← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

١٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْلُغُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِسْم اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ). (ق م ت س). وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين. (يبلغ به) بضمِّ أوَّله وفَتحِ ثالثِه؛ أي: يوصِلُه، ولو احتَمَل أنَّه بواسِطَة صحابيٍّ آخرَ، لا أنَّه موقوفٌ علَيه. (لو أن)؛ أي: لو ثبتَ أنَّ. (أتى أهله) كنايةٌ عن الجِمَاع. (الشيطان) فَيْعَال، من (شَطَنَ)، أو فَعلان، من (شَاطَ). (ما رزقتنا) مفعولٌ ثانٍ لِـ (جَنِّبْ)، والمُراد: الوَلَد، وإن كانَ اللَّفظُ أعمَّ، ففيه أنَّ الوَلَدَ من الرِّزقِ، واستعمَل (ما) بمعنَى شيء، فيَصدُقُ على العاقِلِ كما هنا، أو لإِبهامِه كما في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ﴾ [آل عمران: ٣٦]، وعائدُ الموصولِ محذوفٌ. (فيقضى) للقَضَاء معَانٍ؛ المُناسِبُ هنا: حُكِمَ، نحو: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، أو قدر نحو: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]. قلت: ذكَرَ العسكَرِيُّ مما وردَ منها في القُرآن اثنا عَشَر، وإن كانَ

стр. 632

في بعضِها إمكانُ التَّداخُل، والمُناسِبُ منها معنَى: قُدِّرَ أنَّه يقَعُ، كما في قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]، أما ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، فبِمعنَى: خَلَقهُنَّ، أو أتَمَّهُنَّ. وأمَّا معنى القَضاء، فإن أُريدَ به التَّقدير؛ فهو الثَّاني، أو الحُكمُ؛ فلا منَاسبَة فيه. وتمثيلُه بِـ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، خلافُ ما مثَّلَ به الأكثرُ لِمَجيءِ قَضَى؛ بمعنى: أَمَرَ. (بينهما) في بعضِها: (بينهُم). قال (ك): بناءً على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان. قلت: الخلافُ في صِيغَ الجَمعِ لا في الضَّمائر، وإنَّما هذا باعتبارِ الجِنسِ. (لم يضرَّه) جوابُ (لو)، وهو بضمِّ الرَّاء على الأفصَح، والضميرُ للوَلَدِ. قال (ط): في الحديثِ ردٌّ لقولِ مَن منَعَ ذِكرَ الله على غير طهارةٍ، أو كَرِهَه على الخَلاء، أو الوِقَاعِ. واستحبابُ التَّسميةِ عندَ ابتداءِ كل عَملٍ تبرُّكًا، واستحضَارُ أنَّ الله هو الذي يسَّر ذلك الفعلَ له، وأوجَبَ بعضُهم التَّسميةَ في الوُضوء لحديثِ: "لا وُضوءَ لِمن لم يذكُر اسمَ الله". ورُدَّ بأنَّه لا يصحُّ في ذلك حديثٌ، كما قالَه أحمدُ، والمعنى:

стр. 633

لا وضوءَ كاملًا، نحو: "لا صلاةَ لجار المَسجد إلا في المَسجد"، وأيضًا فلا تَجبُ في الغُسلِ اتفاقًا، فكذا في الوُضوء، وحَمَلَ بعضُهم الحديثَ على النيَّة؛ لأنَّها ذِكرُ القَلب؛ أنَّه يتَوَضأ لله تعالى، وَيمتَثلُ أمرَه، ولفظ (اسم): صلة، والمعنَى: لِمَن لم يذكُر الله. * * * ٩ - بابُ مَا يَقُولُ عِنْدَ الخَلَاءِ (باب ما يقولُ عندَ الخلاء): بالمدِّ؛ لأنَّ الإنسانَ يخلو فيه. ١٤٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ قَالَ: (اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ). تَابَعَهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ، عَنْ شُعْبَةَ، وَقَالَ غُنْدَرٌ: عَنْ شُعْبَةَ: إِذَا أَتَى الخَلَاءَ، وَقَالَ مُوسَى عَنْ حَمَّادٍ: إِذَا دَخَلَ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زيدٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ. (ع). (كان): يقتضي التَّكرارَ في مثل ذلك، وأنَّه عادةٌ. (دخل)؛ أي: أرادَ الدُّخولَ؛ لأنَّ بعدَ الدُّخول لا تسميةَ، ولتوافِقَ الرِّوايةَ الآتيةَ.

стр. 634

(الخبث) بضمِّ الخاء والباء؛ جَمع: خَبيث. (والخبائث) جَمع خبيثة، أي: ذُكرانُ الشياطينِ وإناثُهم. قال (خ): روايةُ أصحابِ الحديث بسكون البَاء، وهو غَلَطٌ. ورُدَّ بأنَّه لا يَمتَنع التَّخفيفُ في مثلِه، إلا أنْ يُرادَ أنَّه يلتبِسُ بالمَصدر، وأصلُ الخُبْثِ في كلامهم: المَكروهُ، والخبيثُ من القَول: الشَّتمُ، ومن المِلَلِ: الكُفرُ، ومن الطَّعام: الحرامُ والضَّارُّ. ومناسبةُ الاستِعاذَة من ذلك: أنَّ الشَّياطين تحضُر في الأَخلِية؛ لأنَّها مواضعُ مهجورٌ فيها ذكرُ الله تعالى، كما قال ﷺ : "إنَّ هذه الحُشوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فإذا دخلَ أحدُكم الخَلاء فَليتَعوَّذْ". وقيلَ: الخُبْثُ: الكفرُ، والخَبائثُ: الشَّياطين. وقيلَ: الخُبث: الشَّرُّ، والخبائثُ: الشَّياطين، والخُبْثُ بالسّكون: مصدرُ خَبُثَ. قال (ط): وفي الحديث جوازُ ذِكرِ الله على الخَلاء، وقال عِكرِمَةُ: يذكرُ بقَلبه لا بلِسانِه. (تابعه ابن عرعرة) بفتح المُهمَلتَين والرَّاء المُكرَّرة، واسمُه: محمَّد، والضميرُ في (تابَعَه): راجعٌ إلى (آدم)، وقد وَصَلَ هذه المُتابَعة في (كتاب الدَّعوات). (وقال غندر) وَصَله البزَّارُ بِهذا اللَّفظ، وأحمدُ بلفظِ: (إذا دَخَل). (وقال موسى)؛ أي: ابنُ إسماعيلُ التَّبوذَكِيُّ: وصَلَه البيهقيُّ.

стр. 635

(وقال سعيد) هو ابنُ زيدٍ أخو حمَّادِ بنِ زيدٍ: وصَلَه البخاريُّ في كتاب "الأدب المُفرد"، ولم يروِ لسعيدٍ في الصَّحيح إلا استِشهادًا، وعلَّق عنه؛ لأنَّه لم يلحَقْه. والحاصلُ أنَّ الأولَ: مُتابعَةٌ تامَّة، والثَّانيَ: استِشهادٌ يتَّفقُ مع الإسناد الأوَّل في الرَّاوي، والثالثَ: متابعةٌ ناقصَةٌ، والرابعَ: استشهادٌ يتَّفِقُ مع الأوَّل في الرَّاوي الثَّالثِ. وأمَّا اختلافُ ألفاظِ الرُّواةِ، فالمَعنى فيها مُتقارِبٌ، لكنَّ قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]، المَعنى: إذا أردتَ القراءةَ، فالاستعاذَةُ متَّصلةٌ بالقِراءة، وأمَّا الاستعاذةُ هنا فلا منعَ من إتمامِها في الخَلاء، وتُقدَّمَ روايةُ: (كانَ يقولُ ذلك)، على روايَة: (إذا أرادَ أن يدخُلَ)؛ لأنَّها زيادةُ ثقةٍ في المَعنى، والأخذُ بالزِّيادةِ أَولى؛ كذا قالَ (ك)، وفيه نَظَر! * * * ١٠ - بابُ وَضْعِ المَاءِ عِنْدَ الخَلَاءِ (باب وضع الماءِ عندَ الخَلاء) ١٤٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ الخَلَاءَ، فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا قَالَ: (مَنْ وَضَعَ هَذَا؟)،

стр. 636

فَأُخْبِرَ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ). (م س). (وضوءًا) بالفَتح؛ أي: ما يُتَوضَّأُ به. (قال)؛ أي: بعدَ الخُروجِ. (فأخبر) بالبناءِ للمَفعولِ. (اللهم فقِّهه) دعَا له (١) سُرورًا بانتِباهِه إلى وَضعِ المَاء، وهو من أُمور الدِّين، ففيه المُكافَأَة بالدُّعاءِ لمن أحسَنَ. وقال (ط): فيه الرَّدُّ على من قالَ: الاستنجاءُ بالمَاء للنِّساء، والرِّجالُ يتمَسَّحون بالحجَارة؛ من حيثُ إنَّ وضْعَ الماءِ عندَ الخلاء إنَّما هو للاستنجاءِ به، وفيه خدمةُ العالِمِ. قال (خ): وأنَّ حَملَ الماء للمُغتَسِل غيرُ مكروه، وأنَّ الأدبَ أنَّ يَلِيَه الأصَاغرُ، وأنَّ استِحبابَ الاستنجاءِ بالمَاء، خلافًا لمَن كرِهه، لأنَّه نوعٌ من الكُلفة، وكان بعضُهم يكرهُ الوضوءَ من مشَارعِ المياه، بل في رَكوَةٍ ونحوِها؛ لأنَّ النبِيَّ ﷺ لم يتوضَّأ على نَهرٍ أو مَشْرَعٍ في ماءٍ جارٍ، ورُدَّ بأنَّه لم تكنْ بِحَضرته المياهُ الجاريةُ والأنَّهار، ولم يُنقَل أنَّ النبيَّ ﷺ وجَدَها فعَدَل عنها. قال (ن): الجمعُ بينَ الحجَر والماء أفضلُ، وإذا اقتَصر على أحدِهما، فالمَاءُ؛ لأنَّه يُزيلُ العينَ والأَثَر، فهو طهارةٌ حقيقيةٌ، والحجر

стр. 637

يُخفِّف فقَط، ولكنْ يُعفى عن أثَره في الصَّلاة، وربَّما أوهَمَ كلامُ بعضِهم أنَّ الماءَ لا يُجزِئُ. وقال ابن حَبيبٍ المالكيُّ: لا يُجزِئُ الحَجَر إلا لِمن عَدِمَ الماءَ. * * * ١١ - بابُ لَا تُسْتَقْبَلُ القِبْلَةُ بغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، إِلَّا عِنْدَ البِنَاءِ؛ جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ (باب لا تُستقبل القبلةُ بغائطٍ أو بولٍ): في بعضِها: (ولا بَولٍ). قال الجوهري: أصلُ الغائطِ: المُطْمَئِنُّ من (١) الأرضِ الواسعُ، كان يُقصَدُ لقضاءِ الحاجةِ فيه، ثم كُنِّيَ به عن العَذِرَةِ. قال (خ): لكراهَةِ ذكرِه بخاصِّ اسمِه، فإنَّ عادةَ العربِ استعمالُ الكناياتِ تعفُّفًا في ألفاظِها عمَّا تُصانُ عنه الأبصارُ والأسماعُ. (جدار) بدلٌ من (بِناء)، (أو نحوه) في بعضِها: (أو غيرِه)، أي: كالحجَارةِ الكِبار وشبهِهَا. ١٤٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ

стр. 638

رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الغَائِطَ فَلَا يَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا يُوَلِّهَا ظَهْرَهُ، شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا). (ع). (فلا يستقبل) نَهيٌ، وكذا (لا يولها)، وقد يُرفعُ على أنَّه نفيٌ بمعنَى النَّهي. (شرقوا) الأخذُ في ناحيةِ المَشرقِ. (غربوا) الأخذُ في ناحيةِ المَغربِ، يقالُ: شتَّانَ بينَ مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبٍ. وفيه: الالتفاتُ من الغَيبة إلى الخِطاب، وهذا الخِطابُ لأهلِ المَدينة، ومَن كانت قبلتُه على سَمْتِهم، أمَّا مَن قبلتُه إلى المَغرب أو المَشرق؛ فإنه يَنحَرِفُ إلى الجَنوب أو الشِّمال. قال (ط): إن ترجَمتَه بقوله: (إلا عندَ البِناء) لا تؤخذُ من هذا الحديث، لكنَّه لمَّا عُلِمَ من حديثِ ابن عمرَ استثناؤُه البيوت؛ بَوَّبَ به، لأنَّ حديثَه ﷺ كلَّه كالشَّيءِ الوَاحد، كما أنَّ القُرآن كالآيةِ الواحدةِ. قال (ك): قد يُؤخذُ من هذا الحديث من حيثُ إنَّ الانخِفَاضَ والارتفاعَ غالبًا في الصَّحراء لا في الأَبنيةِ. قال المُهَلَّبُ: إنَّما نَهى عن الاستقبالِ والاستِدبارِ في الصَّحاري؛ من أجلِ من يُصلِّي فيها من المَلائكة، فيُؤذيهم بظُهُور عَورتِه مُستقبِلًا أو مُستَدبِرًا، بخلافِ البُيوت.

стр. 639

وقيلَ في الفَرق أيضًا: إنَّ الأماكِنَ قد تضيقُ في البُنيانِ عن تَحريفِ الكَنيفِ، أو أنَّها مأوى الشَّياطين لا الملائكة، كذا قال (ك)، وفيه نَظَر! وقال (خ): الفَضَاء: موضِعُ الصَّلاة، ومُتَعَبَّدُ المَلائكَة، والإنسِ، والجنِّ، فالقاعدُ مُستقبلًا أو مُستدبرًا مُستهدَفٌ للأَبصار، بخلافِ الأبنيةِ السَّاترةِ للأبصَار. قلتُ: فيه نَظَر! لأنَّ الملائكةَ لا تُحجَبُ بجُدُر. قال: أو أنَّ استبناءَها مُعَدُّ للصَّلاة وللدُّعاء، فلا يَتوجَّه إليها عندَ الحَدَث، وإذا ولاها ظهرَه تكونُ عورتُه أيضًا بإزائِها، وكان أبو أيوبَ يُعمِّمُ النَّهيَ في الصَّحراء والبُنيانِ، وهو مذهبُ أحمدَ في روايةٍ، وأبي ثَور. وابنُ عمرَ يُخصِّص بالصَّحراء، وهو مذهبُ الشَّافعي، ومالكٍ، لأنَّ فيه الجمعَ بين الأحاديث. وقال داودُ: يحرمُ فيها جميعًا. وقيلَ: يجوزُ الاستدبارُ لا الاستقبالُ، وهي رواية عن أبي حنيفةَ، وأحمدَ. * * * ١٢ - بابُ مَنْ تَبَرَّزَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ (باب من تبرَّزَ على لبنتين): التبرُّزُ كنايةٌ عن قَضاء الحاجَة في البَرَاز بفتح الباء، وهو الواسِعُ من الأَرض، واللَّبنةُ فيها الأوجُه الثَّلاثة

стр. 640

في نحو (كَتِف)، فلو كان ثانيهِ حَلْقيًّا جازَ فيه رابعةٌ، وهي: إتباعُ الفاءِ للعَين. * * * ١٤٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ ناَسًا يَقُولُونَ: إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ، فَلَا تَسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ المَقْدِسِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيتٍ لَنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى لَبِنتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ المَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ، وَقَالَ: لَعَلَّكَ مِنَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ، فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللهِ، قَالَ مَالِكٌ: يَعْنِي الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْتَفِعُ عَنِ الأَرْضِ، يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالأَرْضِ. (ع). في سنده ثلاثةٌ تابعيُّون يروِي بعضُهم عن بعضٍ. (أنَّه كان يقول: إن ناسًا ...) إلى آخره، أو أنَّ واسِعًا قالَ ذلك، وجَعلَه (ط) من قَولِ ابنِ عمرَ، ولكنَّ السِّياقَ لا يُساعدُه؛ قاله (ك). وليس بشيءٍ، بل الصَّوابُ أنَّه من قَول ابنِ عمرَ كما صرَّح به مسلمٌ في روايته. قال (ط): وقد رواه عن النبيِّ ﷺ مَعْقِلٌ الأسديُّ: (أنَّه نَهى أن

стр. 641

تُستقبلَ القِبلتانِ بغائطٍ أو بَولٍ). نعم قال أحمدُ: إنَّ حديثَ ابنِ عمرَ ناسخٌ للنَّهي عن استقبالِ بيتِ المَقدسِ، واستدبارِه. (المقدس) فيه فتحُ الميمِ وسكونُ القافِ وكسرُ الدَّال مُخفَّفةً، وضمُّ الميمِ وفتحُ القاف وتشديد الدَّال مفتوحةً، لغَتان مشهورتان، الأُولى على إرادةِ المَصدرِ أو المَكان، أي: بيتُ المَكان الذي جُعِلَ فيه الطَّهارةُ، أو بيتُ مكانِ الطَّهارة، والثَّانية بمعنَى: المُطَهَّر، وذلك إخلاؤُه من الأصنَام، وإنقاذُه منها، أو من الذُّنوب، ثم إنَّه من باب إضَافةِ المَوصوفِ إلى صفتِه، كمَسجِدِ الجَامعِ. (لقد): جوابٌ لقَسَم محذوف، (ارتقيت)؛ أي: صَعِدتُ، (على لبنتين): حالٌ من مفعولِ (رأى)، (مستقبلًا): حالٌ كذلك، أو من ضميرِ الحال الأولى، فتكونُ مُداخَلَة، أي: رأى ذلك من غيرِ قَصدٍ، وإنَّما كانت مِنه التِفاتةٌ، كمَا لا يَتعمَّدُ شُهودُ الزِّنا رؤيتَه، ولكنْ لمَّا وقعَ بصرُهم عليه شَهِدوا به، أو أنَّه قصَد رؤيةَ ما يجوزُ، فرأى رأسَه فقط، لكنْ دلَّه ذلك على كيفيَّه قُعودِه. (وقال) أي: ابنُ عمرَ يخاطِبُ واسِعًا. (على أوراكهم) جمع (وَرِك)، وكنَّى بذلك عن الجَاهلين؛ لأنَّ السُّنة في السُّجودِ التخوية -أي: لا يُلصقُ الوَرِكَ بالأَرض- فمَن فعَلَ ذلك فهو جَاهلٌ بالسُّنة، ولو لم يكنْ من هؤلاءِ لعَرَفَ جوازَ استقبالِ بيتِ المَقدِس، ولم يلتَفِت إلى قَولِهم.

стр. 642

(لا أدري)؛ أي: أنا منهم، أو لا أدري السُّنةَ في استقبالِ بيت المَقدسِ. واعلم أنَّه قيلَ للشَّعبِيِّ: إنَّ أبا هريرةَ يقولُ: (لا تَستقبِلوا القبلةَ ولا تستَدبروها)، وابنَ عمرَ يقولُ: (كانت منِّي التفاتةٌ، فرأيت النبيَّ ﷺ في كنيفِه مستقبلَ القبلةَ)، وفي روايةٍ (مستقبلَ بيتِ المَقدس)، فقالَ: صَدَقَ ابنُ عمرَ؛ ذاك في الكُنُفِ، وصدَقَ أبو هريرة ذاك في البَرِّيَّةِ. قال: وحديثُ أبي أيوبَ مُخصِّصٌ لحديثِ ابنِ عمرَ لا منسوخٌ به. وفي الحديث: أنَّ الصَّحابة كانوا يختلفون بِحسَب ما بَلَغَهم من العُموم وغيره. * * * ١٣ - بابُ خرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى البَرَازِ (باب خروج النساء إلى البراز)، وهو بفتح الباء: الفَضَاءُ، ويُكنَّى به عن الحَاجَةِ. قال (خ): ومن كَسَرَ فقد غَلِطَ (١)؛ ذاك بمعنَى المُبارَزة. * * *

стр. 643

١٤٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إِذَا تَبَرَّزْنَ إِلَى المَنَاصِعِ -وَهُوَ صَعِيدٍ أَفْيَحُ- فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ : احْجُبْ نِسَاءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي عِشَاءً، وَكَانَتِ امْرَأةً طَوِيلَةً، فَنَادَاهَا عُمَرُ: أَلَا قَدْ عَرَفْنَاكِ يَا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَنْزِلَ الحِجَابُ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الحِجَابِ. الحديث الأول: (أزواج النبي ﷺ )؛ أي: ومنهم عائشةُ راوِيةُ الحديث، بناءً على المُرجَّحِ في الأصول: أنَّ المُتكلِّمَ داخلٌ في عمومِ كلامِه أمرًا أو نَهيًا أو خبَرًا. (المناصع): بميمٍ مفتوحَة ونونٍ وصادٍ وعَينٍ مُهملتَين: مواضعُ خارجَ المدينةِ، واحدُها (مَنْصَع)، مَفعَل من: النُّصوعِ، وهو: الخُلُوصِ. (صعيد): ترابٌ، أو وجهُ الأرضِ، (أفيح) بفاءٍ ومهمَلة، أي: واسعٌ، والدَّار فَيحاء، أي: واسِعة. (عشاء) بكسر العَين والمدِّ: ما بين المَغرِبِ والعَتَمَة. (حرصًا): مفعولٌ لأجلِه، وعاملُه: (نادى). (الحجاب)؛ أي: حُكمُ الحِجَابِ بينَ النِّساء والرِّجال.

стр. 644

(آية الحجاب) يحتملُ الجنسَ، فيشملُ الآياتِ الثلاثَ ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، إلى آخرِها و ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ [الأحزاب: ٥٣]، إلى آخرِها، و ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، إلى آخرِها. ويحتملُ إرادةُ العَهد لواحدةٍ من الثَّلاث. وقال التَّيمِيُّ: المُرادُ بالحِجَاب أوَّلًا: سترُهنَّ بالثِّياب، حتى لا يُرى منهنَّ شيءٌ عند خروجِهنَّ، وبالحِجَاب الثَّاني: إرخاءُ الحِجَابِ بينَهنَّ وبين النَّاس. قال (ط): في الحديث مراجعةُ الأدوَنِ للأعلى في الذي لا يتبيَّنُ له، وفضلُ المُراجَعة إذا لم يقصِد التَّعنُّت، وفضلُ عمرَ، وموافقتُه ربَّه في هذه وغيرها، وكلامُ الرِّجال مع النساء في الطُّرُق لمَصلَحَةٍ دينيَّة، والإغلاظُ؛ لأنَّه قال: (قد عرفناكِ يا سودَةُ)، ووعظُ الرَّجلِ أمَّه؛ لأنَّها من أمَّهات المُؤمنين، وتصرفُ النِّساء فيما يحتَجْنَ إليه قياسًا على الإذنِ في خروجِهنَّ إلى البَرازِ بعد الحِجَاب كما في الحديث الآتي، وقد أمرَهُنَّ ﷺ بالخُروج للعيدين، وجوازُ النَّصيحةِ لله ولرسولهِ لقوله: (اُحجُبْ نساءَك). * * * ١٤٧ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ بنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (قَدْ أُذِن أَنْ

стр. 645

تَخْرُجْنَ فِي حَاجَتِكُنَّ)، قَالَ هِشَامٌ: يَعْنِي البَرَازَ. الحديث الثَّاني: (أذن) بالبناء للمفعول، وفي بعضِها: (أَذِنَ النبيُّ ﷺ )، وفي بعضِها: (قد أذن)، بزيادة (قد). (قال هشام) إمَّا تعليقٌ من البخاري، أو من مقولِ أبي أسامةَ. (تعني)؛ أي: عائشة. * * * ١٤ - بابُ التَّبَرُّزِ فِي البُيُوتِ (باب التَّبَرُّزِ فِي البُيُوتِ) ١٤٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنْ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّأمِ. الحديث الأول (ع) (١): (فوق)، في بعضِها بدله: (ظَهْرَ).

стр. 646

(حفصة)؛ أي: أختُه بنتُ أمير المؤمنين عمرَ. (مستدبرَ) نصبٌ على الحال، لأنَّ إضافتَه لفظيةٌ، فلم يتعرَّف بِها، وفائدةُ ذكرِ ذلك للتَّأكيد والتَّصريح، وإلا فمُستقبِلُ الشَّام في المَدينةِ مستدبرُ القِبلة قَطعًا. * * * ١٤٩ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ: أَنَّ عَمَّهُ وَاسِعَ بْنَ حَبَّانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ قَالَ: لَقَدْ ظَهَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِنَا، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى لَبِنتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ المَقْدِسِ. الحديث الثَّاني: (ذات يوم) من إضافَةِ المُسمَّى إلى اسمِه، أي: زمانٌ هو مسمَّى لفظِ اليَوم وصاحبِه، ويحتمل أنَّه من إضَافة العامِّ للخاصِّ، أي: نفسَ اليوم، فهو من التَّأكيد على كلِّ حال. (بيتنا) أو بيتًا لنا؛ أي: بيتُ حفصةَ، وسبق شرح الحديثين في (باب مَن تبَرَّز على لبِنتَين). * * *

стр. 647

١٥ - بابُ الاِسْتِنْجَاءِ بِالمَاءِ (باب الاستنجاء بالماء)؛ أي: غَسلُ موضعِ النَّجْوِ، وهو ما يخرجُ من البَطنِ، يُقال: أَنْجَا, أي: أحدَثَ، واستَنجا؛ أي: مَسحَ موضِعَه أو غَسَله. فإن قيل: الاستفعالُ طلبُ الفعلِ، وهو هنا ليس من طلَبِ النَّجْوِ؛ فقيلَ: قد يكون لطَلب الإنْجَاء، أي: سَلبِ النَّجْو، فالهمزةُ للسَّلب، ومثله: الاستِعتابُ، فإنَّه لطلَبِ الإِعتاب لا العَتَب. وقال (خ): الاستنجَاء: الذهابُ إلى النَّجْو، وهو المُرتَفَع من الأَرض ليستَتِر به في قضَاء الحاجة، وقيل: نَزْعُ الشَّيءِ من مَوضعه وتَخليصُه، واستَجنيتُ الرُّطَبَ: جنيتُه، لكنَّ هذا بتقديم الجيم، إلا أن يُدَّعى القلبُ. ١٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي مُعَاذٍ، وَاسْمُه عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَجِيءُ أَناَ وَغُلَامٌ مَعَنَا إِدَاوَاةٌ مِنْ مَاءٍ، يَعْنِي يَسْتَنْجي بِهِ. (م د س)، وإسنادُه بَصريُّون. (كان) يُشعرُ بالتَّكرار والاستمرَار.

стр. 648

(وغلام) مرفوعٌ، ويحتمل نصبُه مفعولًا معه، وهو: اسمٌ للصَّبي من وِلادته إلى بُلُوغه. ولا يُعرَف اسمُه، وقال بعض العَصريين: يحتمل أنَّه أبو هُريرة، فقد وُجِدَ لذلك شاهدٌ، وتسميتُه أنصاريًّا مجازٌ. قلت: لكنْ يُبعدُه أنَّ إسلامَ أبي هريرة بعدَ بلوغِ أنس، وأبو هريرة كبير؛ فكيف يقولُ أنسُ: (غلامٌ نَحوي)؟ وكيفَ يقولُ في رواية أُخرى: (غلامٌ منّا)؟ على أنَّ الإسماعيليَّ قال: ورُوي: (فاتبعتُه وأنا غلامٌ)، والصَّحيحُ: (أنا وغلامٌ). (معنا إداوة) بكسر الهمزة: المَطهرة، والجملةُ: حالٌ، وإن لم يكن فيها واوٌ على حدِّ: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: ٣٦]، وعينُ (مع) يجوزُ تسكينُها؛ ففي "المحكم": إنَّها اسمٌ بمعنى الصُّحبة متحركةُ العَين، تكون اسمًا وحرفًا، وساكنةً حرفٌ لا غير، وإذا وُصِلَت مع ألف وصل، فتحتَ أو كَسرتَ. (يعني)؛ أي: أنس. (يستنجي)؛ أي: النبي ﷺ ، والظَّاهرُ أنَّ هذا من كلام عطاء. وقال (ط): في كونِ الاستنجاءِ بالماء ليس في الحديث صريحًا؛ لأنَّ قوله: (يعنِي) من قولِ أبي الوليدِ الطَّيالِسِيّ. وقال (ش): قال الإسماعيليُّ: إنَّه من قولِ أبي الوليد شيخِ البخاري، وقد قَدَح بذلك في تبويبِ البخاري. وقال: وقد رواه سليمانُ

стр. 649

ابنُ حَربٍ عن شُعبةَ، ولم يذكُره، أي: لرواية البخاري الثَّانية، فيحتملُ أن يكونَ الماءُ لطَهوره أو لوُضوئه، كذا قاله (ش). قال الإسماعيلي: وهو تصحيفٌ، وإنَّما هو الأَصيليّ، وتلقَّاه مِن الأصيلي: (ط)، وأقرَّ (ك)، وليس بشيءٍ، فقد رواه الإسماعيليّ من طريقِ عمرو بن مرزوقٍ عن شُعبةَ، (فانطلقتُ أنا وغلامٌ من الأنصارِ، ومعنا إِداوَةٌ فيها ماءٌ يستَنجي منها النبيّ ﷺ ). ولمُسلمٍ من طريق خالدٍ الحذَّاء، عن عطاءٍ، عن أنسٍ: (فخَرَج علينا، وقد استنجَى بالمَاء). واحتجَّ الطَّحاويُّ للاستنجاء بالمَاء بقَوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، الآية. قال الشَّعبيُّ: لمَّا نزلت قالَ النبيُّ ﷺ : "يا أهلَ قُباء ما هذا الثَّناءُ الذي أثنى الله عليكم"؟ قالوا: ما منَّا أحدٌ إلا يستنجِي بالمَاء. ١٦ - بابُ مَنْ حُمِلَ مَعَهُ المَاء لِطُهُورِهِ وَقَالَ أبُو الدَّرْداء: أليْسَ فِيكُمْ صاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ وَالوِسَادِ. (باب من حمل الماء معه لطهوره): في بعضٍ: (لطُهُورٍ) بلا هاء، وهو هنا بالضَّم: الفعلُ على الأكثَر، وأمَّا بالفتح: فالمَاء كما

стр. 650

سبق، وأصلُ معناه: النَّزاهة. (وقال أبو الدرداء) موصولٌ في (المَناقب) وغيرِه. (صاحب النعلين)؛ أي: ابنُ مسعودٍ؛ لأنَّه كانَ يُلبِسُ رسول الله ﷺ نَعليه إذا قام، فإذا قَعَد أدخلَهما في ذِراعه. (والطهور) بفتح الطَّاء؛ أي: المَاء الذي يتطَّهر به النبيُّ ﷺ . (والوِساد) أي: المِخَدَّة، ويقالُ: الوِسادَة أيضًا، وسيأتي في (المَناقب) أنَّه صاحبُ السَّواد، بتقديم السِّين على الواو، إما بمعنَى الوِسَاد، وكأنَّه من القَلب، أو أنَّه صاحبُ السِّرار، يقال: ساوَدَه سَوَادًا أي: سارَرَه، وأصلُه: إدناءُ سوادِه من سوادِه، أي: الشَّخص. وإنَّما قال أبو الدرداء ذلك؛ لأنَّه كانَ يسكُن الشَّام، فيقولُ لأهل العراق حين يسألونه مسائِلَ: لِمَ لا تسألون عبدَ الله؟ وهو بينكم في العراق، لا تحتاجون تسألونني ولا غَيري من أهلِ الشَّام. قال (ط): وفيه خدمةُ العالِمِ، وحملُ ما يَحتاجُ إليه (١) من المَاءِ وغيره، وأنَّ ذلك شرَفٌ للمُتعلم؛ لأنَّ أبا الدرداءِ أثنَى على ابنِ مسعودٍ بذلك. * * * ١٥١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي

стр. 651

مُعَاذٍ -هُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونة- قَالَ: سَمِعْتُ أَنسًا يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ تَبِعْتُهُ أَناَ وَغُلَامٌ مِنَّا مَعَنَا إِداوَاةٌ مِنْ مَاءً. (إذا): ظرفٌ، فلا منافاةَ بينها وبين (خَرَجَ) الذي للمُضِيِّ، بخلافِ ما إذا كانت شرطيَّةً، فإنَّها للاستقبال، إلا أن تكونَ حكايةً للحالِ الماضية. (منا)؛ أي: من قومِنا، أو من خواصِّ النبي ﷺ ، أو من المسلمين. ١٧ - بابُ حَملِ العَنزة مَعَ المَاءِ فِي الاِسْتِنْجَاءِ (باب حمل العنزة): بفتح النُّون، أطولُ من العَصا وأقصرُ من الرمح، وفي طَرَفِها زُجُّ، أي: سِنانٌ من حديد كالرُّمحِ. ١٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قال: حَدَّثَنَا شُعبَةُ، عَنْ عَطَاء بْنِ أَبِي مَيْمُونة، سمعَ أَنسَ بْنَ مَالِكٍ يقول: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنخُلُ الخَلَاءَ، فَأحمِلُ أَناَ وَغُلَام إِداوَاةً مِنْ ماءٍ، وَعَنَزَةً، يَسْتَنْجي بِالمَاءَ. تَابَعَهُ النَّضْرُ وَشَاذَانُ، عَنْ شُعْبَةَ. العَنَزَةُ: عَصًا عَلَيْهِ زُجّ.

стр. 652

(سمع أنسًا) هو معنَى قوله فيما سبَقَ: (سمعتُ أنسًا). (يستنجي به): استئنافٌ، وكأنَّ سائلًا قال: ما كانَ يصنعُ به؟ فقَال: يستَنجي. (وَعَنَزة) الغَرضُ من حَملِها أنَّه كان إذا استَنجى توَضَّأ، وإذا توضَّأ صلَّى، فيستَتِرُ بِها في صلاتِه، أو كانَ يَبعُدُ عن النَّاس، فيدفعُ بِها الضَّرر، أو ليَنبُشَ الأرضَ الصُّلبةَ بِها لئلا يرتَدَّ البولُ ونحوُه. (تابعه النضر)؛ أي: ابنُ شُمَيل، وصَلَها النَّسائيُّ، (وشاذان) بمُعجمَتَين؛ أي: الأسودُ بنُ عامر، وصَلَها البخاريّ في (كتابِ الصَّلاة). * * * ١٨ - بابُ النَّهَي عَنْ الاِسْتِنْجَاء بِاليَمِينِ (باب النهي عن الاستنجاء باليمين) ١٥٣ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ -هُوَ الدَّسْتَوَائيُّ-، عَنْ يَحيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي قتادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُم فَلَا يتنفَّسْ فِي الإناَءِ، وَإِذَا أتَى الخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينهِ، وَلَا يتمَسَّحْ بِيَمِينهِ). (م ت د س ق). (فلا يتنفس) هو والأفعالُ بعدَه بالجَزمِ على النَّهي، وفي روايةٍ

стр. 653

بالرَّفع على أنَّه نفيٌ بمعنى النَّهي، وحكمتُه في التَّنفُّس: أنه لا يأمنُ ريقًا يخرجُ من فيه، فيخالطُ الماءَ، فيَعافُه الشَّاربُ، وربَّما تَروحُ منه إذا كانت فاسدةً؛ لِلُطف الماء، فتُسرِعُ إليه الرَّائحة، وأيضًا فذلك من فِعل الدَّواب، وإنَّما السُّنة أن يشربَ ثلاثةَ أنفاسٍ، كلُّ نَفَسٍ يُنحِّي الماء عن فَمِه، وأن يكونَ شُربُه مَصًّا غيرَ عبٍّ. (فلا يمس ذكره بيمينه)؛ أي: تَشريفًا لليُمنى عن مُمَاسَّة ما فيه الأَذى والحدَث، وقد كان ﷺ يجعلُ يُمناه لطَعامِه وشَرابِه، ويُسراه لِخِدمَةِ أسافِل بدَنه، وإماطةِ ما يكونُ بِها من قَذَر. (ولا يتمسح)؛ أي: لا يستَنجِ باليُمنَى؛ لشَرفها كما تقَدَّم، حتى قال بعضُهم: إذا استَنجى بِها لا تُجزِئُه، قالوا: وإذا احتاجَ البائِلُ لذلك بأن لا يجدَ إلا حجَرًا ضَخْمًا لا يزولُ من مَكانِه، فإنَّه إنْ أمسَكَ ذَكَرَه بشِمَاله احتَاجَ أن يستنجِيَ باليمين، وإن أمسَكَه بيمينه لم يتمكَّنْ من الاستِنجاء بالشِّمال، فطَريقُه للتَّخلُّصِ عن النَّهيَين؛ أن يُلصِقَ مقعَده بالأرض، ويُمسِكَ المَمسوحَ بين عَقِبيه، ويتناولَ عُضوَه بشِماله، فيمسحَه به. وحضَر ابنُ أبي هريرة مجلسَ المَحَامِلِيّ، وقد حضَر شيخٌ من أصبَهانَ -أيامَ المَوسم- نبيلُ الهيئَة، فأقبلتُ عليه وسألتُه عن الطَّهارة، فقالَ: مِثلي يُسأَلُ عنها! فقلتُ: لا والله إنْ سألتُك إلا عن الاستِنجاء نفسِه، فألقَيتُ عليه هذه المَسألة، فبقيَ مُتحيِّرًا لا يُحسِنُ الخروجَ منها إلى أن فهَّمتُه.

стр. 654

وقال الطِّيبِيُّ: النَّهيُ بِمَسح اليمين مُختصٌّ الدُّبُر، ونهيُ المسِّ مُختصٌّ بالقُبُل، فعُلِمَ منه أنَّه إذا أخَذَ الحجرَ باليُمنى ومسحَ ذكَرَه بالشِّمال لم يُكره، فلا إشكالَ. ١٩ - بابٌ لَا يُمسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ (باب لا يُمسِك ذكره بيمينه) ١٥٤ - حَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعيُّ، عَنْ يَحيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قتادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا بَالَ أَحَدُكُم فَلَا يَأخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينهِ، وَلَا يَسْتَنْجي بِيَمِينهِ، وَلَا يتنَفَّسْ فِي الإناَءِ). (فلا يأخذن) فيه زيادةٌ لا على الرِّواية السَّابقة؛ التَّوكيدُ بالنّون، وهناك: (إذا دَخَل الخَلاء)، وهنا: (إذا بالَ). (ولا يتنفس) قضيَّةُ عطفِه على المُقيَّد بوقتِ البَول أن يكونَ التنفُّسُ كذلك، وهو مَنهِيٌّ عنه مُطلقًا، فيتعيَّنُ عطفُه على مَجموعِ جُملتي الشَّرط والجَزاء، ولهذا لم يؤكِّده بالنّون. نعم، مذهبُ السَّكَّاكيِّ: أنَّ الجملة الجزائيَّة خبرية مقيَّدةٌ لا بالشَّرط، ولا يلزمُ من تقييدِ المَعطوفِ عليه تقييدُ المعطوفِ؛ على ما عليه أكثرُ

стр. 655

النُّحاة، وأمَّا الاستنجاءُ باليمين؛ فهو كان عُطِفَ عليه؛ قد يَختصُّ بالقُبُل، بل يَعُمُّ الدُّبر، ففيه ردٌّ على من قيَّد: (لا يتَمسَّح)؛ بأنَّه للدُّبر. * * * ٢٠ - بابُ الاِسْتِنْجَاء بِالحجَارَةِ (باب الاستنجاء بالحِجَارة) ١٥٥ - حَدَّثَنَا أَحمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَكِّيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمرُو بْنُ يَحيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمرٍو الْمَكِّيُّ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقَالَ: (ابْغِنِي أحجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِها -أَوْ نَحْوَهُ- وَلَا تأتنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ)، فَأَتَيْتُهُ بأَحجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي، فَوَضَعتها إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَى أَتبَعَهُ بِهِنَّ. (خ). (أحمدُ بنُ محمَّدٍ المَكِّيّ) هو أبو الوليدِ الأَزرَقِيُّ، جَدُّ صاحِبِ "تاريخ مكَّة"، وفي طبقته: أحمدُ بنُ محمَّدِ بنِ عوفٍ، أبو محمَّد المكِّيُّ يُعرَفُ بالقَوَّاس، لم يروِ عنه البخاري، وقد وَهِمَ (ك) حيثُ جعَلَهما واحدًا. (أتبعت) قلتُ: بقَطعِ الهمزةِ رُباعيًّا؛ أي: لَحِقتُه، قال تعالى ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠].

стр. 656

وجوَّز ابنُ التِّينِ معَ ذلك أن يكونَ بالتَّشديد وهمزةِ الوَصل خُمَاسيًّا، أي: مَشَيتُ خلفه، وتبعَه على تجوّز الوجهين الحافظُ عبدُ الكريم في "شرحه"، وفي "المُحكَم": تَبعَ وأتْبَعَ واتَّبَعَ؛ بمعنى. قال: وفي التَّنزيل: ﴿أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩]، أي: تَبعَ. (وخرج) جملةٌ حاليَّةٌ بتقدير: قَد. (ابغني) بهمزة وَصلٍ ثلاثيًّا؛ أي: اطلُب لي، نحو: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]؛ أي: يطلُبونها لكم، أمَّا (أبغَيتُك) الرُّباعي؛ فمعناه: أعنتُكَ على طَلَبِه. وقال (ك): الوَجهان جائِزَان مروِيَّان. قال: وفي بعضِها: (ابغِ لي). (أحجارًا) في بعضِها: (حجارَة). (أستنفض) بالرَّفع صفةٌ، وقال (ك): استئنافٌ، وبالجَزم جوابُ الأمرِ، وهو (استفعالٌ) من النَّفضِ، وهو: هزُّ الشَّيء ليطيرَ غُبارُه وغيرُه، والمرادُ هنا: أستَنظِفُ بِها، أي: أُنظِّفُ نفسِي بِها من الحدَث، فكَنَّى به عن الاستِنجاء، أو عن الاستِجمار. قال (ش): كذا رُوي، وقال المُطَرِّزِيُّ: مَن رواه بالقَاف والصَّاد المُهملة فقَد صَحَّفَ. (أو نحوه) بالنَّصب، أي: أو قالَ نحوَ هذا القَول، ففيه جوازُ الرواية بالمَعنى.

стр. 657

(ولا تأتني)، في بعضِها: (ولا تأتِ لي). (بعظم) قيل في معناه: أنَّه لَزِجٌ فلا يتَماسكُ لقَلعِ النَّجاسَة به. وقيلَ: لأنَّه لا يَعرَى غَالبًا من بقيَّة دَسَمٍ يعلَقُ به، فيكونُ مأكولًا للنَّاس، ولأنَّ الزَّجرَ عنه؛ لأنَّه يُمَشمَشُ في الرَّفاهية، والصُّلبُ يُدَقُّ ويُستَفّ. وقيلَ: لأنَّه طعامُ الجِنّ. (ولا روثة) لأنَّه نجِسٌ، فيَزيدُ ولا يُزيل. وقيل: لأنه طُعْمُ دوابِّ الجِنِّ، ففي "دلائل النبوة" لأبي نُعيم: أنَّهم سألوه ﷺ هديَّة؛ فأعطَاهم العَظم لهم، والرَّوثَ لدوابِّهم، بل قيلَ: إنَّه طعامٌ لنفسِ الجِن. ففي "الدَّلائل" للحاكِم: أنَّه ﷺ "قال لابنِ مسعود ليلةَ جِن نَصيبِين: أنَّهم سألوه الزَّادَ، فمتَّعهم بالعَظم والرَّوث، فقال له: وما يُغنِي عنهم؟ قال: "إنَّهم لا يجدونَ عظمًا إلا وجَدوا عليه لحمَه الذي كانَ عليه يومَ أُخذ، ولا يجدونَ رَوثًا إلا وجَدوا فيه حبَّه الذي كان فيه يومَ أُكِلَ، فلا يستنجِ أحدُكم: لا بعظمٍ، ولا برَوثٍ". وفي "أبي داود": أنَّهم قالوا: (يا محمَّدُ، اِنْهَ أُمَّتك لا يستَنجوا بعَظمٍ أو رَوثٍ، فإنَ الله جعلَ لنا فيه رِزقًا، فنهى النبيُّ ﷺ عنه). وفي الحديث: أنَّ ما في معنى الحجَر من كلِّ طاهرٍ قالعٍ غيرِ مُحترم يُستَنجى به؛ لأنَّ بإخراجِهما عُلِمَ أنَّه لا خصوصيَّة للحِجارة،

стр. 658

وإلا لمَا كان لذلك فائدةٌ؛ لأنَّها غيرُ الحِجارة. وعُلِمَ أنَّ ذِكر الحِجارة إنَّما هو لأنَّها الغالبُ في الوِجدان، فبَطَلَ قولُ أهلِ الظَّاهر أنَّ الحَجَر متعيِّنٌ، فلا يجوزُ غيرُه، ولا ينبغي أن يُمنعَ كلُّ ما ليس بحَجَر قياسًا على مَا مُنِعَ منه، وهو العَظم والرَّوثُ، لعَدَمِ المَعنى الذي فيهما فِي غيرِهِما، وليسَ فيه أيضًا تنبيهٌ على مَنعِ غيرهما؛ لأنَّ غيرَهما ليس بالمَنع أولى، حتَّى يكونَ مثل: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فعم أصلَ الاستِنجاء. قال (ط): إن مذهبَ مالك والكوفيين أنَّه سنَّةٌ، لأنَّ الحجَر لا يُنقِّي كالماء، فلمَّا جازَ الحَجَر مع بقاءِ الأَثر النَّجِس عُلِمَ أنَّ الاستِنجاء سُنَّةٌ، والشَّافعيُّ وأحمدُ قالا: فَرضٌ؛ لأمرِه ﷺ بالاستِنجاء بثَلاثة أحجارٍ، وكلُّ ما فيه تعدُّدٌ يكونُ واجبًا، كوُلوغِ الكَلب. قلت: ينتقِضُ بغَسل الكفَّين قبلَ أن يغمِسهُما ثلاثًا عندَ الشَّك في نجاسَتِهما. (بطرف)؛ أي: في طَرف (ثيابي)، المُرادُ جنسُها، لا الكلّ. قلت: قد رواه الإسمَاعيليُّ في "مُستَخرجه": (طرف مُلاءَتي). وفي الحديثِ جوازُ اتَّباعِ السَّاداتِ بغير إذنِهم، واستخدامُ المَتبوعِ إيَّاهم، وندبُ الإعراضِ عن قاضي الحَاجة، وإعدادُ النُّبَلِ للاستِنجاء به قبلَ القعود؛ لئَلا يتلوَّثَ إذا قامَ بعد الفَراغ لطلَبِها.

стр. 659

٢١ - باب لا يُستنْجَى بِرَوْث (باب لا يستنجى بروث): في بعضِها إسقاطُ الباب، وذُكر الحديثِ مع حديث أبي هريرةَ الذي قبلَه. ١٥٦ - حَدَّثَنَا أبو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زهيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ: أنَّهُ سَمعَ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أتى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَني أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحجَارٍ، فَوَجَدتُ حَجَرَيْنِ، وَالتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَم أَجِدهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِها، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَألقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: (هذَا رِكْسٌ). (س ق). (زهير) هو ابنُ معاويةَ الجُعْفِيُّ، (عن أبي إسحاق) هو السَّبيعِيُّ، قال أحمدُ: إنَّ في روايتَه عنهُ لِيْنٌ، لكونه ما سَمع منه إلا بأخَرَةٍ، فلعلَّه بعدَ اختِلاطِه. والإسنادُ كلُّه كوفيُّون، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين. (قال: ليس أبو عبيدة ذكره)؛ يعنِي: أبا عبيدة عامرَ بنَ عبد الله بنِ مسعود، وسيأتي في الأسماء أنَّه قيلَ: إنَّ اسمَه كنيتُه، وإنَّ الكثير سَمَّوه بذلك، وهو: أخو عبدِ الرَّحمن. قال أحمدُ: وكانَ يُفَضَّلُ عليه.

стр. 660

وذكره أبو داودَ عن شعبةَ: أنَّ أباه ماتَ وعمرُه سبعَ سنين، لكنْ قال ابن التِّين: خمس، وأنَّه لم يَسمع من أبيه شيئًا، ولكنَّ الطبرانيَّ في حديثٍ قال: إنَّه سَمع منه، فأرادَ أبو إسحاقَ بِهذا أنَّه ما حدَّثه به، وإنَّما حدثَه عبدُ الرحمن بنُ الأسود، عن أبيه، عن ابنِ مسعود، فيصيرُ السَّند هكذا: أبو إسحاق عن عبدِ الرَّحمن ... إلى آخره؛ على أنَّ الترمذيّ أخرجَه عن إسرائيلَ عن أبي إسحاقَ عن أبي عُبيدَة عن عبد الله، وكذا رواه قيسُ بنُ الرَّبيع عن أبي إسحاقَ عن أبي عُبيدَة، وذَكَر رواياتٍ، ثم قالَ: والحديثُ فيه اضطِرابٌ. قال: وسألتُ البخاريَّ: أيُّ الرَّواياتِ في هذا عن أبي إسحاق أصحُّ؟ فلم يقضِ فيه بشيءٍ، فكأنَّه رأى حديثَ زهيرٍ عن أبي إسحاقَ عن عبدِ الرَّحمن بنِ الأسود عن أبيه عن عبد الله أشبهَ، ووَضَعه في "الجامع". قال: وأصحُّ شيءٍ عندي حديثُ إسرائيلَ، أي: السَّابق؛ لأنَّ إسرائيلَ أثبتُ وأحفظُ لحديثِ أبي إسحاقَ من هؤلاءِ، وزهيرٌ فيه ليس بذاك، لأنَّه سَمعَه بأَخَرَةٍ، وأبو عبيدةَ لم يسمع من أبيه، انتهى. قال (ك): كيفَ يقولُ ذلك مع قوله في حديثِ إسرائيلَ: إنَّه أصحُّ؛ مع أنَّه عن أبي عبيدة عن أبيه؟ فتعيَّن أنَّ الأصحَّ ما في البخاريّ، وأمَّا كونُ زهيرٍ سمع من أبي إسحاق بأَخَرَةٍ، فلا يقدَحُ فيه لثُبوتِ سَماعه منه هذا الحديثَ قبلَ الاختِلاطِ بطُرُقٍ متعدِّدة. قلت: وبعضُهم حَمَل قولَ أبي إسحاق على معنَى: أنَّه لم يسمعْه

стр. 661

منه وحدَه؛ بل سمعه من غيرِه أيضًا، وهو حَسَنٌ؛ لِمَا سبق من الرواياتِ في الترمذيّ عنه عن أبي عُبيدةَ عن أبيه. وكذا رواه الطَّبرانيُّ عن يونسَ بنِ أبي إسحاقَ عنه، وغيرُه، حتَّى قال أبو زُرْعَةَ: الصَّحيحُ عندي حديثُ أبي عُبيدةَ عن أبيه، وبذلك يَندفعُ من جَعَل هذا من أبي إسحاقَ تَدليسًا خَفِيًّا، حيث قال: (لم يحدثني أبو عُبيدَة، ولكنْ عبدُ الرَّحمن)، ولم يقُلْ: (حدَّثني عبدُ الرَّحمن)، وهو عجيبٌ! فإنَّ قولَه: (ولكنْ عبدُ الرَّحمن)، أي: ولكنْ حدَّثني، وهذا ظاهرٌ لا خَفاءَ به، بل صرَّح بأنه حدَّثه في حديثِ البخاري السَّابق عن إبراهيمَ بنِ يوسفَ عن أبيه عن أبي إسحاقَ عنه. وإنَّما أطَلتُ في (١) هذا، وإنْ لم يكُن في (ك) و (ش)؛ لمَحلِّ الحَاجَة. (الغائط)؛ أي: المَكانَ المُطمئِنَّ لقَضاء الحَاجة كما سبَق. (أن آتيه)، (أَنْ): مَصدرَّية، بخلافِ: (أن اِفعلْ) بالأمر؛ فإنَّه يحتَمِل التَّفسيريَّة أيضًا. قلتُ: بل أبو حيَّانَ يَمنع (أن) تُوصلَ أن المصدرَّيةُ بفِعل الأَمر، وَيرُدُّ ما وَرَد من ذلك إلى (أَنْ) التَّفسيريَّة، ويؤوِّلُ كلامَ سيبويهِ في حكايتِه: (كتبتُ إليه بأَن قُم)؛ على أنَّ الباءَ زائدةٌ. (بثلاثةِ أحجار) دليلٌ على اعتبارِ الثَّلاثة، وإلا لَمَا طلَبها، وصرَّح

стр. 662

به في حديثِ سلمان (١) في مسلم: (نهانا أَنْ نستَنجِيَ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجَارٍ)، وكذا حديثِ أبي هريرة: (ولا يَستنجِ بدونِ ثلاثةِ أحجَارٍ). (فأتيته بِها)، أي: بالثَّلاثة. (هذه)؛ أي: الرَّوثَة، وفي بعضِها: (هذا)، لأَجل أنَّ الخبَر يذكَّر كما في ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]. قال التَّيمِيُّ: الرَّوثة إنَّما تكونُ للخَيل والبِغَال والحَميرِ. (ركس) بكسر الرَّاء: الرَّجيعُ، لكونه يَرجِعُ من حالِ الطَّهارة إلى حالِ النَّجاسة، ويُروى: (رجس)، بمعنى: نَجِس، أو نحو ذلك، وقال النّسائي في "سننه الكبرى": (الرَّجيع): طَعامُ الجِنّ. وقال (ط): (الرِّكس): يُمكِنُ أن يُرادَ به الرِّجس، ولم أجدْ لأهلِ النَّحو شرحَ هذه الكلِمَة. قال: وذهبَ مالكٌ، وأبو حنيفة إلى أنَّ دونَ ثلاثةِ أحجار (٢) كافٍ في الاستِنجاء حيثُ وُجِدَ الإِنقاءُ، فالمَدارُ عليه لا على عَدد. قال الطَّحَاوِيّ: يدلُّ عليه أنَّه ﷺ قعَدَ في مَوضعٍ لا أحجارَ فيه، بدليلِ طلبِ ثلاثةِ أحجار، فلمَّا أُتِيَ بحجَرين وأخذَهُما دلَّ على الاكتِفاء بِهما، وإلا لَطَلب ثالثًا، وأُجيبَ باحتِمال حضور ثالثٍ، ولكنْ لم يَعلم، فطَلَبَ الثَّلاث، فلمَّا عَلِمَ اكتَفى بالحَجَرين معه.

стр. 663

وقال ابنُ القَصَّار: وردَ في بعضِ الآثارِ التي لا تصِحُّ (أنَّه أتاه بثالث)، قالَ: وعلى كلا الأَمرين هوَ دليلٌ لنا، لأنَّه اقتصَر للمَوضِعَين: القُبُل والدُّبُر على ثلاثة، فيحصُلُ لكل منهما أقلُّ من ثلاثة. قال: ويُحتَمَل أنه أرادَ بذكرِ الثَّلاث أنَّ الغالِبَ وجودُ الإنقاءِ بِها، أو الثَّلاثةُ استحسانٌ فيه أيضًا، فالاستِنجاء مَسحٌ، والمَسحُ لا يوجِبُ تَكرارًا، بدليلِ مسحِ الرَّأس والخُفِّ أيضًا، فهي نَجاسَةٌ عُفيَ عن أثَرِها؛ فوَجَب أن لا يجبَ تكرارُ المَسح بِها. قال (ك): في بعض الأحاديثِ: أنَّه أمر عبدَ الله بإحضار ثالثٍ، فلم يكتَفِ بالاثنين، أو أنَّه اكتَفى في طلب الثَّالث بالأمرِ الأوَّل بإحضَار الثَّلاث، أو اكتَفى في المَسْحَات الثَّلاث بأطرافِ الحَجرين عن ثالثٍ، وأما احتمالُ مَسْحِ المَوضِعَين؛ فقد يُمنعُ باحتِمال أنَّ الحاجَة في أحدِهما فقط، أو أنَّ مَسحَ الأرضِ يكفي في القُبُل، فالثَّلاثةُ للدُّبُر، وأمَّا القياسُ على المَسح للرَّأسِ والخُفِّ؛ فقولٌ بالرَّأيِ مع وجودِ النَّص، ومثلُه يُسمَّى في الأصولِ: فسادَ الاعتِبارِ. (وقال إبراهيم بن يوسف) هي متابعة ناقصةٌ، ذَكَرها تعليقًا على أنَّ إبراهيمَ هذا مُتَكَلَّمٌ فيه كما سيأتي في قِسمِ الأسماء، وأنَّ يحيى قال: إنَّه ليس بشيءٍ، والنَّسائي: إنَّه ليس بالقويّ، لكنْ يُغتَفَرُ مثلُه في المُتابعةِ، ولم يوجد في كثيرٍ من النُّسخِ ذكرُ هذه المُتابعةِ، وقال بعضُ العَصريين: إنَّه لم يجِدها في روايةٍ. * * *

стр. 664

٢٢ - بابُ الوُضوء مَرَّةً مَرَّةً (باب الوُضوء مرَّةً مرَّة) ١٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زيدِ ابْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً. (د ت س ق). (محمد بن يوسف) يحتمل أنه البِيْكَنْدِيُّ، وأنَّه الفريابِيُّ، فعلى الأولِ يكونُ: (سفيان) هو ابنُ عُيينةَ؛ لأنَّ الغالبَ روايتُه عنه، وعلى الثَّاني: الثَّوري؛ لأنَّه الغالبُ، وليس مثلُ ذلك تَدليسًا، ولا قَدحًا، لأنّ كلًّا عَدلٌ ضابطٌ على شَرطه، كذا قال (ك)، ولا حاجةَ لهذا الاحتِمال، فإنه الفِرْيابِيّ، وسُفيان هو الثَّوريّ. (مرة مرة)، قال (ك): منصوبٌ على الظَّرف، أي: توضَّأ في زمانٍ واحدٍ، فلو كان ثَمَّةَ غَسلتانِ أو غَسلاتٌ لكلِّ عضوٍ من أعضاء الوضوء؛ لكان التَّوضؤُ زمانين أو أزمِنةً؛ إذ لا بدَّ لكلِّ غَسلةٍ من زمانٍ غيرِ زمان الغَسلة الأخرى، أو منصوبٌ على المصدر، أي: توضَّأَ مرّةً من التَّوضُّيء أي: غَسلُ الأعضاءِ غَسلةً واحدةً، وكذا حُكم المسح.

стр. 665

فإن قلتَ: فعلى هذا التقدير يلزمُ أن يكونَ معناه: توضَّأ رسولُ الله ﷺ في جميع عُمُره مرَّةً واحدةً، وهو ظاهرُ البُطلان. قلت: لا يلزمُ، بل تكرار لفظِ: (مرةً) يقتضي التَّفصيلَ والتَّكثيرَ، أو تقول: المرادُ أنَّه غَسل في كلِّ وُضوءٍ كلَّ عُضوٍ مرَّةً، لأنَّ تكرارَ وُضوئه معلومٌ بالضَّرورة، انتهى. قلت: هذا الثَّالثُ واضحٌ، أي: توضَّأ فغَسل كلَّ عُضوٍ مرّةً، فكرَّر (مرَّة) لأجلِ ذلك، فنصبُه على المفعولِ المُطلق المبيِّنِ للكمِّية. والوجهانِ الأوَّلان لا يَخفَى بُعدُهُما، والتَّعسُّف فيهما. * * * ٢٣ - بابُ الوُضُوء مَرَّتَينِ مَرَّتَيْنِ (باب الوضوء مرتين مرتين) ١٥٨ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا يُونسٌ بنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بنِ تَمِيم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. الحديث: (أبي بكر بن محمد بن عمرو): سقط في بعضِ النُّسخ: (محمد).

стр. 666

(توضأ مرتين مرتين): في إعرابه ما سبق، بل فيه ما يؤيِّد الوجهَ الثَّالث ويضعِّف الآخرين. ٢٤ - بابُ الوُضُوء ثَلَاثًا ثَلَاثًا (باب الوضوء ثلاثًا ثلاثا)؛ أي: لكلِّ عضوٍ. ١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سعدٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِناَءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدخَلَ يَمِينَهُ فِي الإناَءَ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، (ثُمَّ) مَسَحَ بِرَأْسهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هذَا، ثُمَّ صَلَّى ركعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ). (م د س). وإسنادُه مدنيُّون، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعينَ: ابنُ شهابٍ فَمَن فوقَه. (بإناء)؛ أي: فيه الماء. (فأفرغ)؛ أي: صَبَّ، أما (فَرِغَ) بالكسر، فمعناه: انصَبَّ.

стр. 667

(مرات) في بعضِها: (مِرَارًا). (فمضمض) الفاء فيه تُسمَّى الفَصيحةُ، لأنَّها عاطفةٌ على محذوف، أي: أخذَ الماء منه، وأدخلَه في فيه فمَضمَضَ. (واستنثر) في بعضِها: (واستنشَقَ). والاستِنثارُ: إخراجُ الماء من الأنف بعدَ الاستِنشَاقِ؛ خلافًا لقول ابنِ قُتَيبَةَ: إنه الاستِنشَاقُ في روايةِ الجَمع بينهما، وهو مأخوذٌ من النَّثْرَةِ، وهي: الأنفُ، أو طرفُ الأنفِ، أو الفُرجَةُ بين الشَّاربين على الخِلاف، وتقديمُ المَضمضَة على الاستِنشاقِ مُستحَقٌّ؛ لاختلافِ العُضوين، وقيل: مستحبٌّ كتقديم اليُمنى، ففي الحديث: أنَّه يأخذُ الماءَ لهما بيمينه، وأنَّهما بغَرفَةٍ واحدة، وهو أحدُ الأوجُه الخَمسة. قال (ن): أجمعَ العلماءُ على أنَّ الواجبَ في غَسل الأعضاء مرَّةٌ، وأنَّ الثَّلاثَ سنةٌ، وقد جاءت الأحاديثُ بالغَسل مرَّةً ومرَّتين وثلاثًا، وبعضُ الأعضاء ثلاثًا، وبعضُها مرتين، وبعضُها مرَّةً، واختلافُها دليلُ جوازِ الكُلّ، والثلاثُ هي الكمالُ، أو يُحملُ الاختلافُ على أنَّ بعضَ الرُّواة حفِظَه، فيُؤخَذ بما زادَه الثِّقةُ، وتثليثُ مسحِ الرَّأس قال به الشافعيُّ، وقال الثَّلاثة: المَسحُ مرَّة. واحتجَّ الشافعي بما في أبي داودَ: أنَّه ﷺ مسحَ رأسَه ثلاثًا، وبالقياسِ على باقي الأعضاء، وأنَّ روايةَ المَسح مرَّةً إنَّما هي لبيان الجواز، وجَرَيانُ الماء عند الجُمهور كافٍ، وأوجب مالكٌ الدَّلكَ.

стр. 668

(نحو وضوئي)، قال (ن): إنَّما لم يقُل: (مثلَ)؛ لأنَّ حقيقةَ مُماثلتِه لا يقدِرُ عليها غيرُه، كذا قال، وقد ثبت التَّعبيرُ عند المصنِّف كما سيأتي في (الرّقاق)، وكذا عند مسلم. (لا يحدث)؛ أي: بشيءٍ من أمور الدُّنيا، فلو عَرَضَ له فأعرَضَ عنه عُفِيَ عنه، وحَصَل له هذا القصدُ؛ إذ ليس من فعله، وقد عُفيَ عن الأمَّة الخواطرُ التي لا تستَقِرُّ. قال (ع): في قوله: أي (لا يُحدِّثُ نفسَه)؛ الإشارةُ إلى أنَّ المنفيَّ ما يَجتلِبُه ويكتَسِبُه، لا ما يقعُ في المخاطر غالبًا. قال بعضهم: لكنَّه دونَ مَن سَلِمَ من الكُلِّ؛ لأنَّ الشارع إنَّما ضَمِنَ الغُفرانَ ليُراعيَ ذلك مجاهدةَ نفسِه من خَطَرات الشَّيطان، ونفيها عنه، ويُفرِّغَ قلبَه، ويُحتَمل أنَّ المرادَ الإخلاصُ، لا لطالبِ جاهٍ، أو تركُ العُجْبِ، بأنْ لا يرى لنفسِه منزلةً رفيعةً بأدائِها. * * * ١٦٠ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: قَالَ ابْنُ شِهابٍ: وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُم حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ مَا حَدَّثتكُمُوهُ، سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (لَا يتَوَضَّأُ رجلٌ يُحسِنُ وُضُوءَهُ، ويُصَلِّي الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيها). قَالَ عُروَةُ: الآيَة ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾.

стр. 669

(وعن إبراهيم)، أي: ابنِ سعدٍ، وهو تعليقٌ بصيغةِ تَمريضٍ. وقد اجتمع في هذا السَّند ستةٌ مدنيّون، وأربعةٌ تابعيّون، وفيه روايةُ الأكابِر عن الأصَاغر، فإنَّ صالحَ بنَ كَيسَانَ أكبرُ سِنًّا من الزُهرِي، قاله (ك). وفيه نظرٌ من وَجهين: الأولُ في قوله: (إنَّ هذا تعليقٌ) وإنَّما هو معطوفٌ على قولِ: (حدثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ)، والدليلُ على ذلك ما أخرجَه مسلمٌ من طريقِ يعقوبِ بنِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ عن أبيه بالإسنادين معًا. والثَّاني: في قوله: (روايةُ الأكابر عن الأصَاغر)، بل هُما قرينان. (لأحدثنكم) جوابُ قَسَم محذوف، وفيه جوازُ الحَلِفِ من غير ضَرورةٍ. (لولا آية)، أي: ثابتةٌ في القرآن، أو نحوُ ذلك، فخبَرُ المبتدأ يُحذَف بعدَ (لولا) وجوبًا، والمرادُ بالآية: ﴿الَّذِينَ يَكتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، كما سيأتي، هكذا رواية البخاريّ وأكثرُ رُواةِ مسلم، ولبعضِهم: (لولا أنَّه)، بالنون، أي: الذي أُحدِّثُكم به، واكتفى بذلك عن أن يقولَ في كتاب الله، أي: معناه أو نحو ذلك، وكذا قال مالكٌ في "المُوطَّأ": أراه يريدُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، الآية، وجوابُ (لولا) على الرِّوايتَين: (ما حدثتكموه)، أي: ما كنتُ حَريصًا على تَحديثِكم به.

стр. 670

(فيحسن)؛ أي: يأتِي به بكمالِ آدابِه وسُننِه، والعطفُ بالفاء هنا لبيانِ الرُّتبةِ، كما لو أتى بِـ (ثُمَّ)؛ أي: إنَّ الإحسان في الوُضُوءِ بالمُحافظةِ على سُننِه وآدابه أفضلُ وأكملُ من المُقتَصَرِ فيه على الواجب، ففيه الحثُّ على الاعتناءِ بِمعرفَةِ الآداب والسُّنن، والإتيانُ بما يختلفُ فيه العلماءُ للخروجِ من خلافِهم كالنِّية، والتَّرتيب، ومسحِ جميعِ الرَّأس، ومسحِ الأذُن، والولاءِ ونحوِ ذلك. (إلا غفر)؛ أي: إلا رجلٌ غُفِرَ، فيكونُ الاستثناءُ من (رجلٌ) المَرفوع، أو من أعَمِّ عامِّ الأحوال، أي: في حالِ إلا في حالِ المَغفِرَة. (حتى) الغايةُ فيه: لِـ (حَصَل) المُقدَّر العاملِ في الظَّرف؛ إذ الغُفرانُ لا غايةَ له. (يصليها) فائدتُه مع قوله قبلَه (وبينَ الصَّلاة) دفعُ احتِمال (وبينَ الشُّروع فيها)، فبيَّن هنا أنَّ المرادَ الفراغُ منها؛ حتى يشملَ النَّظرة المُحرَّمة الواقعةَ في نفسِ الصَّلاة. (قال عروة) هو تعليقٌ، ويُحتَمل أنه من مقولِ ابنِ شهابٍ، لكنْ سبق أنَّ في "الموطّأ" قال مالك: أراه يريدُ آية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]. وقال (ط): فَرضٌ على العَالِمِ تبليغُ العلم؛ لأنَّ الله تعالى توعَّدَ الذين يكتُمونه باللَّعنة، فإنَّها كان نزلَت في أهلِ الكِتاب، لكنَّها عامَّةٌ لكلِّ من عَلِمَ عِلمًا تعبَّدَ اللهُ العبادَ بمعرفتِه، وقال غيرُه: الإشارةُ إلى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ
следующие страницы →