ إذٍ أَوْ هالِكٌ في الهوالِكِ
وقال ابن قتيبة: الخَوالِف يُقال: النِّساء، ويقال: خِساس النَّاس وأَدنِيَاؤُهم، يُقال: فلانٌ خالفةُ أهلِه: إذا كان دُونَهم، والظَّاهر أن الخَوالِف جمع: خالِف، وهو المُخلَّف بعد القَوم.
والمُراد به هنا النِّساء، والصِّبيان، والرِّجال العاجِزون، فلذلك جاز جمعُه للتَّغليب.
وقال قَتادة: الخالِفُون: النِّساء، وهو مردودٌ لأجل الجمْع.
(الشفا: الشفير)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ [التوبة: ١٠٩]، أي: طرَفٍ.
(وهو جده) قد سبَق له في (آل عمران) بغير هذا اللَّفظ.
(ما تجرف من السيول) عبارة الجَوْهَري: ما تَجرَّفتْه السُّيول، فيُوفَّق بينه وبين ما في البخاري أنَّ (مِن) للابتداء، أي: تجرَّف مِن جِهَة السَّيل وبسَببه.
(هار: هائر) يُريد أنَّه مقلوبٌ مثل: شاكٍ في السِّلاح، وشائِك، الحواشي
(١) في الأصل: "ابن جندل"، والمثبت من "التنقيح" للزركشي (٢/ ٩٢٥).стр. 5856
وهذا أحد الأَقوال فيه.
وقيل: حُذفت عينُه اعتِباطًا -بالعين- لغير مُوجِب.
وقيل: لا قَلْبَ فيه، ولا حَذْف، وهذا أَعدَل الأقوال؛ لسَلامته من ادِّعاء القَلْب، والحَذْف، ومعناه: ساقِط.
(الأوَّاه) وتأَوَّه أي: تكلَّم بكلمةٍ تدلُّ على التوجُّع، وقولهم عند الشِّكاية: أَوَّهْ مِن كذا، إنما هو توجُّعٌ، وكذلك آهةٌ بالمَدِّ، ومعناه أنه لفَرْط تَرحُّمه وحِلْمه كان يتعطَّف على أبيه الكافر إلى أنْ تبيَّن له أنه عدوٌّ لله.
* * *
﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُذُنٌ﴾: يُصَدِّقُ. ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهم بِهَا﴾ وَنَحْوُهَا كَثِيرٌ، وَالزَّكَاةُ: الطَّاعَةُ وَالإخْلَاصُ، ﴿لَا يُؤتُونَ الزَّكَاةَ﴾: لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. ﴿يُضَاهُونَ﴾: يُشَبِّهُونَ.
(باب: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١])
٤٦٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ ﵁ يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ نزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، وَآخِرُ سُورَةٍ نزَلَتْ بَرَاءَةٌ.
قوله: (يصدق)؛ أي: يُصدِّق كلَّما سَمِع.
стр. 5857
(آخر آية) لا يُنافي قول ابن عبَّاس أنها آية الرِّبا؛ لأنَّ كُلًّا قال باجتِهاده، أو أراد كُلٌّ خاصًّا، وسبَق بَيانه.
* * *
﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾
﴿فَسِيحُوا﴾: سِيرُوا.
(باب: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢])
٤٦٥٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَأَخْبَرَني حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذِّنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ، يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
قَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ثُمَّ أَرْدَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ يَوْمَ النَّحْرِ فِي أَهْلِ مِنًى بِبَرَاءَةَ، وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
(تلك الحجة)؛ أي: التي كان أبو بكر أَميرًا على الحاجّ، وذلك في السنَة التاسعة.
стр. 5858
(قال أبو هريرة) في بعضها: (أبو بكْر)، والأصحُّ الأول.
* * *
﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
آذَنَهُمْ: أَعْلَمَهُمْ.
(باب: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣])
٤٦٥٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أبُو بَكْرٍ ﵁ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي الْمُؤَذِّنِينَ، بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذِّنُونَ بِمِنًى: أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَان.
قَالَ حُمَيْدٌ: ثُمَّ أَرْدَفَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَرَاءَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنَا عَلِيٌّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةَ، وَأَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
﴿إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
٤٦٥٧ - حَدَّثَنَا إِسحَاقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا
стр. 5859
هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ: أَنْ لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ.
فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ: يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجِّ الأَكبَرِ؛ مِنْ أَجْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
الحديث الأول، والثاني:
(وأخبرني) فيه إشعارٌ بأنَّه أخبَره بغير ذلك أيضًا، فهو عطْفٌ على مُقدَّرٍ.
(الحج الأكبر)؛ أي: لأنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا وقف يوم النحر بين الجمَرات قال: هذا يومُ الحجِّ الأكبَر.
* * *
﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾
(باب: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢])
٤٦٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ، فَقَالَ: مَا بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الآيَةِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ، وَلَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: إِنَّكُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ تُخْبِرُونَا فَلَا نَدْرِي، فَمَا بَالُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ
стр. 5860
بُيُوتنا، وَيَسْرِقُونَ أَعْلَاقَنَا؟ قَالَ: أُولَئِكَ الْفُسَّاقُ، أَجَلْ، لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كبِيرٌ، لَوْ شَرِبَ الْمَاءَ الْبَارِدَ لَمَا وَجَدَ بَرْدَهُ.
(هذه الآية)؛ أي: آية: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]، أي: فقاتلُوهم، فأُقيمَ المُظهَر مُقام المُضمَر.
(إلا ثلاثة)؛ أي: ثلاثةٌ آمَنُوا، ثم ارتَدُّوا، وطَعنُوا في الإسلام مِن ذَوي الرِّياسة والتقدُّم، وذلك لأنَّ حُذَيْفة كان صاحبَ سِرِّهِ ﷺ في شأْن المُنافقين، لا يَعرفُهم بعدَه غيرُه.
(إنكم أصحاب) بالنصب بفعلٍ مُضمَرٍ.
(تخبرونا) بالتَّشديد وعدَمه.
(يَبْقُرون) بياءٍ، ثم موحَّدةٍ ساكنةٍ، ثم قافٍ مضمومةٍ، ويُروى بضمِّ أوَّله، وفتْح ثانيهِ، وتَشديد القاف المَكسورة، أي: يَفتَحونَها، والبَقْر أكثَره في الخشَب والصُّخور، قاله (خ).
(أعلاقنا) جمع: عِلْقٍ، وهو الشَّيء النَّفيس.
(الفُساق)؛ أي: لا الكفَّار، ولا المُنافقون.
(لما وجد برده)؛ أي: لم يُحسَّ به، أي: عاقَبَه الله في الدُّنيا ببلاءٍ وخوفٍ لا يَجدُ معه ذَوْقَ الماءِ، ولا طَعْم بُرودَتِه.
* * *
стр. 5861
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
(باب: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤])
٤٦٥٩ - حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثنا أبُو الزِّنَادِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي أبُو هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ".
٤٦٦٠ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى أَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ، فَقُلْتُ: مَا أَنْزَلَكَ بِهَذِهِ الأَرْضِ؟ قَالَ: كُنَّا بِالشَّأْمِ، فَقَرَأْتُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، قَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا هَذِهِ فِينَا، مَا هَذِهِ إِلَّا فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَ: قُلْتُ: إِنَّهَا لَفِينَا وَفِيهِمْ.
الحديث الأول، والثاني:
(بالرَّبَذَة) براءٍ، وموحَّدةٍ، ومُعجَمةٍ مفتوحاتٍ: مَوضِعٌ قَريبٌ من المدينة، وذلك أنَّه لما ناظَر مُعاويةَ في تفسير الآية تَضجَّرَ من الشَّام، فارتَحلَ إلى المدينة، ثم تَضجَّر من المدينة، فارتَحلَ إلى الرَّبَذَة، فأقام بها.
* * *
стр. 5862
﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾
(باب: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٣٥])
٤٦٦١ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونس، عَنِ ابْنِ شهَابٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، فَقَالَ: هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ، فَلَمَّا أُنْزِلَتْ، جَعَلَهَا اللهُ طُهْرًا لِلأَمْوَالِ.
الحديث فيه ظاهرٌ.
* * *
﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾
(الْقيِّمُ): هُوَ الْقَائِمُ.
(باب: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦])
٤٦٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ،
стр. 5863
السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ؛ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ".
(كهيئته)؛ أي: على الوَضْع الذي كان قبْل النَّسِيء، لا زائدًا في العدَد، ولا مُغيَّرًا كل شهرٍ عن موضِعه.
وسبَقَ الحديث مرَّاتٍ.
* * *
﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾
(مَعَنَا): نَاصِرُنَا. (السَّكِينَةَ): فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ.
(باب قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠])
٤٦٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، حَدَّثَنَا أَنسٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ قَالَ: كنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَارِ، فَرَأَيْتُ آثَارَ الْمُشْرِكينَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنَا. قَالَ: "مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا"؟
الحديث الأول:
من حديث الهجرة، وسبَق.
* * *
стр. 5864
٤٦٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهُ قَالَ حِينَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ: قُلْتُ: أَبُوهُ الزُّبَيْرُ، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ، وَخَالَتهُ عَائِشَةُ، وَجَدُّهُ أَبُو بَكْرٍ، وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ.
فَقُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِسْنَادُهُ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنَا، فَشَغَلَهُ إِنْسَانٌ، وَلَمْ يَقُلِ: ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثاني:
(فقلت لسفيان إسناده) الإسناد وإنْ كان قد ذكَره أوَّلًا، ولكن أرادَ ثانيًا أنَّ العَنْعَنة بواسطةٍ.
* * *
٤٦٦٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ، فَغَدَوْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقُلْتُ: أَتُرِيدُ أَنْ تُقَاتِلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فتحِلُّ حَرَمَ اللهِ؟ فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ! إِنَّ اللهَ كتَبَ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَأمُيَّةَ مُحِلِّينَ، وَإِنِّي وَاللهِ لَا أُحِلُّهُ أَبَدًا. قَالَ: قَالَ النَّاسُ: بَايعْ لاِبْنِ الزُّبَيْرِ. فَقُلْتُ: وَأَيْنَ بِهَذَا الأَمْرِ عَنْهُ؟ أَمَّا أبُوهُ فَحَوَارِيُّ النَّبِيِّ ﷺ ، يُرِيدُ: الزُّبَيْرَ، وَأَمَّا جَدُّهُ فَصَاحِبُ الْغَارِ، يُرِيدُ: أَبَا بَكْرٍ، وَأُمُّهُ فَذَاتُ النِّطَاقِ، يُرِيدُ: أَسْمَاءَ، وَأَمَّا خَالَتُهُ فَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، يُرِيدُ: عَائِشَةَ، وَأَمَّا عَمَّتُهُ فَزَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ ، يُرِيدُ:
стр. 5865
خَدِيجَةَ، وَأَمَّا عَمَّةُ النَّبِيِّ ﷺ فَجَدَّتُهُ، يُرِيدُ: صَفِيَّةَ، ثُمَّ عَفِيفٌ فِي الإسْلَامِ، قَارِئٌ لِلْقُرآنِ. وَاللهِ إِنْ وَصَلُونِي وَصَلُوني مِنْ قَرِيبٍ، وَإِنْ رَبُّونِي رَبَّنِي أكفَاءٌ كِرَامٌ، فآثَرَ التُّوَيْتَاتِ وَالأُسَامَاتِ وَالْحُمَيْدَاتِ، يُرِيدُ: أَبْطُنًا مِنْ أَسَدٍ؛ بَنِي تُوَيْتٍ وَبَنِي أُسَامَةَ وَبَنِي أَسَدٍ، إِنَّ ابْنَ أَبِي الْعَاصِ بَرَزَ يَمْشِي الْقُدَمِيَّةَ؛ يَعْنِي: عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ، وَإِنَّهُ لَوَّى ذَنَبَهُ؛ يَعْنِي: ابْنَ الزُّبَيْرِ.
الثالث:
(بينهما)؛ أي: بين ابن عبَّاس وابن الزُّبَير، قيل: في بعض قِراءَات القرَآن.
(كَتَب)؛ أي: قدَّر.
(محلين)؛ أي: مُبِيْحين القِتالَ في الحَرَم، يعني به: ابن الزُّبَير.
(بايع) بلفْظ الأمر.
(وأين هذا الأمر عنه)؛ أي: مَعْدِلٌ عنه، أي: هو أهل لذلك، أي: يَستحقُّ الخِلافة.
(وأما عمته فزوج النبي ﷺ يريد: خديجة)؛ أي: لأنَّها عمَّة أبيه الزُّبَير؛ لأن الزُّبَير هو ابن العَوَّام بن خُوَيلِد، وهي خَديجة بنت خُويلِد، فهي عمةٌ له.
(قارئ القرآن والله إن وصلوني وصلوني من قريب) كذا في
стр. 5866
جميع النُّسَخ، وسقَط من ذلك قول ابن عبَّاس: (وتركتُ بني عَمِّي إنْ وصلُوني)، الحديثَ، يُريد بني أُميَّة؛ لكونهم من بني عبد مَنَاف، وقد جاء مبيَّنًا كذا في روايةِ ابن أبي خَيْثمة في "تاريخه"، وبهذه الزيادة يستقيم الكلام، وكذا الحديث الآخَر بعدَه: (وإنْ كان لا بُدَّ؛ لأَنْ يَربَّني بَنو عَمِّي)، وفي هذا الحديث: (لأُحاسِبَنَّ نفْسي له ما حاسبتُها لأبي بكر، وعُمر)، وبه يَتمُّ الكلام.
(رُبوني) بضم الراء هنا، وفتحُها خطأٌ كما قاله (ع).
وقال السَّفَاقُسي: هو بضم الموحَّدة مثل: شَدُّوني، وعَدُّوني، وهو يقتضي فتح الراء، وكذا قال ابن الأَثِيْر، أي: يكونون عليَّ أُمراءَ وسادةً مُقدَّمين؛ فإنَّهم في النَّسَب إلى ابن عبَّاس أقْرب من ابن الزُّبَير.
(رَبني) بفتح الرَّاء.
(أكفاء)؛ أي: أَمْثال، واحدُه: كُفُؤٌ، وفي بعضها: (رُبوني أَكْفَاء)، أي: على لُغة: أَكلُوني البَراغيثُ.
قال (ك): هو بضم الموحَّدة وفتحها، مِن الرَّبِّ، والتَّربية.
(فآثر)؛ أي: فذكر ابن عبَّاس بني أَسَد على سبيل التَّحقير والتَّقليل، وفي بعضها: (آثَر) بالمد، أي: قال ابن عبَّاس: فاختار ابن الزُّبَير الأسديين وفضلهم عليّ.
(التويتات) جمع: تُوَيْت مصغَّر بمثنَّاتين وواوٍ.
(والأُسامات) جمع: أُسامة.
стр. 5867
(والحميدات) جمع حُمَيد، وكان المُناسِب لإخوته أن يَقول: بَنِي حُمَيد مكان: بَنِي أَسَد.
(القُدَمية) بضم القاف، وفتح المُهملة.
قال (خ): يعني التَّبختُر، وهو مثَلٌ، يُريد أنَّه قد بلَغ الغايةَ فيما يَلتمسُه، وكذا قال أبو عُبَيدة.
وقال الجَوْهَري: إنَّه بالضَّمِّ، والسُّكون، يُقال: فلانٌ مشَى القُدْميَّة، أي: تَقدَّم، ورُوي: (التقدُّمية) بفتْح الدال وضمها؛ أنَّه تقدَّم في الشَّرف، والفَضيلة على أَصحابه.
(عبد الملك بن مروان) بن الحَكَم بن أبي العَاص بن أُميَّة بن عبْد شَمس بن عبْد مَنَافٍ.
(لوى ذنبه) بتشديد الواو، ويُقال بالتَّخفيف، وقُرِيء بهما: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥]، كُنِّي به عن النَّوم على الجَنْبَين، وإيثارِ الدَّعَة كما تَفعل السِّبَاع بأذْنابها إذا أرادت النَّوم.
قال أبو عُبيد: يُريد أنَّه لم يَبرُز لاكتِساب المَجْد، وطلَب الحَمْد، ولكنَّه زاغَ، وتَنحَّى، أو لم يتمَّ له ما أراد.
* * *
٤٦٦٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: دَخَلْنَا عَلَى
стр. 5868
ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَلَا تَعْجَبُونَ لاِبْنِ الزُّبَيْرِ؟ قَامَ فِي أَمْرِهِ هَذَا، فَقُلْتُ: لأُحَاسِبَنَّ نفسِي لَهُ مَا حَاسَبْتُهَا لأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ، وَلَهُمَا كَانَا أَوْلَى بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْهُ، وَقُلْتُ: ابْنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَابْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ، وَابْنُ أُختِ عَائِشَةَ، فَإِذَا هُوَ يَتَعَلَّى عَنِّي، وَلَا يُرِيدُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَعْرِضُ هَذَا مِنْ نَفْسِي، فَيَدَعُهُ، وَمَا أُرَاهُ يُرِيدُ خَيْرًا، وإنْ كَانَ لَا بُدَّ لأَنْ يَرُبَّنِي بَنُو عَمِّي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَرُبَّنِي غَيْرُهُمْ.
الرابع:
(أمره)؛ أي: الخِلافة.
(لأُحاسبن نفسي)؛ أي: لأطالبَنَّ نفْسي بمُراعاةِ وحفْظِ حقِّه، ولأُنَافِسَنَّ في مَعونتِه، ولأَستَقصيَنَّ عليها في النُّصْح له، والذَّبِّ عنه.
(ما حاسبتها)، (ما) للنَّفْي، واللام في (ولهما) للابتِداء، ولا يُريد ذلك القول إذا عاتبَه.
(يتعلى)؛ أي: يَرتفع عليَّ متجنِّبًا عني.
(فقلت) هو من كلام ابن عبَّاس لا ابن أبي مُلَيكة، أي: قلتُ في نفْسي ذلك: فُلانٌ تَركني تركتُه.
(أعرض)؛ أي: أُظهر هذا من نفْسي، وأَرضَى به، فيتركُه، ولا يَرضى هو بذلك.
(وما أراه)؛ أي: ما أظنُّه يُريد خيرًا، يعني في الرَّغبة عني، أي:
стр. 5869
إنَّ ذلك منه لا أظنُّه خيرًا.
(بنو عمي)؛ أي: الأُمويُّون.
(يربني)؛ أي: يكون ربًّا عليَّ، وأَميرًا، وربَّه بمعنى: رَبَّاهُ، وقامَ بأَمره، وملَك تَدبيره.
قال الحافظ إسماعيل في "كتاب التخيير": يعني قولَه: (لأَنْ يَرُبَّني بَنو عَمِّي أحبُّ إليَّ من أنْ يَرُبَّني غيرُهم): لأنْ أَكُونَ في طاعتهم أحبُّ إليَّ مِن بني أَسَد.
* * *
﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾
قَالَ مُجَاهِدٌ: يَتَألَّفُهُمْ بِالْعَطِيَّةِ.
(باب: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٥])
قيل: كان ينبغي أن (١) يُترجِمَ ما ذكر في الباب بقوله تعالى: ﴿وَمِنهُم مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]، ويُدخِل حديثَ أبي سعيد في ذي الخُوَيْصِرة الذي خرَّجه في (المرتَدِّين).
* * *
٤٦٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الحواشي
(١) "أن" ليس في الأصل.стр. 5870
ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قَالَ: بُعِثَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِشَيْءٍ، فَقَسَمَهُ بَيْنَ أَرْبَعَةٍ، وَقَالَ: "أتألَّفُهُمْ"، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا عَدَلْتَ، فَقَالَ: "يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ".
(أربعة) هم: الأقْرَع بن حابِس، وعُيَيْنة بن بَدْر، وزيد بن مُهَلْهِل، وعَلْقمة بن عَلاثة -بالمثلثة-.
(رجل) هو ذو الخُوَيصرة.
(ضِئْضِئِ) بكسر المعجمتين، وسُكون الهمزة، هو الأصل، ومثْله السِّنْح، والجِذْم، فيحتمل أنه ﷺ أراد مَن ينتمي إلى ذلك الرجل نسَبًا، ويحتمل مَذْهبًا، فعلى الأول يكون المراد من نسل هذا، ثم اختُلف في التألُّف هل يكون قبل أن يسلموا أو بعدها ليتَمادوا؟، واختُلف أيضًا في قطع ذلك، فقيل: في خلافة أبي بكر ﵁، وقيل: في خلافة عُمر ﵁، واختلف هل نسخ (١) ذلك أو الحكم باقٍ؟.
وسبَقَ الحديث في (كتاب الأنبياء).
* * *
﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
﴿يَلْمِزُونَ﴾: يَعِيبُونَ. وَجُهْدَهُمْ، وَجَهْدَهُمْ: طَاقتَهُمْ. الحواشي
(١) في الأصل: "وهل" بدل "واختلف هل نسخ"، والمثبت من "التنقيح" للزركشي (٢/ ٩٢٩).стр. 5871
(باب: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ [التوبة: ٧٩])
٤٦٦٨ - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ أبُو مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: لَمَّا أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ كُنَّا نتَحَامَلُ، فَجَاءَ أبُو عَقِيلٍ لِنصْفِ صَاعٍ، وَجَاءَ إِنْسَانٌ بِأَكثَرَ مِنْهُ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ: إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذَا، وَمَا فَعَلَ هَذَا الآخَرُ إِلَّا رِئَاءً. فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ الآيَةَ.
الحديث الأول:
(نتحامل)؛ أي: نتكلَّف في الحَمْل من حطَبٍ ونحوه، وصوابه: (كنا نُحامِلُ)، كما سبَق في بقيَّة الرِّوايات.
(أبا عَقيل) بفتح المهملة: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن ثَعْلَبة، كان اسمه عبد العُزَّى، فسمَّاه النبيُّ ﷺ عبد الرحمن، شَهِد بدرًا وما بعدها، واستُشهد يوم اليَمَامة.
(نصف صاع) سبَق في (الزكاة): أنَّه جاءَ بصاعٍ، لكنه يحتمل أنَّ ذلك غير أبي عَقِيْل، بل والنِّصف الثاني لا يُنافي المَجيءَ بالكلِّ؛ لجَواز أنَّه أتَى بنصفٍ، ثم بنصفٍ.
ورُوي أن أبا عَقِيل جاءَ بتمراتٍ، فقالوا: الله غنيٌّ عن صدَقته، ولكنه أراد أن يُذكِّر بنفْسه ليُعطَى من الصَّدَقات، وجاء عبد الرَّحمن بن
стр. 5872
عَوْف بأربعين أُوقيَّةٍ من الذَّهَب، فقالوا: ما أعطى إلا رِياءً.
* * *
٤٦٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: أَحَدَّثَكُمْ زَائِدَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالصَّدَقَةِ، فَيَحْتَالُ أَحَدُنَا حَتَّى يَجيءَ بِالْمُدِّ، وَإِنَّ لأَحَدِهِم الْيَوْمَ مِائَةَ ألفٍ. كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ.
الثاني:
(فيحتال)؛ أي: يجتهد، ويسعى.
(يعرض بنفسه)؛ أي: ابن مَسْعود، ويُعرِّض بأنَّه صارَ من أرباب الأموال الكثيرة، والقَصْد ذكر الضِّيْق الذي في زمَن النبيِّ ﷺ ، والسَّعَة التي بعدَه بالفتوحات.
* * *
﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾
(باب: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠])
٤٦٧٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَألهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ،
стр. 5873
فَأَعْطَاهُ، ثُمِّ سَأَلهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ، فَقَامَ عُمَرُ، فَأَخَذ بِثَوْب رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! تُصَلِّي عَلَيْهِ، وَقَدْ نهاكَ رَبُّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وَسأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ". قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ. قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾.
الحديث الأول:
(فأعطاه)؛ أي: مكافأة له على ما أعطَى يوم بدْرٍ قميصًا للعبَّاس، حتى لا يكون للمُنافق عليه مِنَّةٌ.
(وقد نهاك ربك أن تصلي عليه)؛ أي: لا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤]، فإنها إنما أُنزلت بعدُ كما صرَّح به في آخِر الحديث، حتى جعَل بعضُهم ذلك وهمًا في الحديث، وأنَّ حديث ابن عبَّاس الآتي ليس فيه: (وقَدْ نَهاكَ اللهُ)، بل ولا في طريقٍ آخر عن ابن عُمر، بل يُقال: لعلَّ عُمر ﵁ إنما فَهِم النَّهي من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]، أو من قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]؛ فإنَّه إذا لم يكُن للاستغفار فائدةٌ كان عبَثًا، وهو منهيٌّ عنه.
(وسأزيده) حمل ﷺ عدَد السَّبعين على حقيقته، وعُمر حملَه
стр. 5874
على المُبالَغة، ورأَى الشِّدَّة على المنافقين.
قال (خ): فيه حُجَّةٌ لمن رأَى الحُكْم بالمَفهوم؛ لأنه جعَل السَّبعين بمنزلة الشَّرط، فإذا جاوز هذا العدَد كان بخلافه، وقصَد ﷺ الشَّفاعة على من تعلَّق بطرَفٍ من الدِّين، والتَّألُّف لأُمته ولقَومه، فاستعمل أحسَن الأمرَين وأفضلَهما.
* * *
٤٦٧١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي عُقَيْل، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁: أنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ، دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَثَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أتصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ وَقَدْ قَالَ يَوْمَ كَذَا كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَالَ: "أَخِّرْ عَنِّي يَا عُمَرُ"، فَلَمَّا أكثَرْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: "إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرْ لَهُ، لَزِدْتُ عَلَيْهَا". قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى نزَلَتِ الآيتَانِ مِنْ بَرَاءَةَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾، قَالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرْأَتِي عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
стр. 5875
الثاني:
(خيرت)؛ أي: بين الاستِغفار وعدَمه، فاختَرتُ الاستغفارَ.
* * *
﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾
(باب: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤])
٤٦٧٢ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّي عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُكَفِّنَهُ فِيهِ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِثَوْبِهِ، فَقَالَ: تُصَلِّي عَلَيْهِ وَهْوَ مُنَافِقٌ؟ وَقَدْ نهاكَ اللهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُمْ! قَالَ: "إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ، أَوْ أَخْبَرَنِي فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ "، فَقَالَ: "سَأَزِيدُهُ عَلَى سَبْعِينَ". قَالَ: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
فيه الحديث في عبد الله بن أُبَيٍّ.
وقد سبَقت فيه مباحث في (الجنائز)، في (باب: الكفن في
стр. 5876
القميص)، وفي (باب: الصلاة على المنافقين).
* * *
﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
(باب: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٩٥])
٤٦٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ: وَاللهِ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ بَعْدَ إِذْ هَدَانِي أَعْظَمَ مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ أَنْ لَا أكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أُنْزِلَ الْوَحْيُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ إِلَى ﴿الْفَاسِقِينَ﴾.
(تبوك) غير منصرفٍ.
(أن لا أكون كذبته) لا منافاةَ بينهما؛ لأنَّ المستقبَل في معنى الاستِمرار المتناوِل للماضي.
وقال (ع): كذا في نُسَخ "الصحيحين"، والمعنى: أَنْ أَكُون، و (لا) زائدةٌ.
وسبَقَ الحديث بطوله في (المغازي).
* * *
стр. 5877
﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
(باب: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٦])
٤٦٧٤ - حَدَّثَنَا مُؤَمَّل -هُوَ ابْنُ هِشَامٍ-، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَنَا: "أتانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ فَابْتَعَثَانِي، فَانتُهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فتلَقَّانَا رِجَالٌ؛ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ كَأَقْبَح مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالَا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ. فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالَا: أَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا، تَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُمْ".
(آتيان)؛ أي: ملَكان.
وسبَقَ شرح الحديث قبل (التفسير).
(ابتعثاني)؛ أي: من النَّوم.
(الذين كانوا) في بعضها: (الذي كانوا)، فيُؤوَّل كما في: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩]، وقَسِيْم (أَما) ما يُفهَم من قوله: (وهذاك مَنْزِلُك)، أي: وأما هذا فمَنْزلك.
стр. 5878
(كانوا شطر منهم حسن) قياسه أنْ يُقال: كان شَطْرٌ منهم حسَنًا، إلا أن تُجعل (كان) تامةً، و (شطْر) مبتدأ، و (حسن) خبره، والجملة حالٌ بدون الواو نحو: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤].
* * *
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾
(باب: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣])
٤٦٧٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ، دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيْ عَمِّ! قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ". فَقَالَ أبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ! أترْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ". فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
(عن أبيه) سبَق مراتٍ أنَّ فيه دَفْعًا لقَول الحاكم: إن شَرْط البخاري أنْ يَرويَ عن كل راوٍ راويان، وأنَّه لعلَّه الرَّاوي غير الصَّحابي.
(أحاج) جواب الأمر.
стр. 5879
وسبَق في (الجنائز).
* * *
﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
(باب: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧])
٤٦٧٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونس.
قَالَ أَحْمَدُ: وحَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ، حَدَّثَنَا يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ ابْنُ كعْبٍ -وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ- قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فِي حَدِيثِهِ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: إِنَّ مِنْ تَوْبتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللهِ وَرَسُولهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكَ".
الحديث الأول:
سبَق ما فيه في حديث تَوبة كعْب.
стр. 5880
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
* * *
٤٦٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّد، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ: أَنَّ الزُّهْرِيَّ حَدَّثَهُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ، وَهْوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ: أنَّهُ لَمْ يتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ غَيْرَ غَزْوَتَيْنِ؛ غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ وَغَزْوَةِ بَدْرٍ. قَالَ: فَأَجْمَعْتُ صِدْقَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ضُحًى، وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلَّا ضُحَّىَ، وَكَانَ يَبْدَأُ بِالْمَسْجدِ، فَيَرْكَعُ ركعَتَيْنِ، وَنهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَلَامِي وَكَلَامِ صَاحِبَيَّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ غَيْرِنَا، فَاجْتَنَبَ النَّاسُ كَلَامَنَا، فَلَبِثْتُ كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ الأَمْرُ، وَمَا مِنْ شَيْءِ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَمُوتَ، فَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، أَوْ يَمُوتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَأَكُونَ مِنَ النَّاسِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ، فَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَلَا يُصَلِّي عَلَيَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَوْبَتَنَا عَلَى نبَيِّهِ ﷺ حِينَ بَقِيَ الثُّلُثُ الآخِرُ مِنَ اللَّيْلِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ مُحْسِنَةً فِي شَأْنِي مَعْنِيَّةً فِي أَمْرِي،
стр. 5881
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا أُمَّ سَلَمَةَ! تِيبَ عَلَى كَعْبٍ"، قَالَتْ: أفلَا أُرْسِلُ إِلَيْهِ فَأُبَشِّرَهُمْ قَالَ: "إِذًا، يَحْطِمَكُمُ النَّاسُ، فَيَمْنَعُونكُمُ النَّوْمَ سَائِرَ اللَّيْلَةِ". حَتَّى إِذَا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ، آذَنَ بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا، وَكَانَ إِذَا اسْتَبْشَرَ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الْقَمَرِ، وَكنَّا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنِ الأَمْرِ الَّذِي قُبِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا حِينَ أَنْزَلَ اللهُ لَنَا التَّوْبَةَ، فَلَمَّا ذُكِرَ الَّذِينَ كَذَبُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ الْمُتَخَلِّفِينَ، وَاعْتَذَرُوا بِالْبَاطِلِ، ذُكِرُوا بِشَرِّ مَا ذُكِرَ بِهِ أَحَدٌ، قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ الآيَةَ.
الثاني:
(محمد، ثنا أحمد) قال الغَسَّاني: لم يقع في نسُخة ابن السَّكَن ذكْر محمد قبل أحمد، وثبَت لغيره من الرُّواة، واضطرَب قول الحاكم فيه، فمرةٌ يقول: هو ابن النَّضْر بن عبد الوهَّاب، ومرةً: ابن إبراهيم البُوشَنْجِي، وقال: وعندي أنه ابن يحيى الذُّهْلِي.
(غزوة العُسْرة) وهي غزْوة تَبُوك.
(فأجمعت)؛ أي: عزمتُ.
(صاحبي)؛ أي: مُرَارة بن الربيع، وهِلال بن أُمية.
стр. 5882
(أهم) يقال: أهمَّه الأمرُ، أي: أقلقَه، وأحزنَه.
(ولا يصلى) مبنيٌّ للمفعول، وفي بعضها: (لا يُسَلم).
(معينه) من الإِعانة، أي: النُّصْرة، أو مَعْنيَّةٌ، بفتح الميم، وتشديد الياء بعد النُّون. قال (ع): ذات اعتِناءٍ.
(يخطفكم) مجازٌ عن الازدحام، وفي بعضها: (يحطِمُكم) بمهملتين.
(أيها الثلاثة) بلفْظ النِّداء، ومعناه الاختصاص.
(خلفنا عن الأمر)؛ أي: ليس المعنى في الآية التخلُّف عن الغَزْوة، بل التخلُّف عن حُكْم أمثالهم من المُتخلِّفين عن الغَزْوة.
* * *
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
(باب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩])
٤٦٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -وَكَانَ قَائِدَ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ- قَالَ: سَمِعْتُ كعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ: فَوَاللهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَبْلَاهُ اللهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى
стр. 5883
رَسُولهِ ﷺ : ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
(عن قصة) متعلِّقٌ بقوله (يُحدِّث).
(أبلاه) هو الابتلاء بالخير والشر، وفي بعضها: (ابتَلاهُ).
* * *
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾؛ مِنَ الرَّأْفَةِ
(باب: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨])
٤٦٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ السَّبَّاقِ: أَنَّ زيدَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ ﵁ وَكَانَ مِمَّنْ يَكْتُبُ الْوَحْيَ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَعِنْدَهُ عُمَرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أتانِي، فَقَالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِالنَّاسِ، وَإنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنْ تَجْمَعُوهُ، وإِنِّي لأَرَى أَنْ تَجْمَعَ الْقُرْآنَ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَقَالَ عُمَرُ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِيهِ حَتَّى شَرحَ اللهُ لِذَلِكَ صدْرِي، وَرَأَيْتُ الَّذِي رَأَى عُمَرُ. قَالَ زيدُ بْنُ ثَابِتٍ: وَعُمَرُ عِنْدَهُ جَالِسٌ لَا يتَكَلَّمُ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ، وَلَا نتَّهِمُكَ،
стр. 5884
كنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فتتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَوَاللهِ لَوْ كلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجبَالِ مَا كَانَ أثقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ: كيْفَ تَفْعَلَانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَاللهِ خَيْرٌ، فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ حَتَّى شَرحَ اللهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرحَ اللهُ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقُمْتُ، فتتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقَاعِ وَالأَكتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ، ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ إِلَى آخِرِهِمَا، وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ.
تَابَعَهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ وَاللَّيْثُ، عَنْ يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَقَالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ. وَقَالَ مُوسَى، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ.
وَتَابَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ.
وَقَالَ أَبُو ثَابِتٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، وَقَالَ: مَعَ خُزَيْمَةَ، أَوْ أَبِي خُزَيْمَةَ.
стр. 5885
(اليمامة) بتخفيف الميم: مدينةٌ باليمَن، والمراد بمقتَلِهم: مُقاتلة الصحابة ﵃ مُسيلمةَ الكذَّابَ.
(استحر)؛ أي: اشتدَّ، وكثُرَ، وهو استَفْعَل من الحَرِّ، والمَكروه أبدًا يُضاف إلى الحَرِّ، والمَحبوب إلى البَرْد، ومنه المَثَل: يَتولَّى حَارَّها مَن تَولَّى قَارَّهَا.
(خير) يحتمل أنه أفْعَل تفضيلٍ، والمراد أفضليَّته باعتبار هذا الزَّمان، وترَك النبيُّ ﷺ ذلك لأنه خيرٌ في عَهْده؛ لعدَم تَمام النُّزول، واحتمال النَّسْخ ونحوِه.
(والعُسُب) بضم المهملتين: جمع عَسِيْب، وهو سُعُف النَّخْل، كانوا يَكتُبون فيها.
(آيتين مع خُزيمة) إنما ألحقَها بالقرآن وشَرْطُه التَّواتر؛ لأنَّ المعنى: لم أجدهما مَكتوبتَين عند غيره، أو المراد: لم أَجدْهما مَحفوظَتين، ولأنَّ المقصود بالتَّواتر العِلْم، وخبر الواحد إذا احتفَّتْ به القرائن المُفيدة لليقين أفادَ العِلْم، والقرائن هنا كتابتُهما، وأنَّ مثْله لا يَقدِر في مثْله بمحضَر الصحابة أنْ يقول إلا حقًّا وصِدْقًا، والجواب الأوَّل أَولى.
(تابعه عثمان) وصلَه أحمد، وإسحاق في "مسنديهما".
(والليث عن يونس) موصولٌ في (فضائل القرآن).
(وقال الليث) وصلَه البَغَوي في "معجمه".
следующие страницы →