← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

وقال الخَليل: مَن قرأَ (طَهْ) مَوقوفًا فهو رجلٌ، ومن قَرأَ: (طه) بحرفين في الهِجاء، فقيل: معناه: اطمأَنَّ، وقيل: طاء الأَرض، والهاء كنايةٌ عنها، وبلَغَنا أنَّ موسى ﵇ لمَّا سَمعَ كلامَ الله تعالى استفزَّه الخَوف حتى قامَ على أَطْراف أصابع قدَميه، فقال تعالى: طه اطمأَنَّ. (فيسحتكم)؛ أي: يُهلكَكُم. (خوفًا) يُريد أنَّ أصل حقيقة خِوْفةً بكسر الخاء، فقُلبت الواو ياءً؛ لكسر ما قبلَها. (أي: على جذوع) هي طَريقةٌ كوفيةٌ، والمُحقِّقون على أنَّها للظرفية لكن مَجازيَّةً. (يفرط عقوبة)؛ أي: يُعاقبُنا. * * * ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ (باب: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]) ٤٧٣٦ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْتَقَى آدَمُ وَمُوسَى، فَقَالَ مُوسَى لآَدَمَ: آنْتَ الَّذِي أَشْقَيْتَ النَّاسَ، وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟ قَالَ لَهُ آدَمُ: آنْتَ الَّذِي اصْطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ،

стр. 5987

وَاصْطَفَاكَ لِنَفْسِهِ، وَأنزَلَ عَلَيْكَ التَّوْرَاةَ؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَوَجَدتَهُ كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ قَالَ: نعم. فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى". الْيَمُّ: الْبَحْرُ. (فحج آدم موسى)؛ أي: غلَبَه في الحُجَّة، وظَهر عليه بها. قال (خ): وذلك أنَّ الاعتِراض والابتِداء بالمَسأَلة كان من مُوسى، وعارضَه آدمُ (١) بأمرٍ دفَع عنه اللَّوم، فكان هو الغالِب. وقال (ن): لمَّا تابَ الله على آدمَ، وغفَر له؛ زالَ عنه اللَّوم، فمَن لامَه كان مَحجُوجًا بالشَّرع. وسبق الحديث في (كتاب الأنبياء). * * * ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ (باب: وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى) التلاوة: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا﴾ [طه: ٧٧]. ٤٧٣٧ - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شعبةُ، حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: لَمَّا

стр. 5988

قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَالْيَهُودُ تَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَسَألهُمْ، فَقَالُوا: هذَا الْيَوْمُ الَّذِي ظَهَرَ فِيهِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "نَحْنُ أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُم، فَصُومُوهُ". (ظهر فيه موسى)؛ أي: غلَبَ. ومرَّ في (الصوم). * * * ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ (باب: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]) ٤٧٣٨ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ، عَنْ يَحيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "حَاجَّ مُوسَى آدَمَ، فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ الَّذِي أَخْرَجْتَ النَّاسَ مِنَ الْجَنَّةِ بِذَنْبِكَ وَأَشْقَيْتَهُم. قَالَ: قَالَ آدَمُ: يَا مُوسَى! أَنْتَ الَّذِي اصطَفَاكَ اللهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، أتلُومُنِي عَلَى أَمرٍ كتبَهُ اللهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي -أَوْ:- قَدَّرَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي؟ " قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى". سبَق معناه. قيل: إنما احتجَّ في خُروجه من الجنَّة بأنَّ الله تعالى خلَقَه ليَجعلَه

стр. 5989

خليفةً في الأرض إلا أنَّه نفَى عن نفْسه الذَّنْب، قيل: وإنما أنكَر على مُوسَى أن يلومَه لتَوبتِه منه. * * * ٢١ - سوره الأَنْبِيَاء (سورة الأنبياء) ٤٧٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدرٌ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: (بَنِي إِسْرَائِيلَ) وَ (الْكَهْفُ) وَ (مَرْيَمُ) وَ (طَهَ) وَ (الأَنْبِيَاءُ) هُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ، وَهُنَّ مِنْ تِلَادِي. وَقَالَ قتادَةٌ: ﴿جُذَاذًا﴾: قَطَّعَهُنَّ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿فِي فَلَكٍ﴾ مِثْلِ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ. ﴿يَسْبَحُونَ﴾: يَدُورُونَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿نَفشَتْ﴾: رَعَتْ. ﴿يُصْحَبُونَ﴾: يُمنَعُونَ. ﴿أمَّتُكم أمَّة واحِدَةً﴾ قَالَ: دِينُكم دِينٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿حَصَبُ﴾: حَطَبُ بِالْحَبَشِيَّةِ. وَقَالَ غَيرُهُ: ﴿أَحسُّوْا﴾: تَوَقَّعُوهُ، مِنْ أَحْسَسْتُ. ﴿خَامِدِينَ﴾: هامِدِينَ. حَصِيدٌ: مُسْتَأصَلٌ، يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ. ﴿وَلَا يستَحْسِرُونَ﴾: لَا يُعْيُونَ، وَمِنْهُ: حَسِيرٌ، وَحَسرْتُ بَعِيرِي.

стр. 5990

عَمِيقٌ بَعِيدٌ. (نُكِّسُوا): رُدُّوا. ﴿صنعَةَ لبَوُسٍ﴾: الدُّرُوعُ. ﴿وتقطَّعُوَا أَمرَهُم﴾: اخْتَلَفُوا، الْحَسِيسُ وَالْحِسُّ وَالْجَرْسُ وَالْهمسُ وَاحِدٌ، وَهْوَ: مِنَ الصَّوْتِ الْخَفِي. ﴿آذَنَّاكَ﴾: أَعلَمنَاكَ، ﴿آذنتكم﴾؛ إِذَا أَعْلمتَهُ، فأَنْتَ وَهْوَ ﴿عَلى سَوَاءٍ﴾، لَم تَغْدِر. وَقَالَ مُجَاهدٌ: ﴿لَعَلَكُم تسئَلُونَ﴾: تُفْهمُونَ. ﴿ارتضى﴾: رَضِيَ. ﴿التماثيل﴾: الأَصنَامُ. السِّجِلُّ: الصَّحِيفَةُ. (قال بني إسرائيل) كذا وقَع، وصوابه: بَنُو إسرائيل. (العتاق) العَتِيْق: ما بلَغَ الغايةَ في الجودة، والأَوَّليَّة باعتبار النُّزول؛ لأنَّها مكِّيَّاتٌ. وسبق تقرير ذلك. (فلكة المغزل) قال الجَوْهري: سُمِّيت بذلك لاستِدارتها. قال ابن عَطِيَّة: تكلَّموا فيما هو الفَلْك، فقال بعضُهم: كحَديد الرَّحَا، وقال بعضهم: كالطَّاحُونة، وغير هذا مما لا يَنبَغي التَّسوُّر عليه، غير أنَّا نَعرفُ أنَّ الفَلَك جِسْمٌ مُستديرٌ. وفي الحديث: جَواز الخَرْق والالتِئام على الأَفْلاك، وإنما ذُكر بضَمير العُقلاء -وهو الواو- لوصْفِهم بالسِّباحة. (نفشت)؛ أي: رعَتْ لَيلًا بلا راعٍ، فإنْ رعَتْ بالنَّهار بلا راعٍ قيل: هَمَلَتْ. (أحسوا) من أحسَستُ.

стр. 5991

قال أبو عبيد: ﴿فَلَما أَحسوْا بَأسَنَا﴾ [الأنبياء: ١٢]، أي: لَقُوه، ورأَوه، يُقال: هل أحسَستَ فُلانًا، أي: وجَدتَه، ورأَيتَه، ويقال: هل أَحسَستَ منِّي ضَعْفًا؟. (والحصيد) إلى آخره، قال أبو عُبَيدة: يُطلَق على الواحد، والاثنَين، والجمْع كالوصْف بالمَصدر. (يعيون) قال السَّفَاقُسي: مِن أَعيَا، وضُبط في رواية أبي ذَرٍّ بفتْح الياء، وليس بشيءٍ. (عميق)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿من كل فج عميق﴾ [الحج: ٢٧]، ولكن هذا من الحج، فلعلَّ الناسخ أخَذَه مِن على الحاشِيَة، وكتبَه هُنا. (والجرس)؛ أي: بفتح الجيم وكسرها، وسُكون الراء، أي: كلُّها بمعنَى الصَّوت الخَفِي. (آذناك) (١) ذُكر لمُناسبة: (آذَنْتُكم)، وإلا فهو من سورةٍ أُخرى. (السجل: الصحيفة) هذا قول مُجاهد، أي: تُطوَى ليُكتَب فيها. وعن ابن عبَّاس ﵄: هو رجلٌ كان يَكتُب للنبيِّ ﷺ ، رواه أبو داوُد في "سُننه" عن أبي الجَوزَاء، وأنكَره الثَّعلَبي، وقال: ليس في كُتَّاب النبيِّ ﷺ مَن اسمه: سِجِلٌّ، وإنما المُراد الصَّحيفة، وحكاه عن

стр. 5992

ابن عبَّاس أيضًا. قال: واللام في (للكِتاب) بمعنى: على، أي: كطَيِّ الصَّحيفة على مَكتُوبها، وقيل: هو اسم مَلَكٍ يَكتُب أَعمالَ العِباد. * * * ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ﴾ (باب: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) ٤٧٤٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعمَانِ شَيخٍ مِنَ النَّخَعِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "إِنَّكمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، ثُمَّ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ، أَلَا إِنَّهُ يُجَاءُ بِرِجَالٍ مِنْ أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِم ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي! فَيُقَالُ: لَا تَدرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالح: ﴿كنتُ عَلَيهم شَهِيدًا مَّا دُمْتُ﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾، فَيُقَالُ: إِنَّ هؤُلَاءِ لَم يَزَالُوا مُرتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ". (غُرْلًا) جمع: أغْرَل، بالمعجمة، والراء: الأَقْلَف. (ذات الشمال)؛ أي: جِهة النَّار. (مرتدين) ليس المُراد الرِّدَّة عن الإسلام، بل التخلُّف عن

стр. 5993

الحُقوق الواجِبة، ولم يَرتدَّ -بحمْد الله تعالى- أحدٌ من الصَّحابة، وإنما ارتدَّ قَومٌ من جُفاة العرَب الدَّاخلين في الإسلام رَغْبةً أو رهبةً. وسبق في (كتاب الأنبياء). * * * ٢٢ - سورة الحجِّ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿المُخْبِتِينَ﴾: الْمُطْمَئِنِّينَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿فِي أمنيَّتِهِ﴾: إِذَا حَدَّثَ، ألقَى الشَّيْطَانُ فِي حَدِيثِهِ، فَيُبْطِلُ اللهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ، وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ. وَيُقَالُ: أُمنِيَّتُهُ: قِرَاءَتُهُ، ﴿إلا أَمانيَّ﴾: يَقْرَءُونَ، وَلَا يَكْتبونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَشِيدٌ بِالْقَصَّةِ. وَقَالَ غيْرُهُ: ﴿يسُطون﴾: يَفْرُطُونَ، مِنَ السَّطْوَةِ، وَيُقَالُ: ﴿يسطُونَ﴾: يَبْطُشُونَ. ﴿وَهُدوا إِلَى الطيبِ من القول﴾: ألهِمُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بسببٍ﴾: بِحَبْلٍ إِلَى سَقْفِ الْبَيْتِ. ﴿تَذْهَلُ﴾: تُشْغَلُ. (سورة الحَجِّ) قوله: (المطمئنين)؛ أي: بذِكْر اللهِ، وقيل: المُتواضِعين، وقيل: الخاشِعين.

стр. 5994

(ويحكم الله آياته)؛ أي: إنَّ الشيطان عندَ تحديث النبيِّ ﷺ قد يُوقع في مَسامِع أهل الشِّرك ما يُوافق رأْيَهم، فيتوهَّم أنه حدَّث عن الرَّسول، وليس كذلك. وأما الحديث الذي رواه البَزَّار في "مسنده"، وذكَره ابن أبي حاتم، وابن جَرير الطَّبَري في "تفسيريهما" في قصَّة الغَرانِيْق العُلا فهو حديثٌ باطلٌ، وإنْ كثَّر الطَّبَريُّ طُرُقَه، وقد تكلَّم عليه (ع) في "الشِّفَا"، والإمامُ الرَّازي في "تفسيره". وقال ابن قُتَيبة: الأُمنيَّة: التّلاوة، قال تعالى: ﴿لَا يعْلَمُونَ اَلكتابَ إلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: لا يَعرفونَه إلا تلاوةً، وقال الشاعر: تَمَنَّى كِتَابَ اللهِ أَوَّل لَيلةٍ ... تَمنِّيَ داودَ الزَّبُورَ على رِسْلِ (بالقَصّة) بفتح القاف، وشدَّة المُهملة: الجِصُّ، وقال ابن قُتَيبة: المَشِيْد المَبنيُّ بالشِّيْد، وهو الجِصُّ. * * * (باب: ﴿وتُرى الناس سكارى وما هم بسكارى﴾ [الحج: ٢]) هي على قراءة الأَخَوين، واختُلف هل هي صيغةُ جمعٍ على فَعْلَى كمَرْضَى، أو صفةٌ مفردةٌ استُغني بها في وَصْف الجَماعة؟ على قَولَين. * * *

стр. 5995

٤٧٤١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صالحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَقُولُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا آدَمُ! يَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَينادَى بِصَوْتٍ: إِنَّ الله يَأْمُرُكَ أَنْ تُخْرِجَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ. قَالَ: يَا رَبّ! وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كلِّ ألفٍ -أُرَاهُ قَالَ- تِسْعَمِائَةٍ وَتسْعَةً وَتسعِينَ، فَحِينَئِذٍ تَضَعُ الْحَامِلُ حَملها، ويَشِيبُ الْوليدُ، ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ حَتَّى تَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُم، فَقَالَ النَّبي ﷺ : "مِنْ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ تِسْعَمِائَةٍ وَتسْعَةً وتسعِينَ، وَمِنْكم وَاحدٌ، ثُمَّ أَنتمْ فِي النَّاسِ كَالشَّعْرَةِ السَّوْداءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَبْيَض، أَوْ كَالشَّعْرَةِ الْبيضَاءِ فِي جَنْبِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرنَا، ثُمَّ قَالَ: "ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّة"، فَكَبَّرنَا، ثُمَّ قَالَ: "شَطْرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ"، فَكَبَّرْنَا. قَالَ أبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ: ﴿وتُرى الناس سكارى وما هم بسكارى﴾، وَقَالَ: مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعَمِائَةٍ وَتسْعَةً وتسعِينَ. وَقَالَ جَرِيرٌ، وَعِيسَى بْنُ يُونس، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ: (سَكْرَى وَمَا هُمْ بِسَكْرَى). (فينادى) بفتح الدَّال، ويروى بكسرها. (بعثًا)؛ أي: مَبعُوثًا، وأصلُه: الجَيْش، وجمعه بُعوث، أي: أَخرِجْ من بَين الناسِ الذين هم أهل النَّار، وابْعَثْهم إليها.

стр. 5996

(أو كالشعرة) يَحتمل التَّنويع من رسول الله ﷺ ، والشَّكَّ من الرَاوي. ومرَّ الحديث أوَّل (كتاب الأنبياء). (فكبرنا)؛ أي: قُلنا: اللهُ أكبَر سُرورًا بهذه البِشارة، أو عظَّمنا ذلك. (وقال أبو أُسامة) موصولٌ أوَّل (كتاب الأنبياء). وقال (ش): هذا مُكرَّرٌ مع ما سبَق، وكأنَّه نَسِيَ أن يَضرِب عليه هنا، وفي "الجامع" مواضعُ كثيرةٌ. (وقال جرير) موصولٌ في (الرِّقاق). (وقال عيسى بن يونس) أخرجَه إسحاق بن رَاهْوَيْهِ في "مُسنَده". (وأبو معاوية) وصلَه مسلمٌ، والطَّبَري. * * * ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ إِلَى قوِلهِ: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ ﴿وأترفَنَاهُمْ﴾: وَسَّعْنَاهُمْ. (باب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١]) قوله: (أترفناهم) كذا ذكَره هنا، وإنَّما موضعُه (سُورة المُؤمنين). * * *

стр. 5997

٤٧٤٢ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ قَالَ: كاَنَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْمَدِينَةَ، فَإِنْ وَلَدَتِ امرَأتُهُ غُلَامًا، وَنُتِجَتْ خَيلُهُ، قَالَ: هذَا دِينٌ صَالِحٌ. وإِنْ لمْ تَلِدِ امرَأتُهُ، وَلَم تُنْتَجْ خَيْلُهُ، قَالَ: هذَا دِينُ سُوءٍ. (ونُتِجت) بضم النُّون، فهي مَنْتُوجةٌ مثل: نُفِسَتْ فهي مَنْفُوسةٌ: إذا وَلَدتْ. * * * ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ (باب: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩]) ٤٧٤٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو هاشمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يُقْسِمُ فِيها: إِنَّ هذِهِ الآيَةَ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ نزَلَتْ فِي حَمزَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَعُتْبةَ وَصَاحِبَيْهِ يَوْمَ بَرَزُوا فِي يَوْمِ بَدرٍ. رَوَاهُ سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي هاشِمٍ. وَقَالَ عُثْمَانُ: عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي هاشِمٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَوْلَهُ.

стр. 5998

٤٧٤٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنهالٍ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعتُ أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ قَيْس: وَفِيهِم نزَلَتْ: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ بَارَزُوا يَوْمَ بدرٍ؛ عَلِيٌّ، وَحَمْزَةُ، وَعُبَيْدَةُ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَعُتْبةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَالْوَليدُ بْنُ عُتْبةَ. الحديث الأول، والثاني: (وصاحبيه)؛ أي: صاحبَي حمزةَ، وهما: عليٌّ، وعُبَيدة -بضم المهملة، وفتح المُوحَّدة- ابن الحارِث بن عبد المُطَّلِب. (وصاحبيه)؛ أي: صاحبَي عُتْبة، وهما: شَيْبَة، والوَليد. وسبق الحديث أوَّل (كتاب المَغازي). * * * ٢٣ - سورة الْمُؤْمِنِينَ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿سَبْعَ طَرَائِقَ﴾: سَبْعَ سَمَوَاتٍ. ﴿لهَا سابقونَ﴾: سَبقَتْ لَهُمُ السَّعَادَةُ. ﴿وقلوُبهُم وَجِلةٌ﴾: خَائِفِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾: بَعِيدٌ بَعِيدٌ. ﴿فسئَل اَلْعَاَدِّينَ﴾: الْمَلَائِكَةَ. ﴿لناكبون﴾: لَعَادِلُونَ. ﴿كالِحُون﴾: عَابِسُونَ. ﴿مِن

стр. 5999

سلالةٍ﴾: الْوَلَدُ، وَالنُّطْفَةُ: السُّلَالَةُ. وَالْجِنَّةُ وَالْجُنُونُ وَاحِدٌ. وَالْغُثَاءُ: الزَّبَدُ، وَمَا ارتَفَعَ عَنِ الْمَاءِ، وَمَا لَا يُنتفَعُ بِهِ. (سورة المؤمنين) قوله: (بعيد بعيد) فسَّر النُّحاةُ هيْهاتَ بالفِعل، وهو بَعُدَ، فلعلَّ البخاريَّ أراد تفسيرَه معنَى. (العادين: الملائكة) هذا قول مُجاهِد، وقال قَتَادة: هم الحَاسِبُون. (من سلالة الولد)؛ أي: لأنَّه استُلَّ من أبيه وهو مِثْل البُرَادَة، والنُّحاتَة لمَا يَتساقَطُ من الشَّيء بالبَرْد، والنَّحْت، وقيل: لآدَم سُلالةٌ، لأنه سُلَّ مِن كلِّ تُربةٍ، وهو فُعالة مِن السَّلِّ، يَأتي على التَّقليل كالنُّخامة والقُلامَة. وقال (ك): ليس الولد تفسيرًا للسُّلالة بل مبتدأٌ خبَرُه السُّلالة. * * * ٢٤ - سورة النُّورِ ﴿مِن خِلالِهِ﴾: مِنْ بَيْنِ أَضْعَافِ السَّحَابِ. ﴿سَنَا بَرْقِهِ﴾: الضِّيَاءُ. ﴿مُذْعِنِينَ﴾، يُقَالُ لِلْمُسْتَخْذِي: مُذْعِنٌ، ﴿أَشتَاتًا﴾ وَشَتَّى وَشَتَاتٌ وَشَتٌّ وَاحدٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿سُوَرةٌ أَنزلناها﴾: بَيَّنَّاها.

стр. 6000

وَقَالَ غَيْرُهُ: سُمِّيَ الْقُرآنُ؛ لِجَمَاعَةِ السُّوَرِ، وَسُمِّيَتِ السُّورَةُ؛ لأَنَّهَا مَقْطُوعَةٌ مِنَ الأُخْرَى، فَلَمَّا قُرِنَ بعْضُها إِلَى بَعضٍ، سُمِّيَ قُرآنًا. وَقَالَ سَعدُ بْنُ عِيَاضٍ الثُّمَالِيُّ: الْمِشْكَاةُ: الْكُوَّةُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾: تأْلِيفَ بَعْضِهِ إلَى بعْضٍ. ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾: فَإِذَا جَمَعْنَاهُ وَألَفْنَاهُ ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾؛ أَي: مَا جُمِعَ فِيهِ، فَاعْمَلْ بِمَا أَمَرَكَ، وَانتهِ عَمَّا نَهَاكَ اللهُ، وَيُقَالُ: لَيْسَ لِشِعْرِهِ قُرْآنٌ؛ أَيْ: تألِيفٌ، وَسُمِّيَ الْفُرْقَانَ؛ لأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَيُقَالُ لِلْمرْأَةِ مَا قَرَأَتْ بِسَلًا قَطُّ؛ أَيْ: لَم تَجْمَع فِي بَطْنها وَلَدًا. وَقَالَ (فَرَّضْنَاها): أَنْزَلْنَا فِيها فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً، وَمَنْ قَرَأَ: ﴿وَفَرَضنَاهَا﴾ يَقُولُ: فَرَضْنَا عَلَيْكمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدكم. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَوِ الطِّفلِ الذين لَم يَظهروا﴾: لَمْ يَدرُوا؛ لِمَا بِهِم مِنَ الصِّغَرِ. (سورة النُّور) قوله: (من بين أضعاف السحاب) أضعاف معجَمة، ولهذا قال غيرُه: مِن بين السَّحاب. (للمستخذي) بمهملةٍ، ومعجمتين: اسم فاعل مِن استَخذَى. قال الجَوْهري: استَخذَيتُ: خضَعتُ، وقيَّلَ: بهمزٍ، وقيل لأَعرابيٍّ في مَجلِس أبي زيدٍ: كيف تقُول استَخذَأْتُ، ليُتعرَّف منه الهمزةُ؟، قال: العرَب لا تَستخذِئُ، وهمَزَه.

стр. 6001

(مذعن) قال ابن فارِسٍ: أَذعَنَ: انقادَ، وبناؤُه ذَعِن، إلا أنَّ استعماله: أَذعَن. (الكُوة)؛ أي: بضم الكاف وفتحها. (بلسان الحبشة) لعلَّه يُريد أنَّ أصلها كلمةٌ حَبَشيَّةٌ، فاستَعملَتْها العرَب، وصارت مُعَرَّبةً. (أنزلناها: بيناها) كذا في النُّسَخ، وصوابه: أَنزلْنَاها، وفَرَضْنَاها: بَينَّاها، فبيَّنَّا تفسيرُ: فَرَضْناها، لا أَنْزلناها، ويدلُّ عليه قوله: مِن بعدُ، ويُقال في فَرَضْناها: أَنزلْنا فيها فرائضَ مختلفةً، فدلَّ على أنَّه تفسيرٌ آخَر. (السورة) أي: طائفةٌ من القُرآن أقلُّها ثلاثُ آياتٍ، وهي إما من سُور المَدينة؛ لأنَّها طائفةٌ من القُرآن محدودةٌ، أو من السُّورة التي هي المَنزلة، والرُّتْبة، أو من السُّؤر الذي هو البقيَّة، فقُلبت الهمزةُ واوًا؛ لأنَّها قِطعةٌ من القُرآن. وقيل: سُميت بذلك لشَرَفها وفَضْلها، ويُقال لكلِّ شيءٍ عمادٍ: سُورٌ. (ومن قرأ: فرضناها)؛ أي: بتخفيف الرَّاء، قال: مَعناه فرضْناها عليكم. (لم يظهروا على عورات النساء: لم يدروا) هذا قَول مُجاهِد، وقال يَزيد بن أبي حَبِيْب: لم يَبلُغوا الحُلُم. * * *

стр. 6002

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (باب: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]) ٤٧٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَهلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ عُويْمرًا أَتَى عَاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي عَجْلَانَ، فَقَالَ: كيْفَ تَقُولُونَ فِي رَجُلٍ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فتقْتُلُونَهُ، أَمْ كيْفَ يَصْنعُ؟ سَلْ لِي رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَأَتَى عَاصِمٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسَائِلَ، فَسَأَلهُ عُويْمِرٌ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، قَالَ عُويْمِرٌ: وَاللهِ لَا أَنتهِي حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَجَاءَ عُوَيْمِرٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! رَجُلٌ وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فتقْتُلُونَهُ، أَمْ كيْفَ يَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَدْ أَنْزَلَ اللهُ الْقُرْآنَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ"، فَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْمُلَاعَنَةِ بِمَا سَمَّى اللهُ فِي كتَابِهِ، فَلَاعَنَهَا، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنْ حَبَسْتُهَا فَقَدْ ظَلَمْتُهَا، فَطَلَّقَهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً لِمَنْ كَانَ بَعْدَهُمَا فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْظُرُوا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ عَظِيمَ الألْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيهَا"، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نعتَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ،

стр. 6003

فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ. (إسحاق) قال الغَسَّاني: لعلَّه ابن مَنْصور. (فسأله)؛ أي: عاصِمًا. (فيك وفي صاحبتك) ليس هذا صَريحًا في أنَّه أوَّل مَن لاعَنَ؛ لمَا سيأْتي بعدَه أنَّ هِلال بن أُمَيَّة لاعَنَ قبْل عُوَيْمِر، ولا خِلاف أنه ﷺ لم يُلاعِن إلا بينهما. (بالملاعنة) هو مُشتقٌّ من لفْظ اللَّعْن في قوله: ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧]. (في كتابه)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية [النور: ٦]. (أسْحَم) بمهملتين: مِن السُّحْمة، وهو السَّواد. (أدْعَج) هو شِدَّة سَواد العَين مع شِدَّة بياضِها. (الأليتين) بفتح الهمزة: العَجُز. (خَدلّج) بمعجمةٍ مفتوحةٍ، ومهملةٍ، ولامٍ مشدَّدةٍ، وجيمٍ، أي: غَلِيْظ، وساقٌ خَدلَّجَةٌ، أي: مَملوءةٌ. (أُحيمر) تصغير: أَحْمَر، وهو الأبيض، كذا وقَع غير مُنصرِفٍ، والصَّواب صَرْفه. (وَحَرَة) بفتح الواو المهملة، والراء: دُوَيْبَةٌ حمراءُ تَلزَق بالأَرض

стр. 6004

كالقَطَاة، قال الجَوْهَري: أكبَر من الوَزَغَة، وجمعها: وَحَرٌ، شبَّهه بها لحُمْرتها، وقِصَرها. وفيه أنه ﷺ اعتَبَر الشَّبَه في الولَد بالوالِد، ثُمَّ لم يَحكُم به، وذلك لمُعارضته ما هو أَقوى منه، وهو الفِراش، وكذا صنَع في ابن وَليْدة زَمَعَة، وإنما يُحْكم بالشَّبَه -وهو حُكْم القَافَة- إذا استَوت العَلائِق بوَاطِئَينِ في طُهْرٍ. (ينسب إلى أُمّه) في "كتاب أبي داود": (فكان -يعني: الغُلام- أَميرًا على مِصْرٍ ولا يُدعَى لأبٍ). * * * ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (باب: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور: ٧]) ٤٧٤٦ - حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ داوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأَيْتَ رَجُلًا رَأَى مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا، أَيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ، أَمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمَا مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ مِنَ التَّلَاعُنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَدْ قُضِيَ فِيكَ وَفِي امْرَأَتِكَ"، قَالَ: فَتَلَاعَنَا، وَأَنَا شَاهِدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَفَارَقَهَا، فَكَانَتْ سُنَّةً أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ، وَكَانَتْ حَامِلًا، فَأَنْكَرَ حَمْلَهَا، وَكَانَ ابْنُهَا

стр. 6005

يُدْعَى إِلَيْهَا، ثُمَّ جَرَتِ السُّنَّةُ فِي الْمِيرَاثِ أَنْ يَرِثَهَا، وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللهُ لَهَا. معنى الحديث فيه يُعرف مما سبَق. * * * ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (باب: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: ٨]) ٤٧٤٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْبيِّنَةَ أَوْ حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ! " فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا، يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "الْبيِّنَةَ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ! " فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ هِلَالٌ، فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ " ثُمَّ قَامَتْ، فَشَهِدَتْ، فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ، وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فتلَكَّأَتْ وَنكًصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ،

стр. 6006

فَمَضَتْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَبْصِرُوهَا؛ فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ سَابغَ الأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهْوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ"، فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كتَابِ اللهِ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ". (أن هلال) قيل: لم يَذكُر هلالًا في هذا إلا هِشَام، وهو غلَطٌ، والدَّليل عليه أنَّ القاسِم بن محمَّد رَوى هذا الحديثَ عن ابن عبَّاس، فذكَر فيه العَجْلانيَّ، وكذلك ذكَر ابنُ عُمر العَجْلانيَّ في حديث اللِّعان كما ذكَر سَهْل بن سَعْدٍ، فاتفقَت الطُّرُق على العَجْلاني، وهو عُوَيْمِر، فصحَّ بذلك غلَطُ هِشَام، وأيضَا فإنَّ هِشَامًا ذكَر شَرِيْك بن سَحْماء، ولم يَرِد في طُرُق البخاري ذلك. وعلى تقدير صحَّتهما معًا مع تَنافيهما فإنَّ كلًّا يَقتضي أنَّ ذاك هو الذي نزَلت فيه الآيةُ، وقضَى فيه، فنقول: قال (ن): اختُلف في نزُول آية اللِّعان هل هي في هِلال، أو عُوَيْمِر؟، الأكثرَ على أنَّه هِلال، وقوله ﷺ لعُوَيْمِر: (أَنْزَل اللهُ فيكَ وفي صاحِبَتِك)، فقالوا: مَعناهُ الإشارةُ إلى ما نزَل في هلال؛ لأنَّ الحُكْمَ عامٌّ لجميع الناس. قال: قلتُ: ويَحتمل أنَّها نزلتْ فيهما جميعًا، سأَلا في وقتَين مُتقاربَين، فنَزلت الآيةُ فيهما، وسبَق هلالٌ باللِّعان. (البينة) نصب بفِعل مُضمَرٍ، أي: أَحضِرْ، ويُروى بالرفع. (فشهد)؛ أي: شَهاداتِ اللِّعان.

стр. 6007

(موجبة)؛ أي: للعَذاب الأَليم إنْ كانت كاذبةً. (فتلكأت)؛ أي: تَباطَأَتْ عنه. (ونكصت)؛ أي: تأَخَّرتْ، وأَحجَمتْ. (فمضت)؛ أي: في تَمام اللِّعان. (أكحل) هو أنْ يَعلُوَ جفْنَ العين سَوادٌ كالكُحل من غير تكحُّلٍ. (سابغ) بمهملةٍ، ومعجمةٍ آخرَه: هو التَّامُّ الضَّخْم. (شأن) يُريد: الرَّجم، أي: لولا أنَّ الشارع أسقَط الرَّجْم عنها لحكَمتُ بمقتضى المُشابهة ورجَمتُها. * * * ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (باب: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]) ٤٧٤٨ - حَدَّثَنَا مُقَدَّمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَمِّي الْقَاسِمُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، وَقَدْ سَمِعَ مِنْهُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَجُلًا رَمَى امْرَأتَهُ، فَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فتلَاعَنَا كَمَا قَالَ اللهُ، ثُمَّ قَضَى بِالْوَلَدِ لِلْمَرْأَةِ، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ. (وفرق بين المتلاعنين) قال (ن): اختَلَفوا في الفُرقة باللِّعان؛

стр. 6008

فقال الشَّافعية: تَحصُل بنفْس اللِّعان، ولا يَحتاج إلى طلاقٍ، وإنَّما طلَّقَها؛ لأنَّه ظَنَّ أن اللِّعان لَم يُحرِّمْها عليه، فأراد تَحريمَها بالطَّلاق. وقال (خ): احتَجَّ بقوله: (فَرَّق) مَن يَرى فُرقة اللِّعان غير واقعةٍ حتى يُفرِّق بينهما الحاكمُ، ومَن أوقعَها بنفْس الطَّلاق يَزعُم أنَّه إخبارٌ عن الفُرقة المتقدِّمة الواقِعَة، وإنما أُضيف التَّفريق إلى رسولِ الله ﷺ ؛ لأنَّ اللِّعان قد جرَى بحُضوره. قال: وفيه أنَّ الزَّوج إذا قذَف زوجتَه برجلٍ، ثم تَلاعنا سقَط عنه الحَدُّ؛ إذ لم يُروَ أنَّه ﷺ عرَّضَ لهلالٍ بعُقوبةٍ، ولا أنَّه عفَا عنه شَريكٌ. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أفَاكٌ: كَذَّابٌ. (باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ [النور: ١١]) ٤٧٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ قَالَتْ: عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ بْنُ سَلُولَ. سبَق في (الشَّهادات) قِصَّة الإِفْك، وتَكرَّرت كثيرًا.

стр. 6009

﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (باب: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ [النور: ١٦]) ٤٧٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَّأَهَا اللهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلٌّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَدِيثِ، وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضٍ؛ الَّذِي حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَمَا نزَلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي، وَأُنْزَلُ فِيهِ، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ غَزْوَتهِ تِلْكَ وَقَفَلَ، وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ

стр. 6010

الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي، أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدِ انْقَطَعَ، فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، وَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ، وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي، فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ، وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يُثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا تأْكُلُ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدجَ حِينَ رَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَمَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجئْتُ مَنَازِلَهُمْ، وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجيبٌ، فَأَمَمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُوني، فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي، غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَدْلَجَ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ، فَأَتَانِي، فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ يَرَانِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجلْبَابِي، وَاللهِ مَا كلَّمَنِي كلِمَةً، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، حَتَّى أَناَخَ رَاحِلَتَهُ، فَوَطِئَ عَلَى يَدَيْهَا، فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَمَا نزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإفْكَ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بْنَ سَلُولَ، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الإِفْكِ، لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ،

стр. 6011

وَهْوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي: أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ اللَّطَفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتكِي، إِنَّمَا يَدْخُل عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَيُسَلِّمُ، ثُمَّ يَقُولُ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ " ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَاكَ الَّذِي يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَمَا نَقَهْتُ، فَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَهْوَ مُتَبَرَّزُنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتنَا، وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَكُنَّا نتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتنَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهْيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي، قَدْ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا، فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ! فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ! أتسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟ قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ! أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: وَمَا قَالَ؟ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي، وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ تَعْنِي: سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ تِيكُمْ؟ " فَقُلْتُ: أتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَجئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي: يَا أُمَّتَاهْ! مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ! هَوِّنِي عَلَيْكَ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ:

стр. 6012

فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللهِ! وَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ؛ يَسْتَأْمِرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نفسِهِ مِنَ الْوُدِّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَهْلَكَ، وَمَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَمْ يُضَيِّقِ اللهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ، قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَرِيرَةَ فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ! هَلْ رَأَيْتِ عَلَيْهَا مِنْ شَيْءِ يَرِيبُكِ؟ " قَالَتْ بَرِيرَةُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أكثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجينِ أَهْلِهَا، فتأَتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكلُهُ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ بْنِ سَلُولَ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؟ فَوَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي". فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنَ الأَوْسِ، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنَ الْخَزْرجِ، أَمَرْتَنَا، فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ،

стр. 6013

قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهْوَ سَيِّدُ الْخَزْرجَ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنِ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ! لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، وَهْوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللهِ! لَنَقْتُلَنَّهُ؛ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، فتثَاوَرَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: فَمَكُثْتُ يَوْمِي ذَلِكَ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، قَالَتْ: فَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي -وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا؛ لَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، وَلَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ- يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، قَالَتْ: فَبَيْنَمَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أبكِي، فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ، دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِس عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي، قَالَتْ: فتشَهَّدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ! فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللهُ، وَإِنْ كنْتِ ألمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ، ثُمَّ تَابَ إِلَى اللهِ، تَابَ اللهُ عَلَيْهِ"، قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَقَالَتَهُ، قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِيمَا

стр. 6014

قَالَ. قَالَ: وَاللهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ لأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ ﷺ . قَالَتْ: مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ! قَالَتْ: فَقُلْتُ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ: إِنِّي وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ، وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي بَرِيئَةٌ -وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ- لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَئِنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ -وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ- لتصَدِّقُنِّي، وَاللهِ مَا أَجِدُ لَكُمْ مَثَلًا إِلَّا قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللهِ مَا كنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، وَلَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللهُ فِيَّ بِأَمْرٍ يُتْلَى، وَلَكِنْ كنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللهُ بِهَا، قَالَتْ: فَوَاللهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأَخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنَ الْعَرَقِ، وَهْوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، سُرِّيَ عَنْهُ وَهْوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا: "يَا عَائِشَةُ! أَمَّا اللهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ"، فَقَالَتْ أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ! لَا أقومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إِلَّا اللهَ ، وَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ

стр. 6015

عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ﴾ الْعَشْرَ الآيَاتِ كلَّهَا، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ هَذَا فِي بَرَاءَتِي، قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ -وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحِ بْنِ أثاثَةَ؛ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ، وَفَقْرِهِ-: وَاللهِ لَا أنفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ مَا قَالَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، وَاللهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لِي، فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: وَاللهِ لَا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْأَلُ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي، فَقَالَ: "يَا زَيْنَبُ! مَاذَا عَلِمْتِ أَوْ رَأَيْتِ؟ " فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي، مَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَتْ: وَهْيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاج رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَعَصَمَهَا اللهُ بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَهَا، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحَابِ الإفْكِ. فيه حديث الإفْك أيضًا بطُوله. ومما يُذكَر هنا أنَّ زَينَب بنت جَحْش حين ذاك كان تَزوَّجَها النبيُّ ﷺ ، أو قبْل أن يَتزوَّجها، والظَّاهر الأول؛ لأنَّها كانت تُساميها، وذلك غالبًا في الضَّرَّتَين. (أُمّ مسطح بنت أبي رهم بن عبد مناف) صَوابه: أَبي رهْمِ بن المُطَّلِب بن عَبد مَنَافٍ.

стр. 6016

(يريبني) كذا في بعض النُّسَخ، وفي أكثَرها: (مُرِيْبُنِي) بميمٍ في أوله. قال السَّفَاقُسي: وهو غير بَيِّنٍ؛ لأنَ نون الوِقاية إنما تدخُل في الأفعال؛ لتَسلَم من الكسر، والأسماء تُكسَر. قال (ش): قد تدخُل مع اسم الفاعِل كقوله: وَليْسَ المُوافِيْنِي * * * ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿تَلَقَّوْنَهُ﴾: يَرْوِيهِ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ، ﴿تُفِيضُونَ﴾: تَقُولُونَ. (باب: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النور: ١٤]) قوله: (تلقونه: يرويه بعضكم عن بعض) هذا التَّفسير لمَفتوح اللام مع تشديد القاف، وهي قِراءة الجمهور، وقراءة عائشة بكسر اللام وتخفيف القاف المَضمومة، مِن وَلَقَ الرَّجُل: إذا كذَبَ. قال ابن سِيْدَه: جاؤوا بالمُتعدِّي شاهدًا على غَير المُتعدِّي، والظاهر أنَّه أرادَ: يَلقَونَ منه، فحُذف الحرف.

стр. 6017

وقال الطَّبَري: إنَّه مأْخوذٌ مِن الوَلَق، وهو الإسراع في الشَّيء بعد الشَّيء ككلامٍ بعد كلامٍ. * * * ٤٧٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ أُمِّ رُومَانَ أُمِّ عَائِشَةَ أنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا رُمِيَتْ عَائِشَةُ خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْهَا. (عن أُمّ رُومان) الأصحُّ أنَّ مَسْرُوقًا سَمِعَ أُمَّ رُومان، وسبَق بيانُ ذلك. (مَغْشيًّا) قال السَّفَاقُسي: صَوابه: مَغشيَّةً. قال (ش): هو على تقدير الحَذْف، أي: عليها، فلا معنى للتَّأْنيث. * * * ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ (باب: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور: ١٥]) ٤٧٥٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا هشَامٌ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقْرَأُ (إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ).

стр. 6018

وسبَق آنِفًا شَرْحُ قراءة عائشة. * * * ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (باب: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا﴾ [النور: ١٦]) قوله: (اللجة معظم البحر) يُريد أنَّه مَنْسوبٌ إلى اللُّجَّة، وهو وسَط البَحْر. ٤٧٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَبْلَ مَوْتهَا عَلَى عَائِشَةَ، وَهْيَ مَغْلُوبَةٌ، قَالَتْ: أَخْشَى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ، فَقِيلَ: ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَتِ: ائْذَنُوا لَهُ، فَقَالَ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ قَالَتْ: بِخَيْرٍ إِنِ اتَّقَيْتُ، قَالَ: فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللهُ؛ زَوْجَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ. وَدَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ خِلَافَهُ، فَقَالَتْ: دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَثْنَى عَلَيَّ، وَوَدِدْتُ أَنِّي كنْتُ نِسْيًا مَنْسِيًّا. الحديث الأول: (مغلوبة)؛ أي: بالمَرَض. (أخشى)؛ أي: لأَنَّ الثَّناء يُورِث العجَب.

стр. 6019

(تجدينك) الفاعل والمفعول ضميران لواحدٍ، وهو من خَصائص أفعال القُلوب، فإنْ قيل: من خصائصه أيضًا أنْ لا يُقتصَر على أحَد المَفعولين بالذِّكْر؟ قيل: إذا كان الفاعل والمَفعول عبارة عن شيءٍ واحدٍ جازَ الاقتِصارُ. قال في "الكشَّاف" في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩]: هو في الأَصْل مبتدأٌ، فيُحذف كما يُحذَف المُبتدأ. وله تَحقيقٌ ذكَرناه مِرارًا. (إن اتقيت)؛ أي: إنْ كُنت مِن أهل التَّقوى. (خلافه)؛ أي: خُلفَه مُتخالفَين ذهابًا وإيابًا، أي: وافَق رُجوعُه مَجيئه. * * * ٤٧٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجيدِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ الْقَاسِم: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ اسْتَأْذَنَ عَلَى عَائِشَةَ نحوَهُ. وَلَمْ يَذْكُرْ: نِسْيًا مَنْسِيًّا. الثاني: كالذي قبلَه. * * *

стр. 6020

﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ (باب: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ [النور: ١٧]) ٤٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: جَاءَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا، قُلْتُ: أتأْذَنِينَ لِهَذَا؟ قَالَتْ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَصَابَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ؟ قَالَ سُفْيَانُ: تَعْنِي: ذَهَابَ بَصَرِهِ، فَقَالَ: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ قَالَتْ: لَكِنْ أَنْتَ. (عذاب) إشارةٌ إلى ما في الآية: ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]، يعني: وصَل إلى جَزائه صارَ ضَريرًا، وبيت حَسَّان: حَصَانٌ رَزَانٌ ... إلى آخِره، سبَق في (المَغازي). * * * ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ باب: ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ [النور: ١٨] ٤٧٥٦ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلَ

стр. 6021

حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى عَائِشَةَ، فَشَبَّبَ وَقَالَ: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ قَالَتْ: لَسْتَ كَذَاكَ، قُلْتُ: تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾؟ فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ وَقَالَتْ: وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . (يُشبب) التَّشبيب: إنْشاد الشِّعر على وَجْه الغَزَل. (تدعين)؛ أي: تَترُكين. (يرد)؛ أي: يُدافِع هَجْوَ الكفَّار لرسول الله ﷺ يَهجُوهم، ويَذُبُّ عنه. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ﴾، ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩]) ٤٧٥٧ - وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي

стр. 6022

أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيَّ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي، وَايْمُ اللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءً، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَلَا يَدْخُلُ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي"، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ نَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْخَزْرجَ، وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ رَهْطِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: كَذَبْتَ، أَمَا وَاللهِ، أَنْ لَوْ كَانُوا مِنَ الأَوْسِ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ، حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَج شَرٌّ فِي الْمَسْجدِ، وَمَا عَلِمْتُ، فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ، فَعَثَرَتْ وَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ: أَيْ أُمِّ! تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ وَسَكَتَتْ، ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّانِيَةَ فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّالِثَةَ فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَانتهَرْتُهَا، فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا أَسُبُّهُ إِلَّا فِيكِ، فَقُلْتُ: فِي أَيِّ شَأْنِي؟ قَالَتْ: فَبَقَرَتْ لِي الْحَدِيثَ، فَقُلْتُ: وَقَدْ كَانَ هَذَا؟ قَالَتْ: نعمْ وَاللهِ، فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي كأَنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لَا أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَوُعِكْتُ، فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أَبِي، فَأَرْسَلَ مَعِي الْغُلَامَ، فَدَخَلْتُ الدَّارَ، فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ فِي السُّفْلِ وَأَبَا بَكْرٍ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ، فَقَالَتْ أُمِّي: مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ؟ فَأَخْبَرْتُهَا وَذَكَرْتُ لَهَا الْحَدِيثَ، وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مِثْلَ مَا بَلَغَ

стр. 6023

مِنِّي، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ! خَفِّضِي عَلَيْكِ الشَّأْنَ، فَإِنَّهُ وَاللهِ، لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُل يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا حَسَدْنها وَقِيلَ فِيهَا، وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي، قُلْتُ: وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟ قَالَتْ: نعمْ، قُلْتُ: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ نعمْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَاسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي وَهْوَ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ، فَنَزَلَ فَقَالَ لأُمِّي: مَا شَأْنُها؟ قَالَتْ: بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا، فَفَاضَتْ عَيْنَاه، قَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ -أَيْ بُنَيَّةُ- إِلَّا رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ، فَرَجَعْتُ، وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتِي، فَسَأَلَ عَنِّي خَادِمَتِي فَقَالَتْ: لَا وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ خَمِيرَهَا أَوْ عَجينَهَا، وَانتهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ! وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ. وَبَلَغَ الأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! وَاللهِ مَا كشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللهِ. قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، فَلَمْ يَزَالَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ وَقَدِ اكتَنَفَنِي أَبَوَايَ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شمَالِي، فَحَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ: إِنْ كنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا أَوْ ظَلَمْتِ فَتُوبِي إِلَى اللهِ، فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ"، قَالَتْ: وَقَدْ جَاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَهْيَ جَالِسَةٌ بِالْبَابِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَسْتَحِي مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا، فَوَعَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَالْتَفَتُّ إِلَى أَبِي فَقُلْتُ:

стр. 6024

أَجِبْهُ، قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ؟ فَالْتَفَتُّ إِلَى أُمِّي فَقُلْتُ: أَجِيبِيهِ، فَقَالَتْ: أَقُولُ مَاذَا؟ فَلَمَّا لَمْ يُجيبَاهُ تَشَهَّدْتُ، فَحَمِدْتُ اللهَ وَأثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَّا بَعْدُ فَوَاللهِ لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ، وَاللهُ يَشْهَدُ إِنِّي لَصَادِقَةٌ، مَا ذَاكَ بِنَافِعِي عِنْدكُمْ، لَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ بهِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُكُمْ، وَإنْ قُلْتُ: إِنِّي فَعَلْتُ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ، لتَقُولُنَّ: قَدْ بَاءَتْ بِهِ عَلَى نَفْسِهَا، وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا -وَالْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ- إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، وَأُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ سَاعَتِهِ، فَسَكَتْنَا، فَرُفِعَ عَنْهُ وإنِّي لأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ، وَهْوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ وَيَقُولُ: "أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ بَرَاءَتَكِ"، قَالَتْ: وَكُنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَبًا، فَقَالَ لِي أَبَوَايَ: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُهُ، وَلَا أَحْمَدُكُمَا، وَلَكِنْ أَحْمَدُ اللهَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ، فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلَا غَيَّرْتُمُوهُ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: أَمَّا زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَعَصَمَهَا اللهُ بِدِينِهَا، فَلَمْ تَقُلْ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا أُخْتُهَا حَمْنَةُ فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي يتكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحٌ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالْمُنَافِقُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَهْوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهْوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَحَمْنَةُ، قَالَتْ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ؛ يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ، ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ يَعْنِي: مِسْطَحًا، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ

стр. 6025

غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللهِ يَا رَبَّنَا إِنَّا لنحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا، وَعَادَ لَهُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ. قوله: (أبنوا أهلي) بموحَّدةٍ، ونونٍ خفيفتَين، أي: اتَّهمُوهم وذَكَرُوهم بالسُّوء، وفي بعضها بتشديد المُوحَّدة، وفي بعضها بتقديم النُّون المشددة، أي: وبَّخُوهم، ولامُوهم. قال (ع): وهو تصحيفٌ؛ فإنَّ هذا ليس مَوضعَ اللَّوم. (فقام سعد بن عُبادة) هذا وهمٌ من أبي أُسامة، أو مِن هِشَام، والمَحفوظ: سَعْد بن مُعَاذ، والذي عارضَه سَعْد بن عُبادة، وقد تقدَّم بيانُه قريبًا. (فنقرت) بنونٍ، وقافٍ مشددةٍ، أي: أَظهَرتْ، وقَرَّرتْ لِعُجَرِه وبُجَره. (لا أجد منه) فقد تقدَّمَ آنفًا أنَّه كان بعدَ قَضاء الحاجَة حيث قالتْ: قَد فَرَغْنا مِن شأْنِنا، وجوابُه: أنَّ غرَضَها أنِّي دُهشتُ بحيث ما عَرفتُ لأَيِّ أمرٍ خَرجتُ من البَيت. (وَوُعكت) بضم الواو: صِرْتُ مَحمومةً. (فأرسل معي الغلام) هذا زائدٌ على السِّيَاق السَّابِق إلى قولها: (فقالتْ أُمِّي: ما جاءَ بكِ يا بُنَيَّةُ). قال الدَّاوُدي: في قولها: (لم تَبلُغ منْها مثْل ما بلَغ منِّي) معانٍ منها: أنَّ أُمَّ رُومان لسِنّها قد مارسَتْ مِن الرَّزايَا ما هَوَّن عليها ذلك.
следующие страницы →