(باب اللِّعان)
وهو أن يقول الزَّوج أربَعَ مرَّاتٍ: أَشهدُ بالله ... إلى آخِره، مأْخوذٌ من قَول الزَّوج في الخامسة: لَعْنةُ اللهِ عليه إنْ كان من الكاذِبِين، أو لأنَّ اللَّعن الإِبْعادُ، وكُلٌّ من الزَّوجين يَبعُد بذلك عن صاحبه.
(أو إشارة أو بإيماء) المُتبادر للذِّهن في الفَرْق بينهما أنَّ الإشارة باليَدِ، والإيماءَ بالرَّأْس، أو الجَفْن، ونحوه.
(معروف)؛ أي: يكون مفهومًا معلومًا، أو أَرادَ مَعهودًا، أو أَرادَ الصَّريحَ من الإِشارة، وهو ما يُفهَم لكلِّ أحدٍ لا الكِناية، وهو ما يَفهمُه الفَطِنُ.
(في الفرائض)؛ أي: كما في الصَّلاة؛ فإنَّ العاجِزَ عن غير الإشارةِ يُصلِّي بالإشارة، ولا يُنافي هذا تعريف اللِّعان بأنْ يقول: كذا وكذا؛ لأنَّ الأشارةَ المَفهومةَ قائمة مَقامَه.
وقال (ط): احتجَّ البُخاريُّ بقوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]، على صِحَّته إذْ عَرَفوا من إشارتها ما يَعرفونَه مِن نُطقِها، وبقوله تعالى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، أي: إشارةً، ولولا أنَّه يُفهم منه ما يُفهم من الكلام لم يُستَثْن الرَّمز من الكلام.
قال المُهلَّب: وقد تكُون الإشارةُ في كثيرٍ من أبواب الفِقه أَقوَى
стр. 6654
من الكَلام مثل: "بُعِثْتُ أَنا والسَّاعَةُ كهاتَيْنِ"، ومتى يَبلُغ البَيان إلى ما بلَغت الإشارةُ إليه بما بينهما مِن مِقدار زيادَة الوُسطَى على السبَّابة.
(بعض الناس) يُريد الحنفيَّةَ، حيث قالوا: لا حَدَّ على الأَخْرس؛ إذ لا اعتِبارَ لقَذْفه، وكذا لا لِعَانَ، وقالوا: إنْ طلَّق يُعتبَر طلاقُه، وفي بعضها: (أي: طلَّقُوا)؛ أي: جَماعة الخُرْس.
قال صاحب "الهداية": قَذْف الأَخْرس لا يتعلَّق به اللِّعان؛ لأنه يتعلَّق بالتَّصريح كحَدِّ القَذْف، ثم قال: ولا يُحَدُّ بالإشارة في القَذْف؛ لانعِدام القَذْف صَريحًا.
قال: وطَلاق الأَخْرس واقعٌ بالإشارة؛ لأنَّها صارتْ معهودةً، فأُقيمت مُقامَ العِبارة دفْعًا للحاجة.
وغرَض البُخاري أنَّهم تحكَّموا حيث قالوا: لا اعتِبار لقَذْف الأَخْرس، واعتبَروا طَلاقَه.
(وإلا بطل) إنْ لَم يقولوا بالفَرْق، فلا بُدَّ من بُطلان كليهما لا بُطلان القَذْف فقط، وكذلك العِتْق أيضًا حُكمه حُكم القَذْف، فيجب أيضًا أنْ تَبطُل إشارتُه بالعِتْق، ولكنَّهم قالوا بصحَّة عِتْقه.
(بإشارته)؛ أي: أَشارَ بيدِه مثلًا، وفي بعضها: (إذا قالَ: أنتِ طالق، وأَشارَ بأَصابعِه).
ومعنى قول الأخرس ذلك القَولَ بإشارتهِ باليَدِ، فـ: (أَشارَ بأَصابعِه) تفسيرٌ لقوله: (أنتِ طالقٌ)، يعني: إذا أَشارَ بأُصبَعه مُريدًا
стр. 6655
طلاقَها تَصير بذلك بائنةً.
ويحتمل أن الشَّعْبِيَّ إنما يُريد بذلك الناطِقَ لا الأَخرَس، ويكون معناه: إذا قال المتكلِّم: أنتِ طالقٌ، وأشارَ بالأُصبَع إلى عدَد الطَّلَقات الثَّلاث تَبِيْن منه البَينونة الكُبرى بمقتضَى الإشارة.
قال (ط): اختُلف في لِعان الأَخْرَس، فقال الكوفيون: لا يصحُّ قَذْفه، ولا لِعانُه، فإذا قذَفَ امرأتَه بإشارته لم يُحدَّ، ولم يُلاعِن، وقالوا: يَلزم الأَخرسَ الطَّلاقُ والبَيعُ.
وقال أبو حنيفة: إنْ كانتْ إشارتُه تُعرف في طَلاقه، ونكاحه، وبَيعه، وكان ذلك منه معروفًا فهو جائزٌ عليه، وليس ذلك بقياسٍ، وانما هو استِحسانٌ، والقياس في هذا كلِّه أنه باطلٌ.
قال (ط): وفي ذلك إقرارٌ منه بأنه حُكمٌ بالباطل؛ لأنَّ القياس عنده حقٌّ، فإذا حكمَ بضِدِّه وهو الاستِحسان فقد حكَم بضِدِّ الحقِّ، ودفَع القياسَ الذي هو حقٌّ.
قال: وأظنُّ البخاريَّ حاول بهذا الباب الردَّ عليه؛ لأنَّ النبي ﷺ حكَم بالإشارة في هذه الأحاديث، وجعل ذلك شَرعًا لأُمتِه.
* * *
٥٣٠٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟ " قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "بَنُو
(والساعة) قال أبو البقاء: لا يجوز فيه إلا النَّصب، والواو فيه بمعنى (مع)، والمُراد به المُقاربَة، ولو رُفع لفَسَد المَعنى؛ إذ لا يقال: بُعثتْ السَّاعةُ، ولا في مَوضع المَرفوع؛ لأنَّها لم تُوجَد بعدُ.
وقال (ع): الأحسَن رفْع (الساعة) عَطْفًا على ما لم يُسمَّ فاعلُه في (بُعثتُ)، ويَجوز النَّصب على المَفعول معه كـ: جاء البَردُ والطَّيالِسَةَ، أو على فِعلٍ مُضمَرٍ يدلُّ عليه الحالُ، أي: فاستَعِدُّوا الطَّيالِسَةَ، ويُقدَّر هنا: فانتَظِرُوا السَّاعةَ.
(أو كهاتين) شكٌّ من الراوي، وهو في موضع نصبٍ على الحال، أي: مُقتَرنيَن.
قال القُرطبيُّ: فعلى النَّصب يقَع التَّشبيه بالضمِّ، وعلى الرفْع يحتمِل هذا، ويحتمل أنْ يقَع بالتَّقارُب الذي بين السَّبَّابة والوُسطَى في الطُّول، ويدلُّ عليه قَول قَتادة في روايته: (فَضْلُ إِحداهما على الأُخرى).
ويُعلم منه أنه آخِر الأنبياء ليس بعدَه نبيٌّ، ولا يَلحَق شَرعَه نسَخٌ، والمُراد بتَقريبِه الزَّمان، وقد مضَى إلى يومنا مِئُونَ من السِّنين أنَّ ذلك بالنِّسبَة.
قال (خ): يُريد أنَّ ما بيني وبين السَّاعة مِن مُستقبَل الزَّمان بالقياس إلى ما مضَى منه مِقدارُ فَضْل الوُسطَى على السبَّابة، ولو أَراد غيرَ هذا المَعنى لكان قيام السَّاعة مع بعثَتهِ في زمانٍ واحدٍ.
* * *
(قرنا الشيطان)؛ أي: جانِبَا رأْسِه، وذلك أنه يَنتصِبُ في مُحاذاة مَطلِعِ الشَّمس، فإذا طلعتْ كانتْ بين قَرنيَه، فتقَع سجدةُ عبَدَة الشَمس له.
(ربيعة ومضر) قبيلتانِ في جهة المَشرق.
وسبق الحديث في (بدء الخلق)، في (باب: الجن).
* * *
٥٣٠٤ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وأَناَ وَكَافِلُ الْيتيم فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا"؛ وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، وَفَرَّجَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.
الخامس:
(وكافل اليتيم)؛ أي: القائم بأَمره، ومَصالِحه.
(وَفَرّج)؛ أي: إشارةً إلى التَّفاوُت بين درجة الأَنبياء، وآحاد الأُمة.
قيل: لمَّا قال ﷺ ذلك استَوَتْ سبَّابتُه ووُسطاه استِواء بَيِّنًا في تلْك السَّاعة، ثم عادَتا إلى حالهما الطَّبيعية الأصليَّة، وذلك لتَوكيد أَمْر كَفالَة اليتيم.
فإن قيل: لا تعلُّق لهذه الأحاديث الخَمْسة بتَرجمة اللِّعان؛ قيل: لعلَّ غرَضَه تحقيق اعتِبار الإشارةِ بفِعْل رسول الله ﷺ في اللِّعان، أو كانت متقدِّمةً في باب اللِّعان فأَخَّرها النَّاسِخُ عنه.
* * *
стр. 6660
٢٦ - بابٌ إِذَا عَرَّضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ
(باب: إذا عرَّض بنَفْي الولَد)
التَّعريض: كِنايةٌ مَسُوقةٌ لأَجْل مَوصوفٍ غيرِ مَذكورٍ.
قال في "الكشاف": هو أنْ يذكر شيئًا يدلُّ به على شيءٍ لم يَذكُره، والكِناية أنْ يكون الشَّيء بغَير لفْظه المَوضوعِ له.
٥٣٠٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! وُلِدَ لِي غُلَامٌ أَسوَدُ! فَقَالَ: "هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ " قَالَ: نعمْ، قَالَ: "مَا ألوَانُهَا؟ " قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: "هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ " قَالَ: نعمْ، قَالَ: "فَأَنَّى ذَلِكَ؟ " قَالَ: لَعَلَّهُ نزَعَهُ عِرْقٌ، قَالَ: "فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نزَعَهُ".
(أن رجلًا) هو ضَمْضَم بن قَتادة، رواه عبد الغَني بن سَعيد في "المُبهَمات"، وغيره.
(أوْرَق) هو الذي في لونه بياض، وهو لا ينصرف.
(قال: لعل نزعه عرق)؛ أي: جذَبَه، والضَّمير للمَولُود، يُقال: نَزَعه أَبوه، ونَزَعَه إليه، والعِرْق هنا الأَصْل؛ تَشبيهًا له بعِرْق الثَّمَر.
قيل: الصَّواب: لعلَّ عِرْقًا نزَعه، أو لعلَّ نزَعَه عِرقٌ.
стр. 6661
قال (ك): هذا أيضًا صَوابٌ؛ لاحتمال أن يكون فيه ضمير الشَّأْن.
قال ابن مالك في "الشواهد": ومما كان المَحذُوف ضَمير الشَّأْن مَنصُوبًا قَولُ النبي ﷺ : (وإنَّ لنَفْسِكَ)، وقول رجلٍ له: (لعلَّ نَزَعَها عِرْقٌ)، أي: لعلَّها.
ومَحلُّ التَّعريض في الحديث قولُه: (وُلِدَ لي غُلامٌ أَسود)، يعني: أَنا أبيَضُ وهو أَسوَد، فلا يكون منِّي!
قيل: وتبويب البخاري عليه بالتَّعريض يقتَضي إهدارَ التَّعريض كما هو مَذْهب الشَّافعي، وهو مُناقض لمَذهبه السَّابِق في اعتِبار الإشارة، وهما سواءٌ في الدَّلالة على المَقصود.
قال (ش): أَعمَل الإشارةَ كالعِبارة عند الحاجَة، ولم يُعمِل التَّعريض في إلزامٍ بشيءٍ، فلا وَجْهَ للتَّسوية بينهما.
* * *
٢٧ - بابُ إِحْلَافِ الْمُلَاعِنِ
(باب إِحْلاف المُلاعِن)
٥٣٠٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ قَذَفَ امْرَأتهُ، فَأَحْلَفَهُمَا
стр. 6662
النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
(أن رجلًا) هو عُوَيْمِر العَجْلانيُّ كما سيأْتي قَريبًا.
(فأحلفهما)؛ أي: الإِحْلاف المَخصوص، وهو اللِّعان.
وهذا دليلٌ على أنَّ اللِّعَان يمينٌ لا شهادةٌ.
* * *
٢٨ - بابُ يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِالتلَاعُنِ
(باب يَبدأُ الرجُلُ بالتَّلاعُن)
٥٣٠٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأتهُ، فَجَاءَ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُهُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ "، ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ.
(أن هِلال بن أُمية قذف امرأته) هي خَولة بنت عاصِم.
(فشهد)؟ أي: لاعَنَ، وهو يدلُّ على أنَّ اللِّعان شهادةٌ لا يمينٌ.
والتوفيق بينه وبين ما سبق: أنه يَمينٌ فيه شَوْبُ الشَّهادة، أو بالعكس.
* * *
قال (ط): هو أنه قال: لو وَجَد مع امرأَته رجُلًا لضرَبَه بالسَّيف حتى يَقتُلَه.
(فأتاه رجل) هو عُويْمِر كما في حديث سَهْل بن سَعْد في (تفسير سورة النور)، واسم امرأَة عُويْمِر المُلاعَنة: خَولَة بنت قَيْس، ذكَره مُقاتِل.
(سَبِط) بكسر المُوحَّدة وإسكانها، أي: مُستَرسِلًا غيرَ جَعْدٍ.
(خَدْلًا) بفتح المعجمة، وسكون المهملة: المُمْتَلئ السَّاق الضَّخْم، كذا لأكثَرهم، وعند الأَصِيْلِي بكسر الدال، وحكى السَّفَاقُسي: بتخفيف اللام وتشديدها مع كسر الدال.
(بيِّن)؛ أي: أَظهِرْ حُكم المسأَلة، فنَزلتْ آيةُ اللِّعان.
(فلاعن) هو عطْفٌ على ما قبْلَ: فوضَعت؛ لأنَّ اللِّعان كان قبْل وضْع الولَد، أو المُراد: فحكَم بمقتضَى اللِّعان، ونحوه.
(قال رجل) هو عبد الله بن شَدَّاد، بمعجمةٍ، وتشديد المهملة الأُولى؛ ذكره البخاري في (كتاب المُحاربين).
(السوء)؛ أي: الزِّنا، أي: اشتُهر عنها، ولكن لم تَثْبُت ببيِّنةٍ، ولا باعترافٍ.
وفيه أنه لا يُحد بمجرَّد القَرائن.
(قال أبو صالح) موصولٌ في رواية أبي ذَرٍّ بلفْظ: (قال أبو صالح)، وهو عبد الله بن صالح كاتِب اللَّيث.
(أُخرى) هو من باب التَّغليب غلَّب الأَخ على الأُخت، كأنه قال: اللَّذان هما من بَني عَجْلان، وأما إطلاق الأُخوَّة، فبالنَّظَر إلى أنَّ المُؤمنين إخوةٌ، أو أطلَق الأخ وأراد الواحِدَ، أي: فرَّق بين الشَّخصَين العَجْلانيَّين كما قال الزَّمَخشَري: أَخُوهم نُوحٌ قيل: أَخُوهم؛ لأنه كان منهم مِن قول العرَب: يا أَخا بَنِي آدَم، يُريدون: يا واحِدًا منهم، كما قال في "الحماسة":
لا يَسألون أَخاهُم حِيْنَ يَنْدُبُهمْ ... في النَّائِبَاتِ على ما قالَ بُرهانًا
(فَرَّق)؛ أي: بين المُتلاعنَين، واختُلف في أنَّ الفُرقة تحصُل بلِعان الزَّوج أو بلِعانِهما كلَيهما؛ لقوله ﷺ : (ففارقها)، كما تقدَّم آنفًا، ولقوله: (لا سَبيلَ لكَ علَيْها)، أو بحُكم القاضي بعدَه بذلك، لقوله: (فَرَّق النبيُّ ﷺ ).
(الله يعلم) يحتمل أنَّه قالَه قبْلَ اللِّعان تَحذيرًا لهما منه، وتَرغيبًا في تَركه، وأن يكون بعدَه، والمُراد: بَيان أنَّه يَلزم الكاذِبَ التَّوبةُ.
(أبعد)؛ أي: لانضِمام الأَبَد إلى الدُّخول بها، وذلك إشارةٌ إلى الطَّلَب.
(لك) اللام للبَيان نحو: ﴿هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف: ٢٣].
* * *
الحديث الأول:
(طلق ابنة عبد الرحمن) قيل: هي عَمْرة.
(فانتقلها)؛ أي: نقلَها.
(مروان) هو ابن الحكم أيضًا أخو عبد الرحمن وكان أمير المدينة، استعملَه معاوية عليها.
(وارددْها)؛ أي: احكُم عليها بالرُّجوع إلى سَكَن الطَّلاق.
(غلبني)؛ أي: لم أَقدِر على منْع عبد الرحمن من نقْلِها.
(بلغك) الخِطَاب لعائشة، إما صادِرًا من القاسِم، أو من مَروان في رواية القاسِم، وهذا أَظهَر سِياقًا.
(حدثت فاطمة)؛ أي: في كَونها لم تَعتدَّ في بيت زَوجها، وانتَقلَت إلى غيره بإذْن رسول الله ﷺ .
وقول عائشة: (لا يضرُّك أن لا تَذكُر حديثَها)، لأنَّ انتقالَها كان لعلةٍ وهي أنَّ مكانَها كان وحشًا مَخُوفًا عليه، أو لأنها كانت لَسِنَةً استطالتْ على أحمائها.
(إن كان لك) الصَّحيح أن المخاطَب عائشة، ومعناه: إنْ كان شرٌّ في فاطمةَ أو في مكانِها عِلَّةً لقولك: يَجُوز انتقالُها، فكَفاك في جَواز انتقالها هذه المطلَّقة أيضًا ما بين هذين الزَّوجين من الشَّرِّ لو سكنَتْ دار زوجها، وقال بعضهم: الخِطاب لبِنْتِ أخي مَروان المطلَّقة، أي: إنْ كان شرٌّ مُلصَقًا بك فحسبُك من الشرِّ ما بين هذين الأمرَين من الطَّلاق
стр. 6680
والانتِقال إلى بيت الأَبِ، ويحتمل أن يكون لفاطِمة، أي: إنْ كان شرٌّ بكِ فحسبُك ما بين هذين العُضوَين، أي: الشَّفَتين، يعني: ذكْرك هذا الحديثَ المُوهِم لتَعميم أمرٍ كان خاصًّا بكِ شرٌّ لكِ؟ إذ الواجِبُ أن يُذكر أيضًا سبَبُ الانتِقال، فإنَّ التَّرخيصَ كان للعُذر الذي هو وَحْشة المَكان، أو سَلاطة اللِّسان، ولهذا قالتْ عائشة لها: اتَّقِي الله، ولا تَكتُمي الشرَّ الذي مِن أجْله نقَلَكِ.
قال (ط): قول مَروان لعائشة: (إنْ كانَ بكِ شَرٌّ فحَسْبُك) يدلُّ على أنَّ فاطمة إنما أُمِرتْ بالتَّحويل إلى الموضع الآخَر لشَرٍّ كان بينها وبينهم.
* * *
٥٣٢٣ - و ٥٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ أَلَا تتَّقِي اللهَ، يَعْنِي فِي قَوْلِهِ: لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ.
٥٣٢٥ - و ٥٣٢٦ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ لِعَائِشَةَ: ألمْ تَرَيْنَ إِلَى فُلَانة بِنْتِ الْحَكَم، طَلَّقَهَا زَوْجُهَا الْبَتَّةَ فَخَرَجَتْ، فَقَالَتْ: بِئْسَ مَا صَنَعَتْ، قَالَ: ألَمْ تَسْمَعِي فِي قَوْلِ فَاطِمَةَ، قَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ لَهَا خَيْرٌ فِي ذِكرِ هَذَا الْحَدِيثِ.
стр. 6681
وَزَادَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ: عَابَتْ عَائِشَةُ أَشَدَّ الْعَيْبِ، وَقَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى ناَحِيتَهَا، فَلِذَلِكَ أَرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ .
الثاني، والثالث:
(ألا تتقي الله)؛ أي: فيما قالتْ: لا سُكنَى ولا نَفَقةَ للمُطلَّقة البائن على الزَّوج، والحال أنَّها تَعرِفُ قصَّتَها يَقينًا في أنَّها إنَّما أُمِرَت بالانتِقال لعُذْرٍ وعلَّةٍ كانت بها.
واختلَف العُلماء في البائنة التي لا حَمْلَ لها: فقال أبو حنيفة: لها النَّفَقة، والسُّكنى عليه، وقال أحمد: لا سُكنى ولا نَفَقة لها، وقال مالك والشافعي: لها السُّكنى؛ لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، ولا نَفَقة لمَفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ الآية [الطلاق: ٦].
* * *
٤٢ - بابُ الْمُطَلَّقَةَ إِذَا خُشِيَ عَلَيْهَا فِي مَسْكَنِ زَوْجِهَا أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيْهَا، أَوْ تَبْذُوَ عَلَى أَهْلِهَا بِفَاحِشَةٍ
(باب المُطلَّقَة إذا خُشِيَ عليها في مَنْزِل زَوجِها أنْ يُقْتَحَم عليها أو تَبْذُو) بذالٍ معجمةٍ.
стр. 6682
قيل: ذكر البُخاري في التَّرجمة عِلَّتَين؛ إحداهما: الخَوف من الزَّوج عليها، والأُخرى: الخَوف منْها على أَهل الزَّوج بالبَذاءة بالفاحِشَة، ليس في حديث فاطِمَةَ إلا الخَوف عليها.
وقد ورَد قَول عائشة لها: (إنَّما أخرجَكِ هذا اللِّسان)، ولكنَّ البخاريَّ لمَّا لم تُوافق هذه الزِّيادةُ شَرطَهُ أسقَطَها من الحديث، وضمَّنَها التَّرجمة؛ لأن الخَوف عليها إذا اقتَضَى خُروجَها فمثْله الخَوف منها، بل أَولى.
* * *
٥٣٢٧ - و ٥٣٢٨ - وَحَدَّثَنِي حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ.
(وزاد ابن أبي الزناد) (١) موصولٌ في "أبي داود"، و"ابن ماجه".
* * *
الحديث الأول:
(حدثنا محمد) قيل: هو ابن سَلام.
(عن الحسن) هو البَصري.
(زوج مَعْقل أُخته) اسمها: جُمَلية، بضم الجيم، وفي كتاب "المَجاز" لابن عبد السَّلام: أنَّ اسم زَوجها عبدُ اللهِ بن رَوَاحَة، وقيل في اسمها غيرُ ذلك.
(فحمِيَ) بكسر الميم، يُقال: حَميتُ عن كذا حَمِيَّةً بالتَّشديد: إذا أنِفْتَ منه، وداخلَكَ عارٌ.
والأَنَفَة: الاستِنْكاف، وهو يَقدر عليها بأَنْ يُراجِعَها قبْل انقِضاء العِدَّة.
(واسْتَقَاد) بالقاف، يُقال: استَقادَ له: إذا أَعطاهُ مَقادتَه، يعني: طاوَعَه، وامتَثَل أمرَه، وهو بتخفيف الدال.
وعند القَابِسِيِّ بتشديدها، وضُعِّف بأنَّ المُفاعلة لا تَجتمع مع سين الاستِفعال.
وفي بعضها: (استَزَادَ) مِن الزَّود، أي: طلَب الزَّوج الأَول لزَوجها لأَجل حُكم الله تعالى بذلك، أو أَراد رُجوعَها إلى الزَّوج الأول، ورَضيَ به لحُكم الله به.
ومَوضع دَلالته على التَّرجمة قولُه: (ثُمَّ خَلا عنْها).
стр. 6686
قال (ط) (١): وأما المُراجَعة عند البخاري فعَلى ضَربَين: مُراجعةٌ في العِدَّة على حديث ابن عُمَر، ومُراجَعةٌ بعد العِدَّة على حديث مَعْقِل.
قال: وفيه دليلٌ على أنَّه ليس للمَرأة أن تَنكِح بغير إذْن وَليِّها، ولو لم يَكُن الإِنْكاح للوليِّ لمَا كان للنَّهي عن العَضْل معنًى.
* * *
٥٣٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ. أَنَّ ابْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهْيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُمْسِكَهَا حَتَّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تَحِيض عِنْدَهُ حَيْضَةً أخرَى، ثُمَّ يُمْهِلَهَا حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ حَيْضِهَا، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُجَامِعَهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ لأَحَدِهِمْ: إِنْ كنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ، حَتَّى تنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.
وَزَادَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنِي بِهَذَا.
الثاني:
(طلق امرأة له) اسمها: أُميَّة بنت غِفَار، بالمعجمة، والفاء.
стр. 6687
(حتى تطهر) الفائدةُ في تَكرير الطُّهر الإشْعارُ بأنَّه لم يُراجِع ليُطلِّقَ، فيكون طلاقُه في الطُّهر الثاني استِئنافًا مُجدَّدًا.
وسبق أول (الطلاق).
(وزاد فيه)؛ أي: غير قُتَيبة، وهو أبو الجَهْم العلي بن مُوسَى.
(عن الليث) رواه مسلم عن محمَّد بن رُمْح.
(لو طلقت) جزاؤُه محذوفٌ، أي: لكان خَيْرًا.
* * *
٤٥ - بابُ مُرَاجَعَةِ الْحَائِضِ
(باب مُراجَعةِ الحائض)
٥٣٣٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَنِي يُونس بنُ جُبَيْرٍ، سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ، فَقَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأتهُ وَهْيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقَ مِنْ قُبُلِ عِدَّتِهَا، قُلْتُ: فتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ.
(من قبل)؛ أي: وقْت استِقبال العِدَّة، والشُّروع فيها، أي: يُطلِّقُها في الطُّهر.
стр. 6688
(فتعتَدّ)؛ أي: أتُعتبَرُ تلْك التَّطليقة، وتَحتسبُها، والحُكم بوقُوع طلْقةٍ.
قال ابن عُمر في الجواب معبِّرًا بلفظ الغَيبة عن نفْسه: (إن عجز واستحمق)؛ أي: فما يَمنعُه أن يكون طَلاقًا، يعني: نعَمْ، يُحتَسَب، ولا يَمنع احتِسابَها؛ لعَجْزه وحَماقتِه.
وستق تأويلاتٌ أُخَر أوَّل (الطَّلاق).
* * *
٤٦ - بابٌ تُحِدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجها أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا أَرَى أَنْ تَقْرَبَ الصَّبِيَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الطِّيبَ؛ لأَنَّ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ.
(باب: تُحِدُّ المُتوفَّى عنها)
قوله: (الصبية) بالنَّصب.
(الطيب) بالرفْع، وفي بعضها بالعَكْس، وبهذا قال الأَئمَّة سِوى أبي حَنيفة: أنَّ الصَّغيرة تُحدُّ على زَوجِها إذا ماتَ، يَأْمرُها بذلك الوليُّ، وقال أبو حنيفة: لا إحدادَ عليها.
* * *