Полный текст (8 898 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ عَلَى عَائِشَةَ، فَشَبَّبَ وَقَالَ:
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
قَالَتْ: لَسْتَ كَذَاكَ، قُلْتُ: تَدَعِينَ مِثْلَ هَذَا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾؟ فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمَى؟ وَقَالَتْ: وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
(يُشبب) التَّشبيب: إنْشاد الشِّعر على وَجْه الغَزَل.
(تدعين)؛ أي: تَترُكين.
(يرد)؛ أي: يُدافِع هَجْوَ الكفَّار لرسول الله ﷺ يَهجُوهم، ويَذُبُّ عنه.
* * *
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ﴾، ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
(باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [النور: ١٩])
٤٧٥٧ - وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي
стр. 6022
أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِيَّ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ: أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهْلِي، وَايْمُ اللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءً، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ، وَلَا يَدْخُلُ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي"، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، فَقَالَ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ نَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْخَزْرجَ، وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ رَهْطِ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: كَذَبْتَ، أَمَا وَاللهِ، أَنْ لَوْ كَانُوا مِنَ الأَوْسِ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ، حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَج شَرٌّ فِي الْمَسْجدِ، وَمَا عَلِمْتُ، فَلَمَّا كَانَ مَسَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ، فَعَثَرَتْ وَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ: أَيْ أُمِّ! تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ وَسَكَتَتْ، ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّانِيَةَ فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَهَا: تَسُبِّينَ ابْنَكِ؟ ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّالِثَةَ فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَانتهَرْتُهَا، فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا أَسُبُّهُ إِلَّا فِيكِ، فَقُلْتُ: فِي أَيِّ شَأْنِي؟ قَالَتْ: فَبَقَرَتْ لِي الْحَدِيثَ، فَقُلْتُ: وَقَدْ كَانَ هَذَا؟ قَالَتْ: نعمْ وَاللهِ، فَرَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي كأَنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لَا أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا، وَوُعِكْتُ، فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتِ أَبِي، فَأَرْسَلَ مَعِي الْغُلَامَ، فَدَخَلْتُ الدَّارَ، فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومَانَ فِي السُّفْلِ وَأَبَا بَكْرٍ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ، فَقَالَتْ أُمِّي: مَا جَاءَ بِكِ يَا بُنَيَّةُ؟ فَأَخْبَرْتُهَا وَذَكَرْتُ لَهَا الْحَدِيثَ، وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مِثْلَ مَا بَلَغَ
стр. 6023
مِنِّي، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ! خَفِّضِي عَلَيْكِ الشَّأْنَ، فَإِنَّهُ وَاللهِ، لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأةٌ حَسْنَاءُ عِنْدَ رَجُل يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ، إِلَّا حَسَدْنها وَقِيلَ فِيهَا، وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهَا مَا بَلَغَ مِنِّي، قُلْتُ: وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟ قَالَتْ: نعمْ، قُلْتُ: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ نعمْ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَاسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي وَهْوَ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ، فَنَزَلَ فَقَالَ لأُمِّي: مَا شَأْنُها؟ قَالَتْ: بَلَغَهَا الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِهَا، فَفَاضَتْ عَيْنَاه، قَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ -أَيْ بُنَيَّةُ- إِلَّا رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ، فَرَجَعْتُ، وَلَقَدْ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْتِي، فَسَأَلَ عَنِّي خَادِمَتِي فَقَالَتْ: لَا وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَيْبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ فَتَأْكُلَ خَمِيرَهَا أَوْ عَجينَهَا، وَانتهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ، فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللهِ! وَاللهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرِ. وَبَلَغَ الأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ! وَاللهِ مَا كشَفْتُ كَنَفَ أُنْثَى قَطُّ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللهِ. قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، فَلَمْ يَزَالَا حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ وَقَدِ اكتَنَفَنِي أَبَوَايَ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شمَالِي، فَحَمِدَ اللهَ وَأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ: إِنْ كنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا أَوْ ظَلَمْتِ فَتُوبِي إِلَى اللهِ، فَإِنَّ اللهَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ"، قَالَتْ: وَقَدْ جَاءَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَهْيَ جَالِسَةٌ بِالْبَابِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَسْتَحِي مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا، فَوَعَظَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَالْتَفَتُّ إِلَى أَبِي فَقُلْتُ:
стр. 6024
أَجِبْهُ، قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ؟ فَالْتَفَتُّ إِلَى أُمِّي فَقُلْتُ: أَجِيبِيهِ، فَقَالَتْ: أَقُولُ مَاذَا؟ فَلَمَّا لَمْ يُجيبَاهُ تَشَهَّدْتُ، فَحَمِدْتُ اللهَ وَأثْنَيْتُ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قُلْتُ: أَمَّا بَعْدُ فَوَاللهِ لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ، وَاللهُ يَشْهَدُ إِنِّي لَصَادِقَةٌ، مَا ذَاكَ بِنَافِعِي عِنْدكُمْ، لَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ بهِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُكُمْ، وَإنْ قُلْتُ: إِنِّي فَعَلْتُ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ، لتَقُولُنَّ: قَدْ بَاءَتْ بِهِ عَلَى نَفْسِهَا، وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا -وَالْتَمَسْتُ اسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَيْهِ- إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، وَأُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ سَاعَتِهِ، فَسَكَتْنَا، فَرُفِعَ عَنْهُ وإنِّي لأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ، وَهْوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ وَيَقُولُ: "أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ بَرَاءَتَكِ"، قَالَتْ: وَكُنْتُ أَشَدَّ مَا كُنْتُ غَضَبًا، فَقَالَ لِي أَبَوَايَ: قُومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُهُ، وَلَا أَحْمَدُكُمَا، وَلَكِنْ أَحْمَدُ اللهَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي، لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ، فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلَا غَيَّرْتُمُوهُ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: أَمَّا زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَعَصَمَهَا اللهُ بِدِينِهَا، فَلَمْ تَقُلْ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا أُخْتُهَا حَمْنَةُ فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي يتكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحٌ، وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالْمُنَافِقُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَهْوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهْوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَحَمْنَةُ، قَالَتْ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لَا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أَبَدًا، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ؛ يَعْنِي: أَبَا بَكْرٍ، ﴿أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ﴾ يَعْنِي: مِسْطَحًا، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ
стр. 6025
غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى وَاللهِ يَا رَبَّنَا إِنَّا لنحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا، وَعَادَ لَهُ بِمَا كَانَ يَصْنَعُ.
قوله: (أبنوا أهلي) بموحَّدةٍ، ونونٍ خفيفتَين، أي: اتَّهمُوهم وذَكَرُوهم بالسُّوء، وفي بعضها بتشديد المُوحَّدة، وفي بعضها بتقديم النُّون المشددة، أي: وبَّخُوهم، ولامُوهم.
قال (ع): وهو تصحيفٌ؛ فإنَّ هذا ليس مَوضعَ اللَّوم.
(فقام سعد بن عُبادة) هذا وهمٌ من أبي أُسامة، أو مِن هِشَام، والمَحفوظ: سَعْد بن مُعَاذ، والذي عارضَه سَعْد بن عُبادة، وقد تقدَّم بيانُه قريبًا.
(فنقرت) بنونٍ، وقافٍ مشددةٍ، أي: أَظهَرتْ، وقَرَّرتْ لِعُجَرِه وبُجَره.
(لا أجد منه) فقد تقدَّمَ آنفًا أنَّه كان بعدَ قَضاء الحاجَة حيث قالتْ: قَد فَرَغْنا مِن شأْنِنا، وجوابُه: أنَّ غرَضَها أنِّي دُهشتُ بحيث ما عَرفتُ لأَيِّ أمرٍ خَرجتُ من البَيت.
(وَوُعكت) بضم الواو: صِرْتُ مَحمومةً.
(فأرسل معي الغلام) هذا زائدٌ على السِّيَاق السَّابِق إلى قولها: (فقالتْ أُمِّي: ما جاءَ بكِ يا بُنَيَّةُ).
قال الدَّاوُدي: في قولها: (لم تَبلُغ منْها مثْل ما بلَغ منِّي) معانٍ منها: أنَّ أُمَّ رُومان لسِنّها قد مارسَتْ مِن الرَّزايَا ما هَوَّن عليها ذلك.
стр. 6026
(أقسمت عليك يا بُنيّة إلا رجعت) هذا مثْل: نشَدتُك بالله إلا ما فَعلتَ، أي: ما أَطلُب منك إلا رُجوعَك إلى بَيتِ رسول الله ﷺ .
(فقالت)؛ أي: الخادِم، وهو يُطلَق على الذَّكَر والأُنثى، والمُراد به: بَرِيْرَة.
(أسقطوا لها به) السَّقَط، والسُّقَاط: الخَطَأ من القَول، أي: حتى أتوا السَّقَط مِن القَول في حقِّها بسبَب ذلك، وأصل الكلام: سقَطُوا لها به، قاله بعضُهم.
قال (ع): أسقَطُوا لها به، كذا أثْبتْناه وحَفِظناه عن شُيوخنا، أي: أتوا بسُؤالها بسَقَطٍ من الكلام، والضَّمير في (به) عائدٌ إلى الانتِهار، أو السُّؤال.
وقيل: إنَّهم صرَّحوا بذلك مِن قولهم: سقَطْتُ على الأمر: إذا عَلِمته، وفي بعضها: (إلهابةً) بلفْظ المصدر مِن اللَّهَب، وفي بعضها: (لَهَاتَها)، واللَّهَاة هي سَقْف الفَمِ.
والمَضبوط من الشُّيوخ هو الأوَّل.
(كنف أُنثى) ما جامعتُ امرأةً، وقيل: كان حَصُورًا، وقيل: أرادَ عن حَرامٍ.
(قارفت) بقافٍ، وراءٍ، وفاءٍ، أي: كسَبتُ.
(تذكر)؛ أي: المَرأة شيئًا على حسَب فَهْمها لا يَليق بجَلالَة حُرمتِك، أو أنتَ يا رسولَ الله.
стр. 6027
(أقول ماذا) الاستِفهام له الصَّدر، فالفعل مقدَّرٌ بعدَه.
وقال ابن مالك: فيه شاهدٌ على أنَّ (ما) الاستِفهاميَّةُ إذا رُكبتْ مع (ذا) تُفارِق وُجوبَ التَّصدير، فتعمَل فيما قبلَها رفْعًا ونصبًا، فالرفْع كقولهم: كان ماذَا؟ والنَّصب: كقول أُمِّ المُؤمنين: أَقولُ ماذا؟ وأجازَ بعض العُلماء وقوعَها تَمييزًا.
(باءت به)؛ أي: أقرَتْ به.
(أشد ما كنت غضبًا) هو مِثْل: أخَطَبُ ما يكونُ الأميرُ قائمًا.
(يستوشيه)؛ أي: يَطلُب ما عندَه ليَزيدَه، ويُريبَه.
وقد ذكَر البخاريُّ في (كتاب الاعتصام): أنَّه جلَد الرُّماة، وحكَم فيهم بما أَمَر اللهُ تعالى.
(ولا يأتل)؛ أي: لا يَحلِفْ، مِن ائْتلَى: إذا حلَفَ، فكلمة (لا) مقدَّرةٌ، أي: أنْ لا يُؤتُوا، أو مِن قولهم: ما ألوتُ جُهدًا، أي: لم يَدَّخِر منه شيئًا، ولم يُقصِّرْ فيه، ولا حاجةَ إلى تقديرها.
* * *
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾
(باب: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١])
٤٧٥٨ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونس، قَالَ
стр. 6028
ابْنُ شِهَابٍ: عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللهُ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهِ.
٤٧٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِم، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ كَانَتْ تَقُولُ: لَمَّا نزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ فَشَقَّقْنَهَا مِنْ قِبَلِ الْحَوَاشِي، فَاخْتَمَرْنَ بِهَا.
الحديث الأول، والثاني:
(نساء المهاجرات)؛ أي: النِّساء المُهاجرات، نَحو: شَجَرُ الأَراكِ، أي: شجرٌ هو الأَراكُ.
(أُزرهن) الإزَار: المُلاءَة بضمِّ الميم، وخِفَّة اللام، والمَدِّ، أي: المِلْحَفة.
* * *
٢٥ - الْفُرْقَانِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾: مَا تَسْفِي بِهِ الرَّيحُ. ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾: مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿سَاكِنًا﴾: دائِمًا. ﴿عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾: طُلُوعُ الشَّمْسِ. ﴿خِلْفَةً﴾: مَنْ فَاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ عَمَلٌ
стр. 6029
أَدْركَهُ بِالنَّهَارِ، أَوْ فَاتَهُ بِالنَّهَارِ أَدْركَهُ بِاللَّيْلِ. وَقَالَ الْحَسَنُ ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَمَا شَيْءٌ أَقَرَّ لِعَيْنِ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَرَى حَبِيبَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿ثُبُورًا﴾: وَيْلًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: السَّعِيرُ مُذَكَّرٌ، وَالتَّسَعُّرُ وَالاِضْطِرَامُ: التَّوَقُّدُ الشَّدِيدُ. ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾: تُقْرَأُ عَلَيْهِ، مِنْ: أَمْلَيْتُ وَأَمْلَلْتُ، الرَّسُّ: الْمَعْدِنُ، جَمْعُهُ: رِسَاسٌ. ﴿مَا يَعْبَؤُاْ﴾، يُقَالُ: مَا عَبَأْتُ بِهِ شَيْئًا: لَا يُعْتَدُّ بِهِ. ﴿غَرَامًا﴾: هَلَاكًا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَعَتَوْا﴾: طَغَوْا. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: عَتَتْ عَنِ الْخُزَّانِ.
(سورة الفُرقان)
قوله: (هباء منثورًا: ما تسفي به الريح)، ويُقال أيضًا على شُعاع الشَّمس الذي يدخُل من الكُوةِ، وهباءٌ جمع: هَباءَة.
(مد الظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) قال ابن عَطِيَّة: تظاهرَتْ أقوال المُفسِّرين على هذا، وهو مُعترَضٌ بأنَّ ذلك في غير نهارٍ، بل في بَقايا ليلٍ، لا يُقال له: ظِلٌّ، ثم لا خُصوصيَّة لهذا الوقْت، بل مِن بَعد مَغيب الشمس مُدَّةَ يسيرةً، فإنَّ في هذا الوقْت على الأرض كلِّها ظِلٌّ مَمدودٌ مع أنَّه في نهَارٍ، وفي سائر أوقات النَّهار ظِلالٌ مُتقطِّعةٌ.
(ساكنًا)؛ أي: دائمٌ غير زائلٍ، وقيل: لاصِقًا بأصْل الجِدار غير مُنبسِط.
(دليلًا)؛ أي: طُلوع الشمس دليلٌ على حُصول الظّلِّ، وقيل:
стр. 6030
الشمس دليلٌ للنَّاس على أحوال الظِّلِّ، فيَستعينُون فيه على حاجاتِهم.
(خلفة: من فاته من الليل) إلى آخره، هذا التفسير تُؤيِّده رواية مسلم من حديث عُمَر مَرفوعًا: "مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِه مِنَ اللَّيلِ، أو عَنْ شيءٍ منهُ؛ فقَرأ ما بين صَلاةِ الفَجْر وصَلاةِ الظُّهْر كُتِبَ له كأنَّما قَرأَهُ باللَّيل".
وقال: أبو عُبيدة: أي: يَجيء الليلُ بعد النهار، والنهارُ بعد الليل، يَخلُف منه، وجعلَهما خِلْفَةً، وهما اثنان؛ لأنَّ الخِلْفة مصدرٌ، يكون للمُفرد، والمُذكَّر، وفُروعهما بلفْظٍ واحدٍ.
(ثبورًا: ويلًا)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣]، ودُعاؤه أنْ يُقال: واثُبوراه، أي: تَعالَ يا ثُبُورُ، فهذا حِينُك وزمانُك.
وقيل: الثُّبُور: الهَلاك.
(وقال غيره) هو قَول أبي عُبَيدة في "المَجاز"، وكذا قوله في الشُّعَراء، وقال غيرُه: شِرْذِمةٌ: طائفةٌ قليلةٌ.
(السَّعير: مذكر) المَشهور أنَّ السَّعير مؤنثٌ، قال تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، قيل: يَحتمل عَود الضمير إلى الزَّبَانيَة، قاله في "الكشَّاف"، أو غرَضه أنَّ لفْظه مُذكَّر، ومَعناه لغةً: المَهِيْج والمُلْهَب إما فاعِلًا، أو مفعولًا، وتأْنيثه باعتِبار النَّار، أو أنَّ الفَعِيْل يصدُق عليه أنَّه مذكر، وأنَّه مؤنثٌ.
(الرس: المعدن) قيل فيه أيضًا: البِئْر، وقيل: قَريةٌ باليَمَامة، وقيل: الأُخْدود.
стр. 6031
قال (ش): المَشهور في الرَّسِّ: البِئْر غير المَطويَّة، وقيل: إنما قِيْل لهم: أَصحاب الرَّسِّ؛ لأنَّهم قَتَلُوا نبيَّهم في البِئْر، ورَسُّوه في البِئْر، أي: دَسُّوه فيها.
* * *
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾
(باب: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤])
٤٧٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونس بنُ مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قتادَةَ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نبَيَّ اللهِ! يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: "ألَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ " قَالَ قتادَةُ: بَلَى، وَعِزَّةِ رَبِّنَا.
سبَق شرْح الحديث.
* * *
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾: الْعُقُوبَةَ
(باب: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨])
٤٧٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: حَدَّثَنِي
стр. 6032
مَنْصُورٌ وَسُلَيْمَانُ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ.
قَالَ: وَحَدَّثَنِي وَاصِلٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ، أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللهِ أَكبَرُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهْوَ خَلَقَكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ"، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: "أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ". قَالَ: وَنزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾.
الحديث الأول:
(خشية) لا اعتبارَ لمَفهومه؛ لأنَّه خرَجَ مَخرَج الغالِب.
(حليلة)؛ أي: زوجةَ، ومُطلَق الزِّنا وإنْ كان من الكَبائر لكنَّ هذا أفحَشُ؛ لأنَّ جعْل الشرِّ من حيثُ يُتوقَّع منه الخَير أشَدُّ، والجارُ مَحلُّ الإحسانِ إليه لا الإِساءَة.
* * *
٤٧٦٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ: أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ: أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: هَلْ لِمَنْ قتلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾، فَقَالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُهَا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كمَا قَرَأْتَهَا عَلَيَّ، فَقَالَ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، نَسَخَتْهَا آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ، الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ.
стр. 6033
الثاني:
(الذين لا يقتلون النفس) التِّلاوة: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨].
(التي في سورة النساء) هي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ الآية [النساء: ٩٣]؛ إذ ليس فيه استثناءُ التائبِ.
* * *
٤٧٦٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ، فَرَحَلْتُ فِيهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: نزَلَتْ فِي آخِرِ مَا نزَلَ، وَلَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ.
٤٧٦٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، قَالَ: لَا تَوْبَةَ لَهُ. وَعَنْ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، قَالَ: كانَتْ هَذِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
الثالث، والرابع:
(لا توبة له) إنما قال ابن عبَّاس ذلك تَبَعًا لسُنَّة اللهِ تعالى في التَّغْليظ، وإلا فكُلُّ ذنْبٍ قابلٌ للتَّوبة، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٣١]، وقال: ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤]، والإجماعُ قائمٌ
стр. 6034
على قَبول التَّوبة، وسيَحكي عنه روايةً أُخرى أنَّها نَزلتْ في المَعاصي الواقِعة في الجاهليَّة، ثم يُسلِمون، وحينئذٍ فلا يكون مِن باب النَّاسِخِ والمَنسُوخ.
ولعلَّه كان يقُول بالنَّسخ، ثم رجَع لإمكان الجمْع، ولهذا أَخَّر البُخاريُّ الرِّوايةَ الثانيةَ.
* * *
﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾
(باب: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الفرقان: ٦٩])
٤٧٦٥ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبْزَى: سَلِ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿إلا مَنْ تَابَ﴾، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَمَّا نزَلَتْ قَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: فَقَدْ عَدَلْنَا بِاللهِ، وَقتلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأتيْنَا الْفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ إلَى قَوْلهِ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
الحديث فيه معناه ظاهرٌ مما سبَق.
* * *
стр. 6035
﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾
(باب: ﴿إلا مَنْ تَابَ﴾ [الفرقان: ٧٠])
٤٧٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ. وَعَنْ ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، قَالَ: نزَلَتْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ.
الحديث فيه كذلك.
* * *
﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾: هَلَكَةً
(باب: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧])
٤٧٦٧ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَانُ، وَالْقَمَرُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ، وَاللِّزَامُ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾.
(مضين)؛ أي: وقَعْنَ، أي: الأُمور الغائبة التي أخبَر الله تعالى
стр. 6036
بوُقوعها قد وقَع منْها خمسٌ، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وقال: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقال: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١ - ٢]، وقال: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦]، وهو القَتْل الذي وقَع يومَ بدْرٍ، وقال: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]، قيل: هو القَحْط، وقيل: التِصاق القَتْلى بعضِهم ببعضٍ في بدرٍ، وقيل: هو الأَسْرُ فيه، وقد أُسِرَ سَبْعون قُرشيًّا يومئذٍ.
ومرَّ الحديث في (الاستِسقاء).
قال (ش): هذه أربعة، أي: لأنَّ ابن مَسعود فسَّر اللِّزام والبَطْشةَ بيوم بدْرٍ كما سيَذكره البُخاريُّ في (سورة الرُّوم)، فيحتاج لبَيان الخامِس.
قال: وقال أبو عُبَيدة فيما حكاه عنه ابن دُرَيْد: لِزَامًا: فَيْصَلًا، كأنَّه من الأَضْداد عندَه.
* * *
٢٦ - الشُّعَرَاءِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تَعْبَثُونَ﴾: تَبْنُونَ. ﴿تَعْبَثُونَ﴾: يَتَفتَّتُ إِذَا مُسَّ، ﴿الْمُسَحَّرِينَ﴾: الْمَسْحُورِينَ. لَيْكَةُ وَالأَيْكَةُ جَمْعُ: أَيْكَةٍ، وَهْيَ جَمْعُ شَجَرٍ. ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾: إِظْلَالُ الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ. ﴿مَّوْزُونٍ﴾: مَعْلُومٍ. ﴿كَالطَّوْدِ﴾: الْجَبَلِ. الشِّرْذِمَةُ: طَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ. ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾: الْمُصَلِّينَ.
стр. 6037
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾: كَأنَّكمْ. الرِّيعُ: الأَيْفَاعُ مِنَ الأَرْضِ، وَجَمْعُهُ: رِيعَةٌ وَأَرْيَاعٌ، وَاحِدُ: الرِّيَعَةِ. ﴿مَصَانِعَ﴾: كُلُّ بِنَاءٍ فَهْوَ مَصْنَعَةٌ (فَرِهِينَ): مَرِحِينَ، ﴿فَارِهِينَ﴾: بِمَعْنَاهُ، وَيُقَالُ: ﴿فَارِهِينَ﴾: حَاذِقِينَ. ﴿تَعْثَوْا﴾: أَشَدُّ الْفَسَادِ، عَاثَ يَعِيثُ عَيْثًا. الْجِبِلَّةُ: الْخَلْقُ، جُبِلَ: خُلِقَ، وَمِنْهُ: جُبُلًا وجِبِلًا وَجُبْلًا؛ يَعْنِي: الْخَلْقَ.
(سورة الشُّعراء)
قوله تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨]، كانوا يَبنُون بُروجًا للحَمَامات يَعبثُون بها.
(لعلكم تخلدون: كأنكم) في "تفسير البَغَوي" عن الواحدي: كلُّ ما في القُرآن مِن (لعلَّ) فإنَّها للتعليل إلا قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]، فإنَّها للتَّشبيه، ويُؤيِّده ما في حرفِ أُبِيٍّ: (كأَنَّكُم تَخلُدون).
ومَجيء لعلَّ للتَّشبيه غريبٌ، والمَشهور أنَّها للتَّعليل، ويُؤيِّده قراءة عبد الله: (كَي تَخلُدون).
والمَعنى: أنَّهم كانوا يَستَوثقُون في البِناء والحُصُون، ويذهبُون إلى أنَّها تُحصِّنُهم من أَقْدار الله تعالى.
(موزون) ليس في هذه السُّورة، بل في الحِجْر.
(ريع) هو المُرتفِع من الأرض، وقيل: هو الارتفاع، والجمْع: رِيَعَةٍ بكسر الراء، وفتح الياء، وأما الأَرْيَاع فمُفرده: رَيْعَة
стр. 6038
بالكسر، والسُّكون.
(مصانع) واحده: مَصنَعةٌ، وهو كالحَوْض يُجمَع فيه المَطَر، والمَصانِع أيضًا الحُصون، وقيل: كلُّ بناءٍ يُسمَّى بذلك.
(فرحين: مرحين) الذي في التِّلاوة: ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: ١٤٩]، وكأنَّ الهاء عنده مُبدلةٌ من الحَاء؛ لأنَّهما من حُروف الحَلْق.
(فارهين: بمعناه)؛ أي: لأنَّ الفَراهة: النَّشاط والقُوَّة، وقيل: الخَوْف، يُقال: دابَّة فَارِهٌ، ولا يُقال: فَارِهةٌ.
(الأيكة والليكة) هما قراءَتان في السَّبْع، قيل: هما بمعنًى، وقيل: اللَّيْكَة اسمٌ للقَرية التي كانُوا فيها، والأَيكة اسمٌ للبلَد كلِّه، وقيل: لَيْكَة قريةٌ، والأَيكَة الشَّجَر المُجتمع المُلتَفُّ الكثير، والواحِد: أَيْكَةٌ، وقيل: الغَيْضَة -بمعجمتين-، أي: الأَجَمَة.
(تعثوا) يقال: عَثَا يَعثُو، وعَثِيَ -بكسر المُثلَّثة- يَعْثَى بفتحها.
(عاث يعوث) لم يُرد ما يُوهمه ظاهرُ لفْظه أنَّ الناقِص مُشتقٌّ، بل أنَّه بمعناه.
* * *
﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾
(باب: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧])
٤٧٦٨ - وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ
стр. 6039
سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵊ رَأَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ". الْغَبَرَةُ: هِيَ الْقَتَرَةُ.
قوله: (وقال إبراهيم بن طَهْمان) وصلَه النَّسائي في التَّفسير عنه.
(الغبرة) هو مشتقٌّ مِن قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١].
(والقترة): السّواد كالدُّخان، واجتماعها في الوَجْه غايةُ الشَّنَاعة.
* * *
٤٧٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَخِي، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَيَقُولُ اللهُ: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ".
(أن لا تخزني) لا يُقال: إِدْخال أَبيه النَّارَ مِن الخِزْي؛ لأنَّ ذاك إذا دخَل على صُورته.
وسبَق في (كتاب الأنبياء): أنَّ اللهَ يَمسَخُه على صُورة ذِيْحٍ -بكسر المعجمة الأُولى، وسكون الياء-، فليس الخِزْيُ إلا لأَبيه فقَطْ، لا لَهُ، أو يُقال: إنَّ الوَعْد كان مَشروطًا بالإيمان كما أنَّ
стр. 6040
الاستِغفار له كان عَنْ مَوْعِدةٍ وعدَها إيَّاه، فلما تَبيَّنَ له أنه عَدوٌّ للهِ تبَرَّأَ منه.
* * *
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾: أَلِنْ جَانِبَكَ.
(باب: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤])
٤٧٧٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نزلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: "يَا بَنِي فِهْرٍ! يَا بَنِي عَدِيٍّ! " لِبُطُونِ قُرَيْشٍ، حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إلَّا صِدْقًا، قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾.
стр. 6041
(مصدقيّ) بتشديد الياء، أُدغمت الياءُ في الياءِ، وحُذفت النُّون للإضافة.
(نذير)؛ أي: مُخَوِّفٌ، فنَذِيْرٌ ومُنذِرٌ بمعنًى واحدٍ.
* * *
٤٧٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قَالَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ! لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا".
تَابَعَهُ أَصْبَغُ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ يُونسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ.
الثاني:
(لا أغني)؛ أي: لا أنفَع ولا أمنعَ.
(تابعه أصبغ) سبَق بيانه في (الوصايا).
* * *
стр. 6042
٢٧ - النَّمْلِ
وَالْخَبْءُ: مَا خَبَأْتَ. ﴿لَا قِبَلَ﴾: لَا طَاقَةَ. الصَّرْحُ: كُلُّ مِلَاطٍ اتُّخِذَ مِنَ الْقَوَارِيرِ، وَالصَّرْحُ: الْقَصْرُ، وَجَمَاعَتُهُ: صُرُوحٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ﴾: سَرِيرٌ. ﴿كَرِيمٌ﴾: حُسْنُ الصَّنْعَةِ وَغَلَاءُ الثَّمَنِ. ﴿مُسْلِمِينَ﴾: طَائِعِينَ ﴿رَدِفَ﴾: اقْتَرَبَ. ﴿جَامِدَةً﴾: قَائِمَةً. ﴿أَوْزِعْنِي﴾: اجْعَلْنِي. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿نَكِّرُوا﴾: غَيِّرُوا. ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾: يَقُولُهُ سُلَيْمَانُ. الصَّرْحُ: بِرْكَةُ مَاءٍ ضَرَبَ عَلَيْهَا سُلَيْمَانُ قَوَارِيرَ ألْبَسَهَا إيَّاهُ.
(سورة النَّمْل)
قوله: (ما خبأت) خبَأَ السَّماءُ المَطَر، وخبَأَ الأرضُ النَّباتَ.
(بلاط) هو بموحَّدةٍ مفتوحةٍ لابن السَّكَن، والأَصِيْلِي: كلُّ ما فُرشتْ به الأرضُ من آجُرٍّ أو حجارةٍ أو غيرهما.
ولغيرهما: (مِلاط) بميمٍ مكسورةٍ: الطيْن الذي يُجعل في أثْناء البُنْيان، قاله (ع).
وقيَّده السَّفَاقُسي بالفتْح، وقال: المُراد به هنا كل بُناءٍ.
(طائعين) يُقال: طاعَه فهو طائعٌ: إذا انقادَ له، وأما أَطاعَ فهو مُطيعٌ، فمعناه: أجابَ أَمرَه، فهو أَقوى مُناسبةً لمَا وَرَد؛ لأنَّ هؤلاء أَجابوا أَمْرَ سُليمان.
стр. 6043
(ردف: اقترب) هذا التفسير يَردُّ دَعوى المُبرِّد ومَن وافقَه أنَّ اللام في قوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] زائدةٌ للتَّوكيد؛ فإنَّه إذا كان معناه: اقتَربَ كانتْ للتَّعدية نحو: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء:١].
(يقول سليمان) غرَضه بذلك أن: ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل:٤٢]، ليس من تتمَّة قولها فيما قال تعالى: ﴿فَقَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ [النمل:٤٢].
* * *
٢٨ - الْقَصَصِ
﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾: إِلَّا مُلْكَهُ، وَيُقَالُ: إِلَّا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الْأَنْبَاءُ﴾: الْحُجَجُ.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ .
(سورة القَصَص)
(باب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦])
٤٧٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ عِنْدَهِ أَبَا جَهْلٍ وَعَبْدَ اللهِ بنَ أَبِي أمُيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ: "أَيْ عَمِّ! قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ"، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ
стр. 6044
الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَاللهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ"، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾، وَأَنْزَلَ اللهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُولِي الْقُوَّةِ﴾: لَا يَرْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجَالِ. ﴿لَتَنُوءُ﴾: لتثْقِلُ. ﴿فَارِغًا﴾: إِلَّا مِنْ ذِكْرِ مُوسَى. ﴿الْفَرِحِينَ﴾: الْمَرِحِينَ. ﴿قُصِّيهِ﴾: اتَّبِعِي أثَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الْكَلَامَ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾. ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾: عَنْ بُعْدٍ، عَنْ جَنَابَةٍ، وَاحِدٌ، وَعَنِ اجْتِنَابٍ أَيْضًا، ﴿يَبْطِشَ﴾ وَيَبْطُشُ. ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾: يَتَشَاوَرُونَ. الْعُدْوَانُ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدِّي وَاحِد. ﴿آنَسَ﴾: أَبْصَرَ. الْجذْوَةُ: قِطْعَةٌ غَلِيظَةٌ مِنَ الْخَشَبِ، لَيْسَ فِيهَا لَهَبٌ، وَالشِّهَابُ: فِيهِ لَهَبٌ. وَالْحَيَّاتُ: أَجْنَاسٌ: الْجَانُّ وَالأَفَاعِي وَالأَسَاوِدُ. ﴿رِدْءًا﴾: مُعِينًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُصَدِّقُنِي﴾، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿سَنَشُدُّ﴾: سَنُعِينُكَ كُلَّمَا عَزَّزْتَ شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا، مَقْبُوحِينَ: مُهْلَكِينَ، ﴿وَصَّلْنَا﴾: بَيْنَّاهُ وَأتمَمْنَاهُ، ﴿يُجْبَى﴾: يُجْلَبُ، ﴿بَطِرَتْ﴾: أَشِرَتْ، ﴿فِي أُمِّهَا رَسُولًا﴾: أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ وَمَا حَوْلَهَا، ﴿تُكِنُّ﴾: تُخْفِي، أَكْنَنْتُ الشَّيْءَ: أَخْفَيْتُهُ، وَكَنَنْتُهُ: أَخْفَيْتُهُ وَأَظهَرْتُهُ، ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ﴾: مِثْلُ ألَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾: يُوَسِّعُ عَلَيْهِ ويُضَيِّقُ عَلَيْهِ.
стр. 6045
(كلمة) بالنَّصب على البَدَل، والرَّفْع، أي: هي (١) كلمةٌ.
(أحاج) من المُحاجَّة.
(أترغب عن) يُقال: يَرغَب عن الشَّيء: إذا لم يُرِدْه، ورَغِبَ فيه: إذا أَرادَه.
(ويعيدانه) صَوابه: ويُعيدانِ له تلْك المَقالة.
(آخر) ظرفٌ.
(على ملة) أي: أنا، فحُذف المُبتدأ.
(من أحببت)؛ أي: أَحببتَه لقَرابةٍ ونحوها، أو أحبَبتَ هِدايتَه.
وسبَق الحديث في (الجنائز).
(عدوان) هو والعِدَاء والتَّعدِّي بمعنىً، وهو الظُّلْم كأنه قال: أَيَّ الأَجلَين قَضيتُ فلا تَعْتَدِ عليَّ بأَنْ تُلزمَني أكثَرَ منه.
(وصلنا بيتنا) وقيل: أَتبَعْنا بعضَه بعضًا، فاتصَل عندَهم، أي: القُرآن.
(بطرت: أشرت)؛ أي: وكأنَّ المعنى: أبطَرتْها مَعيشَتُها كما يقول: أَبطَرَكَ مالُكَ، فبَطِرتَ.
قال ابن فارس: البَطَر: مُجاوزَة الحَدِّ عن المَزْح، وقيل: هو الطُّغْيان بالنِّعْمة، والمعنى: بَطِرتْ في مَعيشَتِها.
(في أُمها رسولًا: أُمّ القرى مكة وما حولها)؛ أي: الضَّمير عائدٌ الحواشي
(١) "هي" ليس في الأصل.стр. 6046
على القُرى، وقوله: (مكَّة وما حولَها) تفسير للأُمِّ المَذكورة، والإشارةُ بالرَّسول على هذا التَّفسير إلى نبيِّنا ﷺ .
(وخفيته: أظهرته) هو ما قال ابن فارِس، قال: وأَخفَيتُه: سَتَرتُه.
قال أبو عُبَيدة: هو من الأضداد.
* * *
(باب: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥])
٤٧٧٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ قَالَ: إِلَى مَكَّةَ.
الحديث فيه ظاهرٌ.
* * *
٢٩ - الْعَنْكَبُوتِ
(سورة العَنْكَبُوت)
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾: ضَلَلَةً، ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾: عَلِمَ اللهُ ذَلِكَ، إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةِ: فَلِيَمِيزَ اللهُ، كقَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾، ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾: أَوْزَارِهِمْ.
стр. 6047
قوله: (ضللة)؛ أي: جمع: ضَالٍّ.
قال (ش): في "تفسير ابن عَطِيَّة" عن مجاهد، وابن عبَّاس: معناه: لهم بَصيرةٌ في كُفرهم، وإعجابٌ به، وإصرارٌ عليه، فذَمَّهم لذلك.
وقيل: لهم بصيرةٌ في أنَّ الرِّسالةَ والآياتِ حقٌّ، لكنْ كانُوا مع ذلك يكفُرون عِنَادًا، وَيردُّهم الضَّلال إلى مُجاهلةٍ، ومُبالغةٍ، فهو نَظير: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل:١٤].
(الحيوان والحي واحد) كذا لأكثَرهم، وهو مصدرُ: حَيِيَ حَيَاء، مثل: عَيِيَ عَياءً.
وعند ابن السَّكَن، والأَصِيْلِي: (الحيَوان والحَياةُ واحدٌ)، والمعنى لا يَختلف.
(علم الله) فُسِّر به: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت: ٣]، كما فَسَّر أبو عُبيدة، وهو إشارةٌ إلى أنَّ عِلْمَه قديمٌ، فلا يمثل مقيَّده بالمستقبَل.
(فليميز)؛ أي: لمَا بين العِلْم والتَّمييز من المُلازمة.
* * *
٣٠ - ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾
﴿فَلَا يَرْبُو﴾: مَنْ أَعْطَى يَبْتَغِي أَفْضَلَ فَلَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾: يُنَعَّمُونَ، ﴿يَمْهَدُونَ﴾: يُسَوُّونَ الْمَضَاجِعَ، الْوَدْقُ: الْمَطَرُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فِي
стр. 6048
الآلِهَةِ، وَفِيهِ: ﴿تَخَافُونَهُمْ﴾ أَنْ يَرِثُوكُمْ كَمَا يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، ﴿يَصَّدَعُونَ﴾: يَتَفَرَّقُونَ، ﴿فَاَصْدَعْ﴾، وَقَالَ غَيْرُهُ: ضُعْفٌ وَضَعْفٌ لُغَتَانِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿السُّوأَى﴾: الإسَاءَةُ، جَزَاءُ الْمُسِيئينَ.
(سورة الرُّوم)
قوله تعالى: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ﴾ الآية [الروم:٢٨]، أي: هل ترضون لأنفُسكم أنْ يُشارككُم بعضُ عَبِيْدكم فيما رزقناكم؟، تَكونُون أنتم وهم سَواءٌ تخافون أن يَرِثَ بعضُكم بعضًا، وأنْ يَستبِدُّوا بتصرُّفٍ دونكَم كما يَخاف بعضُ الأحرار بعضًا، فهو ضَرْبُ مثَلٍ، فإذا لم تَرضَوا لأنفسكم بذلك؛ فكيف تَرضونَه لرَبِّ الأربابِ أنْ تَجعلُوا بعضَ عَبيده شَريكًا له؟!.
(يصدعون): يتفرَّقون.
(السوأى)؛ أي: العُقوبة التي هي أَسوأُ العُقوبات.
قال السَّفَاقُسي: ضُبط بفتح الهمزة والمَدِّ، وبكسرها والمَدِّ، وبفتحها والقَصْر، وكذا هو في اللُّغة مقصورًا، يُكتب بالياء، لأنَّك تقول: رجلٌ أَسْيَانُ، وقالوا: أَسْوانُ أيضًا، فيجوز على هذا كَتْبه بالألف.
(ضعف) بفتح الضاد وضمِّها، وقال الخَليل: إنهما مُختلفان، فالبضمِّ ما كان في الجسَد، وبالفتح ما كان في العَقْل.
* * *
стр. 6049
٤٧٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، وَالأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ بَيْنَمَا رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كنْدَةَ فَقَالَ: يَجيءُ دُخَانٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ، يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كهَيْئَةِ الزُكَامِ، فَفَزِعْنَا، فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، وَكَانَ مُتَّكِئًا، فَغَضِبَ، فَجَلَسَ فَقَالَ: مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْم أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ لَا أَعْلَمُ، فَإنَّ اللهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ وَإِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَؤُا عَنِ الإسْلَامِ فَدَعَا عَلَيْهِمِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبع كَسَبع يُوسُفَ"، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا، وَأَكَلوُا الْمَيْتَةَ وَالْعِظَامَ وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! جِئْتَ تأْمُرُنَا بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا فَادْعُ الله، فَقَرَأَ: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إِلَى قَوْلهِ ﴿عَائِدُونَ﴾، أَفَيُكْشَفُ عَنْهُمْ عَذابُ الآخِرَةِ إِذَا جَاءَ ثُمَّ عَادُوا إِلَى كفْرِهِمْ؟ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ يَوْمَ بَدْرٍ وَ ﴿لِزَامًا﴾: يَوْمَ بَدْرٍ، ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ إِلَى ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾، وَ ﴿الرُّومُ﴾: قَدْ مَضَى.
(كَنْدة) بكسر الكاف، وسُكون النُّون، وبمهملةٍ: مَوضعٌ بالكُوفة.
(من العلم أن يقول) إلى آخره، أي: لأنَّ تَمييز المَجهول نَوعٌ من
стр. 6050
العِلْم كما في: لا أَدري نِصفُ العِلْم، لا أنَّ عدَم العلْم يكُون علْمًا.
(سنة)؛ أي: قَحْط.
(يوم بدر) قد سبَق في (الفُرقان): أنَّ اللِّزامَ واحدٌ من الخَمْس، والبَطْشة واحدٌ، وهنا فُسِّر كليهما بيوم بدْرٍ، وجوابه: أنَّه أراد بالبَطْشة القَتْل فيه، وباللِّزام الأَسْر فيه.
* * *
﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾: لِدِينِ اللهِ، ﴿خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾: دِينُ الأوَّلِينَ، وَالْفِطْرَةُ: الإِسْلَامُ
(باب: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ [الروم: ٣٠])
قوله: (والفطرة: الإسلام)؛ أي: فتَغاير معنى الخَلْق والفِطْرة.
٤٧٧٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ"، ثُمَّ يَقُولُ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾.
(فأبواه يهودانه) إلى آخره، قال القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب:
стр. 6051
معناه أنَّه مُلْحَق بهما في الأَحكام، وتَحريمِ الصَّلاةِ عليه، وضَرْب الجِزْية، وتقريرِه، وغيرُ ذلك، ولولا كَونُه مولودًا على فِراشهما لمُنِع من ذلك كلِّه، ولم يُرِدْ أنَّهما يَجعلانه يَهوديًّا ولا نَصرانيًّا، كيف وهما عنْدنا وعندَ القدَريَّة لا يَفعَلان فيه اعتقادَ اليَهوديَّة ولا النَّصرانيَّة.
(تُنتج) بالبناء للمجهول، يُقال: نُتِجَت البَهيمةُ بالضم، ونتَجَها أهلُها.
(بهيمة)؛ أي: تَلِدُ بَهيمةً.
(جمعاء)؛ أي: سالِمةً من العُيوب، سُميت به؛ لاجتماع سلامة أعضائها.
(تُحسون) بضم أُوله، مِن أحسَسْتُ، أي: عَلمتُ.
(من جدعاء)؛ أي: لا جَدَعَ فيها من أَصْل الخِلْقة، إنما يَجدَعُها أهلُها بعد ذلك، أي: يَسِمُون أُذُنهَا، فكذلك المولود يُولَد على الفِطْرة، ثُم يتغيَّر مِن بعدُ.
وسبَق في الحديث مَباحثُ كثيرةٌ في (الجنائز)، في (باب: إذا أسلم الصبي).
* * *
٣١ - لُقْمَانَ
﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
стр. 6052
(سورة لُقْمان)
٤٧٧٦ - حَدَّثَنَا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لاِبْنِهِ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ".
الحديث سبَق شرحه في (الإيمان)، في (باب: ظُلمٌ دون ظُلمٍ).
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾
(باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾﴾ [لقمان: ٣٤])
٤٧٧٧ - حَدَّثَنِي إسْحَاقُ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشِي، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الإيمَانُ؟ قَالَ: "الإيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَلِقَائِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ الآخِرِ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: "الإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ"،
стр. 6053
قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: "الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: "مَا الْمَسْؤُلُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ عَنْ أَشرَاطِهَا إِذَا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ رَبَّتَهَا، فَذَاكَ مِنْ أَشرَاطِهَا، وَإِذَا كَانَ الْحُفَاةُ الْعُرَاةُ رُؤُسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أَشرَاطِهَا، فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا اللهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾، ثُمَّ انْصَرَفَ الرَّجُلُ فَقَالَ: "رُدُّوا عَلَيَّ"، فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ".
الحديث الأول:
سبَق أيضًا في (الإيمان)، في (باب: سؤال جبريل).
(بالبعث الآخر) الوصْف بالآخِر إما من الصِّفات اللازِمة، أو احترازٌ عن البَعْث الأوَّل كما سبَق تقريرُهُ.
(الزكاة المفروضة) الوصْف للتأْكيد؛ لتَخرُج صدَقةُ التَّطوُّع.
(في خمس) متعلِّقٌ بمحذوفٍ، أي: هي.
* * *
٤٧٧٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ"،
стр. 6054
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾.
الثاني:
سبَق أيضًا قَريبًا.
* * *
٣٢ - تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَهِينٍ﴾: ضَعِيفٍ، نُطْفَةُ الرَّجُلِ، ﴿ضَلَلْنَا﴾: هَلَكْنَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْجُرُزُ: الَّتِي لَا تُمْطَرُ إِلَّا مَطَرًا لَا يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا، ﴿نَهْدِ﴾: نُبَيِّنُ.
(سورة السَّجْدة)
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾
(باب: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧])
٤٧٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللهُ ﵎ أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾.
وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي
стр. 6055
هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ اللهُ مِثْلَهُ، قِيلَ لِسُفْيَانَ: رِوَايَةً؟ قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ؟
قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (قُرَّاتِ).
الحديث الأول:
(رواية)؛ أي: يَرويه رواتُه عن النبي ﷺ ، أي: تقُول عن اجتِهادك.
(فأي شيء)؛ أي: لَولا الرِّواية؛ فأَيُّ شيءٍ كنتُ أَقولُ.
* * *
٤٧٨٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ نصرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، ذُخْرًا، بَلْهَ مَا أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
الثاني:
(بَلْه) بفتح المُوحَّدة، وسُكون اللام.
قال السَّفَاقُسي: ضُبط بفتح الهاء كأنَّه ظنَّ بِناءَها على الفْتح كأَينَ، وكيفَ، وآخَرون بكسرها، وهو الوَجْه؛ لأنَّه مضافٌ إلى ما بعدَهُ مثل: قَبْلُ وبَعدُ إذا أُضيفا خُفِضَا.
стр. 6056
قيل: معناه: دع ما اطَّلعتُم عليه؛ فإنه سَهلٌ أو يسير من حيث ما ذَخَرتُه لهم.
وقيل: بمعنى: فَضَلَ؛ حكاه اللَّيث كأنه يقول: هذا الذي غَيَّبتُه عن عِلْمكم فَضَلَ ما اطلعتُم عليه منها.
والأَشْبَه أنه هاهنا بمعنى: سِوَى وغَيْر، حكاه ابن فارس لأَجْل قوله: (مِنْ بَلْهَ).
وقال الصَّاغَاني: صوابُه: (بَلْهَ) بدون (مِن)، وصوابُه: (أُطلعُكم).
وقال ابن مالك: المعروف أن (بَلْهَ) اسم فِعْلٍ بمعنى: اتْرُك ناصِبًا ما يَليها بمقتَضَى المفعولية، واستعماله مَصْدرًا بمعنى التَّرْكِ مُضافًا إلى ما يَليه، والفتْحة في الأُولى بِنائيةٌ، وفي الثانية إِعْرابيةٌ، وهو مصدرٌ مُهملُ الفِعْل، مَمنوعُ الصَّرْف.
وقال الأخفش: (بَلْهَ) هنا مصدر كما تقول العرب: ضَرْبُ زَيدٍ، ونَدَر دُخول (مِنْ) عليه زائدةً.
* * *
٣٣ - الأَحْزَابِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَيَاصِيهِمْ﴾: قُصُورِهِمْ.
стр. 6057
(سورة الأحزاب)
٤٧٨١ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَؤُا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَلْيَأْتِنِي وَأَنَا مَوْلَاهُ".
(من كانوا)، (مَن) موصولةٌ، و (كان) تامةٌ، وفائدةُ ذِكْر هذا الوَصْف تَعميم العَصَبة للقَريب والبَعيد.
وسبَقت مَباحث الحديث في (باب: الاستقراض).
(ضياعًا) بفتح المعجمة: العِيَال الضَّائعون الذين لا شيءَ لهم، ولا قَيِّمَ لهم، مصدرٌ، فإنْ كُسرت الضاد كان جَمعَ: ضائِع كجَائِع، وجِيَاع.
(مولاه)؛ أي: ناصِرُه.
* * *
﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾
(باب: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥])
٤٧٨٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ،
стр. 6058
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ زيدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
(حارثه) بمهملةٍ، ومثلثةٍ.
* * *
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
﴿نَحْبَهُ﴾: عَهْدَهُ، ﴿أَقْطَارِهَا﴾: جَوَانِبُهَا، ﴿الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾: لأَعْطَوْهَا.
(باب: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣])
النَّحْب معناه في الأصل: القَدر، ثم استُعير لآخِر كلِّ شيءٍ.
٤٧٨٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: نُرَى هَذِهِ الآيَةَ نزَلَتْ فِي أَنس بْنِ النَّضْرِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
٤٧٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَني خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ زيدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: لَمَّا نَسَخْنَا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ فَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ، كُنْتُ أَسْمَعُ
стр. 6059
رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ؛ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
الحديث الأول:
(نُرى) بضم النُّون، أي: نَظنُّ.
(فُقدت) مبنيٌّ للمفعول.
(﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ [الأحزاب: ٢٣]) سبَق أنَّ الآية المُنفردة التي وُجدتْ عند خُزَيْمَة هي آخِر سُورة التَّوبَة، ولا مُنافاةَ؛ لاحتِمال أنَّ الآيتَين معًا وُجدتا مَكتوبتَين عنده، أو الأُولى كانت عند النَّقْل من العُسُب ونحوِها إلى الصُّحُف، والثانية عند النَّقْل من الصُّحُف إلى المُصحَف.
ومرَّ تحقيقُ ذلك.
* * *
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾
التَّبَرُّجُ: أَنْ تُخْرِجَ مَحَاسِنَهَا، سُنَّةَ اللهِ اسْتَنَّهَا: جَعَلَهَا.
(باب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨])
٤٧٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ
стр. 6060
النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَهَا حِينَ أَمَرَ اللهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ، فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيكِ أَنْ تَسْتَعْجلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَويكِ"، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ "، إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ.
(فلا عليك)؛ أي: لا تَستَعجِلي حتى تَستَأْمري، أي: لا بأْسَ عليك في عدَم الاستِعجال حتى تُشاوري أَبوَيكِ.
* * *
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
وَقَالَ قتادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ.
(باب: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٩])
فيه الحديث السَّابق من غير ذلك الطَّريق، وبغَير المَتْن.
٤٧٨٦ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
следующие страницы →