٤٧ - بابُ الْخُطْبَة
(باب الخُطْبة)
بضم الخاء.
٥١٤٦ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا".
(قبيصة) في بعضها: (قُتَيبة)، ولا يَقدَح؛ لأنَّ كُلًّا على شَرْط البخاري، والأول عن سُفيان الثَّوري، والثاني عن ابن عُيَيْنة.
(رجلان) هما الزِّبْرِقان -بكسر الزاي، وسُكون الموحَّدة، وكسر الراء، وبالقاف- ابن بَدْر -بالموحَّدة، والمهملة، والراء- التَّمِيْمي، وعَمْرو بن الأَهْتَم -بفتْح الهمزة، وبالمثنَّاة، وسُكون الهاء بينهما- التَّمِيْمي، وفَدا على رسول الله ﷺ في وُجوه قَومهما وسَاداتِهم، وأَسلَما.
قال الغَسَّاني: ففَخَر الزِّبْرِقَان، فقال: يا رسولَ الله ﷺ أنَا سيِّد بني تميم، والمُطاعُ فيهم، والمُجابُ منهم، آخُذ بحُقوقهم، وأمنَعُهم من الظُّلم، وهذا -يعني: ابن الأَهْتَم- يعلَم ذلك، فقال عَمْرو: إنَّه لشَديد المُعارضَة، مانعٌ لجانبِه، مُطاعٌ في أَدانِيْهِ، فقال الزِّبْرِقَان: واللهِ
стр. 6478
لقَد كذَبَ يا رسولَ الله، وما منَعَه أن يتكلَّم إلا الحسَدُ، قال عَمْرو: أنَا أَحسُدكَ!، فواللهِ إنَّك للَئيمُ الخالِ، حديثُ المَالِ، أَحمَق الولَدِ، مُبغَضٌ في العَشيرة، واللهِ ما كذَبتُ في الأُولى، ولقد صَدقتُ في الثَّانية، فقال رسول الله ﷺ : (إنَّ مِن البَيَانِ لسِحْرًا).
قال (خ): البَيان بَيانان: بيانٌ يقَع به الإبانة عن المُراد بأيِّ وجهٍ كان، وبيانٌ بلاغةٌ وحِذْقٌ، وهو ما دخلَتْه الصَّنْعة بحيث يَروق السَّامعين، ويَستَميل به قُلوبهم، وهو الذي يُشبَّه بالسِّحر إذا جَلَب القُلوب، وغلَبَ على النُّفوس حتى ربَّما حوَّل الشَّيء عن ظاهرِ صُورتهِ، وصَرَفَه عن قَصْد جِهته، فأُبرز للناظِر في مَعرِض غيرِه، وهذا يُمدَح إذا صُرف للحَقِّ، ويُذمُّ إذا قُصد به الباطِل حتى يُوهمك القَبيحَ حسَنًا، والمُنكَر معروفًا، فعلى هذا يكون المَذمومُ منه هو المُشبَّه بالمذموم الذي هو السِّحر، وقال بعضُهم: أَصْل السِّحْر صَرْف الشَّيء عن حقيقته.
قال مُحيي السُّنَّة: منهم مَن حمَلَ هذا الكلامَ على المَدْح، والحثِّ على تحسين الكلام، وتحبِير الألْفَاظ، ومنهم مَن حملَه على الذَّمِّ في التَّصنُّع في الكلام، والتكلُّف بتحسينه، وصَرْف الشيء عن ظاهرِه كالسِّحر الذي هو تَخييل ما لا حقيقةَ له.
(المشرق)؛ أي: مِن طرَف نَجْد.
* * *
стр. 6479
٤٨ - بابُ ضرْبِ الدُّف في النِّكَاحِ وَالْوَلِيمَةِ
(باب ضَرْب الدُّفِّ في النِّكاح والوَليْمة)
هو بفتح الدال وضمها.
٥١٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ ذَكْوَانَ، قَالَ: قَالَتِ الرُّبيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَس عَلَى فِرَاشِي كمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُويرِيَات لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ:
وَفِينَا نبِيٌّ يَعْلَمُ مَا في غَدٍ
فَقَالَ: "دَعِي هَذِهِ، وَقُولي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولينَ".
(بُني) بالبِناء للمَفعول، أي: حين صِرتُ عَروسًا.
(كمجلسك) بفتح اللام، أي: جُلوسك، وفي بعضها بكسر اللام، وهذا إما لأنَّه جلَس من وَراء الحِجاب، أو كان قبْل نُزول آيةِ الحِجَاب، أو كان النَّظَر لحاجةٍ، أو عند الأَمْن من الفِتْنة.
(ويندبن) بضم الدال: مِن النَّدْب، وهو تَعديدُ مَحاسِن الميِّت، والبُكاء عليه.
وقُتل مُعوِّذ وأَخُوه عَوْف يومَ بدْرٍ شَهيدَين.
(باب الشُّروط في النِّكاح)
قال (خ): من الشُّروط ما يجبُ الوَفاءُ به كحُسن العِشْرة، وما لا يَلزمُ كسُؤال طلاقِ أُختِها، ومختلَفٌ فيها كشَرْط أن لا يتزوَّجَ عليها، وقال عُمر بن الخطاب ﵁: المُسلِمون عند شُروطِهم إلا شَرْطًا أَحلَّ حَرامًا، أو حرَّمَ حَلالًا.
(وقال المِسْور) موصولٌ في (الخُمُس)، وغيره.
(صهرًا)؛ أي: خَتَنًا، وهو أبو العاص بن الرَّبيع زَوج زينَب، أُسِر يوم بدْرٍ، فمنَّ ﷺ عليهِ بلا فِداءٍ، وكان قد أَبى أنْ يُطلِّقها إذْ مشَى المُشركون إليه في ذلك، وردَّها إلى رسول الله ﷺ حين طلَبَها منه، وأسلَم قبْل الفتْح.
* * *
٥١٥١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَحَقُّ مَا أَوْفَيْتُمْ مِنَ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ".
(ما استحللتم به)؛ أي: أحقُّ الشُّروط بالوَفاء شُروط النِّكاح؛ لأنَّ أَمْره أَحوَط، وبابه أَضْيق.
* * *
стр. 6484
٥٣ - بابُ الشروط التِي لَا تَحِلُّ في النكاحِ
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَا تَشْتَرِطِ الْمَرْأة طَلَاقَ أُخْتِهَا
(باب الشُّروط التي لا تَحِلُّ)
٥١٥٢ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ زكرِيَّاءَ هُوَ ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تَسْأَلُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا، فَإِنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا".
قوله: (أُختها)؛ أي: ضَرَّتها؛ لأنها أُختُها في الدِّين.
ومعناه: أنْ تَسأَلَ طَلاقَ زوجته ليَنكِحَها، ويَصير لها مِن نفَقَته ما كان للمُطلَّقة، فعبَّر عن ذلك باستِفْراغ الصَّحْفة مجازًا.
وسبَق في (كتاب الشروط).
* * *
٥٤ - بابُ الصُّفْرة لِلْمُتَزَوِّجِ
ورَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٥٧ - باب الدعَاء لِلنِّسَاء اللأتِي يَهْدِين الْعَرُوسَ، وَلِلْعَرُوسِ
(باب الدُّعاء للنِّساء اللَّاتِي يَهديْنَ العَرُوسَ للعَرُوس)
مِن الهَدْي، وفي بعضها مِن الإهداء، وهو تَجهيز العَرُوس، وتَسليمَها إلى الزَّوج.
٥١٥٦ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: تَزَوَّجَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَأَتتنِي أُمِّي فَأَدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ في الْبَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ.
(طائر) كنايةٌ عن الفَأل، وطائِر الإنسان عمَلُه الذي قُلِّده، وليس من قَبِيل الطِّيَرة المنهيِّ عنها.
لا يُقال: هذا عكسُ التَّرجمة؛ لأنَّ النِّسوة هنَّ الدَّاعياتُ لا المَدعُوُّ لهنَّ؛ لأنَّ الأُمَّ هي الهادِيَةُ للعَروس المُجهِّزة لَها، فهُنَّ دَعَونَ لها, ولمَنْ معَها, وللعَروس المُجهَّزة حيث قُلْنَ: على الخَير، والبَركَة، أي: جِئْتُنَّ عليه، أو قدمتُنَّ عليه، ونحوه.
ولا يُقال: إنَّ اللام في النِّسوة للاختِصاص، يعني: الدُّعاء المُختصُّ بالنِّسوة الهادِيَات للعَرُوس؛ لمَا يَلزم فيه من المُخالَفة بين اللَّامَين: اللام التي في العَرُوس؛ لأنَّها بمعنى: المَدعوِّ لها، والتي في
стр. 6488
النِّسوة؛ لأنَّها بمعنى: الدَّاعية، وفي جواز مثله خِلافٌ.
* * *
٥٨ - بابُ مَنْ أحَب الْبِناءَ قَبْلَ الْغَزْوِ
(باب مَن أَحَبَّ البِناءَ قبْل الغَزْو)
٥١٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "غزا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: لَا يتبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهْوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا، وَلَمْ يبْنِ بِهَا".
(لا ينبغي) بلفْظ نَهي الغائب.
(أن يبني بها)؛ أي: يَدخُل عليها.
والحديث يردُّ على الجَوْهَري، حيث خَطَّأَ مَن قال: بَنَى به، وإنما يُقال: عليه.
والحديث مُطوَّلٌ، وفيه حَبْس الشَّمس، وتَمامه قد يُوجَد في بعض النُّسَخ هنا، لكنَّه قد سبق في (الجهاد)، في (باب الخُمُس).
قال (ع): اختلَفوا في حَبْس الشَّمس، فقيل: هو الوَقْف، وقيل: هو إِبْطال الحرَكَة، وقيل: الرَّدُّ على أَدراجِها.
стр. 6489
وقد يُقال: الذي حُبِستْ عليه الشَّمس هو يُوشَع بن نُون، وقد رُوي أيضًا أنَّها حُبستْ لنَبيِّنا محمَّد ﷺ مَرَّتَين: آخِرَ يومِ الخَنْدق، وأوَّلَ صَبيحة الإِسراء.
* * *
٥٩ - بابُ مَنْ بَنَى بِامْرَأَةٍ وَهْيَ بنْتُ تِسْعِ سِنِينَ
(باب مَنْ بَنَى بامرأَتِه وهي بِنْتُ تِسْعٍ)
٥١٥٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ عَائِشَةَ وَهْيَ ابْنَةُ سِتٍّ، وَبَنَى بِهَا وَهْيَ ابْنَةُ تِسْعٍ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا.
الحديث فيه عن عُرْوَة مُرسَلٌ.
* * *
٦٠ - بابُ الْبِنَاء في السَّفَرِ
(باب البِنَاء في السَّفَر)
٥١٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثًا يُبْنَى
(أُم سُليم) هي كانت مَحْرمًا لرسول الله ﷺ ، خالتَه إما مِن الرضاعة، أو مِن النَّسَب.
(عرسًا) يَستوي فيه الرَّجُل والمَرأَة.
(فعمد إلى تمر وأقط وسمن) لا يُنافي ما سيَأْتي قَريبًا: (أنَّه أَوْلَمَ عليها بشاةٍ) خلافًا لقول (ع): الذي هنا وَهْم من بعض الرُّواة؛ لاحتِمال أنَّه أَوْلَمَ بالأمرينِ فيها.
(غاص) بمعجمةٍ، ثم مهملةٍ، أي: مُمتَلئ بِهم.
(تصدعوا)؛ أي: تَفرَّقُوا.
وفيه معجزةٌ لرسول الله ﷺ .
(اغتم) من الاغتِمام، أي: أَحزَن مِن عدَم خُروجِهم.
* * *
٦٥ - بابُ اسْتِعَارَةِ الثِّيَابِ لِلْعَرُوسِ وَغَيْرِهَا
(باب استِعارة الثِّيَاب للعَرُوس)
٥١٦٤ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً، فَهَلَكَتْ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نَاسًا مِنْ أَصحَابِهِ في طَلَبِهَا، فَأَدْركتْهُمُ الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أتوُا النَّبِي ﷺ -
стр. 6495
شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّم. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللهُ خَيْرًا، فَوَاللهِ مَا نزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ، إِلَّا جَعَلَ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا، وَجُعِلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةٌ.
سبَق الحديث فيه.
* * *
٦٦ - بابُ مَا يَقُولُ الرَّجُل إِذَا أَتَى أهْلَهُ
(باب ما يقول الرجلُ إِذا أتى أهلَه)
٥١٦٥ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ: بِاسْم اللهِ، اللهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ، وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا في ذَلِكَ، أَوْ قُضِيَ وَلَدٌ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا".
(أو قضى) القَضاء والقدَر في اللُّغة بمعنًى، وأما في الاصطلاح: فالقَضاء للأمر الكُلِّي الإجمالي الذي في الأَزَل، والقَدَر هو جُزئيَّاتُ ذلكَ الكُلِّي، وتفاصيلُ ذلك الإجمال الواقِع في الأزَل، وفي القرآن إشارةٌ إليه حيث قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا
стр. 6496
نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١].
(لم يضره) بفتح الراء وضمها، وكلُّ مولودٍ إنْ كانَ يَمسُّه الشَّيطان إلا مَريم وابنَها, ولا بُدَّ له مِن وَسوَسةٍ؛ فالمراد هنا: لم يُسلَّط عليه بحيثُ لا يكون له عمَلٌ صالحٌ.
قال (ع): لم يحملْه أحد على العُموم في جميع الضرر، والوسواس، وقيل: المُراد لا يطعَن فيه عند وِلادته.
وسبَق الحديث في أول (الوضوء).
* * *
٦٧ - بابٌ الْوَلِيمَةُ حَقٌّ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْلمْ وَلَوْ بِشَاةٍ".
(باب الوَليْمة)
وهي الطعام المُتَّخَذ للعَروس، قالوا: الضِّيافات ثمانيةٌ: وَليمة العُرس، والخُرْس -بضم المعجمة، وسُكون الرَّاء، وبالمهملة- للوِلادة، والإِعْذَار -بكسر الهمزة، ثم المعجَمة- للخِتان، والوَكيرة -بفتح الواو- للبِنَاء، والنَّقِيْعة لقُدوم المُسافر مِن النَّقْع، وهو الغُبار، والوَضِين -بكسر المُعجمة- للمُصيبة، والعَقِيْقة لتَسمية الوَلَد يومَ
لنِعمة الله عليه في أنَّه زوَّجَه إيَّاها بالوَحْي؛ إذ قال: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٣٧].
* * *
٧٠ - بابُ مَنْ أَوْلَمَ بِأَقَلَّ مِنْ شَاةٍ
(باب مَن أَوْلَمَ بأَقلَّ من شاةٍ)
٥١٧٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ صَفِيَّةَ، عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، قَالَتْ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ.
(محمد بن يوسف) البِيْكَنْدي، ويَحتمل أن يكون محمَّد بن يُونس -بالنُّون- الفِرْيَابِي، وكلاهما يَروي عن ابن عُيَيْنة، وعلى شَرْط البخاري.
(صفية بنت شيبة) الصَّحيح في رواية صَفيَّة إنَّما هو عن أَزْواج النبيِّ ﷺ ، فما ذُكر هنا مُرسَلٌ.
قال أبو الحسَن: هو مما انفَرَد البخاريُّ بالإخْراج عن صَفيَّة عن النبيِّ ﷺ ، وهو من الأحاديث التي تُعدُّ مما أُخرج مِن المَراسيل، وقد اختُلف في رُؤيتها النبيَّ ﷺ ، وفي بعضها هنا: (عن عائشةَ) فيتصِلُ الإسناد.
* * *
стр. 6502
٧١ - بابُ حَقِّ إجَابَة الْوَلِيمَة وَالدَّعْوَةِ، وَمَن أَوْلَمَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَنَحْوَهُ، وَلَمْ يُوَقِّتِ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ
(باب إجابَة حَقِّ الوَليْمَة والدَّعوَة)
قوله: (ولم يوقت)؛ أي: لم يُعيِّن مدةَ هذه الوليمة.
قال (ن): لو كانت الدَّعوة ثلاثةَ أيامِ: فالأول: تَجب الإجابةُ، والثاني: تُستحبُّ، الثالث: تُكرَهُ، واستَحبَّ المالكية للمُوسِر كونَه أُسبوعًا.
٥١٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا دُعيِ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَليمَةِ فَلْيَأتِهَا".
الحديث الأول:
(فليأتها)؛ أي: فليَحضُرها، والأصح أنَّه أَمر إيجاب في النكاح، ونَدْبِ في غيره، والشافعيُّ يحمِلُ اللفظَ على حقيقته ومَجازِه، ومَن يمنعَ قال: إنه على عُموم المَجاز.
أما إجابةُ الدَّاعي في غير الوَليْمة فلا يُراد هنا؛ لأنَّ السِّيَاق في الوَليمة.
* * *
(والشيباني) موصولٌ في (الاستئذان).
* * *
٥١٧٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: دَعَا أبُو أسُيْدٍ السَّاعِدِيُّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي عُرْسِهِ، وَكَانَتِ امْرَأتُهُ يَوْمَئِذٍ خَادِمَهُمْ وَهْيَ الْعَرُوسُ، قَالَ سَهْلٌ: تَدْرُونَ مَا سَقَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ أَنْقَعَتْ لَهُ تَمَرَاتٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا أَكَلَ سَقَتْهُ إِيَّاهُ.
الرابع:
(عن أبي حازم)؛ أي: سلَمة بن دِيْنار، وفي بعضها: (عبد العَزيز بن أَبي حازِم، عن سَهْل)، وهو سَهوٌ؛ إذ لا بُدَّ أنْ يكون بينهما أَبوه، أو رجلٌ آخَر.
(خادمهم) الخادم يَشمَل الذَّكَر والأُنثى، وكان ذلك قبْل نُزول الحِجاب.
(أنقعت) بنونٍ، وقافٍ، ومهملةٍ.
(أكل)؛ أي: الطَّعامَ.
(سقته)؛ أي: بعدَ ذلك.
* * *
стр. 6505
٧٢ - بابُ مَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ
(باب: مَن ترَكَ الدَّعوةَ فقَدْ عَصَى)
٥١٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ، يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ، وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ ﷺ .
(الأعْرج) الزُّهْري يَروي عن الأعْرج، عن عبد الرحمن بن هُرْمز الهاشمي، والأعْرج عبد الرَّحمن بن سَعْد المَخزُومي، والظَّاهر إرادةُ الأوَّل منهما، وهنا في رجال البخاري الأعْرج ثالثٌ يروي أيضًا عن أبي هريرة، وهو ثابتُ بن عِيَاض، ويُقال له: الأحْنَف.
وفي "مسلم" روايةُ هذا الحديث عن مالك، عن ابن شِهَاب، عن الأعْرَج، عن أبي هُريرة، وعن سُفيان، عن الزُّهري، عن عبد الرحمن الأَعْرج بمثْله.
ورُوي عن زِياد -بالياء- ابن مَسعود، عن ثابت، عن الأَعرج، عن أبي هريرة مَرفوعًا: "شَرُّ الطَّعام طَعامُ الوَليْمَة؛ يُمنَع مَن يَأْتيهَا، ويُدعَى إليها مَن يَأْبَاها، ومَنْ لَم يُجب الدَّعوةَ فقد عَصَى اللهَ ورَسُوله".
قال (ن): ذكَر مسلمٌ الحديثَ مرفوعًا وموقوفًا، ومعناه: الإخبار
стр. 6506
بما يقَع بعدَه مِن مُراعاة الأَغْنياء، وإيثارِهم بالطَيِّب، وتَقديمهم، ونحو ذلك.
(ومن ترك الدعوة) المُراد بتركها: لم يُجِبْ؛ بقَرينة الرِّواية الأُخرى: (مَن لم يُجِب الدَّعوةَ).
فإنْ قيل: أوَّل الحديث مُرغِّب عن حُضور الوليمة؛ بل مُحرِّمٌ، وآخِره مُرغِّبٌ فيه؛ بل مُوجِبٌ؟؛ قيل: الإجابَة لا تَستلزم الأَكلَ، فيَحضُر، ولا يأكُل، فالترغيب في الإجابة، والتَّحذيرُ عن الأكل.
ومعنى كونِه شَرًّا، وقد يكون بعضُ الأَطعمة أشَرَّ منه باعتبار أَطعمةِ الوَلائِم، فالمراد أَشَرُّ أَطعِمةِ الولائِم وليمةٌ يُدعى إليها الأَغْنياء، ويُترَك الفُقَراء، وقال البَيضاوي: المراد مِنَ الطَّعام، كما يُقال: شَرُّ النَّاس مَن أكَل وحدَه.
وإنما جُعل طَعام الوليمة شَرًّا لمَا ذُكر بعدَه، أي: طَعام الوليمة التي شَأْنُها ذلك.
وقال الطِّيْبِي: التَّعريف في الوليمة للعَهْد الخارجيِّ؛ إذ كان مِن عادتهم دَعوة الأَغْنياء، وتَرْك فُقرائهم، و (يُدعَى) استِئنافُ بيانٍ لكَونها شَرَّ الطَّعام، فلا تَحتاج إلى تَقديرِ: مِنْ؛ لأنَّ الرِّياء شِركٌ خَفيٌّ، (ومَن تَرَك الدَّعوة) حالٌ، والعامِل (يُدعَى الأَغنياء لها)، والحالُ أنَّ الإجابةَ واجبةٌ، فيُجيب المَدعُوُّ، ويأْمَن شرَّ الطَّعام.
* * *
стр. 6507
٧٣ - بابُ مَنْ أَجَابَ إِلَى كُرَاعٍ
(باب مَن أجابَ إلى كُراعٍ)
قيل: المُراد به كُراعُ الغَمِيْم بفتح المعجمة: وهو موضعٌ على مَراحِلَ من المدينة من جهة مكةَ، والجُمهور على أنَّ المُراد كُراع الشَّاةِ، وهو ما دُون الكَعْب من الدَّوابِّ.
٥١٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ".
(ذراع) هو الذي في يَدِ الغَنَم، وهو أفْضَل مِن الكُراع في الرجل، وفي الأَمْثال: أَعطِ العَبدَ كُراعًا يَطلُبْ ذِراعًا.
* * *
٧٤ - بابُ إِجَابَةِ الدَّاعِي فِي الْعُرْسِ وَغَيْرِهَا
(باب إجابَةِ الدَّاعِي في العُرْس)
بضم الراء وإسكانها.
٥١٧٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ
والصَّبْر على اعوجاجهنَّ.
وقيل: إن المُراد به أنَّ أول النّساء حَوَّاء خُلقتْ من ضِلَع آدَم.
وقال الطِّيْبِي: الأظهر أن السِّين للطَّلَب مُبالغةً، أي: اطلُبوا الوَصيَّة مِن أنفُسكم في حقِّهنَّ بالخير، ويجوز أن يكون مِنَ الخِطَاب العامِّ، أي: يَستُوصي بعضُكم من بعضٍ في حقهنَّ.
وفيه الحثُّ على الرِّفْق، وأنه لا مَطمَع في استِقامتهنَّ.
(أعوج) صِيغ التَّفضيلُ منه مع أنه من العُيوب شُذوذًا في القِياس، أو أن مَحلَّ المَنْع حيث يَلتبِس بالصِّفَة، فحيث يتميَّز عنه بالقَرينة يَجوز البِناء، أو يقال: إن أَفْعَل هنا وَصْفٌ وليس تفضيلًا.
وذَكَر هذه المقدِّمة زيادةً على المَقصود لتوكيد معنى الكَسْر؛ لأنَّ الإقامةَ أثَرُها أظهَرُ في الجِهَة الأَعلَى، أو يقال: إنَّها خُلقت من أَعوَج أجزاء الضِّلَع، فكأنه قال: خُلقْن مِن أعلى الضِّلَع وهو أَعوَجُه.
(أعلاه) أعاد الضَّمير مُذكَّرًا هنا، وفي (تُقيمُه)؛ لأنَّ تأنيث الضِّلَع مجازيٌّ.
* * *
٥١٨٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كُنَّا نتَّقِي الْكَلَامَ وَالاِنْبِسَاطَ إِلَى نِسَائِنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ هَيْبَةَ أَنْ يُنْزَلَ فِينَا شَيْءٌ، فَلَمَّا تُوُفِّي النَّبِيّ ﷺ تَكَلَّمْنَا وَانْبَسَطْنَا.