← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

في العَقَبة على ذلك؛ لأنَّ مفهومَ اللَّقَب لا اعتبارَ به. * * * ٤٨٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: حَدَّثَنَاهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو إِدْرِيسَ، سَمعَ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ: "أتبَايِعُوني عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكوا بِاللهِ شَيْئًا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَسْرِقُوا"، وَقَرَأَ آيَةَ النِّسَاءِ -وَأكثَرُ لَفْظِ سُفْيَانَ: قَرَأَ الآيَةَ-: "فَمَنْ وَفَى مِنْكُم فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كفَّارةٌ لا لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْها شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللهُ فَهْوَ إِلَى اللهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ". تَابَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ فِي الآيَةِ. الثالث: (أتبايعوني) فيه التَّصريح بأنَّ بيعة الرِّجال كبَيعة النِّساء كما أشرتُ إليه آنفًا. (وأكثر لفظ سفيان) إلى آخره، أي: وأقلُّه أنَّه قَرأَ آيةَ النِّساء، وأكثَره أنه أطلَق الآيةَ بدُون ذِكْر النِّساء. (تابعة سفيان) وصلَه مُسلمٌ. قال (ك): أي: تابعَه في الإطْلاق، وعدَم التَّقييد بالنِّساء.

стр. 6197

٤٨٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم، حَدَّثَنَا هارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْج: أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُسْلِمٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: شَهِدتُ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْفِطْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكُلُّهُم يُصَلِّيها قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدُ، فَنَزَلَ نبَيُّ اللهِ ﷺ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ حِينَ يُجَلِّسُ الرِّجَالَ بِيَدِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَشُقُّهُمْ حَتَّى أتى النِّسَاءَ مَعَ بِلَالٍ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّها، ثُمَّ قَالَ حِينَ فَرَغَ: "أَنتنَّ عَلَى ذَلِكَ". وَقَالَتِ امرَأةٌ وَاحِدَةٌ لَمْ يُجبْهُ غَيْرُها: نعم يَا رَسُولَ اللهِ! لَا يَدرِي الْحَسَنُ مَنْ هِيَ. قَالَ: "فتصَدَّقْنَ". وَبَسَطَ بِلَالٌ ثَوْبَهُ، فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ الْفَتَخَ وَالْخَوَاتِيمَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ. الرابع: (ولا يأتين ببهتان) أحسَن ما قيل فيه أنَّه نِسبةُ الولَد مِن الزِّنا، أو اللَّقيط للزوج. (الفتخ) بفتح الفاء، والمثنَّاة، وبمعجمةٍ: جمع فَتْخَة، وهي الحَلْقة تُلبس لُبس الخاتَم. * * *

стр. 6198

٦١ - سُورَةُ الصَّفِّ (سورة الصَّفِّ) وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾: مَنْ يتَّبِعُنِي إِلَى اللهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿مَرْصُوصٌ﴾ مُلْصَقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: بِالرَّصَاصِ. قوله: (وقال يحيى بالرصاص) بالفتْح، والعامة تكسِره، قاله (ك)، لكن ذكر (ع) في "التَّنبيهات" الكسرَ أيضًا. والمُراد بيحيى: الفَرَّاء صاحب كتاب "مَعاني القُرآن"، وفي بعض النُّسَخ: (قيل، أو قال بعضُهم). * * * قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (باب: ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾) ٤٨٩٦ - حَدَّثَنَا أبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قال: أَخْبَرَني مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ لِي أَسْمَاءً، أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمحُو اللهُ بِيَ الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا الْعَاقِبُ".

стр. 6199

(على قدمي) مُخفَّف الياء ومشدَّدًا، أي: على إثْري، أو على زَماني وَقْتَ قيامي على القَدَم بظُهور علامات الحَشْر فيه، ويَحتمل: وأنا أَكون أوَّل المَحشورِين. (العاقب) هو الذي يَخلُف مَن كان قبلَه في الخير، وهذه الصِّفات هي المَوجودة في الكتُب القديمة المَعلومة للأُمم السَّالفة، وإلا فأَسماؤُه -أي: صِفاتُه- أكثَر من ذلك. وسبَق الحديث في (باب: ما جاء في أسماء النبي ﷺ ). * * * ٦٢ - الْجُمُعَةِ (سورة الجمُعة) قَوْله: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، وَقَرَأَ عُمَرُ: (فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ). (باب: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾) ٤٨٩٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْجُمُعَةِ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَأَلَ

стр. 6200

ثَلَاثًا، وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ: "لَوْ كَانَ الإيمَانُ عِنْدَ الثُّريَا لَنَالَهُ رِجَالٌ، أَوْ رَجُل مِنْ هؤُلَاءِ". ٤٨٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، أَخْبَرَني ثَورٌ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هؤُلَاءِ". الحديث الأول، والثاني: (الثريا) النَّجْم المعروف، وأصلُه تصغير: ثَرْوَى. * * * ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ (باب: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ [الجمعة: ١١]) ٤٨٩٩ - حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حُصَيْن، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، وَعَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: أَقْبَلَتْ عِيرٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَثَارَ النَّاسُ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾. (عير) هي الإبل التي تَحمِل المِيْرة.

стр. 6201

(فثار)؛ أي: تَفرَّق. * * * ٦٣ - قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى ﴿لَكاذبون﴾ (سورة المُنافِقين) ٤٩٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قَالَ: كُنْتُ فِي غَزَاةٍ فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلهِ، وَلَوْ رَجَعنَا مِنْ عِنْدِهِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْها الأَذَلَّ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي أَوْ لِعُمَرَ، فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَدَعَانِي، فَحَدَّثتهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأصحَابِهِ، فَحَلَفُوا: مَا قَالُوا، فَكَذَّبني رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَدَّقَهُ، فَأَصَابني همٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ لِي عَمِّي: مَا أَرَدتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَقتكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فَبَعَثَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَ، فَقَالَ: "إِنَّ الله قَدْ صَدَّقَكَ يَا زيدُ". (عبد الله بن أُبي ابن سَلُول) الابن الثَّاني صفةٌ لعبد اللهِ، فهو بالنَّصب، ويُكتب بالألف، وسَلُول غير مُنصرفٌ؛ لأنَّه اسم أُمِّ عبد الله. وسبَق مرَّاتٍ.

стр. 6202

(حتى تنفضوا من حوله) هو موجودٌ في قراءة عبد الله، ولم يثبُت في شيءٍ من المَصاحف المُتفَق عليها، ويُمكِن أن تكونَ زيادة بيانٍ من جِهة ابن مَسْعود. (لعمي أو لعُمر) يحتمِل عمَّه مَجازًا، وهو عبد الله بن رَوَاحَة؛ لأنَّه كان في حَجْره، ويحتمل الحقيقةَ من حيثُ إنَّهما من أَولاد كَعْبٍ الخَزْرَجي. قال الغَسَّاني: الصَّواب عَمِّي لا عُمَر على ما رواه الجَماعة. (ما أردت)؛ أي: ما قَصدتُ مُنتهِيًا إليه، أي: ما حَملَك عليه. * * * ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ يَجْتَنُّونَ بِها. (باب: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]) قوله: (يجتنّون)؛ أي: يَتستَّرُون بها. * * * ٤٩٠١ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ ﵁ قَالَ: كنْتُ مَعَ عَمِّي، فَسَمعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَيٍّ بْنَ سَلُولَ يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا. وَقَالَ أَيْضًا: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْها

стр. 6203

الأَذَلَّ. فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكَرَ عَمِّي لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ وَأَصحَابِهِ، فَحَلَفُوا: مَا قَالُوا، فَصَدَّقَهُم رَسُولُ اللهِ ﷺ وَكَذَّبَنِي، فَأَصَابَنِي همٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ، فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي، فَأنْزَلَ اللهُ : ﴿إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ إِلَى قَوْلهِ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ إِلَى قوله ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ فَأرسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَرَأَها عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ الله قَدْ صَدَّقَكَ". (فذكرت ذلك لعمي، فذكره عمي) سيَأْتي أنَّ زيدًا هو الذي أَخبَر النبيَّ ﷺ بذلك ابتداءً، والجَمْع: أنَّ معنى أَخبَرتُ النبيَّ ﷺ ؛ أي: بواسطة، أو مَضَيَا جميعًا، وقالا ذلك. * * * قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (باب: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [المنافقون: ٣]) ٤٩٠٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنِ الْحَكَم، قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، قَالَ سَمِعتُ زيدَ بْنَ أَرْقَمَ ﵁ قَالَ: لَمَّا قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ. وَقَالَ أَيْضًا: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ. أَخْبَرْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَامَنِي الأَنْصَارُ، وَحَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: مَا قَالَ ذَلِكَ، فَرَجَعتُ إِلَى الْمَنْزِلِ فَنِمتُ، فَدَعَانِي

стр. 6204

رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ: "إِنَّ الله قَدْ صَدَّقَكَ"، وَنزَلَ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا﴾ الآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَمرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (فنمت) في بعضها: (فنِمتُه)، أي: نِمْتُ فيه مثل: ﴿فليَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، أي: فليَصُم فيه. (وقال ابن أبي زائدة) وصلَه النَّسائيُّ. * * * ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (باب: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]) ٤٩٠٣ - حَدَّثَنَا عمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زهيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ زيدَ بْنَ أَرقَمَ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ أَصابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَي لأَصْحَابِهِ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلهِ. وَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْها الأَذَلَّ. فَأتيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرتُهُ، فَأرسَلَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ فَسَألهُ، فَاجْتَهدَ يَمِينَهُ: مَا فَعَلَ،

стр. 6205

قَالُوا: كَذَبَ زيدٌ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَوَقَعَ فِي نفسِي مِمَّا قَالُوا شِدَّةٌ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تصْدِيقِي فِي: ﴿إذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فَدَعَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُم فَلَوَّوْا رُءُوسَهُمْ. (فاجتهد يمينه)؛ أي: أَقسَمَ طاقتَه، وبالَغَ في يَمينه. (ما فعل)؛ أي: ما قال. قالوا: وفيه دليلٌ على أنَّ كلام الخَلْق مَخلوقٌ؛ لأنَّه سَمَّى قولَ عبدِ الله فعْلًا. * * * قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ حَرَّكُوا: اسْتَهْزَؤُا بِالنَّبِيِّ ﷺ . وَيُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ مِنْ لَوَيْتُ. (باب: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥]) أي: حرَّكُوها، وقُرئ بتخفيف الواو. * * * وَقَوْلُهُ: ﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ قَالَ: كَانُوا رِجَالًا أجْمَلَ شَيءٍ (باب: ﴿خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤])

стр. 6206

قوله: (كانوا رجالًا)؛ أي: قال الله: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] مع أنَّهم كانوا من أَجمَل النَّاسِ مع أنَّ الله شبَّههم بالخُشُب بالمُسنَّدة. * * * ٤٩٠٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ زيدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَمِّي، فَسَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أُبَي بْنَ سَلُولَ يَقُولُ: لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا، وَلَئِنْ رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْها الأَذَلَّ، فَذَكرْتُ ذَلِكَ لِعَمِّي، فَذَكرَ عَمِّي لِلنَّبِيِّ ﷺ وَصَدَّقَهُمْ، فَأَصَابَنِي غَمٌّ لَمْ يُصِبْنِي مِثْلُهُ قَطُّ، فَجَلَسْتُ فِي بَيْتِي وَقَالَ عَمِّي: مَا أَرَدتَ إِلَى أَنْ كَذَّبَكَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَقَتَكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، وَأَرْسَلَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأَها وَقَالَ: "إِنَّ الله قَدْ صَدَّقَك". (ومقتك) من المَقْت، وهو البُغْض ضِدُّ المِقَة. * * * قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (باب: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]) ٤٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمرٌو: سَمِعتُ جَابِرَ

стр. 6207

ابْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ -قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فِي جَيْشٍ- فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهاجِرِينَ. فَسَمِعَ ذَاكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا بَالُ دَعْوَى جَاهِلِيَّةٍ" قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ: "دَعُوها فَإِنَّها مُنْتِنة". فَسَمعَ بِذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَقَالَ: فَعَلُوها، أَمَا وَاللهِ لَئِنْ رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْها الأَذَلَّ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! دَعنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعْهُ لَا يتحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحَابَهُ" وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أكثَرَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، ثُمَّ إِنَّ الْمُهاجِرِينَ كَثُرُوا بعْدُ. قَالَ سُفْيَانُ: فَحَفِظْتُهُ مِنْ عمرٍو، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرًا: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ . (فكسع) بمهملتين: هو ضَرْبُ دبر الإنْسان بصَدر قدَمكَ، ونحوه. (يا للأنصار) اللام للاستِغاثة، أي: أَعينُوني، وكذا (يا لَلْمُهاجرين)، وهذه دَعوى الجاهليَّة. (دعوها)؛ أي: اترُكُوا هذه المَقالة، أي: هذه الدَّعوَى. (مُنْتِنة) بضم الميم، وكسر المثنَّاة، وتُكسر الميم إتْباعًا لكسر المثنَّاة، أي: قَبيحةٌ سيِّئةُ العاقِبَة.

стр. 6208

(فعلوها)؛ أي: أَفَعلوها؟، فحُذفت همزة الاستِفهام. قال في "الكشاف": رُوي أنَّ النبيَّ ﷺ حين لَقِيَ بني المُصطَلِق وهزَمَهم ازدَحَم على الماءِ جَهْجَاه -بفتح الجيمين، وسُكون الهاء الأُولى- ابن سَعيد، أَجِيْرٌ لعُمر بن الخَطَّاب، يَقُودُ فرسَه، وسِنَان -بكسر المُهملة، ونونين- الجُهني حَليفٌ لأُبَيِّ بنُ سَلُول، واقتَتَلا، فصَرَخ جَهْجَاه: يا لَلمُهاجرين، وسِنانٌ: يا لَلأَنْصار، فأَغاثَ بعضُهم جَهْجَاهًا ولطَم سِنَانًا، فقال ابنُ سَلُول مَا قالَ. وسبق الحديث في (مَناقب قُريش). (لا يتحدث) بالجزْم جَوابًا للأمر، وبالرفْع استئنافًا، وذلك من الحُكْمِ بالظَّاهر، أو لأنَّ في قَتْله تَنفيرًا للخَلْق عن الإسلام، فيُرتكَب أخَفُّ المَفسدتين؛ لدَفْع أَشدِّهما. (يقتل أصحابه) أَدخلَه فيهم باعتِبار الظَّاهر. * * * قَوْله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (باب: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]) ٤٩٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ

стр. 6209

إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبةَ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ الْفَضْلِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنس بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: حَزِنْتُ عَلَى مَنْ أُصِيبَ بِالْحَرَّةِ، فَكَتَبَ إِلَيَّ زيدُ بْنُ أَرْقَمَ وَبَلَغَهُ شِدَّةُ حُزْني، يَذْكرُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ" -وَشَكَّ ابْنُ الْفَضْلِ فِي: أَبْنَاءِ أبنَاءِ الأَنْصَارِ- فَسَأَلَ أَنسًا بَعْضُ مَنْ كانَ عِنْدَهُ، فَقَالَ: هُوَ الَّذِي يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هذَا الَّذِي أَوْفَى اللهُ لَهُ بِأُذُنِهِ". (حَزِنت) بكسر الزَّاي. (بالحرة)؛ أي: اللَّابَة التي حَول المَدينة، وقَع فيها حربٌ بين عَسكَر يَزيد بن مُعاوية وأهلِ المَدينة. (فسأل أنسًا بعض من كان عنده)؛ أي: سأَلَه عن حال زَيدٍ. قال القَابِسِيُّ: هو الصَّواب خِلافًا لمَا يقع: (أنسٌ) بالرَّفْع، و (بعضَ) بالنصب. (بأُذنه) بضم الهمزة، وسُكون الذال، ورُوي بفتحهما، أي: أَظهر صِدقَه في إظهاره عما سَمعتْ أُذْنه، يعني: فسمعه على مجرَى قوله: ﴿سميعٌ عَلِيُمُ﴾ [البقرة: ١٨١]، وذلك أنَّه لمَّا حكَى لرسول ﷺ قَولَ ابن سَلُول قال ﷺ : (لعلَّه أَخطأَ سَمعُك)، قال: لا، فلمَّا نزَلَتِ الآيةُ لَحِقَ رسولُ الله ﷺ زيدًا مِن خَلْفه، فَعَرَكَ أُذْنَه، وقال: (وَفَّتْ أُذنُك، يا غُلامُ). قال (ك) كأنَّه جعَل أُذُنه في السَّماع كالضَّامنة تصديقَ ما سمعتْ، فلمّا نزلَ القرآنُ به صارتْ كأنَّها وافيةٌ بضَمانها. * * *

стр. 6210

قوله: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (باب: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا﴾ [المنافقون: ٨]) ٤٩٠٧ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ يَقُولُ: كنَّا فِي غَزَاةٍ فَكَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهاجِرِينَ. فَسَمَّعها اللهُ رَسُولَهُ ﷺ قَالَ: "مَا هذَا؟ ". فَقَالُوا: كَسَعَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهاجِرِينَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: يَا لَلأَنْصَارِ. وَقَالَ الْمُهاجِرِيُّ: يَا لَلْمُهاجِرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دَعُوها فَإِنَّها مُنْتِنةٌ". قَالَ جَابِرٌ: وَكَانَتِ الأَنْصَارُ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أكثَرَ، ثُمَّ كثُرَ الْمهاجِرُونَ بَعدُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ: أَوَقدْ فَعَلُوا، وَاللهِ لَئِنْ رَجعنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْها الأَذَلَّ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ! أَضْرِبْ عُنُقَ هذَا الْمُنَافِقِ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "دعْهُ لَا يتحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ". (فسمعها رسوله) في بعضها: (فسمَّعها اللهُ رسولَه ﷺ ) من التَّسميع. * * *

стр. 6211

٦٤ - سورَةُ التَّغَابُنِ (سورة التغابُن) أي: غَبْنُ أهلِ الجنَّة أهلَ النَّار، حيثُ نزَلُوا في مَنازلهم لو كانُوا سُعداءَ، فالتَّفاعُل من طَرَفٍ واحدٍ للمُبالغة كما في: ﴿يُخاَدِعُونَ اَلله﴾ [البقرة: ٩]. وَقَالَ عَلْقَمَةُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾: هُوَ الَّذِي إِذَا أَصَابَتْهُ مُصِيبةٌ رَضِيَ، وَعَرَفَ أَنّها مِنَ اللهِ. (﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]، هو الذي إذا أصابته) إلى آخره، أي: يَهدِ قَلْبَه إلى التَّسليم لأَمرِ الله إذا أُصِيبَ. وزاد غير البخاريِّ: (إلى الشُّكر إذا أنعَم علَيه، وإلى الغُفران إذا ظَلَم). * * * ٦٥ - سُورُة الطلاق قال مُجاهِدٌ: ﴿وبال أمرها﴾: جَزاءَ أمرِها. (سورة الطَّلاق) ٤٩٠٨ - حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي

стр. 6212

عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهاب، قَالَ: أَخْبَرَني سَالِمٌ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أنَّهُ طَلَّقَ امرأتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فتغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "لِيُرَاجعها ثُمَّ يُمسِكْها حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيض فتطْهُرَ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقها فَلْيُطَلِّقها طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّها فَتِلْكَ الْعِدَّةُ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ". (فتغيظ)؛ أي: غَضِبَ؛ لأنَّ الطلاق في الحَيْض بدعةٌ. (ثم لتمسكها حتى تطهر) قيل: إنَّ هذا مُدرَجٌ من كلام الرَّاوي. (طاهرًا) لم يقُل: طاهرةً وإنْ كانت الطَّهارة يَشترِكُ فيها الرجال والنِّساء؛ لأنَّ الطَّهارة من الحَيْض خاصةٌ بالنِّساء، فهو كحامِل، وحائِض. (يمسها)؛ أي: يُجامِعُها. (كما أمر الله تعالى)؛ أي: قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]. * * * ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ وَأُولَاتُ الأَحْمَالِ: وَاحِدها ذَاتُ حَملٍ. (باب: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]) ٤٩٠٩ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحيَى،

стр. 6213

قَالَ: أَخْبَرَني أَبُو سَلَمَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ عِنْدَهُ، فَقَالَ: أَفْتني فِي امرَأَةٍ وَلَدَتْ بعدَ زَوْجِها بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آخِرُ الأَجَلَيْنِ. قُلْتُ أَنَا: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَا مَعَ ابْنِ أَخِي، يعْنِي: أَبَا سَلَمَةَ، فَأَرْسَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ غُلَامَهُ كُرَيْبًا إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسْألها، فَقَالَتْ: قُتِلَ زَوْجُ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةِ وَهْيَ حُبْلَى، فَوَضَعَتْ بَعْدَ مَوْتهِ بِأَربَعِينَ لَيْلَةً، فَخُطِبَتْ، فَأَنْكَحَها رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ أبُو السَّنَابِلِ فِيمَنْ خَطَبها. ٤٩١٠ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، وَأَبُو النُّعْمَانِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أيوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: كنْتُ فِي حَلْقَةٍ فِيها عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، وَكَانَ أَصحَابُهُ يُعَظِّمُونه، فَذَكَرَ آخِرَ الأَجَلَيْنِ، فَحَدَّثْتُ بِحَدِيثِ سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبةَ قَالَ: فَضَمَّزَ لِي بَعْضُ أَصْحَابِهِ، قَالَ مُحَمَّد: فَفَطِنْتُ لَهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي إِذًا لَجَرِيء إِنْ كَذَبْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتبةَ وَهْوَ فِي نَاحِيَةِ الْكُوفَةِ. فَاسْتَحْيَا وَقَالَ: لَكِنَّ عَمَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَاكَ. فَلَقِيتُ أَبَا عَطِيّة مَالِكَ بْنَ عَامِرٍ فَسَأَلْتُهُ، فَذهبَ يُحَدِّثُنِي حَدِيثَ سُبَيْعَةَ، فَقُلْتُ: هلْ سَمِعْتَ عَنْ عَبْدِ اللهِ فِيها شَيْئًا؟ فَقَالَ: كنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: أتجْعَلُونَ عَلَيْها التَّغْلِيظَ وَلَا تَجْعَلُونَ عَلَيها الرُّخْصَةَ، لَنَزَلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الطُّولَى، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.

стр. 6214

(آخر الأجلين)؛ أي: أَقصَاهُما، أي: فلا بُدَّ لها من أربعةِ أشهر وعشرٍ، ولا يَكفي الوَضْع إنْ كانتْ تلْك الأكثَر، كما لا تَكفي الأربعةُ أشهرٍ وعشرٌ إنْ كانتْ مدَّة الحمل أَطْوَل. وغايتُه أنَّ ابن عبَّاس حَملَه على النَّسْخ، وحَملَه الجُمهور على التَّخصيص، وخَصَّصوا الآيةَ بحديثِ سُبَيْعة. (قتل زوج سبيعة) المَشهور أنَّه ماتَ لا بقتْل، وكذا رواه في (الجنائز) وغيره، فيُحمَل ذلك على أنَّها قالتْه بظَنِّها. (فخطبت) بالبناء للمفعول. (وقال سليمان) وصلَه الطَّبَراني في "الكبير". (وأبو النعمان) وصلَه أبو نُعيم في "المُستخرَج"، والبيهقي. (فضمن لي) كذا بالنُّون للقَابِسِي، ولأَبي الهيْثَم بالزَّاي بدَلَها، وللأَصِيْلِي بالنُّون مع تَشديد المِيم. قال (ع): وكلُّها رواياتٌ غيرُ معلومةٍ في كلام العرَب في معنًى يَستقيم به المَعنى، وأشْبَهُ ما فيه رواية أبي الهيْثَم: (فضَمَّزني) بالزاي، وتشديد الميم، وزيادةِ نونٍ بعدها، أي: أَسكتَني، مِن ضَمَّز الرَّجلُ: إذا أسكتَ، ويدلُّ عليه ما قبْلَ الكلام وبعدَه، لأنَّه ذكَر تَعظيم أصحاب ابن أَبي لَيلَى له، ورَدَّ هذا، فبَناه عليه، ثم احتاجَ ذلك بعد لنفسه. وفي روايةٍ لابن السَّكَن: (فغَمَّضَ لي)، أي: فأَشارَ بتَغْميض عينَيه على السُّكوت.

стр. 6215

(ففطنت) بفتح الطاء، أي: فَهِمتُ مُرادَه. (لكن عمه)؛ أي: ابن مَسعود، وهذا اختلافٌ في قوله. (التغليظ) المُراد غَلَّظتُم عليها حتى تضَع ولَو إلى أربعِ سِنينَ، فخَفِّفُوا إذا ولَدتْ ولَوْ لِلَحظةٍ. (سورة النساء القصرى) هي هذه، والطُّوْلَى المراد بها أَطوَلُ ما في القُرآن، وهي البقَرة. وسبق هناك مَباحثُ الحديث. * * * ٦٦ - سُورَةُ المُتحرِّم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]) ٤٩١١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَام، عَنْ يَحيَى، عَنِ ابْنِ حَكِيم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: فِي الْحَرَامِ يُكَفِّرُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَقَد كَانَ لَكم فِي رَسُولِ اللهِ إِسْوةٌ حَسَنةٌ﴾. الحديث الأول: (يُكَفّر)؛ أي: إذا قال: أَنْتِ عليَّ حَرامٌ، وهذا عليَّ حرام؛ يُكَفِّر كفَّارةَ اليَمين، وللفُقَهاء فيه خِلافٌ. * * *

стр. 6216

٤٩١٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زينَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ، وَيَمكُثُ عِنْدها، فَوَاطَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ عَنْ أيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْها فَلْتَقُلْ لَهُ: أكَلْتَ مَغَافِيرَ، إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ. قَالَ: "لَا، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَشْرَبُ عَسَلًا عِنْدَ زينَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَد حَلَفْتُ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا". الثاني: (مغافير) بمعجمةٍ، وفاءٍ، وراءٍ: جمع: مُغفُور بضم الميم، ومُفعولٌ بضم الميم في كَلامهم قليلٌ جِدًّا غيرود (١) -بمعجمةٍ، وراءٍ مهملةٍ- نَوعٍ من الكَمأَة، أما مُغفُورٌ فصَمْغُ بعض الشَّجَر يُحَلُّ بالمَاء ويُشرَب، يُقال: أغْفَر الشَّجَر: إذا ظَهر ذلك به، وهو حُلوٌ، ولكنْ له رائحةٌ كريهةٌ. وقيل: المَغافير البُطون، ذكره ابن غَلْبُون في "تذكرته". وقال الهَرَوي: يُقال: المَغاثِير بالثاء المُثلَّثة. وكان ﷺ يَكره أنْ يُوجَد منه ريحٌ كريهةٌ، فصدَّق القائلةَ له ذلك من أَزْواجه، فحَرَّم العسَل على نفْسه. قال (خ): الأكثَر أنَّ الآية إنَّما نزلتْ في تَحريم مارِيَّة القِبْطية حين

стр. 6217

حرَّمها على نَفْسه، وقال لحَفْصة: لا تُخبري عائشةَ، فلم تَكتُم السِّرَّ، وأَخبَرتْها، وفي ذلك نزل: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]. (قال: لا)؛ أي: ما أكَلْتُها، ولكنْ شَربتُ عسلًا عندها، ولنْ أَعودَ لشُربه، وقال: حلَفتُ أنا على عدَم العَود، فلا تُخبري أحدًا لا عائشةَ ولا غيرَها يَبتَغي ﷺ بذلك مَرضاتَ أَزْواجه، وإنما وقَع منها ذلك مع أنَّه حرامٌ، والمُواطَأَة أيضًا فيه -مع ما فيه مِن إِيذاء النبيِّ ﷺ - لغلَبَة الغَيرة على النِّساء، وهي صغيرةٌ. وباقي المباحث مذكورةٌ في التفاسير. * * * ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (باب: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُم﴾ [التحريم: ٢]) ٤٩١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ يَحيَى، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ، أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يُحَدِّثُ أَنَّهُ قَالَ: مَكَثْتُ سَنَةً أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هيْبةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ وَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ، قَالَ: فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهرتا عَلَى

стр. 6218

النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. قَالَ: فَقُلْتُ: وَاللهِ إِنْ كنْتُ لأُرِيدُ أَنْ أَسْألكَ عَنْ هذَا مُنْذُ سَنَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ هيْبَةً لَكَ. قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْم فَاسْأَلْنِي، فَإِنْ كَانَ لِي عِلْم خَبَّرتُكَ بِهِ، قَالَ: ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَاللهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نعدُّ لِلنِّسَاءِ أَمرًا، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا فِي أمرٍ أتأَمَّرُهُ إِذْ قَالَتِ امرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: فَقُلْتُ لَها: مَا لَكِ وَلمَا هاهنا فِيمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمرٍ أُرِيدُهُ. فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنتَكَ لترَاجِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ. فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ رِداءَهُ مَكَانه حَتَّى دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَ لَها: يَا بُنَيَّةُ! إِنَّكِ لترَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ. فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللهِ إِنَّا لنرَاجِعُهُ. فَقُلْتُ: تَعلَمِينَ أنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللهِ وَغَضَبَ رَسولهَ ﷺ ، يَا بُنَيَّةُ! لَا يَغُرَّنَّكِ هذِهِ الَّتِي أَعجَبَها حُسْنُها، حُبّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاها -يُرِيدُ عَائِشَةَ- قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْها فَكَلَّفتُها. فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيءٍ، حَتَّى تَبْتَغِي أَنْ تَدخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ. فَأَخَذَتْنِي وَاللهِ أَخْذًا كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِها، وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الأَنْصَارِ إِذَا غِبْتُ أتانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ، وَنَحْنُ نتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ

стр. 6219

أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَدِ امتَلأَتْ صُدُورُناَ مِنْهُ، فَإِذَا صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ، فَقَالَ: افْتَح افْتَحْ. فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ، فَقَالَ: بَلْ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، اعتَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ. فَقُلْتُ: رَغَمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ. فَأَخَذْتُ ثَوْبِيَ فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يرْقَى عَلَيْها بِعَجَلَةٍ، وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ: هذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. فَأذِنَ لِي، قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هذَا الْحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وإنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُها لِيْفٌ، وإنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهبٌ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأَيْتُ أثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكَ؟ " فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ. فَقَالَ: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ". (الأراك)؛ أي: عدَلَ عن الطَّريق مُنتهيًا إلى شَجَر الأَراك لقَضاء حاجتِه. (تظاهرتا)؛ أي: تَعاونتَا عليه للإِفْراط في الغَيرة بما يَسُوءُه، وبالإفِشاء لسِرِّه. (إن كنا) فإنْ قيل: (إنْ) ليستْ مخفَّفةً لعدَم اللام، والا) نافيةً، وإلا لَزِم أنْ يكون العدُّ ثابتًا؛ لأن نفْي النَّفي إثْبات؛ قيل: (ما) تأْكيدٌ

стр. 6220

للنَّفي المُستفاد منه. (أمرًا)؛ أي: شَأْنًا بحيث يَدخُلْن في المَشُورة. (حتى أنزل الله فيهن)؛ أي: مثل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعرُوفِ﴾ الآية [النساء: ١٩]، ﴿فإِن أَطعنكُم﴾ الآية [النساء: ٣٤]. (وقسم)؛ أي: مثل: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]، ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. (أتامّرُه)؛ أي: أتفكَّرُ فيه. (ولما هاهنا)؛ أي: للأَمر الذي نَحنُ فيه. (وحب) هو المُناسب للرِّوايات الأُخرى، وهي: (لا يَغُرنَّكِ إنْ كانَتْ جارتك أَوْضَأَ منكِ وأَحبَّ)، وفي بعضها: (حَبُّ) بلا واوٍ، فيكون رفعُه على أنه بدَلٌ، أو اشتِمالٌ. قال أبو القاسِم بن الأَبْرَش: أو معطوفٌ على (حُسنها) بغير واوٍ كقولهم: أكلْتُ تَمرًا زَبِيْبًا أَقِطًا، وحذْف حرف العَطْف جائزٌ. قال (ش): ويُؤيِّدُه رواية مسلم بالواو. وقال السُّهيليُّ: إنما هو بدَلٌ من الفاعِل الذي في أوَّل الكلام، وهو: لا يَغرنَّكِ هذه، فـ (هذه) فاعلٌ، و (التي) نَعتٌ لصِلَته، و (حَبُّ) بدلُ اشتِمالِ كما تقول: أَعجبَني يومُ الجمُعة صَومٌ فيه، وسَرَّني زيدٌ حُبُّ النَّاسِ له. قال (ع): أو رفع على أنه بدَل اشتِمالٍ، أو عطْف بَيانٍ.

стр. 6221

قال: وضبَطَه بعضُهم بالنَّصب على إسقاط الخافِض. قال السَّفَاقُسي: أو مَفعولًا لأَجْله، أي: لأَجْل حُسنها. وقيل: الحُسن مرفوعٌ، والحُبُّ بدَلٌ منه، وهو فاسدٌ، لأنَّ الضَّمير في (أعجَبها) منصوبٌ، لا يصحُّ بدَل الحُسن منه، ولا الحبُّ، لأنَّهما لا يُعقَلان فيَصحَّ أن يَتعجَّبا، ويَجوز أن يكون من بدَل الغَلَط، لكنَّه شاذٌّ. (فأخذتني)، أي: أُمُّ سلَمة بكلامها، أو مَقالتها أخْذًا كسَرتنِي عن بعض مَوجِدَتي، ونقَصَتْ من غضَبي. (إذا غبت) أي: عن مَجلِس رسول الله ﷺ أَتاني بخبَر ما وَقَع في مَجلسه. (غسان) بفتح المعجمة، وشدَّة المهملة، وهم كانوا في الشَّام. (اعتزل) سبَق في رواية في (السلم) وغيره: (طلَّقَ)، كأنه ظنَّ أنَّ الاعتِزال طلاق. (رَغِم) بكسر المعجمة. (حفصة وعائشة) خصَّهما بالذِّكْر وإنْ كان الاعتِزال للكُلِّ؛ لأنَّ حفْصة بِنتُه، وعائشة بنت صَديقِه، فاهتِمامه بهما زائدٌ على غيرهما. (مَشْرُبة) بضم الراء، وفتحها: الغُرفة. (يُرقى) مبنيٌّ للمفعول. (بِعَجَلة) بفتح المهملة، والجيم، أي: الدَّرَجة.

стр. 6222

(قل هذا عُمر بن الخطاب فأذن لي) ظاهرُ هذا أنَّه أَذِنَ له في أوَّل مرَّةٍ، وفي (كتاب المَظالم): أنَّه استأذَن ثلاث مرَّاتٍ، ولا مُنافاةَ، غايتُه إطلاقٌ وتقييدٌ. (حَشْوُها) بضم الواو وفتحها. (قرظًا) بإعجام الظاء: ورَقُ شجَرٍ يُدبَغ به. (مَصبُورًا)؛ أي: مَجعولٌ صُبرةً صُبْرةً. (أهب) جمع: إهابٍ، وهو الجِلْد ما لم يُدبَغ، وهو بفتحتَين على غير قياسٍ، وقيل: بضمَّتين، وهو قياس. (وأنت رسول الله) ليس هذا فائدةُ الخبَر، ولا لازِمُ الخبَر، بل الغَرَض منه بَيان ما هو لازِم للرِّسالة، وهو استِحقاقه ما هُما فيه، أي: أنتَ المُستحِقُّ لذلك لا هما. * * * ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ فِيهِ عَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (باب: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣]) ٤٩١٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ:

стр. 6223

سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاس ﵂ يَقُولُ: أَرَدتُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَنِ الْمَرْأتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهرتا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَا أتمَمتُ كَلَامِي حَتَّى قَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ. الحديث فيه ظاهرٌ. * * * قوله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ صَغَوْتُ وَأَصْغَيْتُ: مِلْتُ، لِتَصْغَى: لِتَمِيلَ. ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ عَوْنٌ. تَظَاهرُونَ: تَعَاوَنُونَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾: أَوْصُوا أَنْفُسَكُم وَأَهْلِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَأَدِّبُوهُمْ. (باب: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]) قوله: (وقال مجاهد: قوا أنفسكم: أوقفوا أنفسكم بتقوى الله) صوابه: أَوصُوا، كذا حكاه عنه النَّحَّاس، وقيل: المُراد: أَوقفُوها عن المَعصية، وعلى هذا فصَوابه: قِفُوا؛ لأنه ثُلاثيٌّ، نعم، أَوقَفَ لغةٌ. وقال (ع): (أَوقِفُوا أَهليكُم)، كذا لابن السَّكَن، والقَابِسِيِّ. وعند الأَصِيْلِي: أَوقِفُوا أنفُسَكم، وأَهليكُم.

стр. 6224

قال (ع): صوابه: قُوا أنفُسَكم، وقُوا أَهليكُم. * * * ٤٩١٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَرَدتُ أَنْ أَسْألَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأتيْنِ اللَتيْنِ تَظَاهرتا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَمَكُثْتُ سَنَةً فَلَم أَجِدْ لَهُ مَوْضِعًا، حَتَّى خَرَجْتُ مَعَهُ حَاجًّا، فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرانَ ذَهبَ عُمَرُ لِحَاجَتِهِ فَقَالَ: أدرِكْنِي بِالْوَضُوءِ، فَأدركْتُهُ بِالإداوَةِ، فَجَعَلْتُ أَسكُبُ عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ مَوْضِعًا فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! مَنِ الْمرْأتانِ اللَّتانِ تَظَاهرتا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَمَا أتمَمتُ كَلَامِي حَتَّى قَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ. (بِظَهْران) بفتح المعجمة، وسُكون الهاء، وبالرَّاء، والنُّون: بُقعةٌ بين مكة والمَدينة، لا يَنصرِف. (بالإداوة)؛ المِطْهرة. (موضعًا)؛ أي: مَوضِعًا للسُّؤال. * * * قوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ (باب: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥]) ٤٩١٦ - حَدَّثَنَا عمرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ

стр. 6225

أَنسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: اجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ، فَنَزَلَتْ هذهِ الآيَةُ. (فنزلت هذه الآية) هي مما وافَق نُزولُه رأْيَ عُمر ﵁. * * * ٦٧ - ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (سورة المُلْك) التَّفَاوُتُ: الاِخْتِلَافُ، وَالتَّفَاوُتُ وَالتَّفَوُّتُ وَاحِدٌ. ﴿تَمَيَّزُ﴾: تَقَطَّعُ. ﴿مَنَاكِبِها﴾: جَوَانِبِها. ﴿تَدَّعُونَ﴾ وَتدعُونَ: مِثْلُ تَذَّكَّرُونَ وَتَذْكرونَ. ﴿ويَقبِضْنَ﴾: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿صَافَّاتٍ﴾: بَسْطُ أَجْنِحَتِهِنَّ، وَنُفُورٍ: الْكُفُورُ. قوله: (تدعون)؛ أي: بالافْتِعال فيه بمعنى الفِغل، فهما بمعنًى. (ونفور: الكفور) قال (ع): كذا لجَميعِهم، وعند الأَصِيْلِي: (ونُفُور: تَفُور كقُدُور)، وهو الأَولى، وما عداه تصحيفٌ، وإنْ كان تَفُور؛ فتفسير نُفور بالنُّون بكُفور بعيدٌ، لا سِيَّما في قوله: ﴿عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ [الملك: ٢١]. كذا قال، وليس كذلك؛ بل التَّفسير لائقٌ، ونُفُورٌ كُفورٌ، أي: بَعيدٌ عن الإيمان. * * *

стр. 6226

٦٨ - (ن الْقَلَمِ) (سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ [القلم:١]) وَقَالَ قتَادَةُ: ﴿حَرْدٍ﴾: جِدٍّ فِي أَنْفُسِهِم. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَضَالُّونَ﴾: أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿كالصريم﴾: كَالصُّبْحِ انْصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ، وَاللَّيْلِ انْصَرَمَ مِنَ النَّهارِ، وَهْوَ أَيْضًا: كُلُّ رملةٍ انْصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَم الرَّمْلِ، وَالصَّرِيمُ أَيْضًا: الْمَصْرُومُ، مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ. قوله: (حرد: جِد)؛ أي: بكسر الجيم: وهو الاجتِهاد، والمُبالَغة في الأَمر. قال السَّفَاقُسي: وضبَطه بعضُهم بالفتح. (أضللنا) صوابه على هذا التَّفسير: ضَلَلْنا، يُقال: ضَللتُ الشَّيء: إذا جعلتَه في مكانٍ، ولم تَدرِ أَين هو؟، وأَضلَلتُه: ضيَّعتُه، وإذا وجدتَه ضالًا أيضًا. * * * ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (باب: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]) ٤٩١٧ - حَدَّثَنَا مَحمُودٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي

стр. 6227

حَصِينٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ زَنَمَةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشَّاةِ. الحديث الأول: (قال رجل) أي: هو رجلٌ، قيل: هو الوَليد بن المُغِيْرة المَخْزُوميُّ، وقيل: أَبو جَهْلٍ، وعن مُجاهد: هو الأَسوَد بن عَبْدِ يَغُوث، وعن السُّدِّي: الأَخْنَس -بمعجمةٍ، ونونٍ، ومهملةٍ- ابن شَرِيْق، بفتح المُعجمة، وكسر الراء. (زنمة) قال الزَّمَخْشَري: هي الهنَةُ مِن جِلْد الماعِز تُقطَع، فتُخلَّى مُعلَّقةً في حَلْقِها، وقيل: الزَّنَمة للمَعز في حُلوقها كالقُرْط، فإنْ كانت في الأُذُن فهي زَنَمة. * * * ٤٩١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ الْخُزَاعِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "أَلَا أُخْبِرُكُم بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُم بِأَهْلِ النَّارِ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتكْبِرٍ". الثاني: (متضعّف) بفتح العين على المَشهور، أي: يَستضعفُه النَّاس، ويَحتقِرونَه، وبكسرها، أي: مُتواضعٌ خامِلٌ مُتذلِّلٌ.

стр. 6228

وقيل: الضَّعف: رِقَّة القَلْب، ولِيْنُه للإيمان. (لو أقسم)؛ أي: لو حلف يمينًا طَمَعًا في كرَم الله بإبْراره لأَبَرَّه، وقيل: لو دَعاه لأجابَه. (عُتُلّ)؛ أي: غَليظٍ، جافٍ شَديد الخُصومة بالباطِل عَنيف. (جَوّاظ) بفتح الجيم، وشدة الواو، وبمعجمة: الجَمُوع المَنُوع، وقيل: الكَثير اللَّحم المُختال في مِشْيته، وقيل: القَصير البَطِيْن. والمراد: أنَّ أَغلَب أهل الجنَّة هؤلاء، كما أنَّ أَهل النَّار القِسْمُ الآخَر، لا الاستِيعاب من الطَّرَفين. * * * ﴿يَومَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ﴾ (باب: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ الآية [القلم: ٤٢]) ٤٩١٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ كانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِئَاءً وَسمْعَةً، فَيَذْهبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبقًا وَاحِدًا". (رياء)؛ أي: ليَراه النَّاسُ.

стр. 6229

(وسمعة)؛ أي: ليَسمعونَه. (طبقًا واحدًا)؛ أي: لا يَنْثني للسُّجود، ولا يَنحني له، والطَّبق فِقَار الظَّهر، واحدتها: طَبقَة، يُريد: صارَ فِقارُهم كأنَّه الفِقارة الواحِدَةُ، فلا يَنتهي للسُّجود، وفي روايةٍ في غير الصَّحيح: (كأنَّ في ظُهورهم السَّفَافِيد). واعلم أنَّ هذا السُّجودَ من بابِ التَّلَذُّذ والتَّقرُّب لله تعالى، وإِلا فالقِيامة دارُ الجَزاء لا دار العمَل. قال (خ): هذا الحديثُ مما أَجرَوه على ظاهرِه على نحو مَذْهبهم في التوقُّف عن تَفسير ما لا يُحيط العِلْمُ به، أي: من المُتشَابِهِ، وقد أوَّلَه بعضُهم على معنى قوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، فرُوي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: أي: عن شِدَّة، وكَرْبٍ، قال بعضُ الأَعراب وكان يَطرُد الطَّير عن زَرْعه في سنَةِ جَدْبٍ: عَجِبْتُ مِنْ نَفْسِي وَمِنْ إِشْفَاقِها وَمِنْ طِرَادِي الطَّيْرَ عَنْ أَرزَاقها في سَنَةٍ قد كَشَفَتْ عَنْ سَاقِها فيحتمل أنَّ معنى الحديث: أنه يَشتدُّ أمر القِيامة، فيتميَّز عند ذلك أهل الإخْلاص، فيُؤذَن لهم في السُّجود، وأهل النِّفاق تعُود ظُهورهم طَبقًا لا يَستطيعون السُّجود، وأوَّلَه بعضُهم بأنْ يَكشِفَ لهم ساقًا لبعض المَخلوقين من المَلائكة وغيرهم، ويُجعل ذلك سبَبًا لبَيان ما شاءَ من حِكْمته في أهل الإيمان والنِّفاق.

стр. 6230

قال: وفيه وجه آخَر، وقد تَحتملُه اللُّغة: رُوي عن أبي العبَّاس النَّحوي فيما عُدَّ من المَعاني الواقعة تَحتَ هذا الاسم أنَّه قال: السَّاق: النَّفْس، كما قال عليٌّ ﵁: واللهِ لأُقاتِلَنَّ الخَوارِجَ ولَو بلَغَتْ سَاقِي، فيكون المُراد به هنا تَجلِّي ذاتِه لهم، وكَشْف الحُجُب لهم، حتَّى إذا رأَوه سَجَدوا له. * * * ٦٩ - ﴿الحَاقَّةُ﴾ (سورة الحاقَّة) ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ يُرِيدُ: فِيها الرِّضَا. ﴿اَلقَاضِيَةَ﴾: الْمَوْتَةَ الأُولَى الَّتِي مُتُّها، ثُمَّ أُحيَا بَعدَها. ﴿منْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ أَحَد: يَكُونُ لِلْجَمْعِ وَللْوَاحِدِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿الوتين﴾: نِيَاطُ الْقَلْبِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿طَغَا﴾: كَثُرَ، وَيُقَالُ: ﴿بِالطَّاغِيَة﴾: بِطُغْيَانِهِم، وَيُقَالُ: طَغَتْ عَلَى الْخَزَّانِ كمَا طَغَى الْمَاءُ عَلَى قَوْمِ نُوحٍ. قوله: (﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]؛ أي: ذاتِ رِضًى، يُريد أنَّه مِن باب: تامِرٌ لابِنٌ، أي: ذِي تَمْر، وذي لَبَنٍ. وقال عُلماء البَيان: إنه استعارةٌ بالكِناية. (لم أحيا بعده)؛ أي: حتَّى لا يكون بعثٌ ولا جزاءٌ. (للجمع والواحد) قال تعالى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢].

стр. 6231

(نِياط) بكسر النون، وخفَّة الياء، أي: حبْل الوَريد إذا قُطع ماتَ صاحبُه. (طغت) رُوي مرفوعًا: (ما أَرسَلَ اللهُ ريحًا إلا بمِكْيالٍ، ولا قَطْرةً من المَطَر إلا بمكيالٍ إلا يومَ عادٍ، ويوم نُوحٍ طَغَى عليهم الخَزَّان، فلم يكُن لهم علَيها سَبيلٌ". (بالطاغية: لطغيانهم)؛ أي: الفَاعِلة جاءَ مَصدرًا كالعاقِبَة والبَاقيَة. * * * ٧٠ - ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ (سورة: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ [المعارج:١]) الْفَصِيلَةُ: أَصْغَرُ آبَائِهِ، الْقُرْبَى إِلَيْهِ يَنْتَمِي مَنِ انتمَى. ﴿للشَّوَى﴾: الْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ وَالأَطْرَافُ، وَجِلْدَةُ الرَّأْسِ يُقَالُ لَها: شَوَاةٌ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَقْتَلٍ فَهُوَ شَوًى. وَالْعِزُونَ: الْجَمَاعَاتُ، وَوَاحِدُها عِزَةٌ. قوله: (اليدان) إلى آخره، قيَّده الجَوْهري مِن الآدَميِّين. (الحَلْق) بفتح المهملة، وحكَى الأَصمَعي الكسْرَ. (عزة)؛ أي: بتخفيف الزَّاي. * * *

стр. 6232

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح تأليف الإمام شمس الدين البرماوي أبي عبد الله محمد بن موسى النعيمي العسقلاني المصري الشافعي (المولود في مصر سنة ٧٦٣ هـ والمتوفى في القدس سنة ٨٣٧ هـ) رحمه الله تعالى تحقيق ودراسة لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب [المجلد الثالث عشر]

стр. 6233

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6234

اللامِعُ الصَّبيحْ بِشَرْحِ الْجَامِع الصَّحِيح [١٣]

стр. 6235

جَمِيعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظة الطَّبْعةُ الأُولَى ١٤٣٣ - هـ - ٢٠١٢ م ردمك: ٧ - ٦٩ - ٤٥٩ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨ ISBN الرقيم للِبُحُوثِ وَالدِّراساتِ قطر - الدوحة فاكس: ٠٠٩٧٤٤٤٤٤١٨٧٠ E-mail: arraqeem@gmail.com دَارُ النَّوادِرِ سورية - لبنان - الكويت مؤسسة دَارُ النَّوادِرِ م. ف - سُورية * شركَة دَار النَّوَادِر اللبنانية ش. م. م - لبنان * شركَة دَار النَّوَادِر الكويتية ذ. م. م - الكويت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السَّحَاب - ص. ب: ٤٣١٦ حَولي - الرَّمْز البريدي: ٣٢٠٤٦ هَاتِف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) info@daralnawader.com www.daralnawader.com أسسها سنة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نور الدّين طَالب المدير الْعَام والرئيس التنفيذي
следующие страницы →