العِدَّة؛ لأن ذلك داعيةٌ للزَّواج، فنُهيت عن ذلك قطْعًا للذَّرائع.
(توفي أخوها) هو أبو أَحمد.
(لا يحل) نفْيٌ بمعنى النَّهي.
(أربعة) نصب بمقدَّرٍ، أي: أَعنِي، أو فتُحدُّ.
والجمهور أنَّ الذِّميَّةَ يجب عليها الإِحداد، وذِكْر الإيمان إنما هو لأنَّ المُؤمن هو الذي يَنتفعُ بخِطاب الشارِع، ويَنقادُ له.
وقال أبو حنيفة: لا يجب عليها إحْدَادٌ.
وإنما وجَب الإحْدَاد في الوَفاة دُون الطلاق، لأنَّ الزِّينة تَدعو إلى النكاح، والميِّت لا يتمكَّن مِن مَنْعها، والحيُّ يستغني بوُجوده عن زاجرٍ آخَر.
وإنما كانت عدَّة الوفاة للحائل أربعةَ أشهرٍ، لأنَّ الولَد يمكُث أربعين يومًا نُطفةً، وأربعين يوما علَقةً، وأربعين مُضْغةً، وبعد ذلك يُنفَخ فيه الرُّوح، ويتحرَّك في البَطْن، وزِيادة العَشْر للاحتِياط.
(جاءت امرأة) قيل: هي عاتِكَة، وقيل: بل عاتِكَة ابنتُها التي اشتكتْ عينَها، واسم زَوجها: المُغيرة، أي: المَخزُومي.
(اشتكت عينها) بضم النون على أنَّ العَين هي المُشتكية، وبفتحها على أنَّ في (اشتَكتْ) ضميرَ الفاعل، وهي المرأةُ الحادَّةُ، ورُجِّح الأول بما جاء في روايةٍ: (عَينَاها).
(أفَنَكْحُلُهَا) بضم الحاء.
стр. 6692
(البَعْرَة) بفتح المهملة وإسكانها.
(الحِفْش) بكسر المُهملة، وسكون الفاء، ثم معجمةٍ، قال مالكٌ: البيت الصَّغير، وقال الشَّافعي: البَيت الصَّغير الرَّكِيد من الشَّعر، والبِناء.
ومُراده بالرَّكيد: الذي يكون السُّكون فيه، أي: الرُّكود.
(بدابة) ما يدِبُّ على الأرض لا الخَيل، والبَغْل، والحِمَار بخُصوصها.
(فتفتض) قال (خ): بقافٍ، ومعجمةٍ: مِن فضَضتُ الشَّيءَ: كسرتُه، أو فَرَّقتُه، أي: كانت تكسِر ما كانتْ فيه من الحِداد بتلْك الدابَّة.
وقال الأَخْفَش: معناه: تتنظَّف، وهو مأخوذٌ من الفِضَّة تَشبيهًا له بنَقائها وبَياضها.
قال: ومعنى الرَّمي بالبَعْرَة: أنَّ حِداد السَّنَة في جَنْب ما للزَّوج عليهن من الحُرمة بمنزلة البَعْرَة.
وقيل: إنما يفعلْن ذلك ليُرين أنَّ مقامهنَّ سَنَةً كان أهونَ مِن رمْي بعرةٍ.
وقال ابن قُتَيبة: سأَلتُ الحَجَّاج عن معنى الافتِضاض، فذكَر أن المُعتدَّة كانت لا تَغتَسِلُ، ولا تَمسُّ ماءً، ولا تُقلِّمُ ظفُرًا سَنَةً كاملةً، ثم تَفْتَضُّ، أي: تكسِرُ ما هي فيه من العِدَّة بطائرٍ تمسَح به قُبُلَها، وتَنْبذه
стр. 6693
فلا يكاد يَعيشُ ما تفتَضُّ به.
وقيل: معنى ترمي بالبعرة أنها رمتْ بالعِدَّة، وخرجتْ منها كانفِصالها من هذه البَعْرة.
قال الأَزْهريُّ: ورواه الشَّافعيُّ عن مالكِ بقافٍ، ثم موحَّدةٍ، وصادٍ مهملةٍ، أي: تُمسِك الطَّائرَ بأطرافِ أصابعها، ومنه قراءة الحُسَين: (فقبَصْتُ قَبْصَةً)، وأما القَبْض بالمُعجمة؛ فالبكَفِّ كلِّها.
قال الأَصبَهاني، وابن الأَثِيْر: المَعنى: أنَّها تُسرِعُ إلى مَنْزِل أبوَيها لكثْرة حيائها؛ إما لقُبح مَنْظَرها، أو لأنها طالبةٌ للنكِّاح بسبب انقِضاء عِدَّتها، والمشهور الأول.
والغرَض من هذا الكلام أنَّكِ لا تَستكثِرين العِدَّة الإسلامية، ومنعْ الاكتِحال؛ فإنَّها مدةٌ قليلةٌ بالنِّسبة إلى ما كانتْ في الجاهلية.
* * *
٤٧ - بابُ الْكُحْلِ لِلْحَادَّةِ
(باب الكُحْلُ لِلْحَادّة)
قال الجَوْهَري: يقال: هي حادّ، بدون الهاء؛ وكذا قال السَّفَاقُسي أن صوابه الحادِّ، لأنه نعتٌ للمُؤنَّث نحو: طالِقٌ وحائضٌ، قال (ش): لكنَّه يتخرَّج على لُغةٍ ضعيفةٍ.
стр. 6694
وفرَّق الزَّمَخشَري بين المُرضع والمُرضِعَة بأنَّ المُرضِعة هي التي في حالِ الرَّضاع، والمُرضع هي التي شَأْنُها أن تُرضع.
* * *
٥٣٣٨ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زينَبَ ابْنَةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أمِّهَا: أَنَّ امْرَأةً تُوُفِي زَوْجُهَا، فَخَشُوا عَيْنَيْهَا، فَأَتوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْكُحْلِ، فَقَالَ: "لَا تَكَحَّلْ، قَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا، أَوْ شَرِّ بَيْتِهَا، فَإِذَا كَانَ حَوْلٌ فَمَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بِبَعَرَةٍ، فَلَا حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ".
٥٣٣٩ - وَسَمِعْتُ زَيْنَبَ ابْنَةَ أُمِّ سَلَمَةَ تُحَدِّثُ، عَنْ أُمِّ حَبِيبةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا".
الحديث الأول:
(فخشوا عينيها) كذا لبعضِهم بالمُعجمة، وحذْف كلمة (على)، وأَصلُه: خَشِيُوا بوَزْن عَلِمُوا، فاستُثقلت الضمَّة على الياء، فحُذفت، واجتمَع ساكنان: الياء، والواو؛ فحُذفت الياءُ لذلك، وضُمَّت الشِّين لتصحَّ الواو.
(أحلاسها) جمع: حِلْسٍ، وهو كِساءٌ رقيقٌ يكون تحت البَرذَعة.
(كلب) هو مُشعِرٌ بأنَّ المُراد بالدابَّة في الحديث السَّابق معناه اللُّغَوي؛ ليتناول الكَلْب لا الاصطِلاحي، وكأنهنَّ بعد الحَوْل كُنَّ
стр. 6695
قاصداتٍ لقَطْع آثار الإحْدَادِ بالتَّعرُّض لنَوعٍ من الحيَوان.
ويحتمل أن تكُون الباء في: (تَفْتَضَّ به) للتَّعدية، أو زائدةٌ، يعني: تَفْتَضُّ الطَّائرَ بأنْ تكسِر بعضَ أعضائه، ولعلَّ غرضهنَّ منه الإشْعار بإهلاكِ ما رَمَين به، ومن الرَّمْي الانفِصال بالكلِّية، وقوله: (فلا)، أي: فلا تَكْتحِلْ، وليس النهي للتحريم، ولو كان للتَّحريم لكنْ لا تَحريمَ عند الضَّرورة، فإنَّ دين الله يسر؛ يعني: التحريم ثابتٌ إلا عند شِدَّة الضَّرر، أو الضَّرورة، أو معناه: لا تَكتَحِل بحيثُ يكون فيه زِيْنةً.
* * *
٥٣٤٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلَّا بِزَوْجٍ.
الثاني:
تقدَّم.
* * *
٤٨ - بابُ الْقُسْطِ لِلْحَادَّةِ عِنْدَ الطُّهْرِ
(باب القُسْط لِلْحَادّة)
هو بضم القاف: عُودٌ يُتبخَّر به، وقد تُبدل القاف بالكاف،
стр. 6696
والطاء بالتاء مثل: القَافُور والكافُور.
٥٣٤١ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا نكتَحِلَ، وَلَا نطَّيَّبَ، وَلَا نلبَسَ ثَوْبًا مَصْبُوغًا، إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَقَدْ رُخِّصَ لَنَا عِنْدَ الطُّهْرِ إِذَا اغْتَسَلَتْ إحْدَانَا مِنْ مَحِيضِهَا فِي نُبذَةٍ مِنْ كُسْتِ أَظْفَارٍ، وَكُنَّا نُنْهَى عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ.
(عَصْب) بفتح المهملة الأُولى، وسُكون الثانية: بُرود اليمَن يُعصَب غَزْلُها، ثم يُصبَغ، ثم يُنسَج.
(نُبْذة) بضم النون وفتحها: اليَسير من الشيء.
(ظَفَار) بفتح المعجمة، وخفة الفاء: موضعٌ بساحل عدَن، وفي بعضها: (أظْفار): شيءٌ من الطِّيْب.
قال الصَّاغَاني: في النُّسَخ: (أَظْفار)، وصوابه: ظفار، وقال التَّيْمِي: روي: أَظْفار، والصَّواب: ظَفَار.
وقال (ن): القُسْط والأَظْفار نوعان معروفان من البَخُور، ليسا من جنس الطِّيْب، ورخِّص فيهما لإزالة الرائحة لا للتطيُّب.
ومرَّ الحديث في (الحيض)، في (باب: الطِّيب).
* * *
وَلَهَا مَا أَخَذَتْ، وَلَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: لَهَا صدَاقُهَا.
(باب مَهْر البَغِيِّ)
قيل: من البَغْي، وهو الزِّنا، ويَستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث، أو فَعيل.
(وقال الحسن)؛ أي: قال الحسَن البصْري أولًا: لها الصَّداق المُسمَّى، ثم قال بعد ذلك: لها صَداق مِثْلها.
(محرمة) إما اسم فاعلِ الإحْرام، وإما بلفْظ مفعولِ التَّحريم، وهي رواية الأَصِيْلِي عن أبي زيد، وإما بفتح الميم والراء.
* * *
٥٣٤٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: نهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ.
الحديث الأول:
(وَحُلْوَان) بضم المهملة: ما يعطَى على الكَهانة.
(الكاهن) هو الذي يدَّعي عِلْمَ الغَيب، ويُخبر الناس بالكَوائِن.
(ومهر البغي) سَمى ما تأخذُه الزَّانية مَهْرًا، لأنَّه على صُورته.
* * *
٥٣٤٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ،
стр. 6702
عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْوَاشِمَةَ، وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَأكلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَنهى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الْبَغِيِّ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ.
الثاني:
سبَق في (البيع).
* * *
٥٣٤٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كسْبِ الإمَاءِ.
الثالث:
(كسب الإماء)؛ أي: ما يَأْخُذنَه على الزِّنا بقَرينة عُرْف الجاهليَّة.
* * *
٥٢ - بابُ الْمَهْرِ لِلْمَدْخُولِ عَلَيْهَا، وَكَيْفَ الدخُول؟ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ وَالْمَسِيسِ
(باب المَهر للمَدخولِ عليها، وكيف الدُّخول؟)
الغرَض بذلك ذِكْر الخِلاف في الدُّخول، بم يَثبُت؟، فقال أبو حنيفة: إذا أغلَق، وأَرخَى سَتْرًا على المرأة فقد وجَب الصَّداق، والعِدَّة؛
стр. 6703
إذ الغالبُ وُقوع الجِماع فيه؛ لمَا ركَّب الله تعالى في النُّفوس من الشَّهوة، فأقامَ المَظِنَّةَ مُقام المَظنُون، وهذا يُسمَّى بالخَلْوة الصحيحة.
وقال الشافعي، ومالك: لا يجب الصَّداق إلا بالمَسِيْس، أي: الجِماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولا تُعرَف الخَلْوةُ دون الوَطْء مَسِيْسًا، ولقوله ﷺ : (لمَا استَحلَلْتَ مِن فَرْجها).
(قبل الدخول والمسيس) ذكر اللَّفظين كليهما إشارةٌ إلى المذهبين: الاكتفاءُ بالخَلْوة، والاحتياج إلى الجِماع.
قال (ط): قول البخاري في التَّرجمة: أو طلَّقَها قبْلَ الدُّخول تقديره: أو كَيْف طلَّقها، فاكتفى بتقدير الفِعْل عن ذِكْر المصدر؛ لدلالته عليه.
* * *
٥٣٤٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: رَجُلٌ قَذَفَ امْرَأتهُ؟ فَقَالَ: فَرَّقَ نبَيُّ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَخَوَي بَنِي الْعَجْلَانِ، وَقَالَ: "اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدكمَا كاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ "، فَأَبَيَا، فَقَالَ: "اللهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ "، فَأَبَيَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا. قَالَ أَيُّوبُ: فَقَالَ لِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: فِي الْحَدِيثِ شَيْءٌ لَا أَرَاكَ تُحَدِّثُهُ، قَالَ: قَالَ الرَّجُلُ: مَالِي، قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَقَدْ دَخَلْتَ بِهَا، وَإنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَهْوَ أَبْعَدُ مِنْكَ".
стр. 6704
والحديث سبَق في (اللِّعان).
قيل: استنبط البخاري من مَنْطوق حديث العَجْلاني من لفْظ: (فقَد دخَلْت بها) كمالَ المهر بالدُّخول، ومن مَفهومه عدَمَ الكمال، وعُلم النِّصف من القُرآن.
* * *
٥٣ - بابُ الْمُتْعَةِ لِلَّتِي لَمْ يُفْرَضْ لَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وَقَوِلِهِ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وَلَمْ يذْكُرِ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمُلَاعَنَةِ مُتعَة حِينَ طَلَّقهَا زوْجُهَا
(باب المُتعة للتي لم يُفرَضْ لها)
قوله: (الملاعنة) بالفتح والكسر، والأَوَّل أَعمُّ؛ لأنَّ لِعان الزَّوجة لدَفْع الحدِّ، فلا يكون إلا بعد لِعان الزَّوج، فكلُّ فاعلةٍ مفعولةٌ بدُون العكس.
قال الشافعي: المُتعة لزوجةٍ مفارقةٍ لا يكون الفِراق بسَبَبها ولا مهرَ لها، أو لها كلُّ المهر.
وقال (ط): قال أبو حنيفة: المُتعة للمُطلقة التي لم يَدخُل بها، ولم يُسمِّ لها صَداقًا.
стр. 6705
وقال مالك: المُتعة ليستْ بواجبةٍ أصلًا لأحدٍ.
والمَفهوم من كلام البخاري أنَّ لكلِّ مطلقةٍ مُتعة، والمُلاعنة غيرُ داخلة في جُملة المطلَّقاتِ، انتهى.
فإن قيل: لفْظ (طلَّقَها) صريحٌ أنَّها مُطلَّقةٌ؟
قيل: سبَق أنَّ الفِراقَ حاصل بنفْس اللِّعان حيث قال: (فلا سَبيلَ لكَ عَليها)، وتطليقُه لم يكُنْ بأَمر النبي ﷺ ؛ بل كان كلامًا زائدًا صدَر منه تأكيدًا.
* * *
٥٣٥٠ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: "حِسَابُكُمَا عَلَى اللهِ، أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَالِي، قَالَ: "لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهْوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا".
(أبْعَدُ وأبْعَدُ) هذا يقتضي بُعْدًا وزيادة فيه، وتكرارَها، فالبُعد لأنَّه يطلُب المالَ بعد استيفاء ما يُقابله وهو الوَطء، والزّيادةُ؛ لأنَّه ضمَّ إيذاءَها بالقَذْف إليه الموجِب للانتِقام منه لا للإنْعام إليه، والتَّكرارُ؛ لأنَّه أسقَطَ الحدَّ الموجِبَ لتَشفِّي المَقذُوف عن نفْسه.
* * *
стр. 6706
٦٩ - كتاب النفقات
стр. 6707
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٦٩ - كتاب النفقات
١ - وفَضْلِ النَّفَقَةِ عَلَى الأَهْلِ
﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
وَقَالَ الْحَسَنُ: الْعَفْوُ: الْفَضْلُ.
(كِتَابُ النَّفَقَاتِ ومَا يتَعَلَّقُ بِهِ)
قوله: (العفو: الفضل)؛ أي: الفاضل عن حاجته.
قال في "الكشَّاف": هو نقيض الجَهد، وهو أن يُنفقَ ما لا يبلغ انقسامُه منه الجَهدَ واستفراغَ الوسع.
* * *
٥٣٥١ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، فَقُلْتُ: عَنِ النَّبِيِّ؟ فَقَالَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ وَهْوَ يَحْتَسِبُهَا، كَانَتْ لَهُ صَدَقَةً".
стр. 6708
الحديث الأول:
(عن النَّبِيِّ ﷺ )؛ أي: ترويه عن النَّبِي ﷺ ، أو تقوله عن اجتهادٍ.
(يَحتسبُها)؛ أي: يَعملُها حسبةً لله تعالى.
قال (ن): احتسبَها: أراد بها اللهَ تعالى، وطريقه: أن يتفكَّرَ أنه يجب عليه الإنفاقُ، فيُنفق بنيةِ أداءِ ما أُمر به.
* * *
٥٣٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ! أُنْفِقْ عَلَيْكَ".
الثاني:
(أَنفِقْ يا ابنَ آدمَ أُنفِقْ عليك): هو معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩].
* * *
٥٣٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوِ الْقَائِم اللَّيْلَ الصَّائِم النَّهَارَ".
стр. 6709
الثالث:
(الأَرملة): التي لا زوجَ لها، والأرامل: المساكين.
(القائم الليل) هو مِثل: (الحَسَنُ الوجهِ) في وجوه إعرابه، وإن اختلفت من جهة الحقيقة أو المجاز.
* * *
٥٣٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُني وَأَنَا مَرِيضٌ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ: لِي مَالٌ، أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: "لَا"، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ، قَالَ: "لَا"، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: "الثُّلُثُ، وَالثلُثُ كثِيرٌ، أَنْ تَدَعَ وَرثتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً، يتكَفَّفُونَ النَّاسَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا فِي فِي امْرَأَتِكَ، وَلَعَلَّ اللهَ يَرْفَعُكَ، يَنتفِعُ بِكَ نَاسٌ ويُضَرُّ بِكَ آخَرُونَ".
الرابع:
(قال: الثُّلثَ) نُصب على الإغراء، أو بتقدير: أعطِ، أو بالرفع على أنه فاعل (يكفيك)، أو خبر مبتدأ محذوف أو بالعكس، وسبق شرحُ الحديث في (الجنائز) في (باب رثاء النَّبِي ﷺ ).
(كثير) بمثلَّثة وموحَّدة.
(حتى اللُّقمةُ) الوجه فيه الرفع عطفًا على (صدقةٌ) أو مبتدأ،
стр. 6710
و (ترفعها) الخبر، فإذا قَصَدَ بأبعدِ الأشياءِ عن الطاعةِ، وهو وضعُ اللُّقمةِ في فمِ المرأة وجهَ الله، ويحصل به الأجرُ؛ فغيرُه أَولَى، وفي الحديث معجزة؛ فإنه عاشَ حتى فُتح العراقُ، وانتفع به أقوامٌ في دِينهم ودنياهم، وتضرَّر به الكفارُ.
قال (ط): إن قيل: كيف يكون إطعامُ الرجلِ امرأتَه الطعامَ صدقةً، وهو فرضٌ عليه؟ فالجواب: أن الصدقةَ منها فرضٌ، ومنها تطوُّعٌ؛ والفرضُ أفضلُ.
* * *
٢ - بابُ وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَى الأَهْلِ وَالْعِيَالِ
(باب وجوب النفقة على الأهل والعِيَال)
٥٣٥٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدثَنَا أَبِى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدثَنَا أَبُو صَالحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَفْضَلُ الصدَقَةِ مَا تَرَكَ غنًى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ"، تَقُولُ الْمَرْأةُ: إِمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي، وإمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي، وَيَقُولُ الْعَبْدُ: أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي، وَيَقُولُ الاِبْنُ: أَطْعِمْنِي، إِلَى مَنْ تَدَعُنِي؟ فَقَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: لَا , هَذَا مِنْ كيسِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
стр. 6711
(العُلْيَا) هي المُنْفِقَة.
(السُّفْلَى) هي السائلة، وسبق شرحه في (الزكاة).
(بِمَنْ تَعُولُ)؛ أي: ابدَأْ في الإنفاق بعيالك، ثم انصرِفْ إلى غيرهم.
(كِيْس) بكسر الكاف: الوعاء، وهذا إنكارٌ على السائلين عنه، أي: ليس هذا إلا من رسول الله ﷺ ، وفيه نفيٌ يريد به الإثباتَ، وإثباتٌ يريد به النفيَ، ويُحتمل أن [يكونَ] قولُه (هذا) -إشارةَ إلى الكلام الأخير- إدراجًا من أبي هريرة، وهو (تقولُ المرأةُ) إلى آخره، فيكون إثباتًا لا إنكارًا، يعني: هذا المقدارُ من كِيسه، فهو حقيقةٌ في النفي والإثبات، وفي بعضها بفتح الكاف، أي: مِن عَقلِ أبي هريرة وكَيَاستِه.
قال التَّيْمِي: أشار البخاري إلى أن بعضَه من كلام أبي هريرة، وهو مُدرَجٌ في الحديث.
قال (ط): إن نفقتَه على الأهل محسوبٌ في الصدقة، وإنما يبدأ بنفسه؛ لأن حقَّ نفسِه عليه أعظمُ مِن حقِّ غيرِه بعدَ الله تعالى ورسوله ﷺ ، ولا وجهَ لإحياءِ غيرِه بعدَ إتلافِ نفسِه، وفيه: أن النفقةَ على الولد وهو ما دام صغيرًا؛ لقوله: (إلى مَن تَدَعُني)، وكذا كلُّ مَن لا طاقةَ له على الكسب كالزَّمِنِ ونحوه.
واختُلف في المُعْسِر: هل يُفرَّق بينه وبين امرأته بعدم النفقة؟
стр. 6712
فقال أبو حنيفة: لا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٨٠]، ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ [النور: ٣٢]، فنُدب إلى نكاح الفقير، فلا يجوز أن يكونَ الفقرُ سببًا للفُرقة.
قال الأئمَّةُ الثلاثةُ: تُخيَّر بين الصبر والفسخ؛ لقوله: (إمَّا أن تُطعمَني وإمَّا أن تُطلِّقَني)، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وإن لم يُنفِقْ عليها فهو مُضِرٌّ بها، وأمَّا الآيةُ الأولى ففي المُدَاينات، والثانية لم يُرِدِ الفقيرَ الذي لا شيءَ معه؛ للإجماع على أن مِثلَه ليس مندوبًا على النكاح.
* * *
٥٣٥٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ يْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ".
الثاني:
(عن ظَهر غنًى)؛ أي: فاضلًا عن حاجته؛ فلفظُ (ظَهر) مُقحمَةٌ أو بمعنى الاستظهار، وسبق الحديث في (الزكاة).
* * *
стр. 6713
٣ - بابُ حَبْسِ نَفَقَةِ الرَّجُلِ قُوتَ سَنَةٍ عَلَى أَهْلِهِ، وَكَيْفَ نَفَقَات الْعِيَالِ ؟
(باب حبسِ الرجلِ قُوتَ سَنتِه على أهله)
٥٣٥٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قَالَ لِي مَعْمَرٌ: قَالَ لِي الثَّوْرِيُّ: هَلْ سَمِعْتَ فِي الرَّجُلِ يَجْمَعُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ أَوْ بَعْضِ السَّنَةِ؟ قَالَ مَعْمَرٌ: فَلَمْ يَحْضُرْني، ثُمَّ ذَكَرْتُ حَدِيثًا حَدَّثَنَاهُ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يبيعُ نَخْلَ بني النَّضِيرِ، وَيَحْبِسُ لأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ.
الحديث الأول:
(قُوت سَنتِهم) قال (ط): فيه دليلٌ على جواز ادِّخار القُوت للأهل، وأنه لا يكون حُكْرَةً، وفيه ردٌّ على الصُّوفية في قولهم: ليس لأحدٍ ادِّخارُ شيءٍ في يومِه لغدِه، وأن فاعلَه أساءَ الظنَّ بربّه، ولم يَتوكَّلْ عليه حقَّ التوكيل.
* * *
٥٣٥٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَني مَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، وكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ذَكَرَ لِي ذِكْرًا مِنْ حَدِيثهِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى
قال ابن السَّكَن.
(فله نصفُ أجرِه) المراد بالطعام: الذي يكون في البيت لأجل قُوتهما جميعًا، وإلا فكيف يكون ذلك بدون إذنه؟ والمُرَادُ: بغير أمره الصريح؛ بل اكتفاءً في الإنفاق بالعادة أو بالقرائن في الأدب.
قال (ط): وجهُ الحديث في هذا الباب وإن كان في صدقةِ التطوعِ: أنه للمرأة أن تتصدَّقَ مِن مالِ زوجِها بغير أمره بما تعلم أنه يَسمح بمثله، وذلك غيرُ واجبٍ، فأخذُها من ماله مما يجب عليه أَولَىَ.
* * *
٥ - بابٌ وقال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ إلَى قوِله ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وَقالَ: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، وَقالَ ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾
وَقَالَ يُونس، عَنِ الزُّهْرِيِّ: نهى اللهُ أَنْ تُضَارَّ وَالِدَة بِوَلَدِهَا؛ وَذَلِكَ أَنْ تَقُولَ الْوَالِدَةُ: لَسْتُ مُرْضِعَتَهُ. وَهْيَ أَمْثَلُ لَهُ غِذَاءً، وَأَشْفَقُ عَلَيْهِ، وَأَرْفَقُ بِهِ مِنْ غَيْرِهَا، فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تأبَى بَعْدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مِنْ نَفْسِهِ مَا جَعَلَ اللهُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْلُودِ لَهُ أَنْ يُضَارَّ بِوَلَدِهِ وَالِدَتَهُ، فَيَمْنَعَهَا أَنْ تُرْضِعَهُ ضِرَارًا لَهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَسْتَرْضِعَا
стр. 6718
عَنْ طِيبِ نفسِ الْوَالِدِ وَالْوَالِدَةِ، فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ، ﴿وَفِصَالهُ﴾: فِطَامُهُ.
(باب ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣])
قوله: (أَمثَل)؛ أي: أفضل.
(للمولود له)؛أي: الأب.
قال في "الكشَّاف": فإن قلتَ: لِمَ قيل: ﴿الْمَوْلُودِ لَهُ﴾ دون الوالد؟ قلتُ: ليُعلَمَ أن الوالدات إنما وَلدْنَ لهم؛ لأن الأولادَ للآباء، ولذلك يُنسبَون إليهم لا إلى الأمَّهات.
(إلى غيرها): متعلق بـ (يمنعها)، أي: منعُها مُنْتَهِ إلى رضاع غيرها، أو يقول ذلك المذكور: إلى غير هذه الكلمات.
* * *
٦ - بابُ عَمَل الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِ زوجِهَا
(باب عمل المرأة في بيت زوجها)
٥٣٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، حَدثَنَا عَلِي: أَن فَاطِمَةَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ
стр. 6719
أتتِ النَّبِيِّ ﷺ تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: "عَلَى مَكَانِكُمَا"، فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْني وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: "أَلَا أَدلكمَا عَلَى خَيْر مِمَّا سَاَلْتُمَا، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا، فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهْوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِم".
(فلم تُصادِفْه) بالفاء، أي: لم تَرَه، حتى تلتمسَ منه خادمًا.
(على مكانِكما)؛ أي: الزَمَا مكانَكما ولا تتحرَّكا منه.
(على خيرٍ)؛ أي: باعتبار أن اللهَ تعالى يعطي المسبِّح قوةً يَقدِرُ بها على الخدمة أكثرَ مما يَقدِرُ الخادم عليه، أو يُسهِّل الأمورَ عليه بحيث يكون فعلُ ذلك بنفسه أسهلَ من فعل الخادم، أو أن نفعَ التسبيح في الآخرة ونفعَ الخادم في الدنيا؛ والآخرةُ خيرٌ وأَبقَى.
(أربعًا) منصوبٌ نصبَ المصادر؛ لأنه في الأصل مضافٌ للمصدر، نحو: كبَّرتُ اللهَ أربعَ تكبيراتٍ، وكذا كلُّ ما جاء من الأعداد على هذا المعنى.
* * *
стр. 6720
٧ - بابُ خَادِمِ الْمَرْأَةِ
(باب خادم المرأة)
٥٣٦٢ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ مُجَاهِدًا، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى يُحَدِّثُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَنَّ فَاطِمَةَ ﵍ أتتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْألهُ خَادِمًا، فَقَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ، تُسَبِّحِينَ اللهَ عِنْدَ مَنَامِكِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ اللهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ"، ثُمَّ قَالَ سُفْيَانُ: إِحْدَاهُنَّ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ، فَمَا تَرَكْتُهَا بَعْدُ، قِيلَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ، قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ.
(قال سفيان: إحداهنَّ أربعًا)؛ أي: أنه قال أولًا على التعيين: التكبيرُ أربع وثلاثون، وقال آخرًا على الإبهام: إحداهنَّ أربع وثلاثون.
(فما تركتُها)؛ أي: قال عليٌّ: ما تركتُ هذه الأذكارَ بعدُ قطُّ.
(قِيلَ: ولا ليلةَ صِفِّيْن) بكسر المهملة والفاء المشددة وسكون الياء وبالنون: موضعٌ بين العراق والشام وقع فيه حرب بين علي ومعاوية، أي: فلم يَمنَعْني منها عظمٌ ذلك الأمر والشغلُ الذي كنتُ فيه بِصِفّيْن، والقائل لعلي ذلك بيَّنَه مسلمٌ في روايته بأنه: عبد الرحمن بن أبي ليلى راويه، وقد سأل عليًّا عن ذلك أيضًا عبدُ الله بنُ الكَوَّاء،
стр. 6721
رواه ابن أبي شَيبة من وجه آخر.
* * *
٨ - بابُ خِدْمَةِ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ
(باب خدمة الرجل في أهله)
٥٣٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنِ الْحَكَم بْنِ عُتَيْبةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: مَا كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَتْ: كانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمعَ الأَذَانَ خَرَجَ.
(مِهْنة) بكسر الميم وقد تُفتَح وسكون الهاء: الخدمة، ففيه: أن خدمةَ الدارِ وأهلِها سنَّةُ عبادِ الله الصالحين، وفضيلة الجماعة.
* * *
٩ - بابٌ إِذَا لَمْ يُنْفِقِ الرَّجُلُ، فَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْخُذَ بِغَيْرِ عِلْمِهِ مَا يَكفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوف
(باب إذا لم يُنفِقِ الرجلُ)
٥٣٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ،
стр. 6722
قَالَ: أَخْبَرني أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِيني مَا يَكْفِيني وَوَلَدِي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهْوَ لَا يَعْلَمُ، فَقَالَ: "خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ".
في الحديث: جوازُ الخروجِ للمرأة والسؤالِ عن الأحكام، وكلاهما مع الأجنبي للحاجة، ووصفًا الإنسان بما فيه من النقصان عند الاحتياج، وأن لصاحب الحق أن يَأخذَ حقَّه بغيرِ إذنِ مَن عليه، وأن يَأخذَ مِن غيرِ جنسِه، ووجوبُ النفقة بالمعروف، قيل: والقضاءُ على الغائب.
* * *
١٠ - بابُ حِفْظِ الْمَرْأَةِ زوجَهَا فِي ذَاتِ يَدِهِ وَالنَّفَقَةِ
(باب حفظِ المرأةِ زوجَها في ذات يده)
٥٣٦٥ - حَدَّثنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثنَا سُفْيَانُ، حَدَّثنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَأَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ نِسَاءٍ رَكبْنَ الإبِلَ نِسَاءُ قرَيْشٍ"، وَقَالَ الآخَرُ: "صَالح نِسَاءِ قُرَيْشٍ؛ أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ"، وَيُذْكَرُ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 6723
(عن أبي هريرة) متعلق بطاوس أيضًا؛ لأنه سمع منه، فهو في مرتبة الأعرج.
(ركبْنَ الإبلَ) كنايةٌ عن نساء العرب.
(وقال الآخر) بفتح الخاء، أي: قال أحدهما: (خيرُ نساءٍ)، وقال الآخر: (صالحُ نساءٍ).
(أحْنَاهُ) من الحُنُوِّ، وهو الشفقة والعطف، وكان القياسُ أن يُقالَ: أحْنَاهُنَّ؛ لكن قيل: العربُ في مِثلِه لا تتكلم به إلا مفردًا، أو لعله باعتبار الذكور، أو باعتبار لفظ النساء.
(وأَرعَاه) من: الرعاية، وهي الحفظ، وقيل: من الإرعاء بمعنى: الإبقاء.
(ذاتِ يدِه)؛ أي: مالِه المضافِ إليه، وفيه: فضيلةُ القُرَشيات بهاتين الخَصلتَين، سبق في (الأنبياء) في (باب مريم).
* * *
١١ - بابُ كسْوَةِ الْمَرْأَةِ بِالْمَعْرُوف
(باب كسوة المرأة بالمعروف)
٥٣٦٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، قَالَ: أَخْبَرني عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ زيدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ -