قال السَّفَاقُسي: والذي في اللُّغة: خنَسَ: إذا رجَع وانقلَبَ.
قال (ع): فالذي في جميع الرِّوايات: (خَنَسَ) تصحيفٌ وتغييرٌ، فإما أنَّ صوابه: (نخَسَه) كما جاء في غير هذا الباب، نعم، حديث ابن عبَّاس الآتي: يُولَد الإنْسان، والشَّيطان حاكمٌ على قلْبه، فإذا ذكَر الله خنَسَ، وإذا غفَل وَسوَس = يُصحِّح قولَ البخاري، ويكون مرادُهُ الإشارة لهذا الحديث ونحوه.
فإن قيل: ما معنى السؤال عن المعوذتين؟، قيل: لأنَّ ابن مَسعودٍ كان يقول: إنَّهما ليستا من القرآن؛ فسأَلَ عنهما من هذه الجِهَة، فقال: سأَلتُ رسولَ الله ﷺ ؟؛ فقال: "قيل لي: قلْ أَعوذُ"، أي: أَقرأَنيهما جِبْريل، أي أنهما من القُرآن.
والحاصل أنه كان فيهما اختلافٌ بين الصَّحابة، ثم رُفع، ووقَع الإجماعُ على أنهما قرآنٌ، فمَنْ أنكَر بعد ذلك كفَرَ.
وقيل: إنَّما كانت المسأَلة في صِفَةٍ من صفاتهما، وخاصةٍ من خَواصِّهما لا في كونِهما قُرآنًا، ولا شكَّ أنَّ الحَديثَ يحتمِل ذلك، فيَجب الحمْلُ عليه.
* * *
٤٩٧٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، وَحَدَّثَنَا عَاصِمٌ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: كَذَا
стр. 6313
وَكَذَا، فَقَالَ أُبَيٌّ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لِي: "قِيلَ لِي، فَقُلْتُ"، قَالَ: فَنَحْنُ نقُولُ كمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .
(كذا وكذا) كَنَّى به استِعظامًا لهذه المقالة، ومن العُذر لابن مَسعود فيما قاله أنَّ النبيَّ ﷺ لمَّا كان يَتعوَّذ بهما كثيرًا ظَنَّ أنَّهما من الوحي الذي ليس بقُرآن.
وقال القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب: لم يُنكر ابن مَسعود كونهَما من القرآن، إنما أنكَر إثباتَهما في المُصحَف؛ لأنَّه كانت السنَّةُ عنده أنْ لا يُثبَت إلا ما أمَر النبي ﷺ بإثباته وكَتْبه، ولم يَبْلُغه أمرُه به، وهذا تأويلٌ منه، وليس جَحدًا لكونهما قرآنًا.
قال (ش): وقد روى ابن حِبَّان في "صحيحه": عن زرٍّ: قلت لأبي ذَرٍّ: إن ابن مَسعود لا يكتب في مُصحَفه المعوِّذتين؟، فقال: قال لي رسول الله ﷺ : "إن جبريل قال لي: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١] فقلتُها، وقال لي: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] فقلتُها"، فنحن نقولُ ما قالَه رسول الله ﷺ .
وبالجملة فقد انعقد الإجماع، وزالت الشُّبهة، فلله الحمد (١).
* * *
يُعدَّى بالباء أو باللام؛ لتضمُّنه معنى الغَلَبة، أي: مَغلوبًا عليه، أو على أنَّ حروف الجرِّ يَقوم بعضُها مَقام بعضٍ.
قال (ن): اختُلف في معنى الحديث على أقوالٍ:
أحدها: أنَّ كل نبيٍّ أُعطي من المُعجزات ما كانَ مثله لمن كان قبلَه من الأنبياء، فآمَن به من البشَر، وأما مُعجِزتي العظيمة الظَّاهرة فهي القُرآن الذي لم يُعطَ أحدٌ مثلَه، فلهذا أنا أكثَرهم تَبَعًا.
والثاني: أنَّ الذي أُوتيتُه لا يتطرَّق إليه تخييلٌ بسِحْرٍ أو بشبهةٍ بخلاف معجزة غَيري؛ فإنه قد يُخيِّل السَّاحِرُ بشيءٍ مما يُقارب صُورتهما، كما ضلَّت السَّحَرة في قِصَّة فِرْعَون، وقد يَرُوجُ مثلُ ذلك على بعض العَوامِّ، والتَّمييز بين المعجزةِ والسِّحرِ والتَّخييلِ يحتاج إلى فِكْرٍ، وقد يُخطئ النَّاظِر فيعتقدُها سواءً.
والثالث: أنَّ مُعجِزات الأنْبياء انقَرضتْ بانقِراض أَعصارِهم، ولم يُشاهدها إلا مَن حضَر بحضْرتهم، ومعجزةُ نبيِّنا ﷺ القُرآن المُستمرُّ إلى يوم القيامة.
وقال الطِّيْبِي: لفْظ (عليه) حالٌ، أي: مَغلُوبًا عليه في التَّحدِّي، والمُباراة، أي: ليس نبيٌّ إلا قد أَعطاه الله من المُعجزات الشيءَ الذي صِفَتُه أنَّه إذا شُوهد أضطُرَّ الشاهد إلى الإيمان به.
وتحريره أنَّ كلَّ نبيٍّ اختُصَّ بما يُثبت دَعواه مِن خارقِ العادات بحسَب زمانه كقَلْب العَصَا ثُعبانًا؛ لأنَّ الغلبة في زمن موسى للسحر،
стр. 6318
فأَتاهم بما فَوق السِّحر، فاضطُرَّهم إلى الإيمان، وفي زمَن عيسى الطِّب، فجاء بما هو أعلى من الطِّب، وهو إِحياء المَوتَى، وفي زمان رسول الله ﷺ البلاغة، فجاء بالقرآن.
ويحتمل وجهًا خامسًا: وهو أن القرآن ليس له مثْلٌ لا صورةً ولا حقيقةً، قال تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، بخلاف معجزات غيره، فإنَّها وإنْ لم يكن مثْلُها مثلًا حقيقةً؛ يحتمل لها صُورةً.
(وإنما كان الذي أُوتيته) وجْه الحصْر وإنْ كان للنبي ﷺ معجزاتٌ كثيرةٌ في غير القرآن أئَّه أعظمُها وأفْيَدُها؛ فإنَّه يشتمل على الدَّعوة والحُجَّة، ويَنتفِع به الحاضِر والغائِب إلى يوم القيامة، ولهذا رتَّبَ عليه: (فأَنَا أَرْجُو).
* * *
٤٩٨٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِح بْنِ كيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ اللهَ تَعَالَى تَابَعَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ حَتَّى تَوَفَّاهُ أَكثَرَ مَا كَانَ الْوَحْيُ، ثُمَّ تُوُفِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْدُ.
الحديث الرابع:
(تابع)؛ أي: أَنزل الله عليه الوَحْي مُتتابعًا مُتواترًا أكثَر مما كان،
ثَابِتٍ، سَمعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ، قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْنَاهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيّ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ , فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورتِهَا فِي الْمُصْحَفِ.
الثاني:
(يغازي) أي: يغزي، أي: كان عثمان يُجهِّز أهل الشَّام، وأهل العراق لغَزْو هاتين الناحيتين وفتحهما.
(أرْمِيْنِية) بفتح الهمزة وكسرها وضمها، وإسكان الراء، وكسر الميم، وسُكون الياء، وكسر النُّون، وخِفَّة الياء بعدها: كُوْرةٌ بناحية الرُّوم.
(وأذْرَبِيْجان) قال (ن): بهمْزةٍ مفتوحةٍ، ثم معجمةٍ ساكنةٍ، ثم راءٍ مفتوحةٍ، ثم موحَّدةٍ مكسورةٍ، ثم ياءٍ ساكنةٍ، ثم جيمٍ، وألفٍ، ونُونٍ على المَشْهور، وقيل: بمدِّ الهمزة مع فتْح المعجمة، وسكون الرَّاء.
قال (ك): الأشْهر عند العجَم آذربايجان، بالمدِّ، وبألفٍ بين الموحَّدة والياء: بلدةٌ بتبريز وقَصَباتها.
(صحيفة ومصحف) الفرق بينهما أنَّ الصَّحيفة الكِتاب، جمعُه: صُحُف، ويُقال: أَصحَف: إذا جمَع الصُّحُف، والمُصحَف اسم
стр. 6325
مَفعولٍ منه، وهو بضم الميم وكسرها.
(يحرق) بإهمال الحاء على الأَعْرف، وبإعجامها، والمراد بالإحْراق لمَا هو مَنْسوخ، أو المختلِط بغيره من التَّفسير، أو بلُغةِ غيرِ قُريش، أو القِراءات الشاذَّة، وفائدته: أن لا يقَع اختلاف فيه، جزاهُ الله أحسَنَ الجَزاء.
(آية من الأحزاب) لا يُنافي ما سبَق أنها آخِر سُورة التَّوبة، وأنها مع أبي خُزَيمة، وهنا قال: (مع خُزيمة)؛ لأنَّ تلك كانت عند النَّقْل من نحو العُسُب إلى الصُّحُف، والثانية من الصُّحُف إلى المُصحَف، أو كلتاهما كانتا مفقودتَين كما سبَق.
وسبق أيضًا أن إثباتها مع أنَّ شرط القرآن التَّواتر أنَّها كانت مسموعةً لهم من فَمِ رسول الله ﷺ ، وسورتُها، وموضعُها معلومٌ لهم، ففقَدوا كتابتَها، ووجْه التتبُّع مع تواتر القرآن الاستِظْهار لا سيَّما وقد كُتبت بين يدَي رسول الله ﷺ ، وليُعلم هل فيها غير قراءَته من وُجوهها أم لا؟.
ووجه ما اشتُهر أن عُثمان جامع القُرآن: أن الصُّحُف كانت مشتملةً على جميع أَحرُفه، ووجوهه التي نَزل بها على لغة قُريش وغيرهم، فجَرَّد عُثمان اللُّغة القُرشيَّة منها، وجمَعَ النَّاسَ عليها.
* * *
الثاني:
(بِضْع) بكسر الموحَّدة: ما بين الثَّلاث إلى التِّسْع.
(وما أنا بخيرهم)؛ أي: لأن العشَرة أفضَلُ منه قَطْعًا.
وفيه أنَّ زيادة العِلْم لا تقتَضي الأفضليَّة؛ لأنَّ كثْرة الثَّواب لها أسبابٌ أُخرى من التَّقوى والإخلاص، وإعلاءِ كلمة الله، وغيرِها مع أنَّ الأعلميَّة بكتاب الله تعالى لا تَستلزِم الأعلميَّة مُطلَقًا؛ لاحتِمال أنْ يكون غيرُه أعلَمَ بالسُّنَّة.
(الحلق) بفتح المهملة، واللام، وبكسر المهملة.
(رادًّا)؛ أي: عالمًا؛ لأنَّ ردَّ الأقوال لا يكون إلا للعُلَماء، ولفْظ: (مِنْ) صريحٌ في أنَّ جماعةً كانوا مثلَه، وغرَضه أنَّ أحدًا لم يَردَّ هذا الكلام؛ بل سلَّموا له.
وفيه جواز ذِكْر الإنسان نفسَه بالفَضيلة للحاجة، وأما النَّهي عن التَّزْكية، فإنما هو لمَنْ مدحَها للفَخْر، والإعجاب.
* * *
٥٠٠١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ (سُورَةَ يُوسُفَ)، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَحْسَنْتَ. وَوَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ، فَقَالَ: أتجْمَعُ أَنْ تُكَذِّبَ
стр. 6336
بِكِتَابِ اللهِ وَتَشْرَبَ الْخَمْرَ؟ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ.
الثالث:
(بحمص) بسكون الميم، وعدَم الصَّرف: مدينةٌ بالشَّام.
(فضربه الحد)؛ أي: ضرَبه ابن مَسْعود حَدَّ الشُّرب.
قال (ن) هذا محمولٌ على أنَّه كان له وِلاية إقامة الحُدود، أو لكونه نائبًا عن الإمام عُمومًا أو خُصوصًا، وعلى أنَّ الرجُل اعتَرف بشُربها بلا عُذْرٍ، وإلا فلا يُحدُّ بمجرَّد رِيْحها، وعلى أنَّ التَّكذيب كان بإنكار بعضِه جاهِلًا؛ إذْ لو كذَّب حقيقةً لكفَر، وقد أجمعوا على أنَّ مَن أنكَر حرفًا مُجمعًا عليه من القرآن فهو كافرٌ.
* * *
٥٠٠٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ ﵁: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ! مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كتَابِ اللهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَة مِنْ كتَابِ اللهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ.
الرابع:
(مسلم) يحتمل البَطين، وابن صُبَيح، وكلاهما يَروي عن مَسْروق، وعن كليهما الأَعمَش، ولا يَضرُّ مثلُ هذا؛ لأنهما على شرط البخاري.
стр. 6337
(تبلغه الإبل) احترازًا من نحو جِبْريل ﵇؛ فإنه في السَّماء.
* * *
٥٠٠٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَاَ قتادَةُ، قَالَ: سَألتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁: مَنْ جَمَعَ الْقُرآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ.
تَابَعَهُ الْفَضْلُ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنسٍ.
٥٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَثُمَامَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زيدٍ. قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ.
الخامس:
(أربعة) استُشكل بأنَّ شَرْط القرآن التواتُر، فكيف يثبت بأَربعةٍ؟، وأجاب (ك) بأنَّ ضابطه إفادةُ العِلْم، والأربعةُ قد تُفيد.
قلت: فيه نَظَرٌ، فقد صرَّح الأُصوليُّون بأنَّ الأربعة لا تَكفي فيه.
ثم قال: وأيضًا ليس من شرطه أنْ يَنقُل جميعُهم جميعَه؛ بل لو حَفِظ كلَّ جزءٍ منه عدَدُ التواتُر لصارت الجملةُ متواترةً.
стр. 6338
قلتُ: ليس لهذا الكلام من حاصلٍ يُفيد.
ثم قال: فإن قيل: كيف نفى عن الغير، ومعلومٌ أن الخُلَفاء الراشدين وغيرهم لم يَكونوا يُهملون حفْظَه؟، ونُقل أنَّ يومَ اليَمامة قُتل سبعون ممن جمَعَ القرآنَ، وكانت اليَمامة قَريبًا من وفاته ﷺ .
قلتُ: هكذا قالَه بناءً على ظنِّه، ولا يَلزم من عدَم عِلْمه بعلمهم عدَم علْمهم، أو المرادُ بالجامعِين الجامِعُون من الأنْصار، أو المُراد الجمْع في العُسُب، واللِّخَاف ونحوهما، أو جمْعُ وُجوهه واللُّغات، وأنواع القِراءات، أو أنَّ المركَّب لا حَصْرَ فيه.
ثم قال: نعم، أشكلُ سؤالٍ هنا ذِكْر أُبَي فيما سبَق في الأَربعة، وذِكْر أبي الدَّرْداء هنا بدلَه، وراويهما أنَس. ثم أجاب عن هذا بما لا يَشفي.
قال (ش): إنَّ هذا مما انفرد به البُخاري، والصواب: أُبَيٌّ.
(تابعه الفضل) رواه إسحاق بن رَاهوَيْهِ في "مسنده"، قال: قيل: لعلَّه ابن مُوسَى الشيباني.
* * *
٥٠٠٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: أُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا، وَإنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَيٍّ، وَأُبَيٌّ يَقُولُ: أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَا أَتْرُكُهُ لِشَيءٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ
стр. 6339
آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
السادس:
(لندع)؛ أي: نترُك.
(لحن) بفتح المهملة، ولَحْنُ القَول هو فَحْواه، ومَعناه، وهذا كقوله ﷺ : "لعلَّ بعضَكُم يَكُون أَلْحَنَ بحُجَّتِه مِن بَعضٍ"، أي: أفصَحَ، والمراد هنا القَول بقَرينةِ الحديث السَّابق في (تفسير سورة البقرة)، في (باب: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦])، وكان أُبَيٌّ لا يُسلِّم نَسْخ بعض القرآن، وقال: لا أَترُك القُرآن الذي أخذْتُ من فَمِ رسول الله ﷺ لشيءٍ، أي: لناسخٍ، فاستدلَّ عُمر ﵁ بآيةِ النَّسْخ.
وسبَق تحقيقه هناك.
* * *
٩ - بابُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
(باب فَضْل فاتحةِ الكِتاب)
٥٠٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَىَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: "أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: