بَعيْري)، إلى آخِره يُبيِّن أنْ أَسلَم رواه عن عُمر.
(ثَكِلت) بكسر الكاف: هو فَقْد المَرأةِ ولدَها، دعَا على نفْسه حيث ألحَّ ولم يُجبْه.
(نزرت) بنونٍ، وزايٍ مخفَّفة ومشددةٍ، وراءٍ، أي: ألحَحْتَ عليه، وبالغْتَ، والتخفيف هو المعروف، قاله ابن فارس، و (خ).
وقال الداوُدي: قلَّلتَ كلامَه؛ إذ سألتَه فيما لا يحب أن يُجيبَ فيه.
(نَشِبت) بكسر المعجمة، أي: لبِثْتُ.
(أحب إليّ)؛ أي: لمَا فيه مِن مَفْغرته ما تقدَّم، وما تأخَّر، والنَّصر، والفتْح، وإتمام البَيعة، وغيرها مِن رِضَا الله تعالى عن أصحاب الشَّجَرة، ونحوها، وإنَّما سَمَّى الحُديبية فتْحًا؛ لأنه لمَّا قال رجلٌ من أصحابه: ما هذا بفتْحٍ، قال له ﷺ : "بِئْسَ ما قُلتَ؛ بل هو أعظَمُ الفَتْحِ، رَضِيَ المُشرِكُون أنْ يَدفَعُوكم عَن بلادِهم بالرَّاحَةِ، ويَسألوكُم الصُّلْح، وَيرغبوا إليكُم في الإِمارة".
* * *
٤٨٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعبةُ: سَمِعتُ قتادَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قَالَ: الْحُدَيْبِيَةُ.
٤٨٣٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعبَةُ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، قَالَ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ
إِنِّي مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ، نهى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْخَذْفِ.
٤٨٤٢ - وَعَنْ عُقْبةَ بْنِ صُهْبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ الْمُغَفَّلِ الْمُزَنيِّ فِي الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ.
٤٨٤٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَليدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ ﵁: وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ.
الحديث الأول، والثاني:
(علي) قال الكَلابَاذِي: هو ابن سلَمَة اللَّبقي.
(الخذف) بمعجمتين: الرَّمي بالحصَا بالأَصابع.
(في البول في المغتسل) كذا لجَميعِهم، وعند الأَصِيْلِي فيه زيادةٌ: (يأْخُذ منه الوَسْواس)، وكذا أخرجَه أصحابُ السُّنَن الأربعة مرفوعًا، وقال التِّرْمِذي: غريبٌ، وقال الحاكم: على شَرْط الشَّيخين، ولم يُخرجاه.
* * *
٤٨٤٤ - حَدَّثَنَا أَحمَدُ بْنُ إسْحَاقَ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا يعْلَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِيَاهٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا وَائِلٍ أَسْألهُ، فَقَالَ: كُنَّا بِصِفِّينَ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَلَم تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُدعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعمْ. فَقَالَ سَهْلُ بْنُ
стр. 6133
حُنَيْفٍ: اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُم، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ -يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُشْرِكِينَ- وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: ألسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُم فِي النَّارِ؟ قَالَ: "بَلَى". قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيّة فِي دِيننَا؟ وَنرْجِعُ، وَلَمَّا يَحكُم اللهُ بَيْنَنَا؟ فَقَالَ: "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! إِنِّي رَسُولُ اللهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي اللهُ أَبَدًا"، فَرَجَعَ مُتَغَيِّظًا، فَلَم يَصْبرْ حَتَّى جَاءَ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ! أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ وَهمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! إِنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللهُ أَبَدًا. فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْح.
الثالث:
(بِصِفّين) بكسر المهملة، والفاء المشدَّدة: بُقعةٌ بقُرب الفُرات، بها وَقْعةُ عليٍّ ومعاوية.
(﴿ألم تَرَ إلَى الَّذَين﴾) ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣]، هكذا التلاوة، وغرَضه أنَّ الله تعالى قال في كتابه: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ [الحجرات: ٩].
(سهل بن حنيف) كان يُتَّهمُ بالتقصير في القِتال، فقال: اتَّهِمُوا أنفُسَكم؛ فإني لا أُقصِّر، وما كنتُ مقصِّرًا وقْت الحاجة كما في يوم الحُديبِيَة، فإنِّي رأَيتُ نفْسي يومئذٍ بحيث لو قدَرتُ على مُخالفة رسول الله ﷺ لقاتَلتُ قتالًا عَظيمًا، لكن اليَوم لا نرَى مصلحةً في
стр. 6134
القِتال؛ بل التوقُّف أَولى لمَصلحة المُسلمين، وأما الإنْكار على التَّحكيم إذْ ليس ذلك في كتاب الله، فقال علي كتابه: لكنَّ المُتكبِّرين هم الذين عدَلوا عن كتاب الله؛ لأنَّ المُجتهِد لمَّا أدَّى ظنُّه إلى جواز التحكيم فهو حكم الله.
وقال سهلٌ: اتَّهِمُوا أنفُسَكم في الإنكار؛ لأنَّا أيضًا كُنَّا كارهين لتَرْك القِتال يوم الحُديبِيَة، وقَهرَنا النبيُّ ﷺ على الصُّلْح، وقد أعقَبَ خيرًا عظيمًا.
(الدنية) بكسر النون، وتشديد الياء: الخَصْلة الرَّذيلة، وهي المُصالَحة بهذه الشُّروط التي تدلُّ على العَجْز والضَّعف.
ومرَّ الحديث آخر (الجهاد).
* * *
٤٩ - الْحُجُرَاتِ
(سورة الحُجُرات)
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لا تقدموا﴾: لَا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ عَلَى لِسَانِهِ. ﴿امْتَحَنَ﴾: أَخْلَصَ. ﴿تنابَزوا﴾: يُدعَى بِالْكُفْرِ بعْدَ الإسْلَامِ. ﴿يَلِتْكُمْ﴾: يَنْقُصْكُم، ألتْنَا: نَقَصْنَا.
قوله: (لا تقدموا: لا تفتاتوا)؛ أي: لا تَسبِقُوا، والظَّاهر أن
ناصبٍ وجازمٍ لغةٌ، وهو بكسر اللام على الأشهر.
وهذا الحديث صريحٌ في أنَّ سبَب الآية كلامُ الشَّيخين.
وقال ابن عَطِيَّة: الصَّحيح أنه كَلام جُفاة الأَعراب، ولهذا تكلَّم السَّفَاقُسي في هذا الحديث، وقال: إنَّه ليس بمتصِلٍ، لأنَّ البُخاريَّ لم يذكُره عن ابن الزُّبَير، إنما ذكَر في آخره عن ابن الزُّبَير، فما كان عُمر يُسْمعُ النبيَّ ﷺ بعدَ هذه الآيةِ حتى يَستفهمَه.
قال (ش): لكنَّ الطَّريق الأُخرى كما سيَذكُره البخاري صرَّحتْ بأن عبد الله بن الزُّبَير هو الذي أخبَر ابن أبي مُلَيكة بذلك.
(فأشار أحدهما) هو عُمر ﵁، أي: أشارَ بأنَّ تفويض الإمارة منوطٌ (بالأقْرَع) بقافٍ، وراءٍ مهملةٍ، (ابن حَابِس) بمهملتين، وموحَّدةٍ مكسورةٍ.
(مُجاشع) بجيمٍ، ومعجمةٍ، ومهملةٍ.
(برجل آخر) هو القَعْقَاع، بفتح القافين، وسُكون المهملة الأُولى، أي: أشارَ أبو بكر ﵁ بالتفويض إليه.
(عن أبيه) يُريد جَدَّه، فأَطلَق على (١) الجد أبًا، وإنما أبوه الحقيقي الزُّبَير، ولكن أُمَّ عبد الله أسماءُ بنت أبي بكْر.
* * *
стр. 6137
٤٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَزْهرُ بْنُ سَعدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ، قَالَ: أَنْبَأَنِي مُوسَى بْنُ أَنسٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَنَا أعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ. فَأتاهُ، فَوَجَدَهُ جَالِسًا فِي بَيْتِهِ مُنَكِّسًا رَأْسَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا شَأنُكَ؟ فَقَالَ: شَرٌّ. كَانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَد حَبِطَ عَمَلُهُ، وَهْوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ مُوسَى: فَرَجَعَ إِلَيْهِ الْمَرَّةَ الآخِرَةَ بِبِشَارَةٍ عَظِيمَةٍ، فَقَالَ: "اذْهبْ إِلَيْهِ، فَقُلْ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَلَكِنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
الثاني:
(أنا أعلم لك علمه) إنْ قيل: القِياس: أنا أَعلَم لك حالَه؛ قيل: هو مصدرٌ مضافٌ إلى المَفعول، أي: أَعلَمُ لأجلِكَ علْمًا متعلِّقًا به.
(من أهل الجنة) عُلم بذلك أنَّ العشَرة ليس حَصْرًا، أو أن العشرة أُتِيَ فيهم بلفْظ بشِّرْهُ بالجنَّة، أو أنَّهم مُبشَّرون بالجنَّة دفعةً واحدةً في مجلسٍ واحدٍ، ولا بُدَّ من التأْويل؛ إذ أزواجُ النبيِّ ﷺ ، وفاطمةُ، والحسَنان، ونَحوهم من أهل الجنَّة إجماعًا.
* * *
(وبكسر التي في الطور) أي: مَصدرًا.
(وينصبان)؛ أي: يُفتحان، وبعضُهم يُعبِّر عن الفتح بالنَّصب، وبالعكس، والقُرَّاء السَّبْعة متفِقون على كسر ما في (الطُّور)، ففتْحها من الشَّواذِّ.
* * *
﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾
(باب: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠])
٤٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي الأَسْوَدِ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَدَّثَنَا شعْبةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يُلْقَى فِي النَّارِ، وَتَقُولُ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟﴾ حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ، فتقُولُ: قَطِ قَط".
الحديث الأول:
(قدمه) هذا من مَشاهير أحاديث الصِّفات المُشْكِلة.
قال (ن): والعُلَماء فيه على مَذْهبين: التَّفويض، والتَّأويل، فقيل: المُراد بالقَدَم المُتقدِّم، أي: يضَع اللهُ تعالى فيها مَن قَدَّمَه لها من أهل العذَاب، أو قَدَمَ بعض المَخلوقين، فيَعود الضمير في قدَمه إلى المَخلوق المَعلوم، أو هناك مَخلوق اسمه القَدَم.
قال: وأما الرِّجْل فيجوز أنْ يُريد به الجَماعة من النَّاس كما يقال: رِجْلٌ من جَرادٍ، أي: قطعةٌ منه.
стр. 6141
وقال (خ): ومثْل هذه الأسماء يُراد بها إثْبات معانٍ، لا حَظَّ لظاهر الأَسماء فيها من طَريق الحقيقة كما يُراد بوَضْع القَدَم والرِّجل عليها نَوعٌ من الزَّجْر لها والتَّسكين، كما يقول القائل لشيءٍ يُريد مَحوَه وإبطالَه: جعَلتُه تَحتَ رِجْلي، ووضَعتُه تحت قدَمي ونحوه، فالمُراد تَذليل جهنَّم عند طُغيانها، وقَولها: هل مِن مَزيدٍ؟.
قال (ك): ويَحتمل أنْ يعود الضَّمير إلى المَزيد، ويُراد بالقَدَم الآخِر؛ لأنَّه آخِر الأعضاء، أي: حتى يضَع اللهُ آخِرَ أهل النَّار فيها.
(قط قط) بالتَّخفيف والسُّكون، وبكسر القاف، ويُروى: (قَطْنِي، قَطْنِي)، و (قَطِي قَطِي)، ومعنى الكُلِّ: حَسْبي، وكَفاني، قاله (ع).
وقال السَّفَاقُسي: فيه رواياتٌ: فتْح القاف وسُكون الطَّاء، وفتْح القاف وكسر الطاء من غير تنوينٍ، وفتح القاف وكسر الطَّاء بالتَّنوين، فهذه ثلاث لُغاتٌ مع فتْح القاف، والرَّابعة بكسر القاف، وسُكون الطَّاء، وقيل: إنَّ (قَطِ): صوتُ جهنَّم.
* * *
٤٨٤٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو سُفْيَانَ الْحِميَرِيُّ سَعِيدُ بْنُ يَحيَى بْنِ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ -وَأكثَرُ مَا كَانَ يُوقِفُهُ أَبو سُفْيَانَ-: "يُقَالُ لِجَهنَّمَ: هلِ امتَلأْتِ؟ وَتَقُولُ: هلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ فَيَضَعُ الرَّبُّ ﵎ قَدَمَهُ
стр. 6142
عَلَيْها، فتقُولُ: قَطِ قَطِ".
الثاني:
(رفعه، وأكثر ما كان يوقفه أبو سفيان)؛ أي: إنَّه لم يَرفَع الحديث مرَّةً، ورفَعَه أُخرى.
وقوله: (يُوقفُه)، كذا وقَع رُباعيًّا، والمَشهور: وقَف يَقِفُ، فيحتَمل أنْ يكون رفعَه ثم لم يَرفعْه.
ولهذا أسقَطَها الأَصِيْلِي، وتَرَك موضعَها بَياضًا كراهةً لروايتها، وقد رُوي كراهيةُ ذلك عن مالك.
قال (خ): أُضيف القَدَمُ في رواية أبي هريرة إلى الله تعالى، إلا أنَّ الرَّاوي كان يقِفَه مرةً ويَرفعه أُخرى، وفي رواية أنَس رفْعه قطْعًا، ولكنْ لم يُصرِّح بإضافته إلى الله .
وحاصله: أنه إما صَرَّح بالإضافة من غير رفعٍ، وإما رفَع من غير تصريحٍ بالإضافة.
* * *
٤٨٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ همَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: مَا لِي لَا يدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُم؟ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ
стр. 6143
وَتَعَالَى- لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحمتي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابٌ أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَبكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِلْؤُها، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ، فتقُولُ: قَطٍ قَطٍ قَطٍ، فَهُنَالِكَ تَمتَلِئُ، ويُزْوَى بَعْضُها إِلَى بَعض، وَلَا يَظْلِمُ اللهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ، فَإِنَّ الله يُنْشِئُ لَها خَلْقًا".
الثالث:
(تحاجت الجنة والنار) قال (ن): هذا الحديث على ظاهِره، وأنَّ الله تعالى يَخلق في الجنَّة والنار تَمييزًا يُدركان به، ويَقدران على الاحتِجاج.
(بالمتكبرين والمتجبرين) هو مِن عطف الشَّيء على مُرادفه تأكيدًا، وقيل: بينهما فَرقٌ، فالمُتكبِّر: المُتعظِّم بما ليس فيه، والمُتجبِّر: المَمنوع الذي لا يُنال إليه، وقيل: الذي لا يَكتَرثُ بأمرٍ.
(وسقطهم) بفتح المهملة، والقاف، أي: الضُّعَفاء المحتَقَرون السَّاقطُون عن أَعيُن النَّاس.
فإنْ قيل: ما معنى الحَصْر وقد يدخُل الجنَّة غيرُ الضُّعَفاء من الأنْبياء، والمُرسَلين، والمُلوك العادلة، والعُلَماء المَشهورين؟
قيل: إما باعتبار الأَغلَب، أو أنَّ المُراد بالضَّعيف السَّاقِط هو الخاضع لله، المُذِلُّ نَفْسَهُ لله تعالى، المُتواضع للخَلْق، ضِدُّ المُتكبِّر المُتجبِّر.
стр. 6144
قال (ن): في الحديث دليلٌ على أنَّ الثَّواب ليس موقوفًا على العمَل كما يحصُل للأطفال.
* * *
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾
(باب: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ الآية)
قال (ك): أما لفْظ: (فسَبِّح) فهو بالواو لا بالفاء، والمُناسِب للسُّورة: وقبْل الغُروب، لا غُروبها.
٤٨٥١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَقَالَ: "إِنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكُم كَمَا تَرَوْنَ هذَا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعتُم أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمسِ وَقَبْلَ غُرُوبها، فَافْعَلُوا"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾.
الحديث الأول:
(لا تضامون) بإعجام الضاد، وتخفيف الميم من الضَّيم، وتشديدها من الضَّمِّ، أي: لا يَظلِمُ بعضُكم (١) بعضًا بأنْ يَستأثِرَ به
ضَلَالَتِهم يتمَادَوْنَ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: تَوَاصَوْا: تَوَاطَؤُا، وَقَالَ: ﴿مُسَوَّمَةً﴾: مُعَلَّمَةً مِنَ السِّيمَا.
قوله: (قال عليّ)؛ أي: ابن أبي طالب ﵁، أسنَده عبد الرَّزَّاق في "تفسيره": سُئِل، فقال: الذَّارِيَات: الرِّياح، الحامِلات السَّحَاب، فالجَارِيَات: السُّفُن، فالمُقسِّمات: المَلائكة، وقال الحاكم: صحيحٌ على شَرْط الشَّيخين.
(موضعين)؛ أي: القُبُل والدُّبُر.
(وديس) من الدَّوْس، وهو الوَطْءُ بالرِّجْل.
(ففروا)؛ أي: من معصية الله إلى طاعتهِ.
(ليوحدون) إنما خصَّهم بالسُّعداء، وفسَّر العبادةَ بالتَّوحيد؛ لتَظْهر المُلازَمة بين العِلَّة والمَعلُول.
(لأهل القدر)؛ أي: المُعتزلة احتَجُّوا به على أنَّ إرادةَ الله لا تتعلَّق إلا بالخَير، والشَّرُّ ليس مُرادًا له، فقال البُخاري: لا يَلزم من كَون الشَّيء مُعلَّلًا بشيءٍ أنْ يكون الشَّيء الذي هو العِلَّة مُرادًا، أو لا يكون غيره مُرادًا.
ويحتمل أنَّ مُراده أنَّهم يَحتجُّون به على أنَّ أفعال الله تعالى لا بُدَّ أن تكون معلَّلةً، فقال: لا يَلزم من وُقوع التَّعليل وُجوبُه، ونحن نقول: يَجوز التَّعليل، أو على أنَّ أفعال العِباد مَخلوقةٌ لهم لإسناد
стр. 6147
العِبادة إليهم، فقال: لا حُجَّةَ لهم فيه؛ لأنَ الإسناد من جهة الكَسْب، وكَون العبْد مَحلًّا لها.
قال (ش): وهذا يدلُّ على إِمامة البخاري في عِلْم الكَلام، وذُكر للآية تأْويلان:
أحدهما: أن اللَّفظ عامٌّ، والمراد خاصٌّ، وهم أهل السَّعادة، وكلٌّ مُيسَّرٌ لمَا خُلق له.
ثانيهما: خلقَهم مُعَدِّين للعبادة كما تقول: البقَر مخلوقة للحَرْث، وقد يكون فيها ما لا يَحرُث.
* * *
٥٢ - وَالطُّورِ
(سورة الطُّور)
وَقَالَ قتَادَةُ: ﴿مسطورٍ﴾: مَكْتُوبٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الطُّورُ: الْجَبَلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. ﴿رقٍّ مَنْشُورٍ﴾: صَحِيفَةٍ. ﴿والسقف المرفوع﴾: سَمَاءٌ. ﴿المسجور﴾: الْمُوقَدِ، وَقَالَ الْحَسَنُ: تُسْجَرُ حَتَّى يَذْهَبَ مَاؤُها، فَلَا يَبقَى فِيها قَطْرَةٌ.
وَقَالَ مُجَاهِد: ﴿أَلَتْنَاهُمْ﴾: نَقَصْنَا.
وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿تَمُورُ﴾: تَدُورُ. ﴿أحلامهم﴾: الْعُقُولُ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿البَرُّ﴾: اللَّطِيفُ. ﴿كِسْفًا﴾: قِطْعًا. الْمَنُونُ: الْمَوْتُ.
стр. 6148
وَقَالَ غَيْرُ: ﴿يتنازعون﴾: يتَعَاطَوْنَ.
قوله: (الموقر) هي بالراء، وهي رواية أبي زيد عند الأَصِيْلِي، يُقال: سَجرتُ التَّنُّور: إذا حَميتَه، وسَجرتُ النَّهر: إذا ملأْتَه، وقال الحسَن: إذا ذهب ماؤُه، فلفْظة (سَجَرَ) مشتركةٌ بين الضِّدَّين.
(أحلامهم: العقول) كَنى عن العَقْل بالحِلْم؛ لأنَّه لا يكون إلا بالعَقْل.
(كسفًا: قطعًا)؛ أي: على قراءة فتْح السين كقِرْبة وقِرَب، ومَن قرأه بالسُّكون على التَّوحيد فجمعه: أَكسَاف، وكُسوف.
(المنون: الموت) المَشهور في اللُّغة أنَّه حَوادِث الدَّهر، وبه فسَّره مُجاهِد، وحكى الدَّاوُدي: أنَّه جمعِ: مَنيَّة، وضُعِّف يقول الأَصمَعي: إنَّه واحدٌ لا جمْعَ له، وقول الأخْفش جميعٌ لا واحدَ له.
* * *
٤٨٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مالكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَن زينَبَ بْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أنِّي أَشتكِي، فَقَالَ: "طُوفي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ"، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُور.
٤٨٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثُوني عَنِ
стр. 6149
الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هذِهِ الآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾،كادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ.
قَالَ سُفْيَانُ: فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ. لَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي.
(شكوت)؛ أي؛ اشتَكيتُ مرَضي.
(لم أسمعه زاد)؛ أي: لم أَسمعْه زائدًا عليه، لكنَّ أصحابي حدَّثوني عنه الزَّائدَ، وهو من قوله: (فلمَّا بلَغ)، إلى آخِر الحديث.
قال (خ): كان انْزعاجُه عند سَماع الآيةِ؛ لحُسن تلقِّيه مَعناها، ومعرفتِه بما تضمَّنه بَليغ الحُجَّة، واستدراكها بلَطيف طبْعه.
قالوا: معناه: ليس هم أشدُّ خَلْقًا من خَلْق السَّماوات والأرض؛ لأنَّهما خُلقتا من غير شيءٍ، وهم خُلقوا من آدَم، وهو من التُّراب.
والقول الآخر: أنَّ المَعنى: خُلقوا لغير شيءٍ، أي: خُلقوا باطلًا لا يُؤمَرون ولا يُنهون.
قال: وهنا قولٌ ثالثٌ أجوَدُ منهما: وهو أنَّهم خُلقوا من غير خالقٍ، وذلك لا يَجوز، فلا بُدَّ له من خالقٍ، وإذا أنكَروا الإلة الخالقَ؛
стр. 6150
أَفهُمُ الخالقون لأنفُسهم؟!، وذلك في الفَساد أكفَر، وفي البُطلان أشَدُّ، لأنَّ ما لا وجودَ له كيف يَخلُق؟!، وإذا أبطل الوَجْهان قامت الحُجَّة عليهم بأنَّ لهم خالقًا، ثم قال: ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور: ٣٦]، أي: إنْ جاز لهم أن يَدَّعوا خَلْق أنفُسكم، فليَدَّعوا خلْق السماء والأرض، وذلك لا يُمكنُهم، فالحُجَّة لازمةٌ عليهم، ثم قال: ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾، فذكَر العِلَّة التي عاقتْهم عن الإيمان، وهي عدَم اليقين الذي هو مَوهبةٌ لهم من الله تعالى، ولا يُنالُ إلا بتَوفيقه، فلهذا انزَعجَ جُبَيرٌ حتى كاد قلْبُه يَطير، وهذا بابٌ لا يَفهمُه إلا أربابُ العُقول (١).
* * *
٥٣ - وَالنَّجْمِ
(سورة والنَّجْم)
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ذوُ مِرَّةٍ): ذُو قُوَّةٍ. ﴿قاب قوسين﴾: حَيْثُ الْوَتَرُ مِنَ الْقَوْسِ. ﴿ضِيزى﴾: عَوْجَاءُ. ﴿وأكدى﴾: قَطَعَ عَطَاءَهُ. ﴿رَبُّ الشِّعرَى﴾: هُوَ مِرْزَمُ الْجَوْزَاءِ. ﴿اَلَذى وَفَّى﴾: وَفَّى مَا فُرِضَ عَلَيْهِ. ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ. ﴿سَامِدُون﴾: الْبَرْطَمَةُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يتَغَنَّوْنَ بِالْحِميَرِيَّةِ.
стр. 6151
وَقَالَ إِبْراهِيمُ: ﴿أفتمارونه﴾: أفتجَادِلُونه؟ وَمَنْ قَرَأَ: (أفتمرونه)؛ يَعْنِي: أفتجْحَدُونهُ؟
﴿مَا زَاغَ البَصَرُ﴾: بَصَرُ مُحَمَّدٍ ﷺ . ﴿وَمَا طَغَى﴾: وَلَا جَاوَزَ مَا رَأَى ﴿فتمَارَوا﴾: كَذَّبُوا.
وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿إذا هَوَى﴾: غَابَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أغْنىَ وَأقنَى﴾: أَعْطَى فَأَرْضَى.
قوله: (ضيزى) أصلُه بضم الضاد؛ إذ ليس في كلامهم فِعْلى بالكسر نعت، فكُسرت الضاد لتَصحَّ الياءُ كما في: بِيْضٌ.
(وأكدى: قطع عطاءه) قال مُجاهد: هو الوليد بن المُغِيرة، أَعطى قليلًا، ثم قطَع عطاءَه.
(مِرْزَم) بكسر الميم، وسُكون الراء، وفتح الزاي: هو الكَوكَب الذي يَطلُع وراءَ الجَوزَاء.
وهما شِعرَيانِ: الغُمَيصاء مصغَّر: غَمصاء بمعجمةٍ، ثم مهملةٍ، ممدودٌ، والعبور، الأوَّل في الأَسَد، والثاني في الجَوزاء، وكانت خُزاعة تَعبُد الشِّعرى العبور.
وقال السَّفَاقُسي: مِرْزَم الجَوزاء هو الهنْعة؛ لأنَّ الشِّعرى كوكبٌ يُقابل الهَنْعة من جِهة القِبْلة لا يُفارقُها.
(البَرْطَمة) بفتح المُوحَّدة، وسكون الراء، وفتح المهملة،
(يا أمتاه) نداءٌ بزيادة ألفٍ وهاءٍ.
قال (خ): هم يقولون في النِّداء: يا أَبَه ويا أُمَّه إذا وقَفُوا، وإذا وصَلُوا قالوا: يا أَبَتِ، ويا أُمَّتِ، وإذا فتَحوا للنُّدبة، قالوا: أَبَتاهُ، ويا أُمَّتا، والهاء للوقْف.
قال (ك): ليس هذا من باب النُّدبة؛ إذ ليس ذلك تفجُّعًا عليها.
(قف شعري)؛ أي: اقشَعرَّ جِسْمي حتى قامَ ما عليه من الشَّعر.
واعلم أن هذا منها ليس إنْكارًا لجَواز الرُّؤية مطلقًا كما تَقولُه المُعتزلة، وإنما أنْكرتْ وُقوعَها في الدّنيا، ويدلُّ على صِحَّة قولها قولُ ابن مَسعود الآتي: رأَى جِبْريلَ له ستُّ مئةِ جَناحٍ.
نعَم، ما استَندتْ إليه عائشةُ أجاب عنه ابن عبَّاس لمَّا أَوردَه عليه عِكْرمة، فقال: ذاك نُوره، إذا تَجلَّى بنُوره لم يُدركْه شيءٌ.
وليس في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار﴾ [الأنعام: ١٠٣] دليلٌ على أن النبيَّ ﷺ لم يَرَ ربَّه، ولا في: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]؛ لأنَّ الآيةَ دلَّت على أن البَشَر لا تَرى الله في حال التكلُّم، فنَفْيُ الرُّؤية مُقيَّدٌ بهذه الآية دُون غيرها، وإنما يكون مُخالِفًا أنْ لو قال: كلَّم الله في حالةِ الرُّؤية.
وقال بعض الأئمة: ثبَتَ عن ابن عبَّاس: أن النبي ﷺ رأى ربه، وليس ذلك مما يثبُت بالعُقول والآراء، وإنما يُدرَك من طريق النُّبوَّة.
قال مَعْمر بن راشد: ما كانتْ عائشةُ عندنا بأعلَم من ابن عبَّاس،
стр. 6154
وهي لم تَروِ ذلك عن النبيِّ ﷺ ، وإنما تأَوَّلت الآيتين، وليس في واحدةٍ منهما ما يدلُّ على نفْي الرُّؤية.
وقال ابن عبَّاس، وأبو ذَرٍّ، وأنسَ: إنه رآه.
وذكر الحافظ أبو الشَّيْخ: أن العبَّاس بن عبد العَظيم قال: كُنَّا عند أحمد بن حَنْبَل، فتَذاكَروا ذلك، فقال أَبو تَوْبَةَ: رُوي عن ابن عبَّاس: أنَّ النبيَّ ﷺ رأَى ربَّه بعَينِ رأْسه مَنْ شاءَ غَضِبَ، ومَن شاء رَضِيَ، وقد رُوي عن عائشة إنكارُ ذلك، فقال أبو تَوْبَة: قد صحَّ الخبَر أنه رأَى ربَّه، واختلَفوا في عَينيه، وقَلْبه، فقال أحمد: ما أَحسَن هذا. وأعجبَه ذلك.
(في صورته)؛ أي: التي خُلِق فيها، وهي أنَّ له ستُّ مئةِ جَناحٍ، رآه ﷺ كذلك مرَّتين، وفي سائر الأَوقات كان يَراه في صُورة دِحْيَة الكَلْبيِّ، وغيرِه؛ لأنَّ الملَكَ يتشكَّل بأيِّ شكلٍ أرادَ.
* * *
(باب: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٩])
٤٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ زِرًّا، عَنْ عَبْدِ اللهِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ.
стр. 6155
قوله (١): (حيث الوتر)؛ أي: القَاب: مَوضِع رَأْس الوَتَر.
قال الجَوْهري: القَابُ: ما بين المِقبَض والسِّيَة، ولكلّ قَوسٍ قَابَانِ.
وقيل: المراد من: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩] قابَا قَوسٍ، فهو مِن بابِ القَلْب.
* * *
(باب: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠])
٤٨٥٧ - حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ زِرًّا عَنْ قَولهِ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ.
مِن رُؤية جِبْريل له ستُّمائةِ جَناحٍ، ولا يُنافي ما سبَق من ثُبوت رُؤيته ﷺ .
قال (ن): الرَّاجِح عند أكثر العُلَماء أنَّه ﷺ رأَى ربَّه بعَين رأْسهِ ليلةَ الإسراء، وأنَّ عائشةَ ﵂ لم تَنْفِ الرُّؤْية بحديثٍ، ولو كان معَها حديثٌ لذَكَرتْ، إنَّما اعتَمَدت الاستِنْباطَ من القرآن، والصَّحابيُّ إذا قال قَولًا، وخالفَه غيرُه منهم لم يكُن ذلك حُجَّةً لا سِيَّما
стр. 6156
إذا كان لوَجْهِ استِنْباطها أجوبةٌ مذكورةٌ في مواضعها.
* * *
(باب: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨])
٤٨٥٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قَالَ: رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ.
(رفرفًا) قيل: البِسَاط، وقيل: الفِراش، وقيل: ثَوبٌ كان لِبَاسًا له، وقيل: رَفْرَف الدِّرع ما فَضَل مِن ذَيْلها.
قال (خ): تؤؤُل هذه الآيات على معنى رُؤيته جبريل ﵇ - في الصُّورة التي خُلِقَ عليها، والدُّنُو منه عند المَقام الذي رُفع إليه، وتَدَلَّى: أي: جِبْريل مِن مَقال الذي جُعِلَ له الأُفُق الأَعلى، فاستَوى، أي: وقَفَ وِقْفةً، ثم تَدلَّى، أي: نَزَل حتَّى كان بَينَه وبين المَصعَد الذي رُفع إليه محمدٌ ﷺ قاب قَوسين أو أَدنى فيما يَراهُ الرَّائي، ويُقدِّرُه المُقدِّر.
* * *
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾
(باب: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩])
٤٨٥٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَشْهيبِ، حَدَّثَنَا أَبُو الْجَوْزَاءِ،
стр. 6157
عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قوله: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾: كَانَ اللَّاتُ رَجُلًا يَلُتٌّ سَوِيقَ الْحَاجِّ.
الحديث الأول:
(يَلتّ) بتشديد المثنَّاة، أي: يَبُلُّ، قيل: لمَّا ماتَ عكَفُوا على قَبْره يَعبُدونه، وهذا على قراءة (اللاتّ) بتشديد التاء، وأما بالتخفيف فهو اسمُ صنَمٍ لثَقيفٍ، وقيل: لقُرَيش، كما أنَّ العُزَّى لغَطَفان، وهي سَمُرةٌ، ومَنَاة لهُذَيلٍ وخُزاعةَ، وهي صخرةٌ.
* * *
٤٨٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا معمرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيقُلْ: لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ، فَلْيتَصَدَّقْ".
الثاني:
(فليقل: لا إله إلا الله) قال (خ): اليَمين إنما تكُون بالمَعبود الذي يُعظَّم، فإذا حَلَفَ بهما فقد ضاهى الكفَّار في ذلك، فأُمر أنْ يَتداركَه بكلمة التَّوحيد المُبرِّئة من الشِّرْك.
(فليتصدق)؛ أي: بشيءٍ من مالِه؛ لأَجْل ما قالَ، وقال الأَوْزاعيُّ:
(لمن كان كفر) من الكُفْران بالنِّعمة، والمُراد أنَّا فعَلنا بنُوح ﵊[وبهم ما فَعلْنا مِن فتْح أَبواب السَّماء]، وما بعدَه من التَّفجير ونحوه جزاء من الله بما صنَعوا بنُوح ﵊، وأصحابِه.
وذكر البخاريُّ في الباب خَمسةَ أحاديثَ في انشِقاق القمَر. وقد سبَق المَباحثُ في ذلك في آخِر (المناقب)، وأنها من أُمَّهات المُعجِزات الفائِقة على مُعجِزات سائر الأنبياء؛ لأنها لم تَتجاوَز عن الأَرضيَّات، وأنَّ الفَلَكيَّاتِ قابلةٌ للخَرْق، والالتِئام، وأنَّه لا يَلزم اطِّلاع أكثَر النَّاسِ عليه.
(النَّسَلان) بفتحتين. قال صاحب "العين": وحَرَكة العَين تدلُّ على حَرَكة العَين، وهو بمعنى: الخَبَب بالمعجمة، والمُوحَّدة المَفتوحة: وهو بمعنَى المُسارَعة.
(فعاطها) قال السَّفَاقُسي: لا أعلمُ لتَفسير: فتَعَاطَى بذلك وَجْهًا إلا أَنْ يكون من المَقلُوب الذي قُدِّمتْ عَينُه على لامه؛ لأنَّ العَطْو التَّناوُل، فيكون المعنى: تَناوَلَها بيَده، وأما عَوَط فلا أَعلمُه في كلامٍ، وأما عَيَطَ فليس معناه مُوافِقًا لهذا.
والذي قالَه المُفسِّرون: فتعاطَى عَقْرَ النَّاقةِ، فعقَرَها، وقال ابن فارس: التعاطي الجُرْأة، والمعنى: أنَّه تَجرَّأَ بعَقْره.
(المحتضر كحضار من الشجر) يَجُوز في (الحضار) فتح الحاء وكسرها.