بِكِتَابِ اللهِ وَتَشْرَبَ الْخَمْرَ؟ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ.
الثالث:
(بحمص) بسكون الميم، وعدَم الصَّرف: مدينةٌ بالشَّام.
(فضربه الحد)؛ أي: ضرَبه ابن مَسْعود حَدَّ الشُّرب.
قال (ن) هذا محمولٌ على أنَّه كان له وِلاية إقامة الحُدود، أو لكونه نائبًا عن الإمام عُمومًا أو خُصوصًا، وعلى أنَّ الرجُل اعتَرف بشُربها بلا عُذْرٍ، وإلا فلا يُحدُّ بمجرَّد رِيْحها، وعلى أنَّ التَّكذيب كان بإنكار بعضِه جاهِلًا؛ إذْ لو كذَّب حقيقةً لكفَر، وقد أجمعوا على أنَّ مَن أنكَر حرفًا مُجمعًا عليه من القرآن فهو كافرٌ.
* * *
٥٠٠٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ ﵁: وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ! مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كتَابِ اللهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ أَيْنَ أُنْزِلَتْ، وَلَا أُنْزِلَتْ آيَة مِنْ كتَابِ اللهِ إِلَّا أَنَا أَعْلَمُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنِّي بِكِتَابِ اللهِ تُبَلِّغُهُ الإِبِلُ لَرَكِبْتُ إِلَيْهِ.
الرابع:
(مسلم) يحتمل البَطين، وابن صُبَيح، وكلاهما يَروي عن مَسْروق، وعن كليهما الأَعمَش، ولا يَضرُّ مثلُ هذا؛ لأنهما على شرط البخاري.
стр. 6337
(تبلغه الإبل) احترازًا من نحو جِبْريل ﵇؛ فإنه في السَّماء.
* * *
٥٠٠٣ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَاَ قتادَةُ، قَالَ: سَألتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁: مَنْ جَمَعَ الْقُرآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: أَرْبَعَةٌ كلُّهُمْ مِنَ الأَنْصَارِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزيدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ.
تَابَعَهُ الْفَضْلُ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ ثُمَامَةَ، عَنْ أَنسٍ.
٥٠٠٤ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ حَدَّثَنِي ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَثُمَامَةُ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو زيدٍ. قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْنَاهُ.
الخامس:
(أربعة) استُشكل بأنَّ شَرْط القرآن التواتُر، فكيف يثبت بأَربعةٍ؟، وأجاب (ك) بأنَّ ضابطه إفادةُ العِلْم، والأربعةُ قد تُفيد.
قلت: فيه نَظَرٌ، فقد صرَّح الأُصوليُّون بأنَّ الأربعة لا تَكفي فيه.
ثم قال: وأيضًا ليس من شرطه أنْ يَنقُل جميعُهم جميعَه؛ بل لو حَفِظ كلَّ جزءٍ منه عدَدُ التواتُر لصارت الجملةُ متواترةً.
стр. 6338
قلتُ: ليس لهذا الكلام من حاصلٍ يُفيد.
ثم قال: فإن قيل: كيف نفى عن الغير، ومعلومٌ أن الخُلَفاء الراشدين وغيرهم لم يَكونوا يُهملون حفْظَه؟، ونُقل أنَّ يومَ اليَمامة قُتل سبعون ممن جمَعَ القرآنَ، وكانت اليَمامة قَريبًا من وفاته ﷺ .
قلتُ: هكذا قالَه بناءً على ظنِّه، ولا يَلزم من عدَم عِلْمه بعلمهم عدَم علْمهم، أو المرادُ بالجامعِين الجامِعُون من الأنْصار، أو المُراد الجمْع في العُسُب، واللِّخَاف ونحوهما، أو جمْعُ وُجوهه واللُّغات، وأنواع القِراءات، أو أنَّ المركَّب لا حَصْرَ فيه.
ثم قال: نعم، أشكلُ سؤالٍ هنا ذِكْر أُبَي فيما سبَق في الأَربعة، وذِكْر أبي الدَّرْداء هنا بدلَه، وراويهما أنَس. ثم أجاب عن هذا بما لا يَشفي.
قال (ش): إنَّ هذا مما انفرد به البُخاري، والصواب: أُبَيٌّ.
(تابعه الفضل) رواه إسحاق بن رَاهوَيْهِ في "مسنده"، قال: قيل: لعلَّه ابن مُوسَى الشيباني.
* * *
٥٠٠٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: أُبَيٌّ أَقْرَؤُنَا، وَإنَّا لَنَدَعُ مِنْ لَحَنِ أُبَيٍّ، وَأُبَيٌّ يَقُولُ: أَخَذْتُهُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَا أَتْرُكُهُ لِشَيءٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ
стр. 6339
آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾.
السادس:
(لندع)؛ أي: نترُك.
(لحن) بفتح المهملة، ولَحْنُ القَول هو فَحْواه، ومَعناه، وهذا كقوله ﷺ : "لعلَّ بعضَكُم يَكُون أَلْحَنَ بحُجَّتِه مِن بَعضٍ"، أي: أفصَحَ، والمراد هنا القَول بقَرينةِ الحديث السَّابق في (تفسير سورة البقرة)، في (باب: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦])، وكان أُبَيٌّ لا يُسلِّم نَسْخ بعض القرآن، وقال: لا أَترُك القُرآن الذي أخذْتُ من فَمِ رسول الله ﷺ لشيءٍ، أي: لناسخٍ، فاستدلَّ عُمر ﵁ بآيةِ النَّسْخ.
وسبَق تحقيقه هناك.
* * *
٩ - بابُ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
(باب فَضْل فاتحةِ الكِتاب)
٥٠٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَحْيَىَ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي خُبَيْبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي، فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: "أَلَمْ يَقُلِ اللهُ:
قال المظهري في "شرح المصابيح": ظاهر الحديث أنَّه نفَث في كفِّه أولًا، ثم قَرأَ، وهذا لم يقُل به أحدٌ، ولا فائدةَ فيه، ولعلَّه سهوٌ من الرَّاوي، والنَّفْث يَنبغي أن يكون بعد التِّلاوة ليُوصِل بركتَها إلى بشَرة القارئ، أو للمَقروء له.
فأجاب الطِّيْبِي عنه بأنَّ الطَّعن فيما صحَّ روايتُه لا يجوز، كيف والفاءُ فيه مثْل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]، فالمعنى: جمَع كفَّيه، ثم عزَم على النَّفث فيه، أو لعلَّ السِّرَّ في تقديم النَّفث مُخالَفة السِّحر.
* * *
١٥ - بابُ نُزُولِ السَّكِينَةِ وَالْمَلَائكَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ
(باب نُزُول السَّكيْنة)
٥٠١٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ عِنْدَهُ إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ وَسَكَتَتِ الْفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَانْصَرَفَ وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا، فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ! اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ! ". قَالَ: فأَشْفَقْتُ
стр. 6349
يَا رَسُولَ اللهِ! أَنْ تَطَأَ يَحْيَى، وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيح، فَخَرَجَتْ حَتَّى لَا أَرَاهَا، قَالَ: "وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ ". قَالَ: لَا، قَالَ: "تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تتوَارَى مِنْهُمْ".
قَالَ ابْنُ الْهَادِ: وَحَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ اللهِ بْنُ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ.
قوله: (وقال الليث) وصلَه أبو نُعيم في "مستخرجه".
(سورة البَقَرة) سبَق قريبًا أنه كان يَقرأ سُورة الكهف، ولا مُنافاةَ، فلعلَّه قرأَهما، أو أنَّ ذلك الرجل غيرُ أُسَيد، بل هذا هو الظَّاهر.
(مربوطة) أنَّث؛ لأنَّ الفرَس للذَّكَر والأُنثى، ورُوي: (مَربوطٌ).
(فسكنت) بالنون.
(يحيى) هو ابن أُسَيد، وكان في ذلك الوقْت قَريبًا من الفرَس، فأشفَقَ، أي: خافَ أُسيدٌ أن تُصيبَه.
(أَخَّبره)؛ أي: أخبر أسيدٌ يحيى من الإخْبار، وفي بعضها: (أَخَّرَه) من التأْخير، وفي بعضها: (اجْتَرَّه) بجيمٍ، أي: جَرَّه.
(اقرأ) أمْرٌ بالقِراءة، وطلَبها في المستقبَل، والحضُّ عليها، أي: كان ينبغي أن تستمرَّ على القِراءة، وتَغتنِم ما حصَل لك من نُزول السَّكينة، والمَلائكة، والدَّليل على أنَّ المراد طلَب دَوام القِراءة
стр. 6350
جَوابه: بأَنِّي خِفْتُ إن دُمتُ عليها أنْ تطأَ الفَرَسُ ولَدي.
(الظُّلة) بضم المعجمة: شيءٌ لا كهيئة الصُّفَّة، وأوَّل سَحابةٍ تُظلُّ.
(فخرجت) بتاء المتكلم، وفي بعضها بلفظ الغَيبة، وصوابه: فعَرَجتْ بالعين، كما في الأحاديث الأُخَر، قاله (ع).
قال (ش): وهي رواية مسلم أيضًا.
* * *
١٦ - بابُ مَنْ قَالَ: لَمْ يَترُكِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ
(باب مَن قال: لم يَترُك النبيُّ ﷺ إلا ما بَين الدُّفَّتَين)
٥٠١٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَشَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، فَقَالَ لَهُ شَدَّادُ بْنُ مَعْقِلٍ: أَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ شَيْء؟ قَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ.
قَالَ: وَدَخَلْنَا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: مَا تَرَكَ إِلَّا مَا بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ.
(الدفتين) بفتح المهملة، وشدَّة الفاء، أي: الجانبَين، والمراد هنا الجِلْدان، أي: لم يترك إلا القُرآن، أي: مما كُتب بأمره، وإلا فقد تركَ من الحديث أكثَرَ من القُرآن، وأما قصة أُسامة فهي نادرةٌ.
стр. 6351
نعم، سَبق في (باب: كتابة العلم): أنَّه قيل لعلي: هل عندكم كتابٌ؟، قال: لا إلا كتابُ الله، أو فَهمٌ، أو ما في هذه الصَّحيفة، لكنْ لعلَّها لم تكُن مكتوبةً بأَمره ﷺ ، أو يُجاب بأنَّ بعض الناس كانوا يزعُمون أنَّ رسول الله ﷺ أوصَى إلى عليٍّ ﵁، فالسُّؤال إنما هو عن شيءٍ يتعلَّق بالإمامة، فأجابَ بأنَّه مَا تركَ إلا ما بين الدُّفَّتين من الآيات التي يُتمسَّك بها في الإمامة، وهذا أحسن.
* * *
١٧ - بابُ فَضْلِ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ
(باب فضْل القُرآن)
٥٠٢٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ أَبُو خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قتادَةُ، حَدَّثَنَا أَنسٌ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالأُتْرُجَّةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيحُهَا طَيِّبٌ، وَالَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالتَّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيِّبٌ وَلَا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ طَعْمُهَا مُرٌّ وَلَا رِيحَ لَهَا".
الحديث الأول:
(مثل الذي يقرأ)؛ أي: المُخلِص الذي يَقرأ بقرينةِ قَسيمِهِ
стр. 6352
الفاجِر، أي: المنافِق، فسيأْتي بعدَ ورقةٍ بذِكْر المُنافِق صريحًا.
(كالأترجة) في بعضها: (كالأُتْرُنْجَة)، وحاصله: أنَّ المؤمن إما مُخلِصٌ، أو مُنافقٌ، وعلى التَّقديرين: إما أنْ يَقرأَ أو لا، والطَّعْم بالنِّسبة إلى نفْسه، والرِّيح بالنِّسبة إلى السَّامِع.
قال التُّوْرِبِشْتي: الأُتْرُجَّة أفضَل الثِّمار؛ لمَا فيها من خواصٍّ، كِبَر جِرْمها، وحُسن مَنْظرها، وطِيْب طَعْمها، وليْن مَلمَسها، وتَفريح لونها، يَسرُّ النَّاظرين، ثم أكلُها يُفيد بعد الالتِذاذ طيبَ النَّكهة، ودِبَاغ المَعِدة، وقُوَّة الهَضْم، واشتِراك الحواسِّ الأربَع: البصَر، والذَّوق، والشَّم، واللَّمس في الاحتِظاء بها، ثم إنَّ أجزاءَها تنقسِم على طَبائع: قِشْرها حارٌّ يابسٌ، ولحمها حارٌّ رطْبٌ، وحِمَاضها باردٌ يابسٌ، وبِزْرها حارُّ مجفِّف، وفيها من المنافع ما هو مذكورٌ في الكتُب الطِّبِّيَّة.
* * *
٥٠٢١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّمَا أَجَلُكم فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الأُمَمِ كمَا بَينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَمَغْرِبِ الشَّمْسِ، وَمَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى الْعَصْرِ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ أَنتمْ تَعْمَلُونَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِقِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، قَالُوا: نَحْنُ
стр. 6353
أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَذَاكَ فَضْلِي أُوتيهِ مَنْ شِئْتُ".
الثاني:
(بقيراطين) القِيْراط أصْله: قِرَّاط، فأُبدِلَ أحدُ حرفَي التَّضعيف ياءً.
وسبَق شرح الحديث في (مواقيت الصلاة)، في (باب: من أدرك ركعةً من العصر).
فإنْ قيل: الترجمة لفَضْل القرآن، والحديث الأول في فَضْل القارئ، والثاني لا دلالةَ له على التَّرجمة أصلًا، قيل: فَضْل القارئ إنما هو بسبَب القُرآن، وتفضيل هذه الأُمَّة إنما هو بسبَب القرآن.
* * *
١٨ - بابُ الْوَصَاةِ بكِتَابِ اللهِ
(باب الوَصاةِ بكتاب الله
الوَصأَة: بالهمز، وبالياء، وبفتح الواو وكسرها.
٥٠٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ، قَالَ: سَأَلتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى: أَوْصَى النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: كَيْفَ كتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ؛ أُمِرُوا بِهَا وَلَمْ
(وقال صحاب له) الظاهر أنَّ المراد: صاحبٌ لأبي هريرة.
(يجهر به)؛ أي: بتَحسين الصَّوت، وتحزينِه، وتَرقيقه، ويُستحبُّ ذلك ما لم تُخرجه الأَلْحان عن حَدِّ القِراءة، فإِنْ أفرَطَ حتى زادَ حَرْفًا، أو أخفَى حَرْفًا فهو حرامٌ.
* * *
٥٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِلنَّبِيِّ أَنْ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآن".
قَالَ سُفْيَانُ: تَفْسِيرُهُ: يَسْتَغْنِي بِهِ.
الثاني:
(قال سفيان)؛ أي: ابن عُيَيْنة: معناه: يَستغني به عن النَّاس، يُقال: تغنَّيتُ، واستَغنيتُ بمعنًى.
وخالفَه في تفسيره بالاستِغناء الشَّافعيُّ، وقال: نحن أعلَمُ بهذا، ولو أَراده ﷺ لقال: مَن لم يَستَغْنِ؛ وكذا قال أبو جعفر الطَّبَري: أن المعروف في كلام العرب أنَّ التَّغنِّي هو الغِنَاء، ودَعوى أن تغنيت بمعنى استغنَيت مردودٌ، ولا نعلَم أحدًا قالَه.
وذكَر غيرُه أنَّ سُفيان رواه عن سَعْد بن أبي وقَّاص، وهو ظاهر اختِيار البُخاري لإتْباعه التَّرجمةَ بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٥١].
стр. 6356
وقال أبو الفَرَج: إنَّ كلمة (أنْ) في قوله: (أنْ يتغنَّى) زيادةٌ من بعض الرُّواة، فإنها لو ثبتتْ لكان أَذِنَ مِن الإِذْن، وهو الإطْلاق في الشَّيء، وليس المعنى هنا عليه، وإنما أَذِنَ هنا بمعنى: استمَع.
فإن قيل: التَّرجمة: لم يتغنَّ، والحديث: يتغنَّى؛ فلم يتطابقَا نفيًا وإثباتًا؟
قيل: إما باعتبار حديث: "مَنْ لم يَتغنَّ بالقُرآن فليسَ مِنَّا"، فأشار لذلك الحديث، ولم يذكُره؛ لأنَّه ليس على شَرْطه، وإما باعتبار مفهومه.
وقال (خ): وثالثٌ: أنَّ العرب كانت تُولَع بالغِنَاءِ والنَّشيد في أكثَر أحوالها، فلمَّا نزَل القرآن أحبَّ أن تكون القراءةُ هِجِّيرًا لهم مكانَ الغِنَاء، فقال: "ليسَ مِنَّا مَن لم يَتغنَّ بالقُرآن"، فيحتمل هذا الحديث أيضًا مثل ذلك.
* * *
٢٠ - بابُ اغْتِبَاطِ صَاحِبِ الْقُرْآنِ
(باب اغتِباط صاحبِ القرآن)
٥٠٢٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ
стр. 6357
رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنتَيْنِ: رَجُل آتَاهُ اللهُ الْكِتَابَ وَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَرَجُلٌ أَعْطَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يتَصَدَّقُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ".
الحديث الأول:
(على اثنين)؛ أي: على رجُلين، وفي بعضها: (اثنتين)، أي: خَصلتين.
(ورجل) بالجرِّ على تقدير: خَصلةٍ رجلٍ، فإنْ قيل: الحسَد قد يكُون في غيرهما، فما معنى الحَصْر؟، قيل: القَصْد: لا حَسَدَ جائزٌ في شيءٍ إلا فيهما، أو أَطلَق الحسَدَ، وأراد الغِبْطة، والتَّرجمة تدلُّ عليه، أو أُريد بالحسَد شِدَّة الحِرْص، والتَّرغيب، أو هو من قَبيل: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦].
* * *
٥٠٢٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ ذَكْوَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ، فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتيتُ مِثْلَ مَا أوتِيَ فُلَانٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهْوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ، فَقَالَ رَجُل: لَيْتَنِي أُوتيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَان، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ".
стр. 6358
الثاني:
(في اثنين)؛ أي: في شأنٍ، وإلا فالأصل: على اثنين كما في الرِّواية السابقة.
وسبَق في (العلم) مباحثُ الحديث في (باب: الاغتباط).
* * *
٢١ - بابُ خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ
(باب: خَيرُكم من تعلَّمَ القرآنَ وعلَّمَه)
٥٠٢٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ". قَالَ: وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الْحَجَّاجُ، قَالَ: وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا.
الحديث الأول:
(خيركم) إلى آخره، وجْه قوله ﷺ ذلك مع أنَّ الجهاد، وكثيرٌ من الأعمال أفضَلُ: أنَّ الخَيرية بحسَب المَقام، فاللائق بأهل ذلك المَجلس التَّحريض على التعلُّمِ والتَّعليم، أو أن المراد: خير المتعلِّمين المعلِّمين
стр. 6359
من كان تعلُّمه وتعليمه في القرآن لا في غيره؛ إذ خير الكلام كلامُ الله تعالى، وكذلك خير النَّاس بعد النبييِّن مَن اشتَغل به، أو المراد خَيريَّةٌ خاصةٌ من هذه الجِهَة، ولا يَلزم أفضليتهم مُطلقًا.
(أو علّمه) في بعضها: (وعلَّمَه).
(قال)؛ أي: سعد.
(وأقرأ أبو عبد الرحمن) في بعضها: (أقرأني) بذكر المفعول، وهو الأنْسَب لقوله: (وذلك)؛ أي: الإقراء هو الذي أقعدني.
(كان الحجاج)؛ أي: حُكومة الحجَّاج.
* * *
٥٠٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ".
الثاني:
عُرف مما سبَق.
* * *
٥٠٢٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثنا حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأةٌ, فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلرَسُوله ﷺ ، فَقَالَ: "مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ". فَقَالَ
стр. 6360
رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: "أَعْطِهَا ثَوْبًا"، قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: "أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيد"، فَاعْتَلَّ لَهُ، فَقَالَ: "مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ " قَالَ: كَذَا وَكَذَا. قَالَ: "فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ".
الثالث:
(فاعتل)؛ أي: حَزِنَ، وتضجَّر لأجْل ذلك، وقد جاء اعتلَّ بمعنى: تَشاغَلَ.
(بما معك) قال الشافعي: جاز كَونُ الصَّداق تعليمَ القُرآن خلافًا للحنفية، قالوا: ليست للمُقابَلة، أي: بل للسَّببيَّة، أي: زَوَّجتُكَها بسبَب ما معك منه، ولعلَّها وهبَتْ صَداقَها لذلك الرجل إذ جعلتْه دَينًا عليه.
قال (خ) لو كان كذلك لم يكُن لسُؤاله إياه: (هَلْ معَكَ مِن القُرآن) معنًى، أي: التَّزويج حينئذٍ لا يحتاج إلى هذا السَّبَب.
وقال في موضعٍ آخَر: الباء هي كقوله: بعتُه بدينارٍ للعِوَضِ، ولو كان معناه أنَّه زوَّجها إياه من أجْل حِفْظه القُرآن تفْضيلًا له لجُعلتِ المرأةُ موهوبةً بلا مهرٍ، وهذا خاصٌّ بالنبيِّ ﷺ .
قال (ك): ظهَر من هذا التَّقدير مناسبةُ الحديث للتَّرجمة.
وقال (خ): فيه أنَّ المَهر لا حَدَّ لأقلَّه، وأنَّ المالَ غيرُ معتبَرٍ في الكفاءة.
قال (ن): وفيه عَرْض المرأَةِ نفسَها على الرَّجل الصَّالح ليتزوَّجَها،
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، مِثْلَهُ.
تَابَعَهُ بِشْرٌ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ.
وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ شَقِيقٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ .
الثاني:
(كيت وكيت) بفتح التاء وكسرها.
(نسي) بالتخفيف والتَّشديد.
وفي الحديث كراهة أن يقول: نسِيتُ كذا كراهةَ تنزيهٍ؛ لأنَّه يتضمن التَّساهُل والتَّغافُل.
قال (ع): الأَولى أنْ يُقال: إنَّه ذمُّ الحالِ لازِمِ القَولِ، أي: بئْسَ حالُ مَن حفِظَ القُرآن، فغَفَل عنه حتى نسيَه، وقد يحتمِل معنًى آخَر، وهو أن يكون ذلك في زمنِه ﷺ حين النَّسْخ، وسُقوط الحفْظ عنهم، فيقول القائل منهم: نسَيتُ كذا، فنهاهم عن هذا القول؛ لئلا يَتوهَّموا على مُحكَم القرآن الضَّياعَ، فأَعلَمَ أنَّ ذلك بإذْن الله تعالى، ولمَا رآه من المَصلحة في نسخه.
(أشد تفصيًا) بالفاء، والصاد المهملة، أي: انفِصالًا وخُروجًا، يُقال: تفصَّيتُ من الأمر تَفصِّيًا: إذا خرجتَ منه، وتخلَّصتَ، وانتِصابُه على التَّمييز نحو: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤].
* * *
стр. 6365
٥٠٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإبِلِ فِي عُقُلِهَا".
الثالث:
(في عقلها) بضمَّتين، وسُكون الثانية: جمع: عِقَال، وفي بعضها: (في عللها).
قال أبو الفرج: ضبطْناه بضم العين والقاف؛ وكذا هو في "صحاح الجَوْهَري".
قال الطِّيْبِي: شبَّه القُرآن وكونَه مَحفوظًا على ظَهْر القَلْب بالإبِل النَّافِرة، وقد عُقِل عليها بالحَبْل، وليس بين القُرآن والبشَر مناسبةٌ قريبةٌ؛ لأنَّ البشَر حادثٌ، وهو قديمٌ، والله تعالى بلُطْفه منَحَهم هذه النِّعمة العَظيمة، فينبَغي أنْ يتعاهده بالحفظ والمواظبة عليه.
وقال: السِّين في (استذكِروا) للمُبالغة، أي: اطلُبوا من أنفُسكم المُذاكرة به، وهو عطفٌ من حيث المعنى على (بئسما)، أي: لا تُقصِّروا في مُعاهدته.
قال: وفي قوله: (نُسِّي) إشارةٌ إلى أنَّه من فِعْل اللهِ تعالى من غير تقصيرٍ منه.
* * *
بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: جَمَعْتُ الْمُحْكَمَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا الْمُحْكَمُ؟ قَالَ: الْمُفَصَّلُ.
الحديث الأول، والثاني:
(المفصل) هو من (ق)، أو من الحُجُرات، أو من الفتح، أو من القِتال على الاختلاف فيه، وسُمي مُفصَّلًا؛ لكثْرة الفُصول فيه، ومُحْكَمًا؛ لأنَّه لا مَنْسوخَ فيه، فليس المراد به ضِدَّ المُتشابه بل ضِدُّ المنسوخ.
* * *
٢٦ - بابُ نِسْيَانِ الْقُرْآنِ، وَهَلْ يَقُولُ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
(باب نِسْيان القُرآن)
٥٠٣٧ - حَدَّثَنَا رَبِيعُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا يَقْرأُ فِي الْمَسْجدِ، فَقَالَ: "يَرْحَمُهُ اللهُ، لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً مِنْ سُورَةِ كَذَا".
٥٠٣٧ / -م - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى، عَنْ هِشَامٍ وَقَالَ: "أَسْقَطْتُهُنَّ مِنْ سُورَةِ كَذَا".
стр. 6368
تَابَعَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، وَعَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ.
٥٠٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا يَقْرَأُ فِي سُورَةٍ بِاللَّيْلِ فَقَالَ: "يَرْحَمُهُ اللهُ لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً، كنْتُ أُنسيتُهَا مِنْ سُورَةِ كَذَا وَكَذَا"
٥٠٣٩ - حَدَّثَنَا أبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا لأَحَدِهِمْ يَقُولُ نسَيتُ آيَةَ كيْتَ وَكيْتَ، بَلْ هُوَ نُسِّي"
الحديث الأول، والثاني، والثالث:
إنما جاز عليه ﷺ النِّسيان في القُرآن؛ لأنَّه ليس باختياره.
وقال الجمهور: يجوز النِّسيان عليه فيما ليس طريقُه البَلاغ والتعليم بشرط أنْ لا يُقَرَّ عليه، بل لا بُدَّ أنْ يذكُره، وأما غيرُه فلا يجوز قبل التَّبليغ، وأما نسيان ما بلَّغَه -كما في هذا الحديث- فهو جائزٌ بلا خلافٍ.
وفيه رفع الصَّوت بالقراءة في اللَّيل، وفي المَسجِد، والدُّعاء لمن أصاب الإنسانَ من جهته خيرٌ وإنْ لم يَقصِده.
(رجلًا) هو عبد الله بن زيد الأنصاري كما تقدَّم.
(تابعه علي بن مسهر) موصولٌ فيما بعدُ بقليلٍ.