وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾: الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَب وَالْعَفْوُ عِنْدَ الإسَاءَةِ، فَإِذَا فَعَلوهُ عَصَمَهُمُ اللهُ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ.
(سورة حم السجدة)
قوله: (أتينا طائعين: أعطينا) ليس هذا المَعنى مَعروفًا.
قال السَّفَاقُسي: لعلَّ ابن عبَّاس قَرأَ بالمَدَّ؛ لأنَّ الرُّباعي بمعنى: أَعطَى، وأما الثُّلاثي فبمعنى: جاءَ.
وقال السُّهَيلي في "أَمالِيه": إنَّ البُخاري كان يَهِمُ في القُرآن، وإنه أَوردَ في كتابه آياتٍ كثيرةً على خِلاف ما في التِّلاوة، فإنْ كان هذا المَوضع منها، وإلا فهي قراءةٌ بَلَغَتْه، ووجَّهَها، أي: أَعطَينا الطَّاعةَ كما يقال: فُلانٌ يُعطي الطَّاعة لفُلانٍ، والمراد: أتيْنا لمَا يُراد منا.
وقد قُرئ: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب: ١٤]، وأتَوْها، والفِتْنة خِلافُ الطَّاعة، أو ضدُّها، وإذا جازَ الإيتاء في هذه جازَ في هذه.
(يختلف)؛ أي: يُشْكِل عليَّ إما لتَنافٍ بين ظاهر آيتَين، وإما إفادة الآية شيئًا لا يَصحُّ عقلًا؟، فأجاب ابن عبَّاس عن الأوَّل، وهو أنه في آيةٍ: ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وأُخرى ﴿يَتَسَاءَلُونَ [الصافات: ٢٧]، بأنَّ التَّساؤُل بعد النَّفْخة الثانية، وعدَمَه قبلَها، وعن الثَّاني، وهو أنه في آيةٍ: ﴿يَكْتُمُونَ﴾، وأُخرى ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ﴾ [النساء: ٤٢]، بأنَّ الكِتْمان
стр. 6099
قبْل إنْطاق الجَوارح وعدمُه بعدَها، وعن الثالث، وهو أنه في آيةٍ خلَق السماءَ قبل الأرض، وفي أُخرى بعدَها بأن خلْق نفْس الأرض قبْل السَّماء، ودَحوُها بعدَه، وعن الرَّابع، وهو قوله: إنَّ قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦]، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ١٣٤]، يدلُّ على أنه كان مَوصُوفًا بهذه الصِّفات في المَاضي، وهو لم يَزَلْ كذلك بأنَّه سَمَّى نفسَه غفورًا رحيمًا، وهذه التَّسمية مضَتْ؛ لأنَّ التعلُّق انقطَع، وأما ذلك، أي: ما قال مِن الغَفورَّية والرَّحميَّة فمعناه: أنَّه لا يَزال كذلك، لا يَنقطعُ، فإن الله تعالى إذا أراد المغفرةَ من الأشياء في الحالِ أو الاستِقبال فلا بُدَّ من وُقوع مُراده قَطْعًا، ويحتمل أنْ يكون ما قالَه جوابَين:
أحدهما: أن التَّسمية التي كانتْ ثم مضَتْ لا الغَفوريَّة.
والثاني: أنَّ معناه الدَّوام، وأنه لا يَزال كذلك.
ووجه ثالث: وهو أنَّ السُّؤال يُحمَل على مُشكِلَين، والجَواب على دفْعهما بأنْ يقال: إنه مُشعِرٌ بأنه في الزَّمان القديم كان غفورًا، ولم يكُن في الأزَل ما يُغفَر، ولا مَن يُغفَر له (١) بأنَّه ليس في الحال غَفُورًا؟، فأجاب أولًا بأنه كان في الماضي مُسمًّى به، وعن الثاني: بأنَّ معنى (كان) الدَّوام، هذا مُحتملات كلامِه.
وأما النحاة فقالوا: (كان) هو لثُبوت خبرها ماضيًا دائمًا أو منقطِعًا.
стр. 6100
وأَما مسأَلة الخَلْقَين؛ فأجاب بعضُهم عنها: بأنَّ (ثُمَّ) لتَقارُب ما بين الخَلْقَين لا للتَّراخي في الزَّمان، وقيل: إنَّ (ثُمَّ) لتَرتيب الخبَر، أخبَر أولًا بخلْق الأرض، ثم أخبَر بخلق السَّماء، وقيل: خلَق بمعنى: قدَّرَ، وقيل: استَوى ليس بمعنى: خَلَق.
(والسماء بناها) صوابه: أم السماء.
(فلا يختلف) بالجزم، فإن القرآن من عند الله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
(عن المنهال) هو الذي علَّق عنه ذلك مِن قبلُ، فيحتمل أنَّه سَمعه أولًا مُرسَلًا، وآخِرًا مُسنَدًا، فنقَلَه كما سَمعه.
وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الإسناد ليس بشَرطٍ.
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) غرَضه أنَّ الهداية نَوعان: بمعنى الدَّلالة المُطلَقة، وهي عامةٌ، وبمعنى المُوصِلَة للنِّعمة، والآياتُ في هذه، وفي هذه.
وقيل: هو مشتركٌ بينهما، أو حقيقة ومجازٌ؟ خِلافٌ.
(الكُفَرّى) بضم الكاف، وفتح الفاء وقد تُضمُّ، وتشديد الراء، مقصورٌ: الطَّلْع، وقيل: وِعَاء كلِّ شيءٍ كافوره.
وقال (خ): قول الأكثَرين أنَّ الكُفَرَّى هو الطَّلْع بما فيه، وعن الخَليل أنَّه الطلْع، وقوله في الحديث: (قِشْر الكُفَرَّى) يُصحِّح ذلك.
(بمنزلة أسعدناه) قال السُّهَيلي: هو بالصاد أقْرب إلى تفسيرِ
стр. 6101
أَرشدناه مِن أَسعدناه بالسين؛ لأنه إذا كان بالسين كان من السَّعد، والسَّعادة، وأرشدتُ الرَّجل إلى الطَّريق، وهديتُه السَّبيلَ بعيدٌ من هذا التَّفسير، فإذا قلت: أصعدناهم -بالصاد-، خرَج اللَّفظ إلى معنى: الصَّعَدات، وهي الطُّرُق، وكذلك أصعَدَ في الأرض: إذا سارَ فيها على قَصْدٍ.
فإن كان البخاري قصَدَ هذا، وكتبَها في نسُخته بالصاد التِفاتًا إلى حديث الصَّعَدات؛ فليس بعجيبٍ، ولا نكيرٍ.
(يعني الوعيد)؛ لأنَّه أمرُ تَهديدٍ.
* * *
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾
(باب: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ [فصلت: ٢٢])
٤٨١٦ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ الآيَةَ: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ ثَقِيفَ، أَوْ رَجُلَانِ مِنْ ثَقِيفَ وَخَتَنٌ لَهُمَا مِنْ قُرَيْشٍ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتُرَوْنَ أَنَّ اللهَ يَسْمَعُ حَدِيثنَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: يَسْمَعُ بَعْضَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَئِنْ كَانَ يَسْمَعُ بَعْضَهُ لَقَدْ
قوله: (ولا نسمع قيلهم) هذا يَقتَضي أنَّه فصَل بين المُتعاطفَين بجُمَلٍ كثيرةٍ، وينبغي حَمل كلامه على أنَّه أرادَ تفسيرَ المَعنى، ويكون التقدير: ونعلم قيْلَه، فحذف العامِل.
وقال السَّفَاقُسي: هذا التفسير أنكره بعضهم، وقالوا: إنما يصحُّ هذا لو كانت التلاوةُ (وقِيلُهم)، المعنى: إلا مَن شَهِد بالحقِّ، وقال قبلَه: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨] على الإنْكار.
(مقرنين: مطيقين)؛ أي: بالقاف، وقيل: ضابِطِين.
(يعشى: يعمى) قال الشَفَاقُسي: يَجب أن تكُون القراءةُ عليه بفتح الشِّين.
قال (ش): وكذا قال ابن قُتَيبة، فإنَّه حكَى قول أبي عُبَيدة على قِراءة الضمِّ: أنه تُظلِم عَينه (١)، قال: وقال الفَرَّاء: يُعرِضُ عنه، ومن قرأ: (يَعشَ) بنصب الشين أراد: يَعمَى عنه.
قال: ولا أَرى القول إلا قَول أبي عُبَيدة، ولم أَرَ أَحدًا يُجيزُ: عَشَوتُ عن الشَّيء: أَعرضْتُ عنه، إنما قال: تعاشَيْتُ عن كذا: تغافَلتُ عنه كأني لم أَرَهُ، ومثله: تَعامَيْت.
ورجَّح غيرُه قَولَ أبي عُبَيدة بأنَّه إنما يقال: عَشِي: إذا مَشَى ببصرٍ ضعيفٍ، ونظيره: عَرِجَ مَشَى مِشْيةَ الأعرج، وعَرِج إذا صار أَعرَج، فكذلك يُقال: عَشي يَعشَى إذا عَمِيَ.
стр. 6108
﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥]) معنَى ضَرْب الذِّكْر عنهم: رفْع القُرآن من بَينهم إلى السَّماء بخلاف ما تقدَّم من تفسير مُجاهد، وكذلك فُسِّر المثَل هاهنا بمعنى العُقوبة، وفيما تقدَّم بمعنى الشَّبَه.
(يصدون: يضجون) يُريد بكسر الصاد، ومَن قرأ بالضم فالمعنى عنده: يُعرِضُون، وقال الكِسَائي: هما لُغتان بمعنًى، وأنكَر بعضُهم الضمَّ، وقال: لو كان مَضمومًا لكان: (عنْه)، ولم يكُن: (منه)، أي: مِن أَجْله، فيكون الضمُّ صحيحًا.
(أي: ما كان)؛ أي: فـ (إنْ) في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ الآية [الزخرف: ٨١] نافيةٌ.
(عابد وعبد) بفتح المُوحَّدة، كذا ضبَطه ابن فارِس، وغيره.
قال الجَوْهري: العَبَد بالتحريك: الغَضَب، وعَبِدَ بالكسر، أي: أَنِفَ.
(العابدين: الجاحدين من عَبَدَ يعْبُد) بفتح المُوحَّدة في الماضي، وضمِّها في المُستقبَل.
قال السَّفَاقُسي: كذا ضبطوه هنا، قال: ولم يذكُر أهل اللُّغة عَبَد بمعنى: جَحَدَ.
وذكر ابن عُزير: أنَّ معنى العابِدين: الآنِفِين، والجاحِدين، وذلك ما أشارَ إليه البُخاري.
سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَالَ اللهُ : يُؤْذِيني ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ".
(يؤذيني)؛ أي: يقُول ما يُتأَذَّى به مَن يَصحُّ في حقِّه التأَذِّي لا أنَّ الله تعالى يَتاَذَّى؛ لأنَّ ذلك مُحالٌ.
(وأنا الدهر) قال (خ): معناه: أنا صاحِبُ الدَّهر، وفاعِلُ الأمور التي يَنسبُونَها إلى الدَّهر، فإذا سَبَّ ابنُ آدمَ الدَّهر من أجْل أنه فاعِلُ هذه الأُمور عادَ سَبُّه إلي؛ لأنِّي فاعلُها، وإنما الدَّهر زمانٌ جعلتُه ظَرْفًا لمَواقع الأُمور.
وكان من عادتِهم إذا أصابَهم مَكروهٌ أضافوه إلى الدَّهر، وقالوا: ما يُهلكنا إلا الدَّهر، وسَبُّوه، وقالوا: بُؤْسًا للذَهر، وتَبًّا له؛ إذ كانوا لا يَعرفُون للدَّهر خالقًا، ويَرونَه أزليًّا أبَديًّا، ولذلك سُمُّوا بالدَّهْريَّة، فأَعلمَهم اللهُ تعالى أنَّ الدَّهر مُحْدَثٌ، يُقلِّبه بين ليلٍ ونهارٍ، لا فِعلَ له في خيرٍ وشرٍّ، ولكنَّه ظَرْفٌ للحَوادث.
وقال (ن): (أنا الدَّهرُ) بالرفع، وقيل: بالنَّصب على الظرف، أي: أنا باقٍ أبَدًا، والمُوافِق لقوله: (إنَّ الله هو الدَّهر) الرَّفْع، فهو مجازٌ.
قال (ش): الرفْع ضَبْط المُحقِّقين، أي: أنا الفاعِل لمَا تُضيفونه للدهر، أو الخالِق، أو المُقدِّر.
стр. 6117
وقال الرَّاغِب: الدَّهر الثاني غيرُ الأول، أي: كما تقدَّم تقريرُه.
وكان أبو بكر بن داود الظَّاهري يَرويه بالفتْح نصبًا على الظَّرف، أي: أنا طُول الدَّهر بيَدي الأَمرُ، وكان. يقول: لو كان مَضمومَ الرَّاء لصار اسمًا من أسماء الله تعالى.
ولكنَّ ما قالَه ليس بلازمٍ؛ لمَا سبَق لا سيَّما على رواية: (فإنَّ الله هو الدَّهر).
وقد جوَّزَ النَّصب جماعةٌ منهم: النَّحَّاس، وقال (ع): نصَبه بعضُهم على الاختصاص، والظَّرف أَصحُّ.
* * *
٤٦ - الأَحقَاف
(سورة الأَحقاف)
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿تُفِيضُونَ﴾: تَقُولُونَ.
وَقَالَ بَعضُهُم: أثَرَةٍ وَأُثرَة وَأثَارَةٍ: بقِيَّةُ عِلْم.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾: لَسْتُ بِأَوَّلِ الرُّسُلِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: هذِهِ الأَلِفُ إِنَّمَا هِيَ تَوَعُّدٌ، إِنْ صَحَّ مَا تَدَّعُونَ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَلَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ بِرُؤْيَةِ الْعَيْنِ، إِنَّمَا هُوَ: أتعْلَمُونَ، أَبَلَغَكُم أَنَّ مَا تَدعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ خَلَقُوا شَيْئًا؟
﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ
стр. 6118
قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾
(إثرة وأثرة وإثارة)؛ أي: أثرة، بفتح الهمزة وكسرها، وكذا: أَثارة.
(بدعًا)؛ أي: لستُ بأوَّل الرُّسُل.
قال بعض الأئمة: هذه السُّورة مكيةٌ مُحكمةٌ إلا آيتَين: هذه، و ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، قالوا: ليس في كتاب الله تعالى من المَنسوخ آيةٌ ثبتَ حُكمها كهذه الآية، ثبتتْ ستَّة عشَر سنةً، وناسخُها أوَّل سُورة الفتْح.
قال (ش): وممن نصَّ على أنَّ ذلك ناسخَها الشافعيُّ في "أحكام القرَآن".
* * *
٤٨٢٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهكَ، قَالَ: كانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ، اسْتَعمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، لِكَيْ يُبَايعَ لَهُ بعدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، فَقَالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ، فَلَم يَقْدِرُوا، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنَّ هذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾، فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءَ الْحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللهُ فِينَا شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنَّ الله أَنْزَلَ عُذْرِي.
стр. 6119
(مروان)؛ أى: ابن الحَكَم -بفتح الكاف- الأُمَوي.
(شيئًا)، قيل: إنَّه قال: بَينَنا وبينَكم ثلاثٌ: تُوفِّي النَّبيُّ ﷺ ، وأبو بكرٍ، وعمر، ولم يَعهدُوا.
(فلم يقدروا)؛ أي: على أَخْذه إعْظامًا لحُجْرة عائشة ﵂.
(أنزل فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١٧]) الصَّحيح أنَّها
نزَلتْ في الكافِر العاقِّ، ولا يَجوز أنْ يُقال: نَزلتْ في عبد الرَّحمن بن
أبي بَكْر؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿(١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ﴾ [الأحقاف: ١٨]، وعبدُ الرَّحمن مِن خِيَار المُسلمين.
(ما أنزل الله فينا شيئًا)؛ أي: بَني أبي بَكْرٍ، وأما أبو بكر فنَزل فيه: ﴿ثَاني اثنين﴾ [التوبة: ٤٠].
* * *
﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿عَارِضٌ﴾: السَّحَابُ.
(باب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا﴾ [الأحقاف: ٢٤])
٤٨٢٨ - حَدَّثَنَا أَحمَدُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمرو: أَنَّ أَبَا
стр. 6120
النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهوَاتِهِ، إنَّمَا كَانَ يتبَسَّمُ.
٤٨٢٩ - قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا؛ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهية؟ فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ! مَا يُؤْمِنِّي أَنْ يَكُونَ فِيهِ عَذَابٌ؟ عُذِّبَ قَوْمٌ بِالرِّيح، وَقَد رَأَى قَوْمٌ الْعَذَابَ، فَقَالُوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ ".
(لهواته) جَمْع: لَهاةٍ، وهي اللَّحمة الحَمْراء المُعلَّقة في أَعلى الحنَك.
(وقد رأى قوم) هم السَّابقون الذين قالوا: هذا عارِضٌ مُمطِرنا، وقولهم: إنَّ النكَرة إذا أُعيدتْ يكون الثاني غيرَ الأول مَحلُّه حيث لا قَرينةَ على الاتحاد، وإلا فهو كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، ولئِنْ قُلْنا باطِّراد القاعدة فيحتمل أنَّ عادًا قَومان: قومٌ بالأَحقاف، أي: بالرِّمال، وهم أصحاب العارِض، وقومٌ غيرُهم.
* * *
стр. 6121
٤٧ - الذِينِ كَفَرُوا
(سورة ﴿الذين كفروا﴾ [محمد:١])
﴿أوزَارَها﴾: آَثَامها حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا مُسْلِمٌ. ﴿عَرَّفَها﴾: بَيَّنَها.
وَقَالَ مُجَاهدٌ: ﴿مولى الذين آمنوا﴾: وليُّهم. ﴿عَزَمَ الأمرُ﴾: جَدَّ الأمْرُ. ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾: لَا تَضْعُفُوا.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أَضْغانهم﴾: حَسَدَهُم. ﴿آسِنٍ﴾: مُتَغَيِّرٍ.
قوله: (آثامها)؛ أي: حتى لا يَبقَى في الدُّنيا إلا مسلمٌ.
قال (ش): قال السَّفَاقُسي: لم يَذكر هذا التَّفسير أحدٌ غيرُه، والمَعروف السِّلاح، وقيل: حتى يَنزل عِيْسى بن مَريم، ووجدتُ بخط البيَّاسي الحافظ قال: وجدتُ بخطِّ ابن قُرْقُول: هذا التَّفسير يَحتاج إلى تفسير، وذلك أنَّ الحربَ لا آثامَ لها فتُوضَع، فلعلَّه كما قال الفَرَّاء: آثامُ أهلها المُجاهدين، ثم حُذف المُضاف، وأُبقي المضاف إليه، أو كما قال ابن النَّحَّاس: حتى تضَع [الحرب] أهلَ الآَثام فلا يَبقى مُشركٌ، وكذا قاله (ع).
وقال: قال الفَرَّاء: الهاء في: (أَوزارَها) عائدٌ على أهل الحَرْب، أي: آثامَهم، ويحتمل أن تعود على الحرْب، أوزارها: سِلاحُها.
* * *
(الرحم)؛ أي: القَرابة.
(فأخذت بحَقْوي الرحمن) بفتح المهملة، وسُكون القاف، وبالواو: الإِزَار، والخَضر: مَشَدُّ الإِزَار.
قال (ش): كذا عند ابن السَّكَن، وسقَط قوله: (بحِقْوَي الرَّحمن) مرةً من بعض النُّسَخ.
قال القَابِسِيُّ: أبَى أبو زَيدٍ أنْ يقرأَ لنا هذا الحَرْف لإشْكاله، قال: وهو ثابتٌ لكنْ مع تَنْزيه الله تعالى، وقيل: المُراد: أخذتْ بقائمةٍ من قوائم العَرْش.
(مَهْ)؛ أي: اكفُف، وهو اسم فِعلٍ، وقال ابن مالك: وهي هنا (ما) الاستفهامية، حُذفت ألفها، ووقف عليها بهاء السَّكت.
قال: والشائع أن لا يُفعَل بها ذلك إلا وهي مَجرورةٌ، ومِن استعمالها غيرَ مجرورةٍ قول ابن أَبي ذِئْب: قَدمتُ المَدينة، ولأَهلها ضَجيجٌ بالبُكاء كضَجيجِ الحَجيج أَهلُّوا بالإِحْرام، فقلتُ: مَهْ، فقِيل لي: تُوفِّي رسولُ الله ﷺ .
والحديث من المُتشابه، ففيه طريقتَا التَّفويض والتَّأويل.
قال البَيْضاوي: لمَّا كان مِن عادة المُستجِيْر أنْ يَأخُذ بذَيلِ المُستَجار به، أو بطَرَفِ رِدائه، وإزارِه، ورُبَّما أخَذ بحِقْوَي إزاره مبالغةً في الاستِجارة، فكأنَّه يُشير إلى أن يَحرسَه، ويَذبَّ عنه ما يُؤذيه كما يَحرُس ما تَحت إزاره، ويَذبُّ عنه، كأنَّه لاصِقٌ به، لا يَنفكُّ، استُعير ذلك
стр. 6124
للرَّحِم كما يُقال: نَمنَعُه مما نَمنعَ منه أُزُرنا، فاستَعاذ بالله من القَطيعة.
وقال الطِّيْبيُّ: هذا القَول مبنيٌّ على الاستعارة التمثيلية، شبَّه حالَ الرَّحِم وافتقارَها إلى الصِّلة بحال مُستجيرٍ يأخُذ بحِقْوَي المُستجارِ به، أو هي مَكنيَّةٌ بأَنْ يُشبَّه الرَّحم بانسانٍ مُستَجير بمن يذبُّ عنه ما يُؤذيه، ثم أُسنِد على سبيل الاستِعارَة التَّخييلية ما هو لازمُ المُشبَّه به من القِيام؛ لتكون قرينةً مانعةً عن إرادة الحقيقة، ثم رُشِّحت الاستعارةُ بالقَول، والأَخْذ، ولفْظ: (بحِقْوَي الرَّحمن) استعارةٌ أُخرى.
قال (ك): وتَثْنية (حِقْو) للتأْكيد؛ لأنَّ الأَخْذ باليدَين آكَدُ في الاستِجارة من الأَخْذ باليد الواحدة.
قال (ن): الرَّحم معنًى من المَعاني لا يَتأتَّى منه القيام، ولا الكلام، فالمُراد تعظيم شأنها، وفَضيلةُ واصِلِها، وإثْم قاطِعها.
قال: ولا خِلافَ أنَّ صِلةَ الرَّحم واجبةٌ في الجُملة، وقطيعتها معصيةٌ، والصِّلة دَرَجاتٌ بعضها أرفَعُ من بعضٍ، وأدناها صِلَتُها بالكلام ولو بالسَّلام، ويختلف ذلك بالقُدرة، والحاجَة.
واختُلف في حَدِّ الرَّحِم، فقيل: المَحارِم، وقيل: عامٌّ في كل مَحرَمٍ من ذَوي الأرحام في المِيْراث.
(هذا) الإشارةُ للمَقام، أي: قِيامِي هذا قِيامُ العائذ بكَ من قَطيعة الرَّحم، ووصْلُ الله هو إيْصال الرَّحمة إليه، وقطْعها قَطْعه.
* * *
стр. 6125
٤٨ - سورة الْفَتحِ
(سورة الفتح)
وَقَالَ مُجَاهِد: ﴿سِيمَاهُم فِي وجُوههم﴾: السَّحْنَةُ. وَقَالَ مَنْصُورٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ: التَّوَاضُعُ. ﴿شَطْئَهُ﴾: فِرَاخَهُ. ﴿فَاستَغلَظَ﴾: غَلُظَ. ﴿سُوقه﴾: السَّاقُ: حَامِلَةُ الشَّجَرَةِ. وَيُقَالُ: دائِرَةُ السَّوْءِ، كقَوْلكَ: رَجُلُ السَّوْءِ. وَ ﴿دائرةُ السوء﴾: الْعَذَابُ. ﴿تُعَزِّرُوهُ﴾: تنصُرُوهُ. ﴿شطئه﴾: شَطْءُ السُّنْبُلِ، تُنْبِتُ الْحَبَّةُ عَشْرًا أَوْ ثَمَانِيًا وَسَبْعًا، فَيَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَذَاكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فآزره﴾: قَوَّاهُ، وَلَوْ كَانَتْ وَاحِدَةً لَمْ تَقم عَلَى سَاقٍ، وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِذْ خَرَجَ وحْدَهُ، ثُمَّ قَوَّاهُ بِأَصحَابِهِ، كمَا قَوَّى الْحَبّة بِمَا يَنْبُتُ مِنْها.
قوله: (السحنة) بفتح المهملة الثانية وسكونها، وبالنون: الهيئَة.
وقال (ش): إنَّه بكسر السين، وسُكون الحاء المهملة، كذا قيَّده أبو ذَرٍّ، وقيده الأَصِيْلِي وابن السَّكَن بفتح السين، والحاء معًا.
قال (ع): وهو الصَّواب عند أهل اللغة، وهو لِيْن البشَرة، والنِّعمة في المَنْظَر، وقيل: الحال.
قال: وعند القَابِسِيِّ، وعَبْدُوس في تفسير: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، السجدة، يُريد أثَرَها في الوَجْه، وهي السِّيْماء، وعند النَّسَفي: السِّحْنة.
بَعيْري)، إلى آخِره يُبيِّن أنْ أَسلَم رواه عن عُمر.
(ثَكِلت) بكسر الكاف: هو فَقْد المَرأةِ ولدَها، دعَا على نفْسه حيث ألحَّ ولم يُجبْه.
(نزرت) بنونٍ، وزايٍ مخفَّفة ومشددةٍ، وراءٍ، أي: ألحَحْتَ عليه، وبالغْتَ، والتخفيف هو المعروف، قاله ابن فارس، و (خ).
وقال الداوُدي: قلَّلتَ كلامَه؛ إذ سألتَه فيما لا يحب أن يُجيبَ فيه.
(نَشِبت) بكسر المعجمة، أي: لبِثْتُ.
(أحب إليّ)؛ أي: لمَا فيه مِن مَفْغرته ما تقدَّم، وما تأخَّر، والنَّصر، والفتْح، وإتمام البَيعة، وغيرها مِن رِضَا الله تعالى عن أصحاب الشَّجَرة، ونحوها، وإنَّما سَمَّى الحُديبية فتْحًا؛ لأنه لمَّا قال رجلٌ من أصحابه: ما هذا بفتْحٍ، قال له ﷺ : "بِئْسَ ما قُلتَ؛ بل هو أعظَمُ الفَتْحِ، رَضِيَ المُشرِكُون أنْ يَدفَعُوكم عَن بلادِهم بالرَّاحَةِ، ويَسألوكُم الصُّلْح، وَيرغبوا إليكُم في الإِمارة".
* * *
٤٨٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعبةُ: سَمِعتُ قتادَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قَالَ: الْحُدَيْبِيَةُ.
٤٨٣٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ