(حتى تنفضوا من حوله) هو موجودٌ في قراءة عبد الله، ولم يثبُت في شيءٍ من المَصاحف المُتفَق عليها، ويُمكِن أن تكونَ زيادة بيانٍ من جِهة ابن مَسْعود.
(لعمي أو لعُمر) يحتمِل عمَّه مَجازًا، وهو عبد الله بن رَوَاحَة؛ لأنَّه كان في حَجْره، ويحتمل الحقيقةَ من حيثُ إنَّهما من أَولاد كَعْبٍ الخَزْرَجي.
قال الغَسَّاني: الصَّواب عَمِّي لا عُمَر على ما رواه الجَماعة.
(ما أردت)؛ أي: ما قَصدتُ مُنتهِيًا إليه، أي: ما حَملَك عليه.
* * *
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾
يَجْتَنُّونَ بِها.
(باب: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢])
قوله: (يجتنّون)؛ أي: يَتستَّرُون بها.
* * *
٤٩٠١ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ ﵁ قَالَ: كنْتُ مَعَ عَمِّي، فَسَمعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بْنَ سَلُولَ يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا. وَقَالَ أَيْضًا: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْها
(آخر الأجلين)؛ أي: أَقصَاهُما، أي: فلا بُدَّ لها من أربعةِ أشهر وعشرٍ، ولا يَكفي الوَضْع إنْ كانتْ تلْك الأكثَر، كما لا تَكفي الأربعةُ أشهرٍ وعشرٌ إنْ كانتْ مدَّة الحمل أَطْوَل.
وغايتُه أنَّ ابن عبَّاس حَملَه على النَّسْخ، وحَملَه الجُمهور على التَّخصيص، وخَصَّصوا الآيةَ بحديثِ سُبَيْعة.
(قتل زوج سبيعة) المَشهور أنَّه ماتَ لا بقتْل، وكذا رواه في (الجنائز) وغيره، فيُحمَل ذلك على أنَّها قالتْه بظَنِّها.
(فخطبت) بالبناء للمفعول.
(وقال سليمان) وصلَه الطَّبَراني في "الكبير".
(وأبو النعمان) وصلَه أبو نُعيم في "المُستخرَج"، والبيهقي.
(فضمن لي) كذا بالنُّون للقَابِسِي، ولأَبي الهيْثَم بالزَّاي بدَلَها، وللأَصِيْلِي بالنُّون مع تَشديد المِيم.
قال (ع): وكلُّها رواياتٌ غيرُ معلومةٍ في كلام العرَب في معنًى يَستقيم به المَعنى، وأشْبَهُ ما فيه رواية أبي الهيْثَم: (فضَمَّزني) بالزاي، وتشديد الميم، وزيادةِ نونٍ بعدها، أي: أَسكتَني، مِن ضَمَّز الرَّجلُ: إذا أسكتَ، ويدلُّ عليه ما قبْلَ الكلام وبعدَه، لأنَّه ذكَر تَعظيم أصحاب ابن أَبي لَيلَى له، ورَدَّ هذا، فبَناه عليه، ثم احتاجَ ذلك بعد لنفسه.
وفي روايةٍ لابن السَّكَن: (فغَمَّضَ لي)، أي: فأَشارَ بتَغْميض عينَيه على السُّكوت.
стр. 6215
(ففطنت) بفتح الطاء، أي: فَهِمتُ مُرادَه.
(لكن عمه)؛ أي: ابن مَسعود، وهذا اختلافٌ في قوله.
(التغليظ) المُراد غَلَّظتُم عليها حتى تضَع ولَو إلى أربعِ سِنينَ، فخَفِّفُوا إذا ولَدتْ ولَوْ لِلَحظةٍ.
(سورة النساء القصرى) هي هذه، والطُّوْلَى المراد بها أَطوَلُ ما في القُرآن، وهي البقَرة.
وسبق هناك مَباحثُ الحديث.
* * *
٦٦ - سُورَةُ المُتحرِّم
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
(سورة: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١])
٤٩١١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَام، عَنْ يَحيَى، عَنِ ابْنِ حَكِيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: فِي الْحَرَامِ يُكَفِّرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَد كَانَ لَكم فِي رَسُولِ اللهِ إِسْوةٌ حَسَنةٌ﴾.
الحديث الأول:
(يُكَفّر)؛ أي: إذا قال: أَنْتِ عليَّ حَرامٌ، وهذا عليَّ حرام؛ يُكَفِّر كفَّارةَ اليَمين، وللفُقَهاء فيه خِلافٌ.
* * *
стр. 6216
٤٩١٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زينَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، وَيَمكُثُ عِنْدها، فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَنْ أيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْها فَلْتَقُلْ لَهُ: أكَلْتَ مَغَافِيرَ، إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. قَالَ: "لَا، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زينَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَد حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا".
الثاني:
(مغافير) بمعجمةٍ، وفاءٍ، وراءٍ: جمع: مُغفُور بضم الميم، ومُفعولٌ بضم الميم في كَلامهم قليلٌ جِدًّا غيرود (١) -بمعجمةٍ، وراءٍ مهملةٍ- نَوعٍ من الكَمأَة، أما مُغفُورٌ فصَمْغُ بعض الشَّجَر يُحَلُّ بالمَاء ويُشرَب، يُقال: أغْفَر الشَّجَر: إذا ظَهر ذلك به، وهو حُلوٌ، ولكنْ له رائحةٌ كريهةٌ.
وقيل: المَغافير البُطون، ذكره ابن غَلْبُون في "تذكرته".
وقال الهَرَوي: يُقال: المَغاثِير بالثاء المُثلَّثة.
وكان ﷺ يَكره أنْ يُوجَد منه ريحٌ كريهةٌ، فصدَّق القائلةَ له ذلك من أَزْواجه، فحَرَّم العسَل على نفْسه.
قال (خ): الأكثَر أنَّ الآية إنَّما نزلتْ في تَحريم مارِيَّة القِبْطية حين
стр. 6217
حرَّمها على نَفْسه، وقال لحَفْصة: لا تُخبري عائشةَ، فلم تَكتُم السِّرَّ، وأَخبَرتْها، وفي ذلك نزل: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣].
(قال: لا)؛ أي: ما أكَلْتُها، ولكنْ شَربتُ عسلًا عندها، ولنْ أَعودَ لشُربه، وقال: حلَفتُ أنا على عدَم العَود، فلا تُخبري أحدًا لا عائشةَ ولا غيرَها يَبتَغي ﷺ بذلك مَرضاتَ أَزْواجه، وإنما وقَع منها ذلك مع أنَّه حرامٌ، والمُواطَأَة أيضًا فيه -مع ما فيه مِن إِيذاء النبيِّ ﷺ - لغلَبَة الغَيرة على النِّساء، وهي صغيرةٌ.
وباقي المباحث مذكورةٌ في التفاسير.
* * *
﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾
(باب: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُم﴾ [التحريم: ٢])
٤٩١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحيَى، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يُحَدِّثُ أَنَّهُ قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هيْبةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ، قَالَ: فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهرتا عَلَى
للنَّفي المُستفاد منه.
(أمرًا)؛ أي: شَأْنًا بحيث يَدخُلْن في المَشُورة.
(حتى أنزل الله فيهن)؛ أي: مثل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعرُوفِ﴾ الآية [النساء: ١٩]، ﴿فإِن أَطعنكُم﴾ الآية [النساء: ٣٤].
(وقسم)؛ أي: مثل: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣].
(أتامّرُه)؛ أي: أتفكَّرُ فيه.
(ولما هاهنا)؛ أي: للأَمر الذي نَحنُ فيه.
(وحب) هو المُناسب للرِّوايات الأُخرى، وهي: (لا يَغُرنَّكِ إنْ كانَتْ جارتك أَوْضَأَ منكِ وأَحبَّ)، وفي بعضها: (حَبُّ) بلا واوٍ، فيكون رفعُه على أنه بدَلٌ، أو اشتِمالٌ.
قال أبو القاسِم بن الأَبْرَش: أو معطوفٌ على (حُسنها) بغير واوٍ كقولهم: أكلْتُ تَمرًا زَبِيْبًا أَقِطًا، وحذْف حرف العَطْف جائزٌ.
قال (ش): ويُؤيِّدُه رواية مسلم بالواو.
وقال السُّهيليُّ: إنما هو بدَلٌ من الفاعِل الذي في أوَّل الكلام، وهو: لا يَغرنَّكِ هذه، فـ (هذه) فاعلٌ، و (التي) نَعتٌ لصِلَته، و (حَبُّ) بدلُ اشتِمالِ كما تقول: أَعجبَني يومُ الجمُعة صَومٌ فيه، وسَرَّني زيدٌ حُبُّ النَّاسِ له.
قال (ع): أو رفع على أنه بدَل اشتِمالٍ، أو عطْف بَيانٍ.
стр. 6221
قال: وضبَطَه بعضُهم بالنَّصب على إسقاط الخافِض.
قال السَّفَاقُسي: أو مَفعولًا لأَجْله، أي: لأَجْل حُسنها.
وقيل: الحُسن مرفوعٌ، والحُبُّ بدَلٌ منه، وهو فاسدٌ، لأنَّ الضَّمير في (أعجَبها) منصوبٌ، لا يصحُّ بدَل الحُسن منه، ولا الحبُّ، لأنَّهما لا يُعقَلان فيَصحَّ أن يَتعجَّبا، ويَجوز أن يكون من بدَل الغَلَط، لكنَّه شاذٌّ.
(فأخذتني)، أي: أُمُّ سلَمة بكلامها، أو مَقالتها أخْذًا كسَرتنِي عن بعض مَوجِدَتي، ونقَصَتْ من غضَبي.
(إذا غبت) أي: عن مَجلِس رسول الله ﷺ أَتاني بخبَر ما وَقَع في مَجلسه.
(غسان) بفتح المعجمة، وشدَّة المهملة، وهم كانوا في الشَّام.
(اعتزل) سبَق في رواية في (السلم) وغيره: (طلَّقَ)، كأنه ظنَّ أنَّ الاعتِزال طلاق.
(رَغِم) بكسر المعجمة.
(حفصة وعائشة) خصَّهما بالذِّكْر وإنْ كان الاعتِزال للكُلِّ؛ لأنَّ حفْصة بِنتُه، وعائشة بنت صَديقِه، فاهتِمامه بهما زائدٌ على غيرهما.
(مَشْرُبة) بضم الراء، وفتحها: الغُرفة.
(يُرقى) مبنيٌّ للمفعول.
(بِعَجَلة) بفتح المهملة، والجيم، أي: الدَّرَجة.
стр. 6222
(قل هذا عُمر بن الخطاب فأذن لي) ظاهرُ هذا أنَّه أَذِنَ له في أوَّل مرَّةٍ، وفي (كتاب المَظالم): أنَّه استأذَن ثلاث مرَّاتٍ، ولا مُنافاةَ، غايتُه إطلاقٌ وتقييدٌ.
(حَشْوُها) بضم الواو وفتحها.
(قرظًا) بإعجام الظاء: ورَقُ شجَرٍ يُدبَغ به.
(مَصبُورًا)؛ أي: مَجعولٌ صُبرةً صُبْرةً.
(أهب) جمع: إهابٍ، وهو الجِلْد ما لم يُدبَغ، وهو بفتحتَين على غير قياسٍ، وقيل: بضمَّتين، وهو قياس.
(وأنت رسول الله) ليس هذا فائدةُ الخبَر، ولا لازِمُ الخبَر، بل الغَرَض منه بَيان ما هو لازِم للرِّسالة، وهو استِحقاقه ما هُما فيه، أي: أنتَ المُستحِقُّ لذلك لا هما.
* * *
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾
فِيهِ عَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(باب: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣])
٤٩١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ:
(وسمعة)؛ أي: ليَسمعونَه.
(طبقًا واحدًا)؛ أي: لا يَنْثني للسُّجود، ولا يَنحني له، والطَّبق فِقَار الظَّهر، واحدتها: طَبقَة، يُريد: صارَ فِقارُهم كأنَّه الفِقارة الواحِدَةُ، فلا يَنتهي للسُّجود، وفي روايةٍ في غير الصَّحيح: (كأنَّ في ظُهورهم السَّفَافِيد).
واعلم أنَّ هذا السُّجودَ من بابِ التَّلَذُّذ والتَّقرُّب لله تعالى، وإِلا فالقِيامة دارُ الجَزاء لا دار العمَل.
قال (خ): هذا الحديثُ مما أَجرَوه على ظاهرِه على نحو مَذْهبهم في التوقُّف عن تَفسير ما لا يُحيط العِلْمُ به، أي: من المُتشَابِهِ، وقد أوَّلَه بعضُهم على معنى قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، فرُوي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: أي: عن شِدَّة، وكَرْبٍ، قال بعضُ الأَعراب وكان يَطرُد الطَّير عن زَرْعه في سنَةِ جَدْبٍ:
عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي وَمِنْ إِشْفَاقِها
وَمِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أَرزَاقها
في سَنَةٍ قد كَشَفَتْ عَنْ سَاقِها
فيحتمل أنَّ معنى الحديث: أنه يَشتدُّ أمر القِيامة، فيتميَّز عند ذلك أهل الإخْلاص، فيُؤذَن لهم في السُّجود، وأهل النِّفاق تعُود ظُهورهم طَبقًا لا يَستطيعون السُّجود، وأوَّلَه بعضُهم بأنْ يَكشِفَ لهم ساقًا لبعض المَخلوقين من المَلائكة وغيرهم، ويُجعل ذلك سبَبًا لبَيان ما شاءَ من حِكْمته في أهل الإيمان والنِّفاق.
стр. 6230
قال: وفيه وجه آخَر، وقد تَحتملُه اللُّغة: رُوي عن أبي العبَّاس النَّحوي فيما عُدَّ من المَعاني الواقعة تَحتَ هذا الاسم أنَّه قال: السَّاق: النَّفْس، كما قال عليٌّ ﵁: واللهِ لأُقاتِلَنَّ الخَوارِجَ ولَو بلَغَتْ سَاقِي، فيكون المُراد به هنا تَجلِّي ذاتِه لهم، وكَشْف الحُجُب لهم، حتَّى إذا رأَوه سَجَدوا له.
* * *
٦٩ - ﴿الحَاقَّةُ﴾
(سورة الحاقَّة)
﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ يُرِيدُ: فِيها الرِّضَا. ﴿اَلقَاضِيَةَ﴾: الْمَوْتَةَ الأُولَى الَّتِي مُتُّها، ثُمَّ أُحيَا بَعدَها. ﴿منْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَحَد: يَكُونُ لِلْجَمْعِ وَللْوَاحِدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿الوتين﴾: نِيَاطُ الْقَلْبِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿طَغَا﴾: كَثُرَ، وَيُقَالُ: ﴿بِالطَّاغِيَة﴾: بِطُغْيَانِهِم، وَيُقَالُ: طَغَتْ عَلَى الْخَزَّانِ كمَا طَغَى الْمَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ.
قوله: (﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]؛ أي: ذاتِ رِضًى، يُريد أنَّه مِن باب: تامِرٌ لابِنٌ، أي: ذِي تَمْر، وذي لَبَنٍ.
وقال عُلماء البَيان: إنه استعارةٌ بالكِناية.
(لم أحيا بعده)؛ أي: حتَّى لا يكون بعثٌ ولا جزاءٌ.
(للجمع والواحد) قال تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢].
اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح
تأليف
الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي
(المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الثالث عشر]