← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

(توضأ مرتين مرتين): في إعرابه ما سبق، بل فيه ما يؤيِّد الوجهَ الثَّالث ويضعِّف الآخرين. ٢٤ - بابُ الوُضُوء ثَلَاثًا ثَلَاثًا (باب الوضوء ثلاثًا ثلاثا)؛ أي: لكلِّ عضوٍ. ١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سعدٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِناَءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدخَلَ يَمِينَهُ فِي الإناَءَ فَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، (ثُمَّ) مَسَحَ بِرَأْسهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هذَا، ثُمَّ صَلَّى ركعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ). (م د س). وإسنادُه مدنيُّون، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعينَ: ابنُ شهابٍ فَمَن فوقَه. (بإناء)؛ أي: فيه الماء. (فأفرغ)؛ أي: صَبَّ، أما (فَرِغَ) بالكسر، فمعناه: انصَبَّ.

стр. 667

(مرات) في بعضِها: (مِرَارًا). (فمضمض) الفاء فيه تُسمَّى الفَصيحةُ، لأنَّها عاطفةٌ على محذوف، أي: أخذَ الماء منه، وأدخلَه في فيه فمَضمَضَ. (واستنثر) في بعضِها: (واستنشَقَ). والاستِنثارُ: إخراجُ الماء من الأنف بعدَ الاستِنشَاقِ؛ خلافًا لقول ابنِ قُتَيبَةَ: إنه الاستِنشَاقُ في روايةِ الجَمع بينهما، وهو مأخوذٌ من النَّثْرَةِ، وهي: الأنفُ، أو طرفُ الأنفِ، أو الفُرجَةُ بين الشَّاربين على الخِلاف، وتقديمُ المَضمضَة على الاستِنشاقِ مُستحَقٌّ؛ لاختلافِ العُضوين، وقيل: مستحبٌّ كتقديم اليُمنى، ففي الحديث: أنَّه يأخذُ الماءَ لهما بيمينه، وأنَّهما بغَرفَةٍ واحدة، وهو أحدُ الأوجُه الخَمسة. قال (ن): أجمعَ العلماءُ على أنَّ الواجبَ في غَسل الأعضاء مرَّةٌ، وأنَّ الثَّلاثَ سنةٌ، وقد جاءت الأحاديثُ بالغَسل مرَّةً ومرَّتين وثلاثًا، وبعضُ الأعضاء ثلاثًا، وبعضُها مرتين، وبعضُها مرَّةً، واختلافُها دليلُ جوازِ الكُلّ، والثلاثُ هي الكمالُ، أو يُحملُ الاختلافُ على أنَّ بعضَ الرُّواة حفِظَه، فيُؤخَذ بما زادَه الثِّقةُ، وتثليثُ مسحِ الرَّأس قال به الشافعيُّ، وقال الثَّلاثة: المَسحُ مرَّة. واحتجَّ الشافعي بما في أبي داودَ: أنَّه ﷺ مسحَ رأسَه ثلاثًا، وبالقياسِ على باقي الأعضاء، وأنَّ روايةَ المَسح مرَّةً إنَّما هي لبيان الجواز، وجَرَيانُ الماء عند الجُمهور كافٍ، وأوجب مالكٌ الدَّلكَ.

стр. 668

(نحو وضوئي)، قال (ن): إنَّما لم يقُل: (مثلَ)؛ لأنَّ حقيقةَ مُماثلتِه لا يقدِرُ عليها غيرُه، كذا قال، وقد ثبت التَّعبيرُ عند المصنِّف كما سيأتي في (الرّقاق)، وكذا عند مسلم. (لا يحدث)؛ أي: بشيءٍ من أمور الدُّنيا، فلو عَرَضَ له فأعرَضَ عنه عُفِيَ عنه، وحَصَل له هذا القصدُ؛ إذ ليس من فعله، وقد عُفيَ عن الأمَّة الخواطرُ التي لا تستَقِرُّ. قال (ع): في قوله: أي (لا يُحدِّثُ نفسَه)؛ الإشارةُ إلى أنَّ المنفيَّ ما يَجتلِبُه ويكتَسِبُه، لا ما يقعُ في المخاطر غالبًا. قال بعضهم: لكنَّه دونَ مَن سَلِمَ من الكُلِّ؛ لأنَّ الشارع إنَّما ضَمِنَ الغُفرانَ ليُراعيَ ذلك مجاهدةَ نفسِه من خَطَرات الشَّيطان، ونفيها عنه، ويُفرِّغَ قلبَه، ويُحتَمل أنَّ المرادَ الإخلاصُ، لا لطالبِ جاهٍ، أو تركُ العُجْبِ، بأنْ لا يرى لنفسِه منزلةً رفيعةً بأدائِها. * * * ١٦٠ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: قَالَ ابْنُ شِهابٍ: وَلَكِنْ عُرْوَةُ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُم حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ مَا حَدَّثتكُمُوهُ، سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (لَا يتَوَضَّأُ رجلٌ يُحسِنُ وُضُوءَهُ، ويُصَلِّي الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتَّى يُصَلِّيها). قَالَ عُروَةُ: الآيَة ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾.

стр. 669

(وعن إبراهيم)، أي: ابنِ سعدٍ، وهو تعليقٌ بصيغةِ تَمريضٍ. وقد اجتمع في هذا السَّند ستةٌ مدنيّون، وأربعةٌ تابعيّون، وفيه روايةُ الأكابِر عن الأصَاغر، فإنَّ صالحَ بنَ كَيسَانَ أكبرُ سِنًّا من الزُهرِي، قاله (ك). وفيه نظرٌ من وَجهين: الأولُ في قوله: (إنَّ هذا تعليقٌ) وإنَّما هو معطوفٌ على قولِ: (حدثني إبراهيمُ بنُ سعدٍ)، والدليلُ على ذلك ما أخرجَه مسلمٌ من طريقِ يعقوبِ بنِ إبراهيمَ بنِ سعدٍ عن أبيه بالإسنادين معًا. والثَّاني: في قوله: (روايةُ الأكابر عن الأصَاغر)، بل هُما قرينان. (لأحدثنكم) جوابُ قَسَم محذوف، وفيه جوازُ الحَلِفِ من غير ضَرورةٍ. (لولا آية)، أي: ثابتةٌ في القرآن، أو نحوُ ذلك، فخبَرُ المبتدأ يُحذَف بعدَ (لولا) وجوبًا، والمرادُ بالآية: ﴿الَّذِينَ يَكتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، كما سيأتي، هكذا رواية البخاريّ وأكثرُ رُواةِ مسلم، ولبعضِهم: (لولا أنَّه)، بالنون، أي: الذي أُحدِّثُكم به، واكتفى بذلك عن أن يقولَ في كتاب الله، أي: معناه أو نحو ذلك، وكذا قال مالكٌ في "المُوطَّأ": أراه يريدُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤]، الآية، وجوابُ (لولا) على الرِّوايتَين: (ما حدثتكموه)، أي: ما كنتُ حَريصًا على تَحديثِكم به.

стр. 670

(فيحسن)؛ أي: يأتِي به بكمالِ آدابِه وسُننِه، والعطفُ بالفاء هنا لبيانِ الرُّتبةِ، كما لو أتى بِـ (ثُمَّ)؛ أي: إنَّ الإحسان في الوُضُوءِ بالمُحافظةِ على سُننِه وآدابه أفضلُ وأكملُ من المُقتَصَرِ فيه على الواجب، ففيه الحثُّ على الاعتناءِ بِمعرفَةِ الآداب والسُّنن، والإتيانُ بما يختلفُ فيه العلماءُ للخروجِ من خلافِهم كالنِّية، والتَّرتيب، ومسحِ جميعِ الرَّأس، ومسحِ الأذُن، والولاءِ ونحوِ ذلك. (إلا غفر)؛ أي: إلا رجلٌ غُفِرَ، فيكونُ الاستثناءُ من (رجلٌ) المَرفوع، أو من أعَمِّ عامِّ الأحوال، أي: في حالِ إلا في حالِ المَغفِرَة. (حتى) الغايةُ فيه: لِـ (حَصَل) المُقدَّر العاملِ في الظَّرف؛ إذ الغُفرانُ لا غايةَ له. (يصليها) فائدتُه مع قوله قبلَه (وبينَ الصَّلاة) دفعُ احتِمال (وبينَ الشُّروع فيها)، فبيَّن هنا أنَّ المرادَ الفراغُ منها؛ حتى يشملَ النَّظرة المُحرَّمة الواقعةَ في نفسِ الصَّلاة. (قال عروة) هو تعليقٌ، ويُحتَمل أنه من مقولِ ابنِ شهابٍ، لكنْ سبق أنَّ في "الموطّأ" قال مالك: أراه يريدُ آية: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]. وقال (ط): فَرضٌ على العَالِمِ تبليغُ العلم؛ لأنَّ الله تعالى توعَّدَ الذين يكتُمونه باللَّعنة، فإنَّها كان نزلَت في أهلِ الكِتاب، لكنَّها عامَّةٌ لكلِّ من عَلِمَ عِلمًا تعبَّدَ اللهُ العبادَ بمعرفتِه، وقال غيرُه: الإشارةُ إلى قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ

стр. 671

مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. * * * ٢٥ - بابُ الاِسْتِنْثَارِ فِي الوُضُوء ذَكَرَهُ عُثْمَانُ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زيدٍ، وَابنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ . (باب الاستنثار في الوضوء): سبقَ بيانُ معناه. * * * ١٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يُونسٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَني أبَو إِدرِيس: أَنه سَمعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: (مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ). (م). (فليستنثر)؛ أي: لإخراجِ ما في أنفِه من أذى، ولما فيه من تَنقِيَة مَجرى النَّفَس الذي فيه التِّلاوة، وإصلاحِ مَجاري الحُروف، وجاء في روايةٍ: (فإنَّ الشَّيطانَ يبيتُ على خَياشيمِه)، وهذا الأمرُ للنَّدبِ باتِّفاقٍ، فلا عُلْقَةَ به لمَن يَرى وجوبَ الاستنشاق؛ كذا قاله (ن). لكنْ قالَ (ط): إنَّ بعضَهم أوجَب الاستنثار، فيلزمُ منه وجوبُ الاستنشاق؛ إذ لا يكونُ إلا منه، لكنَّ دليلَ المانعِ أنَّ غَسل باطِن الوَجه

стр. 672

غيرُ مأخوذٍ علينا في الوُضوء. (استجمر): مسحَ محلَّ النَّجْوِ بالجِمَار، وهي الأحجارُ الصِّغارُ، كالاستِطابةِ والاستنجاء، إلا أنَّهما أعمُّ من الماء والحجَر. (فليوتر)؛ أي: بثلاثٍ أو خَمسٍ أو غيرِ ذلك، وقد سبق أنَّ الواجبَ عندنا ثلاثٌ، فإن لم يُنَقِّ وجبَ زيادةٌ، واستُحِبَّ الإيتارُ إن حصلَ الإنقاءُ بشَفعٍ، وأوجب بعضُ أصحابنا الإيتارَ مطلقًا لظاهرِ هذا الأمرِ، وجوابُه أنَّ في روايةٍ: (مَن فَعَلَ فقد أحسَنَ، ومن لا، فلا حَرَجَ)، فهذا الحديثُ إمَّا محمولٌ على الثَّلاث، أو على النَّدب فيما زاد. قلت: وعليه فهو استعمالُ الأمرِ في حقيقَته ومَجازِه مَعًا. قال (خ): فيه دليلٌ على وجوبِ الثَّلاث؛ لأنَّ أصلَ الاستِجمار إذا حصلَ بواحدٍ، فلا يكونُ الأمر إلا لوتر بعدَه، وأدناه الثَّلاثُ. قلتُ: إلا أن يُقدَّر: ومَن أرادَ أن يستَجمِرَ فليوتِر. * * * ٢٦ - بابُ الاِسْتِجْمَارِ وِتْرًا (باب الاستجمارُ وِترًا) ١٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالكٌ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا

стр. 673

تَوَضَّأَ أَحَدُكُم فَلْيَجْعَلْ فِي أنفِهِ ثُمَّ لِيَنْثُرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُم مِنْ نومِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَها فِي وَضُوئه، فَإِنَّ أَحَدكُم لَا يَدرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ). (م د ت س). سندُه أبو الزِّنادِ عن الأعرَجِ، عند البخاريَّ أصحُّ الأسانيد. (في أنفه)؛ أي: ماءً، فحُذِفَ المفعولُ لدِلالةِ الكلام عليه، أي: يستَنشِقُ. (ثم يستنثر) قد سبقَ معناهُما في تقديرِ الأمر بِهما، وذِكرُ هذا البابِ متخلِّلًا لأبوابِ الوُضوء لعدمِ اكتِراث البخاريِّ بالمُناسبة في مثله، بل لإيرادِ صحيحِ الأحاديث، فإنَّ التزيين بالمُناسبات سَهلٌ. (استيقظ)؛ أي: تيَقَّظَ، فالفعلُ لازمٌ. (في الإناء)؛ أي: الذي فيه ماءُ الوُضوء، وفي بعضِها: (في وَضوئه)، أي: بفتح الواو. (فإن أحدكم) في بعضِها: (إذا نامَ لا يدري). قال (خ): الأمرُ فيه للاستحبابِ لتعلُّقِه بالشَّك، وما هو كذلك لا يكونُ واجبًا، لأنَّ الأصلَ الطَّهارةُ في المَاء والبَدَن، والمُراد: ما اعتِيدَ الطَّهارةُ فيه من الأَواني الصَّغار، كالمِخضَب ونحوِه دون الحِياض، والمصَانعِ الواسعة؛ لأنَّ هذا المَعنى لا يوجدُ عند كَثرة الماء، وأوجبَ

стр. 674

الظَّاهريَّة غَسلَ اليد قبل الإدخَال في الإناء؛ حتَّى لا يَفسدَ الماء إذا أدخَل قبلَ الغَسل. وفرَّق أحمدُ بينَ نومِ اللَّيل ونومِ النَّهار؛ لأنَّ الحديثَ في نوم اللَّيل؛ بدليل (باتَت)، والمَبيتُ إنَّما يكون ليلًا، ولأنَّ نوم النَّهار لا يَتكشَّف فيه حتى تطوفَ يدُه، بخلافِ اللَّيل، فإنَّها تطوفُ، فقد يقعُ على محلِّ النَّجْوِ، وكانوا يستَنجون بالحِجارة، فتَعلَقُ يده بالأَثر، فيَفسُد الماءُ القليلُ بملاقاةِ النَّجاسة له، وأُجيب بأنَّ الأصلَ عدمُ ذلك، وإنَّما هذا احتياطٌ، فلا وجوبَ. قال: وفيه دليلٌ أنَّ قليل النَّجاسة يُنجسُ ما وردَ عليه من الماء القليلِ، وأنَّ وُرودَ الماء على النَّجاسةِ يُطهِّرها، ولا يَنجُسُ بِها، لأنَّ الماءَ الذي أمره ﷺ بصبِّه من الماءِ على يدهِ أقلُّ من الماءِ الذي أبقاهُ في الإناء، وحَكَمَ بطَهارته وتَطهيرِه، فَفَرقٌ بينَ وُرودِ النَّجَسِ على المَاء، ووُرودِ الماء عليه. وفيه: أنَّ ما دونَ السَّبع منَ العَدد كافٍ للنَّجاسات سوى ما وردَ فيه الأمرُ بالتَّسبيع، وأنَّ موضوعَ الرُّخصة في أثرِ الاستنجاء بالحَجَر للصَّلاة فقط، وأنَّ الاحتياطَ في العباداتِ أَولى. قال (ن): والتَّعليلُ بأنَّه لا يدري؛ إشارةٌ لا إلى أنَّ المَدار على الشَّكِّ حيثُ وقعَ، ولو كانَ نُقطةً. قال: وفيه أنَّ النَّجاسةَ المُتَوَهَّمَةَ يستحبُّ فيها الغَسل، ولا يؤثِّرُ

стр. 675

الرَّشُّ، وفيه استعمالُ الكِناياتِ تَحاشِيًا من التَّصريح بأنَّه لم يقُل: (تقعُ يدُه على دُبُره)؛ بل قال: (لا يدري)، هذا إذا كانَ السَّامع يَفهمُ منه القصدَ، وإلا يُصرِّحُ به. ٢٧ - بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ وَلَا يَمْسَحُ عَلَى القَدَمَيْنِ (باب غسل الرجلين) ١٦٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانة، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهكَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنَّا فِي سَفْرَةٍ سَافَرْناَها، فَأَدركَنَا وَقَد أَرْهقْنَا العَصْرَ، فَجَعَلْنَا نتَوَضَّأُ وَنَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتهِ: (ويلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ)، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. (م س). سبق سندُه في (باب من أعادَ الحديثَ ثلاثًا) إلا الرَّاوي الأوَّل، فإنَّه هناكَ: أبو النُّعمان. (أرهقنا) بسكون القَاف، أي: أخَّرْنا العصرَ حتى دنَا وقتُ الأُخرى، وفي بعضِها بفتح القاف، ورفعِ العصر، أي: دنا وقتُه، وفي بعضِها: (أرهقَتْنا). * * *

стр. 676

٢٨ - بابُ المَضْمَضَةِ فِي الوُضُوءِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ زَيْدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (باب المضمضة في الوضوء) (قاله ابن عباس) وهو تعليقٌ من البُخاريّ، وكذا قوله: (وعبد الله ابن زيد)، لكنَّه أسندَ حديثَ ابنِ عباس في (باب غَسل الوَجه)، وحديثَ عبدِ الله بن زيدٍ فيما يأتي من (باب تَمَضمَضَ واستَنشَقَ). وسبقَ شرحُ الحديثِ في (باب الوُضوء ثلاثًا)، إلا أنَّ هنا لفظَ: (واستنشَقَ)، و (رأيتُ النبيَّ ﷺ يتوضَّأُ نحوَ وُضوئي هذا). * * * ١٦٤ - حَدَّثَنَا أبَو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَني عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ حُمرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ إِنائِهِ، فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثَ مَرَّات، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الوَضُوءِ، ثُمَّ تَمَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْههُ ثَلَاثًا وَيَدَيْهِ إِلَى المِرفَقَيْنِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ كُلَّ رِجْلٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يتَوَضَّأُ نَحوَ وُضُوئي هذَا وَقَالَ: (مَنْ تَوَضَّأَ نَخوَ وُضوئي هذَا ثُمَّ صَلَّى ركْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نفسَهُ، غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ).

стр. 677

(كل رجليه) في بعضِها: (كلَّ رِجلٍ)، وفي بعضٍ: (كلَّ رَجلِه)، وفي بعضٍ: (كِلْتا رِجلَيه). * * * ٢٩ - بابُ غَسْلِ الأعْقَابِ وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْسِلُ مَوْضعَ الخَاتَم إِذَا تَوَضّأَ. (باب غسل الأعقاب) ١٦٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعتُ أَبَا هُرَيْرَةَ -وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يتوَضَّؤونَ مِنَ المِطْهرَةِ- قَالَ: أَسْبِغُوا الوُضُوءَ، فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِم ﷺ قَالَ: (ويلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ). (إذا توضأ) إنْ جُعِلَت (إذا) ظَرفًا أو شَرطًا؛ فالعاملُ (كان) أو (يغسلُ)، وما سبقَ هو جوابُ الشَّرطِ إن جُعِلَت شَرطيَّةً، وأتى (يغسلُ) مضارِعًا مع (إنْ كانَ) ماضيًا للاستِحضار، أو لحِكاية حالِ المَاضي، كما سبق مرَّاتٍ في مثلِه، وأمَّا مناسبةُ ذِكرِه مع غَسل الأعقابِ، فلِدُخولهما تحتَ إسباغِ الوُضوء. (وكان) فيه إشعارٌ بالتَّكريرِ، والجُملةُ حال من مفعولِ (سَمعتُ). (والناس يتوضؤون) الجملَةُ حالٌ من فاعلِ (كانَ)، فهي متداخِلةٌ،

стр. 678

ويُحتمل أن يكونا مُتَرادفين. (المطهرة) بكسرِ الميم أو بفَتحها -وهو الأجودُ- الإِداوَة. (قال: أسبغوا)، حالٌ من أبي هريرة، وفي بعضِها: (فقال)، وبالجُملة فهو تفسير لـ (سمِعتُ أبا هريرة)، فإنَّ الذَّاتَ لا تُسمع، فإنَّ المرادَ: سمعتُ قولَ أبي هريرة، و (أَسبغوا): بفتح الهمزَةِ، والإِسبَاغُ لغةً: الإتمَامُ، وقال ابنُ عمرَ: هو الإنْقَاءُ، وقيلَ: الزِّيادةُ على المَرَّة، وقد سبقَ ذلك في (بابِ إسباغِ الوُضوء). (أبا القاسم) هو كُنيةُ رسولِ الله ﷺ . (ويل) سوَّغَ الابتداءَ به مع كونه نكرة؛ أنَّه دعاءٌ. (للأعقاب) جَمعُ (عَقِب) بكسر القاف، وهو مُؤَخَّرُ القَدَم. قلت: وفيه الأوجُه المُشهورةُ في (فَعِل)، والعَقِبُ: مؤَنَّثةٌ. قال الصَّاغانيُّ: وهوَ على حذفِ مضاف؛ أي: أصحابِ الأعقابِ المُقصِّرين في غَسلها. (من النار) صفةٌ لِـ (ويل) فُصِلَت بخبر المبتدأ، وهو (للأعقَاب)، فيكونُ مسوغًا آخرَ للابتداءِ بالنَّكرة، ومنَعَ أبو البقاء وغيرُه تعلُّقه بِـ (ويل) من أجلِ الفَصل بينهما بالخبر، وقد سبق بقيَّةُ المباحِث في (باب من رَفَعَ صَوتَه بالعِلم). * * *

стр. 679

٣٠ - بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي النَّعلَيْنِ، وَلَا يمسَحُ عَلَى النَّعلَيْنِ (باب غسل الرجلين في النعلين) ١٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ: أَنَّه قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحمَنِ! رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَربَعًا لَم أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصحَابِكَ يَصنَعُها، قَالَ: وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ: رَأَيْتُكَ لَا تَمَسُّ مِنَ الأَركَانِ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ، وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ، وَرَأَيْتُكَ تَصبُغُ بِالصُّفْرَةِ، وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهلَّ النَّاسُ إِذَا رَأَوُا الهِلَالَ وَلم تُهِلَّ أنتَ حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّروِيَةِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَمَّا الأركَانُ فَإِنِّي لَم أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمَسُّ إِلَّا اليَمَانِيَّيْنِ، وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْبَسُ النَّعلَ الَّتِي لَيْسَ فِيها شَعَرٌ وَيتَوَضَّأُ فِيها، فَأَناَ أُحِبُّ أَنْ ألبَسَها، وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَصبُغُ بِها، فَاَناَ أُحِبُّ أَنْ أَصبُغَ بِها، وَأَمَّا الإهْلَالُ فَإِنِّي لَم أَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُهِلُّ حَتَّى تنبَعِثَ بِهِ رَاحِلته. (م د س). (رأيتك) يَحتمِلُ البَصَريَّة والعِلمِيَّة. (أربعام) أي: أربعَ خِصال. (من أصحابك)؛ أي: الصَّحابة، ثم يُحتملُ أنَّ كلًّا منهما لم يرَ

стр. 680

منهم من يفعلُه غيرَه (١)، أو المُرادُ الأكثرُ منهم، أو أنَّ المَجموعَ لم يرَ من يفعلُه غيرَه. (اليمانيَين) بتَخفيف الياء على الفَصيح المَشهور، والتَّشديدُ: لغة قليلةٌ، ففِي الفصيحةِ أبدَلوا من إِحدى ياءي النَّسب ألِفًا. فلو قال: (اليَمَانيّ) بالتشديد؛ لزِمَ الجمعُ بين البَدل والمُبدلِ منه، والذين شدَّدوا قالوا: الألِفُ زائدةٌ، وقد تُزادُ في النَّسب كزيادةِ النّون في (صَنعَانِيٍّ)، والزَّاي في (رَازِيّ)، والمُرادُ بِهما: الرُّكنُ الأسودُ الذي فيه الحَجَر الأسودُ، ويقالُ فيه: العِراقِي؛ لأنَّه من جهة العِراق، والرُّكنُ اليَمانِيّ الذي قَبله مِن جِهة اليمَن، فقيلَ لهما: اليَمانيَّان تغليبًا، وهُما الباقيانِ على قواعِد إبراهيمَ ﵊. قال (ع): واتفقُوا على عدَمِ تقبيلِ الرُّكنين الشَّاميين اللذَينِ يُقابلان اليَمانيين، وكانَ فيه خلافٌ في الصَّحابة والتَّابعين، ثمَّ زالَ. (تلبس) بفتحِ المُوحَّدَة. (السبتية) بكسر السِّين وسكونِ المُوحَّدةِ: ما لا شَعر فيه، كما أشارَ إليه ابنُ عمرَ، أي: من السَّبْتِ، وهو: الحَلقُ والإزالَةُ. وقيل: لأنَّها مَنسوبةٌ إلى سوقِ السَّبت. وقيل: انسَبَتَتْ بالدباغ، أي: لانَت، وزَعم قُطربٌ أنَّه بضمِّ السّين، وهو: نبتٌ، وإنَّما اعتُرِضَ على ابنِ عمرَ في ذلك؛ لأنَّه لباسُ

стр. 681

أهل النِّعمَة، وإنَّما كانوا يلبسونَ النِّعال بالشَّعر غيرَ مدبوغةِ، وكانت المدبوغةُ تُعمَل بالطَّائف وغيرِه. (تصبغ) بفَتحِ أوَّله، وفي ثالثِه الفتحُ والكسرُ. قلت: والضَّم أيضًا، والكَسرُ هو ما نُقِل عن اللِّحيانِيِّ، ثم المُراد صَبغُ الثِّياب؛ لأنَّه لم يُنقَل عن النبي ﷺ أنَّه صَبَغَ الشَّعر، وقيلَ: المرادُ صبغُ الشَّعر؛ لِمَا وَردَ: أنَّ النبي ﷺ صفَّرَ لِحيتَه بالوَرْسِ والزَّعفَران، رواه أبو داود. (إذا كنت): يُحتَمل أنَّها ناقصةٌ وتامَّةٌ. (بمكة): ظرفٌ لِـ (استقرَّ) أو (مُستقِرٌّ)، و (إذا) هنا، وفي (إذا رأَوا) تحتَمل الشَّرطيَّة والظَّرفيَّة، أو إحداهُما شرطِيَّةٌ والأُخرى ظَرفيَّةٌ. (أهل): إمَّا حالٌ، وإمَّا جزاءٌ للأولِ أو للثَّاني على قَولِ الكوفيين: أنه يجُوز تقديمُه على الشَّرط، أو تفسيرٌ لجزاءِ الثَّاني على قَول البَصريين. (الهلال)؛ أي: هلالُ ذي الحِجَّةِ، وسمَّي هلالًا؛ لأنَّه يرتفعُ البَصَرُ عند رُؤيته، والإهلالُ: رَفعُ الصَّوت، والمرادُ بِها: رفع الصَّوت بالتلبِية للإحرامِ بالنُّسُكِ. (يوم التروية) هو ثامِنُ ذي الحِجَّة؛ لأنَّهم يتَروَّونَ فيه من الماء ليستعمِلوه في عَرفَاتِ شُربًا وغيرَه. وقيل: لرُؤية إبراهيمَ ﵇ رُؤْيا ذَبحِ ولدِه في ليلتِه.

стр. 682

وقيل: إنَّه تفكَّر في رُؤياه التي رَآها. و (يوم): إمَّا مرفوعٌ فاعلُ (كانَ) التَّامة، أو منصوبٌ خبرُ (كان) النَّاقِصَة، واسمُها الزَّمان الدَّالّ عليه السِّياق، ولا يَخفى رُجحَانُ الرَّاجِحِ من ذلك. واعلم أنَّه كانَ قياسُ ما ذُكر في الأمور المَذكورة من بقيَّة الأربعةِ أن يقولَ: رأيتُك لَم تُهِلَّ حتَّى كان يومُ التَّروية، فيُقال: إنَّه محذوفٌ، والمذكورُ دليلٌ عليه، أو تُجعلُ الشَّرطيَّة قائمةٌ مُقامَ (يتوضأ)؛ أي: في حالِ كونِ الرِّجلِ في النَّعل، وهذا موضعُ استدلالِ البُخاريّ، لكنْ قالَ الإسماعيلِي: فيه نَظَر!. وقال (ن): معناه أنَّه يتوضَّأ ويلبَسُها ورِجلاه رَطبَتان. وقال (ك): إنَّ دِلالته على التَّرجَمة من حيثُ إنَّ الرِّجلَ تُغسَلُ في الوُضوءِ ولا تُمسحُ، لأنَّ الغَسلَ ظاهرُ القُرآن، وهو الأصلُ. (تنبعث) هو كنايةٌ عن ابتِداءِ السَّير في أفعالِ الحجِّ، وانبعاثُها: هو استواؤُها قائمةَ. قال المَاوَرْدِيُّ: أجابَه ابنُ عمرَ من القياس، حيث لم يتَمكَّن منَ الاستِدلال بنفسِ فعلِ النبيِّ ﷺ ، ووجهُ القياسِ: أنَّه إنَّما أحرمَ عند الشُّروعِ في أفعال الحجِّ، والذَّهابِ إليه، فأخَّرَ ابنُ عمرَ الإحرامَ إلى حينِ شروعِه في الحَجِّ، وتوجُّهِه إليه، وهو يومُ التَّروية، وهذا قولُ الشَّافعي، وقال آخرونَ: الأفضَلُ أن يُحرِمَ من أوَّل يومٍ من ذي الحِجَّة.

стр. 683

(راحلته) هي المَركبُ من الإبِلِ ذَكَرًا كانَ أو أُنثَى. * * * ٣١ - بابُ التَّيَمُّنِ فِي الوُضُوءِ وَالغَسْلِ (باب التيمن في الوضوء والغسل): بضمِّ الغين: اسمٌ للفِعل، أو بفَتحِها: المَصدرُ على المَشهور فيهِما، وقال (ن) في "شَرحِ مسلمٍ": بالضَّم: الماءُ، والوَجهان في المَصدر، وقيل: المَصدر بالفَتح، والاغتِسالُ كغُسلِ الجُمُعَةِ بالضَّم، أمَّا بالكَسر: فما يُغسَل به كخِطْمِيٍّ ونحوِه. ١٦٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّة قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُنَّ فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: (ابْدَأْنَ بِمَيامِنها وَمَوَاضعِ الوُضُوءَ مِنْها). الحديث الأول: (ع)، وإسنادُه بَصريّون. (إسماعيل) هو ابنُ عُلَيَّةَ. (خالد) هو الحَذَّاء. (لهن)؛ أي: لأمِّ عطيَّةَ ومَن معَها. (ابنته) هي بنتُ زينبَ كما في "مسلم". وقال (ك): إنَّه في "تَهذيب النووي"، وهو قُصُور.

стр. 684

(ابدأن) بسكون الهمزة، خطابٌ لجَمعِ إناثٍ، من البَداءَة. (بميامنها) جمع مَيمَنَة، وهي: الجِهةُ اليُمنَى. (ومواضع) إنْ جُوِّزَ العَطفُ على الضَّميرِ المَجرورِ؛ فهو دليلُ التَّيامُن في مواضع الوُضوء كما ترجَم، وإلا فيُؤخذُ من عُموم مَيامِنِها. * * * ١٦٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَني أَشْعَثُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعتُ أَبِي، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْحِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تنعُّلِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَطُهُورِه فِي شَأنِهِ كُلِّه. الحديث الثاني (م). (أبي) هو سُلَيمُ بنُ أسودَ المُحارِبِيّ، تابعِيٌّ كوفِيٌّ كشيخِه. (يعجبه) بضمِّ أوَّله؛ أي: لِحُسنِه. (في تنعله)؛ أي: لُبسِه النَّعلَ. (وترجله)؛ أي: تَمشيطِ الشَّعر. (وطهوره) قال (ن): بالضَّم، لأنَّ المُراد تطهُّرُه. (في شأنه) في بعضِها: (وفي)، وهو واضحٌ؛ لأنَّه عَطفُ عامٍّ على خاصٍّ، أمَّا على عدم الواو؛ فإعرابُه مُشكِلٌ لاقتِضَاء أن يكونَ بدَلًا ممَّا قبله، وبدلُ المطابقَة يستوي فيه البدلُ والمُبدلُ منه، والشَّأنُ أعمُّ من الثَّلاثة، وبدلُ البَعض يكونُ بعضًا مما قبلَه، والاشتمالُ أن

стр. 685

لا يكونَ بينهُما كلِّيةٌ وبَعضية بلا مُلابَسة، والغَلطُ لا يقعُ في الفَصيح، إلا أن يُقال: إن اشتِراط نفيِ الكليَّة والبَعضيَّة في بدلِ الاشتِمال؛ إنَّما هو أن لا يكونَ الثاني مُطابِقًا للأوَّل، ولا بعضَه، وهنا الشَّأنُ لا مطابقٌ ولا بَعضٌ، فلا يَمتنعُ أن يكونَ اشتِمالًا. وأمَّا الغَلطُ فقد يُقال: إنه يقعُ في الفَصيح، لكنْ قليلًا، فلا ينافي البلاغَةَ، أو يقال: هو بدل كلٍّ من كل؛ إذ الطُّهور مِفتاح أبوابِ العبادات كلِّها، والتَّرجُّل يتعلَّق بالرأس، والتنعُّل بالرِّجل، فكأنَّه شَمل جميعَ الأعضاء، أو يقالُ: هو قِسمٌ خامسٌ: أن يكون بدلَ كلٍّ من بعضٍ، كما قاله بعضُ النّحاة، نحو قوله: نَضَّر الله أَعظُمًا دَفَنوها ... بِسِجِستَانَ طَلحَةَ الطَّلَحَاتِ أو يُقدَّر لفظةُ: يعجِبُه التَّيمُّن قبلُ في شأنه؛ فتكونُ الجملةُ بدلًا من الجملة، أو أنَّ واوَ العطفِ منه محذوفةٌ، فقد جوَّزوه إذا دلَّت قرينةٌ، أو هو متعلقٌ بِـ (يُعجبُه) لا بالتيمُّن، أي: يعجبُه في كلّ شأنه التيمُّن في هذه الثلاثة، أي: لا يترك التيمُّنَ في الثلاثة في سَفَره وحَضَره وفَراغِه واشتِغاله وغيرِ ذلك. (كله)؛ أي: إلا ما خُصَّ بدليلٍ، مِن نحوِ دخولِ الخلاء، وخروجِ المسجد، ونحو مسحِ الأُذنيَن، إذ ما من عامٍّ إلا خُصَّ، إلا في نحو: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وأنَّ ما استُحبَّ فيه التياسرُ تُرُوكٌ، لا مِنَ الفعلِ المَقصود، أو يقال: السؤَالُ ساقطٌ على تقدير ما سبقَ من الجوابِ السَّابع.

стр. 686

قال (ن): ما كان من التَّكريم والتَّشريف كدخولِ المَسجد والأكلِ يكونُ باليمين تكريمًا لليمين، وغيرُه يستحبُّ فيه التَّياسرُ كالخروجِ من المَسجد والاستِنجاءِ والامتِخاطِ. قال (ك): ولهذا جَاء: "لا يبصُقْ أحدٌ في المَسجد قِبَلَ يَمينه". * * * ٣٢ - بابُ التِمَاسِ الوَضُوء إِذَا حَانَتِ الصَّلَاةُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَضَرَتِ الصُّبْحُ، فَالتُمِسَ المَاء، فَلَم يُوجَد، فَنَزَلَ التَّيَمُّمُ. (باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة): بفتح واوِ الوَضوء، لكنَّه على المشهور: الماءُ، و (حانت)؛ أي: قَرُبَت. (وقالت عائشة) هذا التَّعليق قد وَصَله من حديثِ العِقدِ المُطوَّل في (كتَابِ التَّفسير). (حضرت) أنَّثَ، لأنَّ المُراد صلاةُ الصُّبح، وهي مؤنثة. (فالتمس) مبنيٌّ للمَفعول، وفي بعضِها بالبناءِ للفَاعل. (التيمم)؛ أي: آيةُ التَّيمُّم.

стр. 687

١٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَحَانَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، فَالتَمَسَ النَّاسُ الوَضُوءَ فَلَم يَجِدُوهُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِوَضُوءٍ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي ذَلِكَ الإناَء يَدَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يتَوَضَّؤا مِنْهُ، قَالَ: فَرَأَيْتُ المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحتِ أَصَابِعِهِ حَتَّى تَوَضَّؤا مِنْ عِنْدِ آخِرِهمْ. (م س ت). (رأيت)؛ أي: أبصَرتُ. (وحانت) الجملةُ حاليَّة. (يجدوا) من الوِجدان، أي: الإصابَة، وفي بعضِها: (يجدوه) بالتَّصريحِ بالمَفعول. (فأتي) بالبناءِ للمَفعول. (ذلك)؛ أي: الإناء، دلَّ عليه الوَضوء؛ إذ لا بُدَّ له من إناءٍ. قلت: وفي بعضِها: (ذلك الإناء). (منه)؛ أي: من المَاء الذي فيه يدُه المُبارَكة. (ينبع) مُثلَّث الباء. (من تحت أصابعه)؛ أكثرُ العُلماء أنَّه كان يَخرُج من نفسِ أصابِعه. قال المُزنِيُّ: وهو أبلغُ من نبعِ الماء من الحَجَر لمُوسى؛ لأن

стр. 688

الحِجَارة يُعهدُ أن يتفجَّر منها الماء، وقيل: كثَّرَ الله الماءَ بنفسِه، فصار يفورُ من بين أصابعِه لا من نفسِها، وكلاهُما معجِزَةٌ ظاهرةٌ، والإِصبَع فيه لغاتٌ مشهورة. (حتى توضؤوا)؛ أي: بتدريج، بدليلِ ما بعده، وأنسٌ منهم؛ إذا قُلنا: يدخُلُ المتكلِّم في عُمومِ كلامِه إنشاءً أو خَبَرًا. (من عند آخرهم) (من): للبيانِ فيما أفادته (حتى) من التَّدريج، أي: حتى توضَّأ الذين هم عندَ آخرهم، وهو كنايةٌ عن الجميع، والسِّياقُ يقتضي أن الآخِرَ أيضًا توضَّأ؛ لأن المرادَ العمومُ والمبالغةُ بجَعلِ (عندَ) لمُطلق الظَّرفية، بمعنى (ق) لا لظَرفيَّةٍ خاصَّة، فكأنَّه قالَ: الذين هم في آخِرِهم. وقال (ن): (مِن) بمعنَى (إلى). قال (ك) و (ع): ذلك شاذٌّ، وأيضًا فـ (إلى) لا تدخُل على (عندَ)، وأيضًا مُقتضى حينئذٍ الغاية أن يَخرجَ عنها، وهو: من عندِ آخرِهم، وفيه نَظَر! لأنَّ الشُّذوذَ لا يُنافي فَصاحتَه استِعمالًا، و (إلى) نفسُها لم تدخلْ على (عند) بل (من)، والتَّضمينُ لا يضرُّ، وقرينةُ إرادةِ العموم لا تُنافي دخولَ ما بعدَ الغايةِ. وقال التَّيمِيُّ: معناه: توضَّؤوا كلُّهم، حتى وَصَلت النَّوبةُ إلى الآخِر. وفي الحديث: أنَّ المُواساة تلزمُ من كان في مائِهِ فضلٌ عن حاجتِه عندَ احتياجِ غيره، وأنَّ الوضوءَ لا يجبُ إلا بدخولِ الوقت،

стр. 689

فحينئذٍ يجبُ التماسُ الماءِ لوُضوء المُحدِث، والوُضوءُ قبلَه حَسَنٌ بخلاف التيمُّم، فإنه مُمتَنعٌ قبلَ الوقتِ عندَ أهل الحجازِ، خلافًا لأهل العِراق، لأنَّه ﷺ لم يُنكر عليهم تأخيرَ طلبِ الماء إلى حينِ وقتِ الصَّلاة؛ فدلَّ على جوازِه. * * * ٣٣ - بابُ المَاء الّذِي يُغْسَلُ بِهِ شَعرُ الإِنسَانِ وَكَانَ عَطَاءٌ لَا يَرَى بِهِ بَأسًا أَنْ يُتَّخَذَ مِنْها الخُيُوطُ وَالحِبَالُ، وَسُؤْرِ الكِلَابِ وَمَمَرِّها فِي المَسْجدِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا وَلَغَ فِي إِناَءٍ لَيْسَ لَهُ وَضُوءٌ غَيْرُه يتَوَضَّأُ بِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: هذَا الفِقْهُ بِعَينيهِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣]، وَهذَا مَاءٌ، وَفِي النَّفْس مِنْهُ شَيْءٌ، يتَوَضَّأُ بِهِ وَيتَيَمَّمُ. (باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان) (عطاء) الظَّاهر أنَّه ابنُ أبي رَباحٍ. (أن يتخذ) بدلٌ من الضَّمير المَجرور في (به)، وفي بعضِها إسقاطُ (به)، وهو ظَاهر. (الخيوط والحبال) يفترِقان بالرِّقَّةِ والغِلَظ.

стр. 690

(وسؤر) بالجرِّ عطفًا على (الماء)؛ أي: وبابُ سؤْرِ الكِلاب، وهو بسكون الهمزة: ما بقي من الماءِ المَشروبِ فيه، وفي بعضِها: (وأكلِها)، أي: أكلِ الكلاب، وهو من المَصدر المُضاف للفاعل. (ولغ)؛ أي: الكلبُ، يدلُّ عليه السِّياق، وفي بعضِها: التصريحُ به. (وضوء) -بالفتح- (غيره)؛ أي: غير ما وَلغَ فيه، وهو بالرَّفع أو النَّصب، وربَّما تكونُ ساقطةً من بعض النسخ، والجملةُ المنفيَّةُ حالٌ، (يتوضأ) هو جوابُ (إذا)، (به) في بعضِها: (بِها)؛ أي: بالمَطهرة، أي: بالماء الذي فيها. (سفيان)؛ أي: الثَّوري، كذا رواه ابنُ عبدِ البَر في "التمهيد" بسنده إليه. (هذا)؛ أي: الحكمُ بأنه يتوضَّأ (الفقه)؛ أي: المُستفادُ من القرآن. (فلم تجدوا) في نسخة: (فإن لم تجِدوا)، وهو خلاف التِّلاوة. (وفي النفس) هو من تتمة كلامِ سُفيان. (يتوضأ به ويتيمم)؛ أي: للاحتياط الجَمعُ، لأنَّ الماءَ المشكوكَ كالعَدَم، ولا يخفى أن الواو بمعنى (ثمَّ)؛ لأنَّ التيمم بعدَه قطعًا، وإنما قال: (في النَّفس شيء)، مع أنه في القرآن؛ لعدمِ ظُهور الدِّلالة، أو لوجودِ مُعارِضٍ من القرآن أو غيره. * * *

стр. 691

١٧٠ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: قُلْتُ لِعَبِيدَةَ: عِنْدَناَ مِنْ شَعَرِ النَّبِيِّ ﷺ أَصَبْنَاهُ مِنْ قِبَلِ أَنسٍ، أَوْ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ أَنسٍ فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ عِنْدِي شَعَرَةٌ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها. الحديث الأول، (خ): (عاصم) هو ابنُ سليمان. (لعبيدة) -بفتح العين المهملة-، هو السَّلْمَانِيُّ. (عندنا من شعر)؛ أي: شيءٌ من شَعَر، أو شيءٌ أصبناه، فالمبتدأُ مُقدّر حلَّت صفتُه مَحلَّه، و (عندنا) الخبَر، ويحتمل أنَّ (من) قامت مَقامَ (بعض)، فهي المبتدأ، وقرَّر في "الكشَّاف" مثلَه في مواضع. (قبل) -بكسر القاف وفَتح الموحَّدة- أي: جِهةَ. (أو) الشَّكُّ من ابن سيرين ظاهرًا. (أحب) خبرُ لِـ (أن أكونَ)، من الكَون، وهو يحتملُ من النَّاقصة أو التَّامة. ووجهُ دلالته على ما في التَّرجمة أنَّه لو لم يكنِ الشَّعر طاهِرًا لَمَا حفِظَه أنس، ولَمَا كانَ عند عَبِيْدَةَ أحبَّ من الدُّنيا وما فيها، وإذا كان طاهِرًا، فالمَاءُ الذي يُغسَلُ به طاهر، قيل: إنَّه من البخاري ردٌّ على مَن

стр. 692

زَعَم أنَّ شعرَ الإنسان المتَّصلَ به نجِس، ويُنَجِّسُ ما وَقَع فيه من الماء. * * * ١٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيم قَالَ: أَخْبَرَناَ سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبَّادٌ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ كَانَ أبَو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرهِ. الحديث الثاني، (خ): (أول من أخذ من شعره) هو محلُّ دليل التَّرجمة؛ لأنه لو لم يكن طاهِرًا، أو لا يُنجِّس الماءَ لَمَا أخذَه أبو طلحةَ، وأقرَّه النبي ﷺ ؛ لأنَّ الأصلَ عمومُ الأحكام، حتى تثبتَ الخُصُوصية بدليلٍ. * * * ٣٣ / -م - بابٌ إذا شَرِب الكلبُ في إناء أحَدكم، فَلْيَغْسِلْه سبعًا (باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا)، كذا في روايةِ ابنِ عساكر خلافًا للأكثر. ١٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنِ الأعرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا شَرِبَ الكَلْبُ فِي إِناَءِ أَحَدِكُم فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا).

стр. 693

الحديث الأول، (ق م د س): (في إناء) عُدِّيَ (شَرِب) بِـ (في) لتضمينه معنى: (وَلَغَ)، فيقالُ: وَلَغَ بشرابنا، وفي شرابِنا. وفي الحديث دِلالةٌ لقَول الشَّافعي بنجاسَةِ الكلب؛ لأنَّ الطَّهارة إمَّا عن حَدَث؛ وهو مُنتَفٍ، أو عن نَجَس؛ وهو المُدَّعى. وإذا كان لسانُه الذي يتناولُ به المَاء نجسًا، فكلُّ أجزائِه كذلك، ففيه دليلٌ أنَّ الماء ينجُسُ، فيجب تطهيرُ الإناءِ منه، وأنَّه لا يجوز بَيعُ الكلب لنَجاستِه، ولا يقال: المُراد في الحديث الطَّهارة اللُّغوية، لأنَّ الحملَ على الحقيقة الشَّرعية مُقدَّمٌ. وفيه: أنَّه لا فرقَ في الكلب بين المَأذونِ في اقتنائه وغيره، ولا بين البَدويّ والحَضَريّ؛ لعمومِ اللَّفظ، وهما قولان للمالكيَّة، وثالثُها: طاهرٌ مطلقًا، ورابعُها: نَجِسٌ مطلقًا. وقالَ أبو حنيفَةَ: يكفي غَسلُه ثلاثًا، ولا فرقَ عندنا بين وُلوغِه وغيرِه من بوله وروثه ودَمِه وعَرَقِه. وخَصَّ مالكٌ الغَسل بالوُلوغ، لأنه طاهرٌ عندَه، والغَسل من الوُلوغ عنده تعبُّد. فلو وَلَغَ كلبٌ مرَّاب أو كلابٌ، فأصحُّ الأوجه: يكفي سبعًا، وثانيها: لكلٍّ سبعٌ، وثالثُها: لِوَلَغَاتِ الواحد سبعٌ، ولكلِّ واحدٍ من الكلاب سبعٌ، وكلَّما تزولُ عينُ النجاسة من العدَدِ يكونُ واحدًا

стр. 694

ويكمِّلُ عليها ستًّا أخرى؛ هذا إذا كانَ الإناءُ صَغيرًا، أمَّا إذا كانَ يسَعُ قُلَّتين ولا تغيُّرَ فلا ينجُسُ بالوُلوغِ. والحديثُ محمولٌ على المعهود في أَوانيهم لا على هذا، وهذا الحديثُ وإن لم يتعرَّضْ فيه للتَّتْريب؛ ففي رواية أُخرى، فيُعملُ بِها؛ لأنَّها زيادة ثقة. قال (ك): أو مِن حَمل المُطلَق على المُقيَّد. قلت: هذا ممنوعٌ، لأنهُ خبرٌ آخر، لا وَصفٌ، كما لا يُجزِئٌ في كفَّارةِ القتل إطعامٌ حَملًا للمُطلَقِ على المُقيَّد. * * * ١٧٣ - حَدَّثَنا إسْحَاقُ، أخبرناَ عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا عبدُ الرَّحمنِ ابنُ عَبْدِ اللهِ بنِ دِينَارٍ، سَمِعتُ أَبي، عَنْ أَبي صَالح، عَنْ أبي هُريرةَ، عَن النَّبيِّ ﷺ : (أَنَّ رَجُلًا رَأَى كلْبًا يَأكُلُ الثَّرى مِنَ العَطَشِ، فَاَخَذَ الرَّجُلُ خُفَّهُ فَجَعَلَهُ يَغْرِفُ لَهُ بِهِ حَتَّى أَروَاهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَأدخَلَهُ الجَنَّةَ). الحديث الثاني (ح): (إسحاق) هو ابنُ منصور الكَوْسَجُ. وهو من رِواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ. (الثرى): بوزن (عَصَا)، وبمُثلَّثة: التُّراب النَّديُّ، والجُملَةُ حالٌ لا مفعولٌ لِـ (رأى)، لأنَّها بَصرِيّة.

стр. 695

(أرواه)؛ أي: جعلَه ريَّانًا. (فشكر) هو هنا بمعنى: أثنَى أو جازى، وأصلُ الشّكر: مجازاةُ المُحسن لِمَا أولى من المَعروف بثناء اللِّسان، أو فعلِ الجَارحةِ أو القَلب، يقال: شكَرتُه وشكَرتُ له. (وأدخله الجنة) من عَطفِ الخاصِّ على العامِّ، أو الفاءُ تفسيريَّة، نحو: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤]، على تفسِير التَّوبة بقَتْلِ نفسِه، وقيلَ: المُرادُ قبلَ عَمَلِه، وعمَّم التَّيمِيّ حديثَ: "في كلِّ كبدٍ حَرَّى أجرٌ" ما أُمِرَ بقَتلِه وغَيرَه، وكذا الحُكم في أَسارى الكفَّار. لكن قال (ن): في "شرح مسلم": إنَّ المُحترمَ يحصُل الثَّوابُ بالإحسانِ إليه لا غير المُحترم؛ كالحَربِيِّ، والكلبِ العَقور، فيمتثِلُ أمرَ الشَّارع. قال التَّيمِيّ: قال بعضُ المالكيَّة: أرادَ البخاريُّ بإيراد هذا الحديثِ في هذه التَّرجمة أنَّه سقاه في خُفِّهِ، واستَباح لُبسَه في الصَّلاة دونَ غَسلٍ؛ إذ لم يُذكَر في الحَديث غَسلٌ. وقال (ك): يُحتمَل أنَّ ذلك قبلَ البِعثة، أو بعدَها قبلَ ثُبوتِ حكمِ سُؤرِ الكلاب، أو أنَّه لم يلبَسه بعدَ ذلك، أو أنَّه غَسَله. * * * ١٧٤ - وَقَالَ أَحمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونسُ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حَمزَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَتِ

стр. 696

الكِلَابُ تبولُ وَتُقْبِلُ وَتُدبِرُ فِي المَسْجدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلم يَرُشُونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. الحديث الثالث (د): وقد وصَلَه أبو نُعيم، والبيهقي وغيرُهما. (كانت الكلاب) يُشعِر بالاستمرار. (في المسجد)؛ أي: مسجدِ النبيِّ ﷺ . (في زمان) عامٌّ بإضافتِه إلى رسول الله ﷺ (فلم يكونوا يرشون) فيه من المُبالَغة ما ليس في (فلم يرشّوا) كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، ولم يقل: (وما يعذبُهم)، ونفيُ الرَّشّ أبلغُ من نفيِ الغَسل الذي فيه السَيَلان، لأنه دونَه. (شيئًا) نكرةٌ منفيَّةٌ تعمُّ، فهو أيضًا من المُبالغة في طَهارةِ سُؤرِه، إذ في مثل هذه الصُّورة أنَّ الغالبَ أنَّ لعابَه يَصِلُ إلى بعضِ أجزاءِ المَسجد، فإذا أقرَّه ﷺ عُلِمَ أنه طاهرٌ. قال (ك): يحتملُ أنَّ ذلك لأنَّ طهارةَ المَسجد مُتيقَّنة، فلا تُرفعُ بالشَّك، وأيضًا: فلا يُعارض هذا مَنطوقَ قوله ﷺ : (فلْيَغسِلْهُ سَبعًا). وأيضًا فالغالبُ أيضًا أنَّه يبولُ، ويُقبِلُ ويُدبِرُ، ولا قائلَ بطهارة بَوله، فهو متروكُ الظَّاهر، إمَّا لأنه كان في أوَّل الإسلام قبلَ ثُبوت الحُكم بالنَّجاسة، وإمَّا لأنَّهم كانوا يُقَلبونَ وجة الأرضِ النَّجِسِ إلى الوجهِ الآخَر، أو هو منسوخ، أو نحو ذلك، فالظَّاهرُ أنَّ الغرضَ من

стр. 697

إيرادِ البخاري هذا الحديث بيانُ جوازِ مَرِّ الكِلاب في المَسجد فقط، وأنَّ النَّجاسةَ إذا كانت يابسةً لا تُنَجِّسُ المكانَ، وأيضًا فقد أوردَه البخاري بلفظ: (قال)، وهو أَنزَلُ من (حدَّثنِي). * * * ١٧٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: (إِذَا أَرسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ فَقَتَلَ فَكُلْ، وَإِذَا أَكَلَ فَلا تأكلْ، فَإِنَّمَا أَمسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ)، قُلْتُ: أُرْسِلُ كَلْبِي فَأجِدُ مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ، قَالَ: (فَلا تأكلْ، فَإِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ، وَلَم تُسَمِّ عَلَى كَلْبٍ آخَرَ). الحديث الرابع (ع): (ابن أبي السفر) هو عبدُ الله. (سألت)؛ أي: عن حُكمِ الصيد، يدلُّ عليه الجَواب. (المُعَلم) هو الذي ينْزَجِرُ بالزَّجر، ويسترسِلُ بالإرسال، ولا يَأكلُ منه، ولا بدَّ أن يكونَ هذا التَّادُّب مِرارًا. قلت: كذا عبَّر في "الحاوي" فتبعَه (ك)، لكنَّ الأصحَّ: ما يغلبُ على الظَّن تأدُّب الجَارحة، ويُرجَع في ذلك لأهل الخِبرة، وقيل: لا بدَّ من ثلاث، وهذا الحديثُ بإطلاقِه دليلٌ على أحمدَ؛ حيث منعَ صيد الكَلب الأسود؛ لأنَّه شَيطان.

стр. 698

(فقتل) أخرجَ ما فيه حياةٌ مستقرّةٌ، فلا بدَّ من ذَكاتِه إجماعًا، ويفهِمُ تقييدُه بأن لا يكونَ أكلَ من مقابلته بأنَّه أكل، وهو مفهومٌ أيضًا من قوله تعالى: ﴿مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُم﴾ [المائدة: ٤]، لأنَّ الذي يأكلُ إنَّما أمسَك على نفسِه كما صرَّح به في الحديث. (سميت)؛ أي: ذكرتَ اسم الله على كلبِك عند إرساله، وإنَّما حذَفَ حرفَ العطفِ من السُّؤال والجَواب؛ لأنَّه وَرد على طريقِ المُقاولة، كما في آية مُقاولة موسى وهارون، وفيه ارتباطُ الحديثِ بالتَّرجمة. والخلافُ في التَّسميَة مشهورٌ؛ فقال الشَّافعي: سنَّةٌ، حتى لو تَركها سَهوًا حَلَّ. وقال أهلُ الظَّاهر: واجبَةٌ، حتى لو تَرَكها سَهوًا أو عَمدًا لا يحِلُّ. وقال أبو حنيفة: يحِلُّ إن تركها سَهوًا لا عَمدًا. واحتجَّ المُوجِبُ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]، فأجابَ أصحابُنا بانَّ المراد: ما ذُبحَ للأَصنام كما في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّه﴾ [البقرة: ١٧٣]، وأنه قالَ: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، والإجماعُ أنَّ من أكلَ متروكَ التَّسميةِ ليسَ بفاسِقٍ، فوَجَب حَملُها عليها جَمعا بين الأدلَّة. وقيل: الواوُ في: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، غيرُ عاطفَةٍ؛ لأنَّ الجملةَ الأولى اسميَّةٌ خبَريّةٌ، والثانيةَ فعليَّةٌ إنشائيةٌ، فتكونُ حالًا مقيِّدةً للنَّهي بأن يكونَ فِسقًا، وهو ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]، فيكونُ دليلًا لنا

стр. 699

لا علينا، وهذا نوعٌ من القَلب. واحتجُّوا أيضًا بنحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية، فاستَثنَى التَّذكيَةَ من غير اشتراطِ تسميةٍ، لأنَّها لغة كذلك، والتَّسمية فيها إنَّما هُو أمرٌ شرعيٌّ، وبقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهم لا يُسمُّون، ولحديثِ عائشةَ: إنَّ قَومًا حديثوا عهدٍ بجاهليَّة يأتوننَا بلَحمٍ، لا نَدري أذَكَروا اسمَ الله عليه أم لا، أفنأكلُ منه؟ فقالَ: "سَمُّوا وكُلوا". ٣٤ - بابُ مَنْ لَم يَرَ الوضُوء إلا مِنَ المَخْرَجَيْنِ مِنَ القُبلِ وَالدبرِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣]. وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِه نَحوُ القَمْلَةِ: يُعِيدُ الوُضُوءَ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَم يُعِدِ الوُضُوءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِه أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوء عَلَيْهِ. وَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ

стр. 700

رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ فَرَكَعَ وَسَجَدَ، وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالَ المُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهم. وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ. وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْها الدَّمُ، وَلَم يتَوَضَّأْ. وَبَزَقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ فِيمَنْ يَحتَجمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا غَسْلُ مَحَاجِمِهِ. (باب من لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين): بفتح المِيم، والقَصرُ فيه من قَصرِ الإفرادِ، وهو مُفرَّغٌ، كأنَّه يقولُ: من مَخرَجٍ إلا منَ الفَرجَين، لا منَ البَدَن غيرِهِما، لا بفَصدٍ ولا حِجامة ونحوِهِما، لا مِنَ الحَصرِ المُطلق، لأنَّ للوُضوء نواقضَ أُخرى غيرَ الخارجِ من السَّبيلَين. (الغائط)، أي: مُطمئِنِّ الأرضِ، مَا خَرجَ من قُبُله أو دبره فيه، لأنَّه كنايةٌ عن قَضاء الحَاجَة. (وقال عطاء) وفي الباب السَّابق: (وكانَ عطاء)، وذلك من التَّفنّنِ في العبارة، أو ذلك نقْلٌ عن اجتِهاده، وهذا نقلٌ عن فَتواه. (القملة) بفتح القاف وسكون الميم، واحِدُ القَملِ. وقال مالكٌ: الخارجُ نادِرًا لِمَرَضٍ لا ينقُضُ كالاستِحاضَة، وسَلسِ

стр. 701

البَول، والمَذي، والحَجَر، والدَّم، والدُّودَة من الدُّبر، والقَملَة من الذَّكَر؛ إلا أن يَخرجَ مع ذلك شيءٌ من حدَثٍ، قاله (ط). (ضحك)، قال (ك): شَرَط فيه الشَّافعي أن تُيَسَّرَ القِراءةُ بدونه، ولم يَغلِبه. قلت: وهذا عجيبٌ، فإنَّ ذلك في التَّنحنُحِ، وأما الضَّحِكُ؛ فالمَدارُ فيه وفي غيره على ظُهور حَرفين، ومُراد البخاري أنَّ مُطلقَ الضَّحِك لا ينقُض الوُضوء كما قاله جَابرٌ، خلافًا لقولِ أبي حنيفةَ: إذا كانَ بقَهقَهةٍ، أي: صَوتٍ يسمعُه جيرانُه؛ نَقَضَ، وإلا فلا، سواءٌ أكانَ بصَوتٍ لا يُسمعُ أو بتبسُّمٍ، وهو: ظُهورُ الأسنانِ فقَط. (من شعره وأظفاره)؛ أي: خلافًا لقول مُجَاهد وحمَّاد: أنه يوجِبُ الوُضُوء. (أو خلع نعليه)؛ أي: بعد المَسح عليهما، فإنَّما يوجِبُ غَسلَ الرِّجلين فَقَط، خلافًا لقَول أحمدَ: يُعيدُ الوُضوء. قلت: وهو قولٌ للشَّافعي ضعيفٌ، وقال الحسنُ: يُصلي كما هو؛ ولا شيءَ عليه، وهو عندَنا وجهٌ قوَّاه في "شرحِ المُهذَّب". (وقال أبو هريرة)، ليس قصرُه على أبي هريرة بمقصودٍ؛ لأنَّه قولُ كلِّ الأمَّة؛ لأنَّه فَسَّرَ الحديثَ بما يَخرُج من السَّبيلين، كما سَبق في الأحاديث. (حدث) هو أمرٌ مُقدَّرٌ على الأعضاءِ يَمنعُ من الصَّلاة ونحوِها؛ كذا قال (ك)، وهو مفرَّعٌ على أنَّه لا يعُمُّ البَدَنَ، والأصَحُّ خلافُه.

стр. 702

(ويذكر): هو تعليقٌ بصيغَةِ تَمريض، ولكنه بعضُ حديثٍ طويل رواه أبو يعلى في "مسنده"، وابنُ خُزيمة في "صحيحه"، وأبو داودَ وغيرُهم. (الرقاع) بكسرِ الرَّاء، قيل شجَرَةٌ سُمِّيت بِها الغَزوَة، وقيلَ: رِقاعٌ كانت في ألوِيَتِهم، وقيلَ -وهو الصحيح-: نَقِبَت أقدامُهم؛ فلَفُّوا عليها الخِرَق. (رجل) هو عبَّادُ بنُ بِشرٍ، رواه الوَاقِدِيُّ. (فنزف) بفتحِ الفَاء والزَّاي، أي: خرجَ منه دمٌ كثيرٌ، والمُخالفُ فيه أبو حنيفة، فقال: الدَّم ينقُضُ الوُضوء إذا سالَ، فيَستدِلُّ عليه بِهذا الحديث، لكنَّ مُضِيَّه في صلاتِه مع تنَجُّسِ بدَنِه، وربَّما أصابَ ثوبَه؛ مُشكلٌ، لأنَّ الطَّهارة من الخَبَث شَرطٌ، وأُجيبَ: إمَّا بأنَّ قليلَ دمِ الجُرح عفوٌ، أو أزالهُ في الحَال. قال (خ): أو يقال: كان يجرِي من الجُرح على سبيلِ الدَّفْقِ، فلا يُصيبُ ظَاهِرَ البَدَن. (جراحاتهم) بكسرِ الجِيم. (ومحمد بن علي) الظاهرُ أنه ابنُ الحسَين بنِ عليّ بنِ أبي طالبٍ، الملقَّبُ بالبَاقِرِ، ويُحتملُ أن يُرادَ: ٧ محمدُ بنُ علي، المشهورُ بابنِ الحنَفِية، كذا قال (ك)؛ وهو الأوَّلُ قَطعًا. (أهل الحجاز)؛ أي: مالكٌ، والشَّافعيُّ ونحوُهما، ونقلَه أبو الزِّناد عن كلِّ مَن أدرَكَه منَ الفُقَهاءِ. (وبزق) يُقال: بَصَقَ بالصَّاد أيضًا.

стр. 703

(إلا غسل محاجمه) هذا الصَّحيحُ، ويقَعُ في بعضِ النُّسخ إسقاطُ (إلا)، والمَحاجِمُ: جَمع (مِحجَم)، وهو هنا مكانُ الحِجامَة لا قارورَتُها، وأوجبَ الحنفيَّةُ الوُضوء من الحِجَامة، وقالَ اللَّيثُ: يُجزِئُه أن يَمسَحَه ويصلِّيَ، ولا يَغسِلُه. * * * ١٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبي ﷺ : (لَا يَزَالُ العَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي المَسْجدِ يَنتظِرُ الصَّلَاةَ، مَا لَم يُحدِثْ)، فَقَالَ رَجُلٌ أَعجَمِي: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ؛ يَعْنِي: الضَّرْطَةَ. الحديث الأول: وإسنادُه مدنيُّون إلا آدمَ، وقد وصَلَها. (وابن أبي ذئب) محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمن. (في صلاة): خبَرُ (١) (يزال)، وتنكيرُ (صلاة) للتَّنويع، أي: تلكَ الصَّلاةُ التي ينتَظِرها، فإذا انتظر الظُّهر كان فيها، وهلُمَّ جَرًّا، والمُراد أنه في ثوابِها لا حقيقةً، حتى يتكلَّم، ولا يقعُ عليه طلاقٌ علَّقه بصلاتِه، ونحو ذلك، والقرينةُ الانتظارُ.

стр. 704

(ما كان): (ما) مصدريَّةٌ ظرفيَّةٌ، وفي بعضِها: (ما دامَ). (ينتظر) خبَرُ (كان) أو حالٌ، و (في المسجدِ) الخبَرُ. (أعجمي) هو مَن لا يُفصِحُ ولا يُبِينُ كلامَه، ولو كانَ من العَرَب، فلا يُنافي ما سبَق أنَّه من حَضْرَمَوتَ، أما العَجَمِيُّ: فنسبةً للعَجَمِ، وهو خلافُ العَرَب، وسبقَ أنَّ هذا إدراج من الرَّاوي، وهو سعيدٌ، وأنَّ تفسير الحديثِ بذلك لكونه الغالبَ على مَن في صلاةٍ، أو ينتَظِرُ الصَّلاة، وإلا فأسبابُ الحَدَث كثيرةٌ، أو أن المُجمَعَ عليه ذلك، والباقي مَظِنَّةٌ، أو مُختَلَفٌ فيه، أو لأنَّ السؤالَ إنَّما هو عن حَدَثٍ خاصٍّ، وهو ما يقعُ مثلُه في المساجدِ، لا مُطلَقُ الحَدَث. * * * ١٧٧ - حَدَّثَنَا أَبو الْوَليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجدَ رِيحًا). الحديث الثاني: سبق شرحه في (باب لا يتوضأُ من الشَّكّ). * * * ١٧٨ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاستحيَيتُ أَنْ أَسأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَمرتُ الْمِقْدَادَ

стр. 705

ابْنَ الأَسْوَدِ فَسَألهُ فَقَالَ: (فِيهِ الوُضُوءُ). وَرَوَاهُ شُعبةُ، عَنِ الأَعمَشِ. الثالث: سبق شرحُه أيضًا في آخِرِ (كتاب العِلم). قال (ط) (١): حديثُ المِقدادِ مُجمَعٌ عليه أنَّ فيه الوُضوءَ؛ إلا أنَّ ما سَلِسَ منه عند مالكٍ مَرَضٌ لا وُضوءَ فيه. (رواه شعبة عن الأعمش) الظَّاهرُ أنه يريدُ الأعمشَ عن منذرٍ عن ابنِ الحنفية، وإنْ احتُمِل أنْ يُروى عن غيرِ المُنذِرِ، وهذا التَّعليقُ من البُخاريِّ الذي ذكرَه متابعةً وصَلَه مسلمٌ. * * * ١٧٩ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنْ زيدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ: أنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يتَوَضَّأُ كَمَا يتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ، قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعبٍ ﵃، فَأمَرُوهُ بِذَلِكَ. الحديث الرابع: (قلت: أرأيت) إنَّما لم يقُلْ: (قال)؛ حتى يكون على أُسلوب
следующие страницы →