فإنْ قيل: الحديث الأول فيه: أنَّه شَرب في بيت زَينب، وحفْصةُ من المُتظاهرتَين، والثاني: أنَّه شَرب في بيت حَفْصة، وهي ليستْ من المتظاهرات؟
قيل: قال (ع): الأوَّل أَصحُّ، وهو أَولى لظاهر كتاب الله حيث قال: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ [التحريم: ٤]، فهُما ثِنْتان لا ثلاثةٌ، وكما جاء في حديث ابن عبَّاس، وعُمر: أنَّ المتظاهرتَين عائشة وحَفْصة، وقد انقلبت الأسماءُ على الرَّاوي في الرواية الأُخرى.
قال (ك): لا حاجةَ إلى ذلك؛ فإنَّه يُوجب ارتفاعَ الوُثوق عن الرِّوايات كلِّها، ولعلَّه ﷺ شَرب أولًا في بيت حَفْصة، فلمَّا قيل له ما قِيْل تركَ الشُّرب في بيتها، ولم يكُن ثَمَّ تحريم، ولا نُزولُ الآية، ثم بعدَ ذلك شَرب في بيت زينب، فتَظاهرَ عليه عائشةُ وحفصةُ على ذلك القَول، فحيث كُرِّر عليه ذلك حَرَّم العسَل على نفْسه، فنَزلت الآيةُ، ولا محذورَ في هذا التَّقدير، وأما حكاية التَّثنية فباعتبار أنَّ سَودة وهبتْ نوبتَها لعائشةَ، فهي كانت تابعةً لعائشة، ولا يَلزم من عدَم نَوبتها بيومٍ ولا ليلةٍ أنْ لا يَدخلَ عليها، ويَتردَّد إليها.
* * *
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الطَّلَاقُ عَنْ وَطَرٍ، وَالْعَتَاقُ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ الله.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِنْ قَالَ: مَا أَنْتِ بِامْرَأَتِي، نِيَّتُهُ، وَإِنْ نَوَى طَلَاقًا فَهْوَ مَا نَوَى.
وَقَالَ عَلِيُّ: ألمْ تَعْلَمْ أَنَّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يُدْرِكَ، وَعَنِ النَّائِم حَتَّى يَسْتَيْقِظَ؟
وَقَالَ عَلِيُّ: وَكُلُّ الطَّلَاقِ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ.
(باب الطَّلاق في إِغلاقٍ)
أي: إكراهٍ؛ لأنَّ المُكرَه يُغلَق عليه في أَمْره، وقيل: كأنه يُغلق عليه البابُ ويُضيَّق عليه حتى يُطلق.
(والسكران) عطفٌ على الطَّلاق لا على الإِغْلاق.
(ولكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) موصولٌ في (العتق) هكذا.
(الموُسْوس) بفتح الواو وكسرها: مِن وَسْوَستْ إليه نفْسُه، والوَسوَسة حديثُ النَّفْس، وقال (ش): قال (ع): بكسر الواو لا غير.
(وقال النبي ﷺ للذي أقر) موصولٌ في (الحدود).
(وقال علي) موصولٌ في (المغازي)، وفي (الشُّرب)، في (باب: بيع الحطَب والكلأ).
(ليس بجائز)؛ أي: واقعٍ؛ إذ لا عَقْلَ للأول، ولا اختيارَ للثاني،
стр. 6621
وقال الشَّافعي: يقَع طلاقُ السَّكران تغليظًا عليه، وذلك إذا كان مُتعدِّيًا بشُربه.
(فله شرطه)؛ أي: فله أنْ يَشترط، ويُعلِّقَ طَلاقَها على شَرْطه، يعني: لا يَلزم أنْ يكون الشَّرط مقدَّمًا على الطَّلاق بل يَصحُّ أن يُقال: أنتِ طالقٌ إنْ دخلتِ الدَّارَ، كما في العكس.
(البَتّة) نصبٌ على المصدر.
قال النُّحاة: قطْع همزة (البَتَّة) بمَعزِلٍ عن القِياس.
قال نافعٌ لابن عُمر: ما حُكم رجلٍ طلَّق امرأَتَه طلاقًا بائنًا إنْ خَرجتْ من البيت؟، فقال ابن عُمر: إنْ خرجَتْ وقَع طَلاقُه.
(بُتّت)؛ أي: انقَطعتْ عن الزَّوج بحيث لا رَجْعةَ له فيها، وفي بعضها: (بانَتْ).
(وإن لم تخرج)؛ أي: وإنْ لم يحصُل الشَّرط فلا شيءَ عليه.
(في دينه)؛ أي: بينه وبين الله .
(نيته)؛ أي: كنايةٌ يُعتَبر فيها قَصْدُه.
(يغشاها)؛ أي: يُجامعُها في كلِّ طُهرٍ مرةً لا مرتَين؛ لاحتمال أنَّه بالجِماع الأوَّل صارتْ حاملًا، فطُلِّقَتْ به.
(فإن استبان)؛ أي: ظَهَر، واتضَح.
(عن وطر)؛ أي: لا يُطلِّق إلا عند الحاجَة مِن نشُوزٍ ونحوه بخلاف العِتْق؛ فإنَّه مطلوبٌ مُطلقًا.
стр. 6622
(وقال علي ﵁) وصلَه أبو داود، وابن ماجه، وابن حِبَّان.
(يدرك)؛ أي: يَبلُغ.
(جائز)؛ أي: واقِعٌ.
(المَعْتُوه) ناقصُ العَقْل، وهذا يشمَل الطِّفْل، والمَجنُون، والسَّكْران.
* * *
٥٢٦٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قتَادَةُ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تتكَلَّمْ". قَالَ قتَادَةُ: إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
الحديث الأول:
(أنْفُسَها)؛ نصب على المَفعول، أي: يَلُومها، وقال المُطرِّزي: وأهل اللُّغة يقولُون: (أُنفسُها) بالضم، يُريدون بغير اختيارها.
(ما لم تعمل)؛ أي: في العمَليَّات.
(أو تتكلم)؛ أي: في القَوليَّات.
والمُراد بحديث النَّفْس ما لم يَبلُغ حدَّ الجزْم، ولم يستقرَّ، فأما إذا عَقَد، واستَقرَّ عَزْمه عليه فيُؤاخَذ، حتى لو عزَم على ترْك واجبٍ أو فِعْل مُحرَّمٍ ولو بعد سِنين عصَى الآنَ.
الأَنْصَارِيَّ قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ، فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ جَمَزَ حَتَّى أَدْركْنَاهُ بِالْحَرَّةِ، فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ.
الثاني، والثالث:
(أن رجلًا) هو ماعِز.
وسبَق حديثه مراتٍ.
(بالمصلى)؛ أي: مُصلَّى العيد؛ والأكثر أنه مُصلَّى الجَنائز، وهو بَقِيع الغَرْقَد.
(جَمَز) بالجيم، والميم، أي: فَرَّ مُسرِعًا، وإنما رَدَّده؛ لأنَّه اتَّهمَه بالجُنون، ورجَمه حين تقرَّر عنده أنه ليس بمجنونٍ.
وفيه أنَّه لم يُطالبْه بالإقرار في أربَع مَجالِس مختلفةٍ، وفيه أن المُصلَّى ليس له حُكم المَسجِد، وإلا لمنَع الرجم فيه، وتَلْطيخه بالدَّم.
(الأَخِر) بفتح الهمزة المقصورة، وكسر المعجمة، أي: المُتأَخِّر عن السَّعادة المُدْبِر المَنْحُوس، وقيل: الأرْذل، وقيل: اللَّئيم.
(قِبَله) بكسر القاف، وفتح المُوحَّدة: جِهتَه.
(أربع) نصب على المَفعول المُطلَق، وإنما قُلنا: إنَّ الأربَع إقرارات لا تُعتبر؛ لأنه ﷺ "قال: "وَاغْدُ يَا أُنيسُ على امْرَأَةِ هَذَا؟ فَإِن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا"، ولم يَشترط عدَدًا.
(فلما أذلقته) بمعجمةٍ، أي: أصابتْه بحِدَّتها، وقال ابن الأَثِير:
стр. 6625
بلَغَتْ منه الجَهْد حتى قَلِقَ.
وقال ابن مُغِيْث في "الوثائق": صَوابه بالمُهملة مِن الانْدِلاق، وإنْ كان يُروى بالمُعجمة.
وفيه استِنابة الإمامِ مَن يُقيم عنه الحَدَّ.
* * *
١٢ - بابُ الْخُلْعِ، وَكَيْفَ الطَّلَاقُ فِيهِ؟ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الظَّالِمُونَ﴾
وَأَجَازَ عُمَرُ الْخُلْعَ دُونَ السُّلْطَانِ، وَأَجَازَ عُثْمَانُ الْخُلْعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا، وَقَالَ طَاوُسٌ: ﴿إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ فِيمَا افْتَرَضَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ فِي الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ، وَلَمْ يَقُلْ قَوْلَ السُّفَهَاءِ: لَا يَحِلُّ حَتَّى تَقُولَ: لَا أَغْتَسِلُ لَكَ مِنْ جَنَابَةٍ.
(باب الخُلْع)
قوله: (دون عِقَاص) جمع: عَقيصةٍ، وهي الضَّفيرة، وهي التي تُتخَذ مِن شَعْر رَأْس المرأَة كالرُّمَّانَة، أي: أجازَ الخُلْع بالشيء القَليل.
قال (ش): يعني: أنه يَأخُذ منها كلَّ مالِها إلى أن تَكشِفَ له رأْسَها، ويترُكَ لها قِنَاعَها وشِبْهَه.
стр. 6626
(ولم يقل قول السفهاء)؛ أي: لم يقُل طاوُس قَول السُّفَهاء: لا يَحِلُّ الخُلْع حتى تقول: لا أَغتَسِلُ لكَ مِن جَنابةٍ، أي: تَمنعه أنْ يطأَها، فتَصير ناشزةً.
وظاهره أنَّ قوله: (لم يقُل) مِن كلام البخاري، وحكاه غيرُه عن ابن جُرَيج.
* * *
٥٢٧٣ - حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ جَمِيلٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَابِ الثَّقَفِي، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ " قَالَتْ: نعم، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ، وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً".
الحديث الأول:
(امرأة ثابت) هي جَمِيْلة بفتح الجيم، وسيَأتي نسَبُها.
وثابت -بمثلَّثة- ابن قَيْس بن شَمَّاس، بفتح المعجمة، وتشديد الميم.
(ما أعْتب) بضم المثنَّاة، وكسرها، ثم موحَّدة: مِن عَتَب عليه: إذا وَجَد عليه، فإذا فاوَضَه بما عتَبَ عليه، قيل: عاتَبَه، فإذا رجَع إلى
стр. 6627
مَسرَّتِكَ، قيل: أعْتَبَ، والاسم العُتْبَي بعد رُجوع المَعتوب عليه إلى ما يُرضِي العاتِبَ.
وفي بعضها: (أعيب) بالياء، ثم موحَّدة، أي: لا أَغضَب، ولا أُريد مفارقتَه لسُوء خلُقه، ولا نُقصان دِيْنه، ولكن أَكرهَهُ طَبْعًا، فأخافُ على نفْسي في الإسلام ما يُنافي مقتَضَى الإسلام باسم ما يُنافي نفْس الإِسلام، وهو الكُفر.
ويحتمل أنه مِن باب الإِضمار، أي: لكنِّي أكَرهُ لَوازِم الكُفر من المُعاداة، والنِّفاق، والخُصومة، ونحوها.
ورُوي أنَّها قالت له: لا أَعتِب عليه لخُلُقٍ أو دينٍ؛ لكني رفَعتُ جانبَ الخِبَاء، فرأَيتُه أقبَل في عِدَّةٍ، فاذا هو في عِدَّةٍ، فإذا هو أشدُّهم سَوادًا، وأقصَرُهم قامةً، وأقبَحهم مَنْظرًا.
(حديقة)؛ أي: بُستانه الذي أَعطاها.
(أقبل) إلى آخره، هو أَمرُ إرشادٍ وإصلاحٍ لا أمر إيجابٍ وإلزامٍ.
قال البُخاري: لم يُتابع أحدٌ عبد الوَهَّاب في لفْظ: (عن ابن عبَّاس)؛ بل رواه غيره إما موقوفًا على عِكْرمة، وإما مُرسَلًا.
* * *
٥٢٧٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءَ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ أُخْتَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيٍّ بِهَذَا، وَقَالَ: "تَرُدِّينَ حَدِيقَتَهُ؟ " قَالَتْ: نعمْ. فَرَدَّتْهَا، وَأَمَرَهُ يُطَلِّقْهَا.
стр. 6628
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "وَطَلَقْهَا".
٥٢٧٥ - وَعَنِ ابْنِ أَبِي تَمِيمَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنِّي لَا أَعْتُبُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلَا خُلُقٍ، وَلَكِنِّي لَا أُطِيقُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فترُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ " قَالَتْ: نَعَمْ.
الثاني:
(أن أُخت عبد الله بن أُبَيّ) كذا جَرى عليه (ك).
قال (ش): صوابُه أنها بنت عبد الله بن أُبَيٍّ لا أُختُه، واسمها جَميلة، وهذه رواية أهل البَصرة أنَّ جَميلة هي المُختلِعة مِن ثابت، وكانتْ نَشَزتْ عليه لدمامتِه.
وأهل المدينة يقولون: إنَّ المُختلِعة من ثابت: حَبِيْبة بنت سَهْل الأنصاريِّ، وكان في خُلُقِ ثابتٍ شدَّةٌ، فضَربَها، فاختلَعتْ منه، فتزوَّجها أُبَيُّ بنُ كعب، وكان رسولُ الله ﷺ أَراد أنْ يتزوَّجَها وهي جاريةٌ قبْل ثابتٍ، فكَرِهَ ذلك لغَيْرة الأَنْصار، كَرِه أن يَسومَهم في نِسائهم.
قال أبو عُمر: يَجوز أن تكون حَبِيْبَة وجَميلة اختلَعتا من ثابِت بن قَيْس.
إِحْدَاهُمَا مِنَ الأُخْرَى.
الخامس:
(سُحوره) بالضم: التَّسحُّر.
(ليرجع) بتخفيف الجيم المَكسورة.
(قائمكم) مرفوعٌ ومنصوبٌ باعتبار أنَّ يَرجِع من الرُّجوع، أو الرَّجْع، والقائم هو المُتهجِّد، أي: يَعود إلى الاستِراحة بأَنْ يَنام ساعةً قبل الصُّبْح.
(كأنّه) غرضه أنَّ اسم (ليس) هو (الصُّبْح).
وهذا الحديث مختصرٌ من الحديث الذي مرَّ في (باب: الأذان قبل الفجر)، يعني: ليس الصُّبْح المُعتبَر هو أن يكون الضَّوء مُستَطيلًا مِن العَوالِي إلى السُّفْل، وهو الكاذِب؛ بل الصُّبْح هو الضَّوء المُعترِض من اليَمين إلى الشِّمال، وهو الصَّادق.
(ثم مد إحداهما من الأُخرى) إشارةً إلى الصَّادق، ويحتمل أن يكون مَحذوفًا من اللَّفْظ، والمَذكور كلُّه يكون بَيانًا للصَّادق، ومعنى: (أَظهَر) أنَّه جعَل إحدَى يدَيه على ظَهْر الأُخرى، ومدَّها عنها.
* * *
٥٢٩٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ
(باب اللِّعان)
وهو أن يقول الزَّوج أربَعَ مرَّاتٍ: أَشهدُ بالله ... إلى آخِره، مأْخوذٌ من قَول الزَّوج في الخامسة: لَعْنةُ اللهِ عليه إنْ كان من الكاذِبِين، أو لأنَّ اللَّعن الإِبْعادُ، وكُلٌّ من الزَّوجين يَبعُد بذلك عن صاحبه.
(أو إشارة أو بإيماء) المُتبادر للذِّهن في الفَرْق بينهما أنَّ الإشارة باليَدِ، والإيماءَ بالرَّأْس، أو الجَفْن، ونحوه.
(معروف)؛ أي: يكون مفهومًا معلومًا، أو أَرادَ مَعهودًا، أو أَرادَ الصَّريحَ من الإِشارة، وهو ما يُفهَم لكلِّ أحدٍ لا الكِناية، وهو ما يَفهمُه الفَطِنُ.
(في الفرائض)؛ أي: كما في الصَّلاة؛ فإنَّ العاجِزَ عن غير الإشارةِ يُصلِّي بالإشارة، ولا يُنافي هذا تعريف اللِّعان بأنْ يقول: كذا وكذا؛ لأنَّ الأشارةَ المَفهومةَ قائمة مَقامَه.
وقال (ط): احتجَّ البُخاريُّ بقوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]، على صِحَّته إذْ عَرَفوا من إشارتها ما يَعرفونَه مِن نُطقِها، وبقوله تعالى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، أي: إشارةً، ولولا أنَّه يُفهم منه ما يُفهم من الكلام لم يُستَثْن الرَّمز من الكلام.
قال المُهلَّب: وقد تكُون الإشارةُ في كثيرٍ من أبواب الفِقه أَقوَى
стр. 6654
من الكَلام مثل: "بُعِثْتُ أَنا والسَّاعَةُ كهاتَيْنِ"، ومتى يَبلُغ البَيان إلى ما بلَغت الإشارةُ إليه بما بينهما مِن مِقدار زيادَة الوُسطَى على السبَّابة.
(بعض الناس) يُريد الحنفيَّةَ، حيث قالوا: لا حَدَّ على الأَخْرس؛ إذ لا اعتِبارَ لقَذْفه، وكذا لا لِعَانَ، وقالوا: إنْ طلَّق يُعتبَر طلاقُه، وفي بعضها: (أي: طلَّقُوا)؛ أي: جَماعة الخُرْس.
قال صاحب "الهداية": قَذْف الأَخْرس لا يتعلَّق به اللِّعان؛ لأنه يتعلَّق بالتَّصريح كحَدِّ القَذْف، ثم قال: ولا يُحَدُّ بالإشارة في القَذْف؛ لانعِدام القَذْف صَريحًا.
قال: وطَلاق الأَخْرس واقعٌ بالإشارة؛ لأنَّها صارتْ معهودةً، فأُقيمت مُقامَ العِبارة دفْعًا للحاجة.
وغرَض البُخاري أنَّهم تحكَّموا حيث قالوا: لا اعتِبار لقَذْف الأَخْرس، واعتبَروا طَلاقَه.
(وإلا بطل) إنْ لَم يقولوا بالفَرْق، فلا بُدَّ من بُطلان كليهما لا بُطلان القَذْف فقط، وكذلك العِتْق أيضًا حُكمه حُكم القَذْف، فيجب أيضًا أنْ تَبطُل إشارتُه بالعِتْق، ولكنَّهم قالوا بصحَّة عِتْقه.
(بإشارته)؛ أي: أَشارَ بيدِه مثلًا، وفي بعضها: (إذا قالَ: أنتِ طالق، وأَشارَ بأَصابعِه).
ومعنى قول الأخرس ذلك القَولَ بإشارتهِ باليَدِ، فـ: (أَشارَ بأَصابعِه) تفسيرٌ لقوله: (أنتِ طالقٌ)، يعني: إذا أَشارَ بأُصبَعه مُريدًا
стр. 6655
طلاقَها تَصير بذلك بائنةً.
ويحتمل أن الشَّعْبِيَّ إنما يُريد بذلك الناطِقَ لا الأَخرَس، ويكون معناه: إذا قال المتكلِّم: أنتِ طالقٌ، وأشارَ بالأُصبَع إلى عدَد الطَّلَقات الثَّلاث تَبِيْن منه البَينونة الكُبرى بمقتضَى الإشارة.
قال (ط): اختُلف في لِعان الأَخْرَس، فقال الكوفيون: لا يصحُّ قَذْفه، ولا لِعانُه، فإذا قذَفَ امرأتَه بإشارته لم يُحدَّ، ولم يُلاعِن، وقالوا: يَلزم الأَخرسَ الطَّلاقُ والبَيعُ.
وقال أبو حنيفة: إنْ كانتْ إشارتُه تُعرف في طَلاقه، ونكاحه، وبَيعه، وكان ذلك منه معروفًا فهو جائزٌ عليه، وليس ذلك بقياسٍ، وانما هو استِحسانٌ، والقياس في هذا كلِّه أنه باطلٌ.
قال (ط): وفي ذلك إقرارٌ منه بأنه حُكمٌ بالباطل؛ لأنَّ القياس عنده حقٌّ، فإذا حكمَ بضِدِّه وهو الاستِحسان فقد حكَم بضِدِّ الحقِّ، ودفَع القياسَ الذي هو حقٌّ.
قال: وأظنُّ البخاريَّ حاول بهذا الباب الردَّ عليه؛ لأنَّ النبي ﷺ حكَم بالإشارة في هذه الأحاديث، وجعل ذلك شَرعًا لأُمتِه.
* * *
٥٣٠٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟ " قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "بَنُو