Полный текст (8 898 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.
стр. 6056
قيل: معناه: دع ما اطَّلعتُم عليه؛ فإنه سَهلٌ أو يسير من حيث ما ذَخَرتُه لهم.
وقيل: بمعنى: فَضَلَ؛ حكاه اللَّيث كأنه يقول: هذا الذي غَيَّبتُه عن عِلْمكم فَضَلَ ما اطلعتُم عليه منها.
والأَشْبَه أنه هاهنا بمعنى: سِوَى وغَيْر، حكاه ابن فارس لأَجْل قوله: (مِنْ بَلْهَ).
وقال الصَّاغَاني: صوابُه: (بَلْهَ) بدون (مِن)، وصوابُه: (أُطلعُكم).
وقال ابن مالك: المعروف أن (بَلْهَ) اسم فِعْلٍ بمعنى: اتْرُك ناصِبًا ما يَليها بمقتَضَى المفعولية، واستعماله مَصْدرًا بمعنى التَّرْكِ مُضافًا إلى ما يَليه، والفتْحة في الأُولى بِنائيةٌ، وفي الثانية إِعْرابيةٌ، وهو مصدرٌ مُهملُ الفِعْل، مَمنوعُ الصَّرْف.
وقال الأخفش: (بَلْهَ) هنا مصدر كما تقول العرب: ضَرْبُ زَيدٍ، ونَدَر دُخول (مِنْ) عليه زائدةً.
* * *
٣٣ - الأَحْزَابِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَيَاصِيهِمْ﴾: قُصُورِهِمْ.
стр. 6057
(سورة الأحزاب)
٤٧٨١ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَؤُا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَلْيَأْتِنِي وَأَنَا مَوْلَاهُ".
(من كانوا)، (مَن) موصولةٌ، و (كان) تامةٌ، وفائدةُ ذِكْر هذا الوَصْف تَعميم العَصَبة للقَريب والبَعيد.
وسبَقت مَباحث الحديث في (باب: الاستقراض).
(ضياعًا) بفتح المعجمة: العِيَال الضَّائعون الذين لا شيءَ لهم، ولا قَيِّمَ لهم، مصدرٌ، فإنْ كُسرت الضاد كان جَمعَ: ضائِع كجَائِع، وجِيَاع.
(مولاه)؛ أي: ناصِرُه.
* * *
﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾
(باب: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥])
٤٧٨٢ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ،
стр. 6058
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، قَالَ حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ زيدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
(حارثه) بمهملةٍ، ومثلثةٍ.
* * *
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
﴿نَحْبَهُ﴾: عَهْدَهُ، ﴿أَقْطَارِهَا﴾: جَوَانِبُهَا، ﴿الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾: لأَعْطَوْهَا.
(باب: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣])
النَّحْب معناه في الأصل: القَدر، ثم استُعير لآخِر كلِّ شيءٍ.
٤٧٨٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: نُرَى هَذِهِ الآيَةَ نزَلَتْ فِي أَنس بْنِ النَّضْرِ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
٤٧٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَني خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ زيدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: لَمَّا نَسَخْنَا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ فَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَحْزَابِ، كُنْتُ أَسْمَعُ
стр. 6059
رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَؤُهَا، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ إِلَّا مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهَادَتَهُ شَهَادَةَ رَجُلَيْنِ؛ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.
الحديث الأول:
(نُرى) بضم النُّون، أي: نَظنُّ.
(فُقدت) مبنيٌّ للمفعول.
(﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ [الأحزاب: ٢٣]) سبَق أنَّ الآية المُنفردة التي وُجدتْ عند خُزَيْمَة هي آخِر سُورة التَّوبَة، ولا مُنافاةَ؛ لاحتِمال أنَّ الآيتَين معًا وُجدتا مَكتوبتَين عنده، أو الأُولى كانت عند النَّقْل من العُسُب ونحوِها إلى الصُّحُف، والثانية عند النَّقْل من الصُّحُف إلى المُصحَف.
ومرَّ تحقيقُ ذلك.
* * *
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾
التَّبَرُّجُ: أَنْ تُخْرِجَ مَحَاسِنَهَا، سُنَّةَ اللهِ اسْتَنَّهَا: جَعَلَهَا.
(باب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨])
٤٧٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ
стр. 6060
النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَاءَهَا حِينَ أَمَرَ اللهُ أَنْ يُخَيِّرَ أَزْوَاجَهُ، فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيكِ أَنْ تَسْتَعْجلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَويكِ"، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ "، إِلَى تَمَامِ الآيَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ.
(فلا عليك)؛ أي: لا تَستَعجِلي حتى تَستَأْمري، أي: لا بأْسَ عليك في عدَم الاستِعجال حتى تُشاوري أَبوَيكِ.
* * *
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾
وَقَالَ قتادَةُ: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ.
(باب: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٩])
فيه الحديث السَّابق من غير ذلك الطَّريق، وبغَير المَتْن.
٤٧٨٦ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ:
стр. 6061
أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْوَاجِهِ بَدَأَ بِي، فَقَالَ: "إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَويْكِ"، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ إِلَى ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيِدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ.
تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيُّ: عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ.
(وقال الليث) وصلَه الذُّهْلي.
(ثم فعل أزواج النبي ﷺ ) فيه رَدٌّ على مَن زعَم أنَّ امرأةً منهنَّ اختارتِ الدُّنيا، وأنَّها عُوقبتْ.
(تابعه موسى بن أعْين) وصلَه النَّسائي.
(وقال عبد الرزاق) وصلَه أحمد.
* * *
стр. 6062
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾
(باب: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧])
٤٧٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زيدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نزَلَتْ فِي شَأْنِ زينَبَ بْنَةِ جَحْشٍ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ.
أخرَج الحديثَ فيه بأوضَحَ من هذا في (كتاب التوحيد)، في (باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]: جاءَ زيد بن حارِثةَ يَشكُو، فجَعَل النبيُّ ﷺ يقول له: (اتَّقِ الله). . . الحديثَ.
* * *
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُرْجِئُ: تُؤَخِّرُ، أَرْجِئْهُ: أَخِّرْهُ.
(باب: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١])
٤٧٨٨ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ هِشَامٌ، حَدَّثَنَا عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى
стр. 6063
اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأقولُ: أتَهَبُ الْمَرْأةُ نَفْسَهَا، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، قُلْتُ: مَا أُرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارعُ فِي هَوَاكَ.
الحديث الأول:
(أغار)؛ أي: أَعتِب.
(إلا يسارع)؛ أي: يُوجِدُ لك مُرادَك بلا تأْخيرٍ.
* * *
٤٧٨٩ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ مُعَاذَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، فَقُلْتُ لَهَا: مَا كنْتِ تَقُولِينَ؟ قَالَتْ: كنْتُ أَقُولُ لَهُ: إِنْ كَانَ ذَاكَ إِلَيَّ، فَإِنِّي لَا أُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أَحَدًا.
تَابَعَهُ عَبَّادُ بْنُ عَبَّادٍ، سَمِعَ عَاصِمًا.
الثاني:
(يستأذن في اليوم المرأة)؛ أي: في نَوبَتِها، وفي بعضها: (في يَوم).
(ما كنت) استفهامٌ.
стр. 6064
(تابعه عَبّاد) مرويٌّ في "تفسير أبي بكْر بن مَرْدَويهِ"، وفي "فوائد يحيى بن مَعِيْن".
* * *
قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾
يُقَالُ: ﴿إِنَاهُ﴾: إِدْرَاكُهُ، أَنَى يَأْنِي أَناَةً، ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾: إِذَا وَصَفْتَ صِفَةَ الْمُؤَنَّثِ قُلْتَ: قَرِيبَةً، وَإِذَا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا وَبَدَلًا وَلَمْ تُرِدِ الصِّفَةَ نزَعْتَ الْهَاءَ مِنَ الْمُؤَنَّثِ، وَكَذَلِكَ لَفْظُهَا فِي الْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى.
(باب: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣])
(إناه: إدراكه)؛ أي: وقْتَ الطَّعام.
(قريبًا)؛ أي: القِياس: قَريبةً، فأجابَ البُخاريُّ عن ذلك بما ذكَره.
стр. 6065
وقيل: فَعيلٌ يَستوي فيه المؤنَّث والمذكَّر، وفي "الكشَّاف": التَّقدير: شَيئًا قَريبًا، أو في زمانٍ قريبٍ، أو لأنَّ السَّاعةَ في معنى اليَوم.
* * *
٤٧٩٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ.
٤٧٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَزٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ زينَبَ بْنَةَ جَحْشٍ دَعَا الْقَوْمَ، فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، وَإِذَا هُوَ كأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيَامِ فَلَم يَقُومُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ قَامَ مَنْ قَامَ، وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفرٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَدْخُلَ فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهمْ قَامُوا، فَانْطَلَقْتُ فَجئْتُ، فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا، فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخُلُ، فَألقَى الْحِجَابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ.
٤٧٩٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ أَنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ
стр. 6066
آيَةِ الْحِجَابِ، لَمَّا أُهْدِيَتْ زينَبُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَتْ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ، صَنَعَ طَعَامًا، وَدَعَا الْقَوْمَ، فَقَعَدُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ، ثُمَّ يَرْجِعُ، وَهُمْ قُعُودٌ يَتَحَدَّثُونَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، فَضُرِبَ الْحِجَابُ، وَقَامَ الْقَوْمُ.
٤٧٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنسٍ ﵁، قَالَ: بُنِيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِزَيْنَبَ بْنَةِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ فَأُرْسِلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا، فَيَجيءُ قَوْمٌ فَيَأْكلُونَ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُو، فَقُلْتُ: يَا نبِيَّ اللهِ امَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ، قَالَ: ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ، وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللهِ"، فَقَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ بَارَكَ اللهُ لَكَ، فتقَرَّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ، يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ، وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا ثَلَاثَةُ من رَهْطٍ فِي الْبَيْتِ يَتَحَدَّثُونَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ شَدِيدَ الْحَيَاءِ، فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَمَا أَدْرِي آخْبَرْتُهُ أَوْ أُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا، فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفَّةِ الْبَابِ دَاخِلَةً وَأُخْرَى خَارِجَةً أَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ.
стр. 6067
٤٧٩٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: أَوْلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ بْنَةِ جَحْشٍ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُجَرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كمَا كَانَ يَصْنَعُ صَبِيحَةَ بِنَائِهِ فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ وَيَدْعُو لَهُنَّ وَيُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ وَيَدْعُونَ لَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ رَأَى رَجُلَيْنِ جَرَى بِهِمَا الْحَدِيثُ، فَلَمَّا رَآهُمَا رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ نبَيَّ اللهِ ﷺ رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وَثَبَا مُسْرِعَيْنِ، فَمَا أَدْرِي أَنَا أَخْبَرْتُهُ بِخُرُوجِهِمَا، أَمْ أُخْبِرَ، فَرَجَعَ حَتَّى دَخَلَ الْبَيْتَ، وَأَرْخَى السِّتْرَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٤٧٩٥ - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ مَا ضُرِبَ الْحِجَابُ لِحَاجَتِهَا، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَسِيمَةً لَا تَخْفَى عَلَى مَنْ يَعْرِفُهَا، فَرَآهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَابِ، فَقَالَ: يَا سَوْدَةُ! أَمَا وَاللهِ مَا تَخْفَيْنَ عَلَيْنَا، فَانْظُرِي كيْفَ تَخْرُجِينَ، قَالَتْ: فَانْكَفَأَتْ رَاجِعَةً، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِي، وَإِنَّهُ لَيَتَعَشَّى، وَفِي يَدِهِ عَرْقٌ، فَدَخَلَتْ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنّي خَرَجْتُ لِبَعْضِ حَاجَتِي، فَقَالَ لِي عُمَرُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وَإِنَّ الْعَرْقَ فِي يَدِهِ
стр. 6068
مَا وَضَعَهُ فَقَالَ: "إِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لَكُنَّ أَنْ تَخْرُجْنَ لِحَاجَتِكُنَّ".
الحديث الأوَّل وخمسةٌ بعده:
في زواجه ﷺ بزَينب.
(أهديت) قال الصَّاغَاني: صوابُه: هُدِيَتْ بلا ألفٍ؛ لكن النُّسَخ بالألف.
(فتقرأ) فعلٌ ماضٍ من التَّقَرِّي، وهو التَّتبُّع، أي: تتبَّعهنَّ واحدةً واحدةً، تقول منه: قَرَوْتُ الأَرضَ: إذا تتبَّعتَها أرضًا بعد أرضٍ، وناسًا بعد ناسٍ.
نعَمْ، بعضُ الطُّرُق يدلُّ على أنَّ نُزول الآية قبْل قِيام القَوم، وفي بعضها يدلُّ على أنَّه بعدَه، فيُؤوَّلُ بأنه حالٌ، أي: أنْزَلَ الله وقد قامَ القَومُ.
(صبيحة بنائه)؛ أي: صبَاحًا بعد لَيلة الزَّفاف.
(رجلين) لا يُنافي ما في الرِّوايات الأُخرى: ثَلاثة؛ لأنَّ مفهوم العدد لا اعتبارَ به، أو المُحادثَة بين اثنين، والثَّالث ساكتٌ.
(فانكفأت): انقَلبت.
(عَرْق) بفتح المهملة، وإسكان الرَّاء: العَظْم الذي عليه اللَّحْم، نعَمْ، هذا يَقتضي أنه بعدَ ما ضُرِب الحِجَاب، وسبَق في (الوضوء)، في (باب: خُروج النِّساء إلى البَراز): أنَّه قبْل الحِجَاب، فيُجاب: بأنَّه وقَع مرَّتين.
* * *
стр. 6069
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤) لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾
(باب: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [الأحزاب: ٥٤])
٤٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي الْقُعَيْسِ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَقُلْتُ: لَا آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأة أَبِي الْقُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي الْقُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تأْذَنِين عَمُّكِ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأة أَبِي الْقُعَيْسِ، فَقَالَ: "ائْذَنِي لَهُ فَإنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ"، قَالَ عُرْوَةُ: فَلِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا تُحَرِّمُونَ مِنَ النَّسَبِ.
(القُعَيس) بضم القاف، وفتح المهملة.
وسبَق الحديث في (الشَّهادات).
(أن تأذني) في بعضها: (أنْ تأْذَنين)، وقيل: هو مثل: ﴿لِمَن
стр. 6070
أَرَادَ أَنْ يُتِمُّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، على قراءة نافع.
(ما تحرمون) في بعضها: (تُحرِّمُوا) بلا نونٍ، وحذْفها بلا ناصبٍ وجازمٍ لغةٌ فصيحةٌ كعكسه، واجتَمَع في الحديث الأَمْران.
قال (خ): فيه من الفِقْه إثْبات اللَّبَن للفَحْل، وأنَّ زَوج المُرضِعة بمنزلة الوالِد، وأَخوهُ بمنزلة العَمِّ، ويُقال: تَرِبَتْ يداكِ -وهي كلمةٌ يُدعَى بها على الإنْسان- ولا يُريد بذلك وُقوعَ الأَمْر، وهو الافتِقار.
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: صَلَاةُ اللهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿يُصَلُّونَ﴾: يُبَرِّكُونَ، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾: لنسَلِّطَنَّكَ.
(باب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦])
٤٧٩٧ - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنِ الْحَكَم، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمَّا السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَدْ عَرَفْنَاهُ، فَكَيْفَ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ،
стр. 6071
كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ".
الحديث الأول:
(عرفناه)، وهو: سَلامٌ عليكَ أَيُّها النَّبيُّ ورحمةُ الله وبَركاتُه.
(كما صليت على إبراهيم) ليس فيه أنَّ المُشبَّه به يكُون أفضَلَ من المُشبَّه؛ لأنَّه ليس المُراد بالتَّشبيه إلْحاقَ الناقِص بالكامِل، بل القَصْد بَيان حالِ ما لا يُعرَف بما يُعرَف، أو التَّشبيه فيما يُستقبَل، وذلك ليس بأَقْوَى، بل هو حاصلٌ له ﷺ أَقْوَى وأَكمَل مما لإبراهيم ﵊، أو المَجموعُ مُشبَّهٌ بالمَجموع، ولا شَكَّ أنَّ آلَ إبراهيم ﵊ أفضَلُ من آلِ محمَّد؛ إذْ فيهم الأَنْبياء، ولا نبَيَّ في آلِه.
وقيل: كان ذلك قبْل أن يَعلَم أنه أفضَلُ من إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.
* * *
٤٧٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ الْهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ. قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا التَّسْلِيمُ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ"، قَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: "عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ
стр. 6072
عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ".
٤٧٩٨ / -م - حَدَّثَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، وَقَالَ: "كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَآلِ إِبْرَاهِيمَ".
الثاني، والثالث:
في مَعنى ما قبلَهما.
* * *
قوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾
(باب: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ [الأحزاب: ٦٩])
٤٧٩٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ وَخِلَاسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ".
(حييًّا) فَعِيْلٌ مِن الحَياء، وكان لا يَغتسِلُ إلا في الخَلْوة، فاتَّهمُوه بأنَّه آدَرُ، أي: مُنتَفِخُ الخِصْيَة، وآذَوه بذلك، فبَرَّأَه اللهُ منه حيث أخذَ الحجَرُ ثَوبَه، وذهبَ به إلى بَنِي إسرائيل، واتَّبعَه مُوسَى
стр. 6073
-﵊ عُريانًا، فرأَوه لا عَيْبَ فيه.
* * *
٣٤ - سَبَأ
يُقَالُ: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مُسَابِقِينَ، ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: بِفَائِتِينَ، ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مُغَالِبِينَ، ﴿سَبَقُوا﴾: فَاتُوا، ﴿لَا يُعْجِزُونَ﴾: لَا يَفُوتُونَ، ﴿يَسْبِقُونَا﴾: يُعْجزُونَا، قَوْلُهُ: ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾: بِفَائِتِينَ، وَمَعْنَى ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: مُغَالِبِينَ، يُرِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُظْهِرَ عَجْزَ صَاحِبِهِ. مِعْشَارٌ: عُشْرٌ، الأُكُلُ: الثَّمَرُ، ﴿بَاعِدْ﴾: وَبَعِّدْ وَاحِدٌ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَا يَعْزُبُ﴾: لَا يَغِيبُ. ﴿الْعَرِمِ﴾: السُّدُّ، مَاءٌ أَحْمَرُ أَرْسَلَهُ اللهُ فِي السُّدِّ فَشَقَّهُ وَهَدَمَهُ وَحَفَرَ الْوَادِيَ، فَارْتَفَعَتَا عَنِ الْجَنْبَيْنِ، وَغَابَ عَنْهُمَا الْمَاءُ فَيَبِسَتَا، وَلَمْ يَكُنِ الْمَاءُ الأَحْمَرُ مِنَ السُّدِّ، وَلَكِنْ كَانَ عَذَابًا أَرْسَلَهُ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ شَاءَ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ: ﴿الْعَرِمُ﴾: الْمُسَنَّاةُ بِلَحْنِ أَهْلِ الْيَمَنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿الْعَرِمُ﴾: الْوَادِي. السَّابِغَاتُ: الدُّرُوعُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿يُجَازَى﴾: يُعَاقَبُ. ﴿أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ﴾: بِطَاعَةِ اللهِ. ﴿مَثْنَى وَفُرَادَى﴾: وَاحِد وَاثْنَيْنِ. ﴿التَّنَاوُشُ﴾: الرَّدُّ مِنَ الآخِرَةِ إِلَى الدُّنْيَا. ﴿وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾: مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ زَهْرَةٍ. ﴿بِأَشْيَاعِهِمْ﴾: بِأَمْثَالِهِمْ.
стр. 6074
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: ﴿كَالْجَوَابِ﴾: كَالْجَوْبةِ مِنَ الأَرْضِ. الْخَمْطُ: الأَرَاكُ. وَالأَثَلُ: الطَّرْفَاءُ. الْعَرِمُ: الشَّدِيدُ.
(سورة سَبَأ)
قوله: (فشقه) كذا لهم، ولأبي ذَرٍّ: (فبَثَقَه)، وهو الوَجْه، يُقال: بَثَقْتُ النَّهر: إذا كسَرتَه عن مَجْراه.
(فارتفعنا عن الجنتين) إنْ قيل: القِياس ارتفَعتِ الجنَّتانِ عن الماء؛ قيل: المُراد من الارتفاع الانتِفاءُ، والمُراد: يعني: ارتفَع اسم الجَنَّتين عنهما، فتقديره: ارتفَعت الجنَّتان عن كونهما جَنَّةً.
قال في "الكشاف": وتَسمية البَدَل جَنَّتَين على سَبيل المُشاكَلة.
وقال (ش): صوابه: (يعني: الجنَّتَين)، أي: يكون (يعني) بدَل: (عَنْ)، وكذا هو في بعض النُّسَخ في رواية أبي ذَرٍّ.
(العرم: المسناة بِلَحَن) بفتح الحاء، أي: بلُغَة، وواحد العَرِم: عَرِمَة، وكأنَّه أُخِذ مِن عَرَامَة الماءِ، وهو ذَهابُه في كلِّ مَذْهَب.
والمُسنَّاة: ما بُني في عرْض الوادي بمُرتفَع المَسِيْل ليَحبِسَ الماءَ، وضُبط عند الأكثر بضم الميم، وتشديد النون، وللأَصِيْلِي بفتْح الميم، وسُكون السين، وتخفيف النون.
(كالجوابي) قيل: أَصْلُه في اللُّغة مِن الجَابِيَة، وهي الحَوض الذي يُجبَى فيه الشَّيء، أي: يُجمَع، فوَزْن جَوابِي على هذا: فَوَاعِل؛
стр. 6075
لأنَّ عين الفعل واوٌ.
والجَوْبَة المُطمئِنُّ من الأرض، فلعلَّ ابن عبَّاس إنما شَبَّه الجابِيَة بالجَوْبَة، ولم يُرد أنَّ اشتقاقَهما واحدٌ؛ لأنَّ عين الفعل في الجَوْبة واوٌ، وأصلُهْ جابَ يَجُوب.
(مثنى، وفرادى: واحد، واثنين) صوابه: واحدًا واحدًا، واثنين اثنين، وإنما اكتفَى بواحدٍ منه لشُهرته.
(التناوش): الرَّدُّ.
(زهرة)؛ أي: زَهرة الحياة الدُّنيا.
* * *
﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
(باب: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣])
٤٨٠٠ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ نبَيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعٍ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ -وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فحَرَفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ- فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ،
стр. 6076
ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا ألْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ، فَيُقَالُ: ألَيْسَ قَدْ قَالَ لنا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سَمعَ مِنَ السَّمَاءِ".
(خُضْعانًا) بضم الخاء، أي: خُضوعًا لقوله تعالى، فهو بوَزْن كَفَر كُفْرانًا.
(مسترق السمع) صوابه: (مُستَرِقُو السَّمْع) في المَوضعين.
* * *
قوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾
(باب: ﴿إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦])
٤٨٠١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ قَالَ: صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: "يَا صَبَاحَاهْ! " فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، قَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: "أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ الْعَدُوَّ يُصَبِّحُكُمْ أَوْ يُمَسِّيكُمْ، أَمَا كُنتمْ تُصَدِّقُونِي؟ " قَالُوا: بَلَى، قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟! فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾.
(يا صباحاه) الصَّباح: الغَارة، وهو من باب النُّدْبة، كأَنَّ معناه:
стр. 6077
يا قَومُ أُنذِرُكم الغارَةَ، احذَرُوها.
(يصبحكم)؛ أي: يأْتيكُم صباحًا، ويُغير عليكم.
(أو يمسِّيكم) يأتيكم مساءً.
وسبَق الحديث في (الحِجْر).
* * *
٣٥ - الْمَلَائِكَةُ
قَالَ مُجَاهِدٌ: الْقِطْمِيرُ: لِفَافَةُ النَّوَاةِ. ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ مُثَقَّلَةٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: الْحَرُورُ: بِالنَّهَارِ مَعَ الشَّمْسِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْحَرُورُ بِاللَّيْلِ، وَالسَّمُومُ بِالنَّهَارِ، ﴿وَغَرَابِيبُ﴾: أَشَدُّ سَوَادٍ، الْغِرْبِيبُ: الشَّدِيدُ السَّوَادِ.
(سورة المَلائِكَة)
قوله: (غرابيب سود) قال أبو عُبيدة: هو على التَّقديم والتَّأْخير، أي: سُودٌ غَرابيبُ، وهو أشَدُّ السَّواد.
* * *
٣٦ - سورة يس
(سورة يس)
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾: شَدَّدْنَا. ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾: كَانَ
стр. 6078
حَسْرَةً عَلَيْهِمُ اسْتِهْزَاؤُهُمْ بِالرُّسُلِ. ﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾: لَا يَسْتُرُ ضَوْءُ أَحَدِهِمَا ضَوْءَ الآخَرِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُمَا ذَلِكَ. ﴿سَابِقُ النَّهَارِ﴾ يَتَطَالَبَانِ حَثِيثَيْنِ. ﴿نَسْلَخُ﴾: نُخْرِجُ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، وَيَجْرِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾: مِنَ الأَنْعَامِ. ﴿فَكِهُونَ﴾: مُعْجَبُونَ. ﴿جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾: عِنْدَ الْحِسَابِ.
وَيُذْكَرُ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿الْمَشْحُونِ﴾: الْمُوقَرُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿طَائِرُكُمْ﴾: مَصَائِبُكُمْ. ﴿يَنسِلُونَ﴾: يَخْرُجُونَ. ﴿مَرْقَدِنَا﴾: مَخْرَجِنَا. ﴿أَحْصَيْنَاهُ﴾: حَفِظْنَاهُ. مَكَانَتُهُمْ: وَمَكَانُهُمْ وَاحِدٌ.
(يا حسرة) حَسْرتُهم في الآخِرة هي استهزاؤُهم بالرُّسُل في الدُّنيا.
(من مثله من الأنعام) هو قول مُجاهد، والضَّمير في مثْله راجعٌ للفُلك، وقال ابن عبَّاس: يعني: السُّفُن، قيل: وهو أشْبَهُ؛ لقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ [يس: ٤٣]، وإنَّما الغَرَق في الماء.
(فكهون: معجبون) كذا عند أبي ذَرٍّ، وعند القَابِسِيِّ: (فاكِهُون)، وقال الفَرَّاء: هما بمعنًى واحدٍ كحَذِرٍ وحاذِرٍ.
وقيل: معناه مُتنعِّمون مُتلذِّذون.
* * *
стр. 6079
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾
(باب: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ﴾ [يس: ٣٨])
قال (خ): لأجَلِ أُجِّل لها، وقَدَرٍ قُدِّر لها، أي: انقِطاع مُدَّة بَقاء العالَم.
وقيل: مُستقرُّها غاية ما تَنتهي إليه في صُعودها وارتفاعِها لأَطْول يومٍ من الصَّيف، ثم تأْخُذ بالنُزول حتى تنتَهيَ إلى أقصَى مَشارِق الشِّتاء لأقْصَر يومٍ منه، ولا يُنكَر أنْ يكون لها استِقرارٌ تحت العَرْش من حيثُ لا نُدركُه، وإنما هو إخبارٌ عن غَيبٍ.
ويَحتمل أن يكون المعنى: أنَّ عِلْمَ ما سألتَ عنه عن مُستقَرِّها تحتَ العَرْلض في كتابِ كُتب فيه مَبادئُ أُمور العالَم ونهاياتُها، والوقْت الذي تَنتهي إليه مُدَّتُها، وتستقرُّ عند ذلك، وتَبطُل حركتُها.
٤٨٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجدِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ! أَتَدْرِي أَيْنَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ؟ " قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ".
٤٨٠٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ
стр. 6080
إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قَالَ: "مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ".
وفي الحديث إخبارٌ عن سُجودها تحتَ العَرْش في سَيرها، وليس في سُجودها لربِّها تحتَه ما يَعُوقها عن الدَّأَب في سَيْرها.
قال: وهذا ليس مُخالِفًا لقوله تعالى: ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]؛ لأنَّها نِهايةُ مُدرَكِ البصَر إيَّاها عند الغُروب، وأما مَسيرها تَحت العَرْش للسُّجود فإنما يكون بعد غُروبها، وليس معناه أنَّها تسقُط في تلك العَين، بل هو خبَرٌ عن الغايَةِ التي بلَغَها ذُو القَرنيَن في مَسيرِه، ووجدَها تَتدلَّى عند غُروبها فوقَ هذه العين، أو على سَمْتِها، ولذلك مَن كان في البَحْر يَرى كأنَّها تغرُب في البَحْر وإنْ كانت في الحقيقة تَغيبُ وراءَه.
* * *
٣٧ - الصَّافَّاتِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾: مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾: يُرْمَوْنَ، ﴿وَاصِبٌ﴾: دائِمٌ، ﴿لَازِبٍ﴾: لَازِمٌ، ﴿تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ يَعْنِي الْحَقَّ، الْكُفَّارُ تَقُولُهُ لِلشَّيْطَانِ، ﴿غَوْلٌ﴾: وَجَعُ بَطْنٍ، ﴿يُنْزَفُونَ﴾: لَا تَذْهَبُ عُقُولُهُمْ،
стр. 6081
﴿قَرِينٌ﴾: شَيْطَان، ﴿يُهْرَعُونَ﴾: كهَيْئَةِ الْهَرْوَلَةِ، ﴿يَزِفُّونَ﴾: النَّسَلَانُ فِي الْمَشْيِ، ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾: قَالَ كفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللهِ، وَأُمَّهَاتُهُمْ بَنَاتُ سَرَوَاتِ الْجنِّ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾: سَتُحْضَرُ لِلْحِسَابِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾: الْمَلَائِكَةُ، ﴿صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾: سَوَاءَ الْجَحِيم، وَوَسَطِ الْجَحِيمِ، ﴿لَشَوْبًا﴾: يُخْلَطُ طَعَامُهُمْ وَيُسَاطُ بِالْحَمِيمِ، ﴿مَدْحُورًا﴾: مَطْرُودًا، ﴿بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾: اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ، ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾: يُذْكَرُ بِخَيْرٍ، ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾: يَسْخَرُونَ، ﴿بَعْلًا﴾: رَبًّا.
(سورة: والصَّافَّاتِ)
قوله: (اليمين)؛ أي: جِهَة الخَيْر والحَقِّ، وهو طَريق الجنَّة ملبِّسين علَينا.
(المكنون)؛ أي: المَصُون عن الأَيْدي والأَبْصار.
* * *
﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾
(باب: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٣٩])
٤٨٠٤ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ
стр. 6082
أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا مِنِ ابْنِ مَتَّى".
٤٨٠٥ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، عَنْ عَطَاءَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونس بْنِ مَتَّى، فَقَدْ كَذَبَ".
مرَّ الحديثُ فيه في (باب الأنبياء)، وغيره.
* * *
٣٨ - ص
(سورة ص)
٤٨٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: سَألتُ مُجَاهِدًا عَنِ السَّجْدَةِ فِي ﴿ص﴾: قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وَكانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْجُدُ فِيهَا.
الحديث الأول:
(يسجد) وذلك لأَن داود سَجَدَ فيها، والرَّسول ﷺ مأْمورٌ بالاقتِداء به، ونَحنُ مأْمُورون باتباعه ﷺ .
стр. 6083
٤٨٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ، عَنِ الْعَوَّامِ، قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ ﴿ص﴾، فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: مِنْ أَيْنَ سَجَدْتَ؟ فَقَالَ: أَوَ مَا تَقْرَأُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾؟ فَكَانَ داوُدُ مِمَّنْ أُمِرَ نبِيُّكُمْ ﷺ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ، فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ .
﴿عُجَابٌ﴾: عَجِيبٌ. الْقِطُّ: الصَّحِيفَةُ، هُوَ هَاهُنَا صَحِيفَةُ الْحَسَنَاتِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾: مُعَازِّينَ، ﴿الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾: مِلَّةُ قُرَيْشٍ، الاِخْتِلَاقُ الْكَذِبُ، الأَسْبَابُ: طُرُقُ السَّمَاءِ فِي أَبْوَابِهَا، ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾؛ يَعْنِي: قُرَيْشًا، ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾: الْقُرُونُ الْمَاضِيَةُ، ﴿فَوَاقٍ﴾ رُجُوعٍ، ﴿قِطَّنَا﴾: عَذَابَنَا، ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾ أَحَطْنَا بِهِمْ، ﴿أَتْرَابٌ﴾: أَمْثَالٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الأَيْدُ: الْقُوَّةُ فِي الْعِبَادةِ، الأَبْصَارُ: الْبَصَرُ فِي أَمْرِ اللهِ، ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾: مِنْ ذِكْرٍ، ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا﴾: يَمْسَحُ أَعْرَافَ الْخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا، ﴿الْأَصْفَادِ﴾: الْوَثَاقِ.
الثاني:
(سجدت) بلفْظ الخِطاب، وفي بعضها بلفْظ المَجهول للغائِبَة،
стр. 6084
أي: بأيِّ دليلٍ صارتْ (سورةُ ص) مَسجُودًا فيها؟.
(عجاب: عجيب)؛ أي: مِثْل: طَويل، وطُوَال، وقال أبو البَقاء في مَعناهما: عُجَّابٌ، أي: بالتَّشديد.
(في أبوابها) في بعضها: (وهي أَبْوابُها).
(فواق) قال أبو عُبيدة: هو بفتح الفاء: راحةٌ، وبضمِّها: انقِطاعٌ، وقيل: هما لُغتان.
(أحطنا بهم) قال (ع): كذا وقَع، ولعلَّه: أَخْطَأْناهُم، وحُذف مع ذلك القَول الذي في تَفسيره، وهو قوله: ﴿أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص:٦٣].
وقال ابن عَطِيَّة: المعنى: أَليسُوا معَنا، أو هم معَنا ولكنْ أبصارُنا تَميلُ عنهم، فلا نَراهُم.
* * *
﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥]
(باب: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ﴾)
٤٨٠٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ الْبَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً
стр. 6085
نَحْوَهَا- لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجدِ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتنظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ ".
قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا.
(عفريتًا) هو المُبالِغُ في كلِّ شيءٍ.
(تفلت) بلفْظ الماضي المُتَفَعِّل، أي: تَعرَّضَ لي فَجأةً البارحةَ.
وسبَق الحديث في (الصلاة)، في (باب: الأسير يُربط في المسجد).
* * *
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾
(باب: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦])
٤٨٠٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ
стр. 6086
أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْم أَنْ يَقُولَ لِمَا لَا يَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ، قَالَ اللهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنِ الدُّخَانِ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَا قُرَيْشًا إِلَى الإِسْلَامِ فَأَبْطَؤُا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ"، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شَيْء حَتَّى أَكَلُوا الْمَيْتَةَ وَالْجُلُودَ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا مِنَ الْجُوعِ، قَالَ اللهُ : ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قَالَ: فَدَعَوْا: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾، أَفَيُكْشَفُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: فَكُشِفَ، ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ، فَأَخَذَهُمُ اللهُ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾.
(فحصّت) بمهمَلتَين، أي: أَذهبَتْ، أو أَفْنَتْ، فإن قيل: قِصَّة الدُّخان، ما تَعلُّقُها بما قبلَها؟؛ قيل: قد تقدَّم في (سورة الرُّوم): أنه قيل لابن مَسعود: إنَّ رجلًا يقول: يَجيءُ دُخان كذا وكذا، قال ابن مَسعود: مَن عَلِمَ شيئًا، إلى آخره.
* * *
стр. 6087
٣٩ - الزُّمَرِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾: يُجَرُّ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ، وَهْوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ﴿ذِي عِوَجٍ﴾: لَبْسٍ، ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾: مَثَل لآلِهَتِهِم الْبَاطِلِ، وَالإلَهِ الْحَقِّ، ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾: بِالأَوْثَانِ، خَوَّلْنَا: أَعْطَيْنَا، ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾: الْقُرْآنُ، ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾: الْمُؤْمِنُ يَجيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: هَذَا الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، عَمِلْتُ بِمَا فِيهِ، ﴿مُتَشَاكِسُونَ﴾: الشَّكِسُ: الْعَسِرُ لَا يَرْضَى بِالإِنْصَافِ، وَرَجُلًا سَلْمًا -وَيُقَالُ: سَالِمًا- صَالِحًا، ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾: نَفرَتْ، ﴿بِمَفَازَتِهِمْ﴾: مِنَ الْفَوْزِ، ﴿حَافِّينَ﴾: أَطَافُوا بِهِ مُطِيفِينَ بِحِفَافَيْهِ بِجَوَانِبِهِ، ﴿مُتَشَابِهًا﴾: لَيْسَ مِنَ الاِشْتِبَاهِ وَلَكِنْ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي التَّصْدِيقِ.
(سورة الزُّمَر)
قوله: (يجر) بالجيم، وفي بعضها بخاءٍ معجمةٍ، أي: يُلقَى مَغلولةً يَداهُ، فلا يَتهيَّأُ له أن يتَّقي إلا بوَجْهه، أي: الذي كان يَتقِي المَخاوِفَ عنه بغَيره.
(أفمن يلقى في النار) وَجْه التَّشبيه بينَه وبين ما سبَق: أنَّ غرَضه أنَّ فيه حَذْفًا، أي: كمَن أَمِنَ العَذابَ.
(الشَّكِس)؛ أي: بكسر الكاف وسكونها، قاله السَّفَاقُسي.
стр. 6088
(متشابهًا)؛ أي: في تَصديق بعضِه لبعضٍ، والقُرآن يُفسِّر بعضُه بعضًا، أو في تصديق الرَّسول ﷺ في رسالته؛ لسبَب إِعْجازه، وليس من الاشتِباه الذي هو اختِلاط والتِباسٌ.
(بجانبيه) في بعضها: (بِحفَافَيهِ) بكسر المهملة، وخفَّة الفاء الأُولى، أي: بطَرَفَيه، وحَفَافَا الشَّيء: جانِبَاه.
* * *
﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
(باب: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣])
٤٨١٠ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ: قَالَ يَعْلَى: إِنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ أَخْبَرَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشَرْكِ كَانُوا قَدْ قتلُوا وَأَكثَرُوا وَزَنَوْا وَأَكثَرُوا، فَأَتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ ، فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو إِلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا عَمِلْنَا كَفَّارَةً، فَنَزَلَ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾، وَنزَلَ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾.
(يعلى) إما ابن مُسلم، أو ابن حَكِيم، فكلاهما يَروي عن سَعيد بن جُبَير، ويَروي عنهما ابن جُرَيج، ولا قَدْحَ بهذا الالتِباس؛ لأنَّ
стр. 6089
كُلًّا على شَرْطه.
* * *
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾
(باب: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧])
٤٨١١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّا نَجدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبِعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
(حَبْر) بفتح المهملة وكسرها، أي: عالِمٌ.
(إصبع) قال (خ): مِثْلُه لا يُطلَق على الله إلا بكتابٍ أو خبرٍ قطعيٍّ، وإلا فالتوقُّف عن الإطلاق واجبٌ، وليس معنَى اليَدِ في الصِّفات معنى الجارِحَة حتَّى يَتوهَّمَ مُتوهِّمٌ مِن ثُبوتها ثُبوت الإصبع، وقد روى هذا الحديثَ كثيرٌ من أصحاب عبد الله مِن طريق عَبِيْدة فلم
стр. 6090
يذكُروا فيه تصديقًا لقَول الحَبْر، وقد ثبَت أنَّه ﷺ قال: "ما حَدَّثَكُم به أهلُ الكِتَابِ فلا تُصدِّقُوهم، ولا تُكذِّبُوهم"، ولم يُوجَد من النبيِّ ﷺ إلا الضَّحِك المُخِيْل للرِّضَا مرَّةً، وللتَّعجُّب، والإنْكار أُخرى، وقولُ مَن قال من الرُّواة: تَصديقًا لقَول الحَبْر ظَنٌّ منه، والاستدلالُ بالضَّحك في مثْل هذا الأمر غير جائزٍ، ولو صحَّ الخَبَر لا بُدَّ من التَّأْويل بنَوعٍ من المَجاز، وقد يقُول الإنسان في الأَمْر الشاقِّ إذا أُضيفَ إلى الرجل القَويِّ المُستقِلِّ المُستظْهِر: إنَّه يَعملُه بإصبعٍ، أو بخِنْصَر، ونحوه، يُريد به الاستِظهار في القُدرة عليه، والاستِهانةَ به، فعُلم أنَّ ذلك من تَحريف اليَهود، وأنَّ ضَحِكَه ﷺ إنَّما كان على معنى التَّعجُّب والنَّكير له، فسَبيلُه الإيمانُ به مع نفْي التَّشبيه فيه، وقد جاء في رواية الفُضَيل بن عِيَاض، عن مَنْصور، عن إبراهيم، عن عَبِيْدة، عن عبد الله: فضَحِكَ ﷺ تعجُّبًا وتَصديقًا.
قال التَّيْميُّ: تكلَّفَ (خ)، وأتَى فيه بما لم يأْتِ به السَّلَف، والصَّحابةُ كانوا أعلَمَ بما روَوهُ، وقالوا: إنَّه ضَحِك تَصديقًا، وثبَتَ في السُّنَّة الصَّحيحة: "مَا مِنْ قَلْبٍ إلا وهُو بَينَ إِصبَعَينِ من أَصَابعِ الرَّحمَنِ".
قال (ك): الحديث صحيحٌ قَطْعًا، وهو من المُتشابِه، ففيه طَريقا التَّفويضِ والتَّأْويل.
قال (ش): الأَولى طَريقة السَّلَف في الكَفِّ مع اعتقاد أنَّه لم يُرَدْ به ظاهرُه، ويَكِلُ علمَه إلى الله تعالى.
стр. 6091
قلت: الصَّواب في هذه الأَزْمان سُلوك طريق التَّأْويل؛ لمَا يَلزَم من ذلك من فَساد الاعتقادات، والتعلُّق بطَريقة السَّلَف.
وقد أوضحنا ذلك في "شرح ألفية الأُصول"، وفي غيره.
(بدت نواجذه)؛ أي: ظهَرتْ أسنانُه.
* * *
(باب: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧])
٤٨١٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَقْبِضُ اللهُ الأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ".
الحديث فيه عُرف مما سبَق.
* * *
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾
(باب: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الزمر: ٦٨])
٤٨١٣ - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا
стр. 6092
عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ زَكَرِيَّاءَ بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنِّي أَوَّلُ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الآخِرَةِ، فَإذَا أَنَا بِمُوسَى مُتَعَلِّقٌ بِالْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَذَلِكَ كَانَ أَمْ بَعْدَ النَّفْخَة".
الحديث الأول:
(النفخة الأُخرى) هي نَفْخة الإحياءِ، والأُولى الإماتَة.
(فلا أدري)؛ أي: أنَّه لم يَمُت عند الأُولى اكتفاءً بصَعْقة الصُّور، أم أُحيِيَ قبْل النَّفْخة الثَّانية قبْلي، وتعلَّق بالعرش.
قال الداوُدي: إن قَولَه: (أَكذلكَ كان أم بعدَ النَّفْخة) وَهْمٌ؛ لأَن موسى مَقبُورٌ مبعوثٌ بعد النفخة، فكيف يكون قبلَها؟!.
وسبَق في (كتاب الأنبياء) إيضاحُه.
* * *
٤٨١٤ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ". قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَ: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، "وَيَبْلَى كُلُّ شَيْء مِنَ الإنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنبَهِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ".
стр. 6093
الثاني:
(بين النفختين)؛ أي: نفْخة الإماتَة، ونفْخة الإحياء.
(أبَيْتُ)؛ أي: امتَنعتُ عن التصديق لشيءٍ مُعين منها، وقال البيضاوي: أي: لا أَدري أنَّ الأربعين هي المَشهور أو غيرها، وامتَنعتُ من الإخبار عما لا أَعلَمُ.
(يبلى)؛ أي: يَخْلَق.
(عَجْب) بفتح المهملة، وسُكون الجيم: أَصْل الذَّنَب، ويقال: أَمْرُ العَجْب عَجَبٌ، هو أوَّل ما يُخْلَق، وآخِر ما يَخْلَق، أي: يَبلَى.
* * *
٤٠ - الْمُؤْمِنُ
(سورة المُؤمِن)
قَالَ مُجَاهِدٌ: مَجَازُهَا مَجَازُ أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَيُقَالُ: بَلْ هُوَ اسْمٌ؛ لِقَوْلِ شُرَيْحِ بْنِ أَبِي أَوْفَى الْعَبْسِيِّ:
يُذَكِّرُنِي حَامِيمَ وَالرُّمْحُ شَاجِرٌ ... فَهَلَّا تَلَا حَامِيمَ قَبْلَ التَّقَدُّمِ
الطَّوْلُ: التَّفَضُّلُ. ﴿دَاخِرِينَ﴾ خَاضِعِينَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿إِلَى النَّجَاةِ﴾: الإِيمَانِ. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾: يَعْنِي الْوَثَنَ. ﴿يُسْجَرُونَ﴾: تُوقَدُ بِهِمِ النَّارُ. ﴿تَمْرَحُونَ﴾: تَبْطَرُونَ.
وَكَانَ الْعَلَاءُ ابْنُ زِيَادٍ يُذَكِّرُ النَّارَ، فَقَالَ رَجُلٌ: لِمَ تُقَنِّطُ النَّاسَ؟
стр. 6094
قَالَ: وَأَنَا أَقْدِرُ أَنْ أُقنَّطَ النَّاسَ، وَاللهُ يَقُولُ: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وَيَقُولُ: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾؟ وَلَكِنَّكُمْ تُحِبُّونَ أَنْ تُبَشَّرُوا بِالْجَنَّةِ عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِكُمْ، وَإِنَّمَا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ مُبَشِّرًا بِالْجَنَّةِ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَمُنْذِرًا بِالنَّارِ مَنْ عَصَاهُ.
٤٨١٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا الْوَليدُ بْنُ مُسْلِم، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كثِيرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَأَخَذَ بِمَنْكِبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَلَوَى ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِمَنْكِبِهِ، وَدَفَعَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قوله: (مجاز أوائل السور)؛ أي: تَأْويل مَجازها، وصَرْف لفْظِها عن ظاهره، فقيل: إنها للتَّنبيه على أنَّ القُرآن من جِنْس هذه الحُروف، ولقَرْعِ العَصَا عليهم، وقيل: اسم عَلَمٍ للسُّورة، وقيل: للقُرآن، وعند أبي ذَرٍّ قال: (هم مَجازها).
(ويقال: بل هو اسم) قال السَّفَاقُسي: لعلَّه يُريد على قراءة عِيْسى بن عُمر بفتح الحاء والميم الأَخيرة، ومعنى قِراءته: (اُتْلُ حم)،
стр. 6095
ولم يَصرفْه؛ لأنه جعلَه اسمًا للسُّورة، وَيجوز أن يكون فتحه لالتقاء الساكنين.
(لقول شُرَيح) بضم المعجمة، وفتح الراء، وبمهملة.
(أوْفى) بفتح الهمزة، والفاء، وسكون الواو بينهما، مقصورٌ.
(العَبْسِي) بفتح المهملة الأُولى، وكسر الثانية، وسُكون المُوحَّدة بينهما.
(والرمح شاجر) يُقال: شَجَر الرُّمحُ، أي: اختَلَف، وقِصَّته أنَّ محمد بن طَلْحة بن عُبيد الله القُرشي السَّجَّاد كان يومَ الجمَل كلَّما حَمَل عليه رجلٌ يقول: نشَدتُكَ بحم، حتى شَدَّ عليه شُرَيح، فقَتلَه، وأَنشَأ يقول:
يُذكِّرُني حم. . . . . .
وقيل: المُراد بقوله: (حم) قولَه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣].
وأمَّا وجْه الاستِشهاد به، فإنَّه أعربَه ولو لم يكُن اسمًا، بل كان معروفًا يتهجَّاه لمَا دخَل عليه الإعرابُ.
(العلاء) هو العَدَوي البَصْري التابِعي.
(والله تعالى يقول) غرَضه: أنِّي لا أَقْدر على التَّقْنيط، وقد قال تعالى لأهل النَّار: ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ [الزمر:
٥٣].
* * *
следующие страницы →