البَول، والمَذي، والحَجَر، والدَّم، والدُّودَة من الدُّبر، والقَملَة من الذَّكَر؛ إلا أن يَخرجَ مع ذلك شيءٌ من حدَثٍ، قاله (ط).
(ضحك)، قال (ك): شَرَط فيه الشَّافعي أن تُيَسَّرَ القِراءةُ بدونه، ولم يَغلِبه.
قلت: وهذا عجيبٌ، فإنَّ ذلك في التَّنحنُحِ، وأما الضَّحِكُ؛ فالمَدارُ فيه وفي غيره على ظُهور حَرفين، ومُراد البخاري أنَّ مُطلقَ الضَّحِك لا ينقُض الوُضوء كما قاله جَابرٌ، خلافًا لقولِ أبي حنيفةَ: إذا كانَ بقَهقَهةٍ، أي: صَوتٍ يسمعُه جيرانُه؛ نَقَضَ، وإلا فلا، سواءٌ أكانَ بصَوتٍ لا يُسمعُ أو بتبسُّمٍ، وهو: ظُهورُ الأسنانِ فقَط.
(من شعره وأظفاره)؛ أي: خلافًا لقول مُجَاهد وحمَّاد: أنه يوجِبُ الوُضُوء.
(أو خلع نعليه)؛ أي: بعد المَسح عليهما، فإنَّما يوجِبُ غَسلَ الرِّجلين فَقَط، خلافًا لقَول أحمدَ: يُعيدُ الوُضوء.
قلت: وهو قولٌ للشَّافعي ضعيفٌ، وقال الحسنُ: يُصلي كما هو؛ ولا شيءَ عليه، وهو عندَنا وجهٌ قوَّاه في "شرحِ المُهذَّب".
(وقال أبو هريرة)، ليس قصرُه على أبي هريرة بمقصودٍ؛ لأنَّه قولُ كلِّ الأمَّة؛ لأنَّه فَسَّرَ الحديثَ بما يَخرُج من السَّبيلين، كما سَبق في الأحاديث.
(حدث) هو أمرٌ مُقدَّرٌ على الأعضاءِ يَمنعُ من الصَّلاة ونحوِها؛ كذا قال (ك)، وهو مفرَّعٌ على أنَّه لا يعُمُّ البَدَنَ، والأصَحُّ خلافُه.
стр. 702
(ويذكر): هو تعليقٌ بصيغَةِ تَمريض، ولكنه بعضُ حديثٍ طويل رواه أبو يعلى في "مسنده"، وابنُ خُزيمة في "صحيحه"، وأبو داودَ وغيرُهم.
(الرقاع) بكسرِ الرَّاء، قيل شجَرَةٌ سُمِّيت بِها الغَزوَة، وقيلَ: رِقاعٌ كانت في ألوِيَتِهم، وقيلَ -وهو الصحيح-: نَقِبَت أقدامُهم؛ فلَفُّوا عليها الخِرَق.
(رجل) هو عبَّادُ بنُ بِشرٍ، رواه الوَاقِدِيُّ.
(فنزف) بفتحِ الفَاء والزَّاي، أي: خرجَ منه دمٌ كثيرٌ، والمُخالفُ فيه أبو حنيفة، فقال: الدَّم ينقُضُ الوُضوء إذا سالَ، فيَستدِلُّ عليه بِهذا الحديث، لكنَّ مُضِيَّه في صلاتِه مع تنَجُّسِ بدَنِه، وربَّما أصابَ ثوبَه؛ مُشكلٌ، لأنَّ الطَّهارة من الخَبَث شَرطٌ، وأُجيبَ: إمَّا بأنَّ قليلَ دمِ الجُرح عفوٌ، أو أزالهُ في الحَال.
قال (خ): أو يقال: كان يجرِي من الجُرح على سبيلِ الدَّفْقِ، فلا يُصيبُ ظَاهِرَ البَدَن.
(جراحاتهم) بكسرِ الجِيم.
(ومحمد بن علي) الظاهرُ أنه ابنُ الحسَين بنِ عليّ بنِ أبي طالبٍ، الملقَّبُ بالبَاقِرِ، ويُحتملُ أن يُرادَ: ٧ محمدُ بنُ علي، المشهورُ بابنِ الحنَفِية، كذا قال (ك)؛ وهو الأوَّلُ قَطعًا.
(أهل الحجاز)؛ أي: مالكٌ، والشَّافعيُّ ونحوُهما، ونقلَه أبو الزِّناد عن كلِّ مَن أدرَكَه منَ الفُقَهاءِ.
(وبزق) يُقال: بَصَقَ بالصَّاد أيضًا.
стр. 703
(إلا غسل محاجمه) هذا الصَّحيحُ، ويقَعُ في بعضِ النُّسخ إسقاطُ (إلا)، والمَحاجِمُ: جَمع (مِحجَم)، وهو هنا مكانُ الحِجامَة لا قارورَتُها، وأوجبَ الحنفيَّةُ الوُضوء من الحِجَامة، وقالَ اللَّيثُ: يُجزِئُه أن يَمسَحَه ويصلِّيَ، ولا يَغسِلُه.
* * *
١٧٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبي ﷺ : (لَا يَزَالُ العَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي المَسْجدِ يَنتظِرُ الصَّلَاةَ، مَا لَم يُحدِثْ)، فَقَالَ رَجُلٌ أَعجَمِي: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ؛ يَعْنِي: الضَّرْطَةَ.
الحديث الأول:
وإسنادُه مدنيُّون إلا آدمَ، وقد وصَلَها.
(وابن أبي ذئب) محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمن.
(في صلاة): خبَرُ (١) (يزال)، وتنكيرُ (صلاة) للتَّنويع، أي: تلكَ الصَّلاةُ التي ينتَظِرها، فإذا انتظر الظُّهر كان فيها، وهلُمَّ جَرًّا، والمُراد أنه في ثوابِها لا حقيقةً، حتى يتكلَّم، ولا يقعُ عليه طلاقٌ علَّقه بصلاتِه، ونحو ذلك، والقرينةُ الانتظارُ.
стр. 704
(ما كان): (ما) مصدريَّةٌ ظرفيَّةٌ، وفي بعضِها: (ما دامَ).
(ينتظر) خبَرُ (كان) أو حالٌ، و (في المسجدِ) الخبَرُ.
(أعجمي) هو مَن لا يُفصِحُ ولا يُبِينُ كلامَه، ولو كانَ من العَرَب، فلا يُنافي ما سبَق أنَّه من حَضْرَمَوتَ، أما العَجَمِيُّ: فنسبةً للعَجَمِ، وهو خلافُ العَرَب، وسبقَ أنَّ هذا إدراج من الرَّاوي، وهو سعيدٌ، وأنَّ تفسير الحديثِ بذلك لكونه الغالبَ على مَن في صلاةٍ، أو ينتَظِرُ الصَّلاة، وإلا فأسبابُ الحَدَث كثيرةٌ، أو أن المُجمَعَ عليه ذلك، والباقي مَظِنَّةٌ، أو مُختَلَفٌ فيه، أو لأنَّ السؤالَ إنَّما هو عن حَدَثٍ خاصٍّ، وهو ما يقعُ مثلُه في المساجدِ، لا مُطلَقُ الحَدَث.
* * *
١٧٧ - حَدَّثَنَا أَبو الْوَليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيم، عَنْ عَمِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجدَ رِيحًا).
الحديث الثاني:
سبق شرحه في (باب لا يتوضأُ من الشَّكّ).
* * *
١٧٨ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ أَبِي يَعْلَى الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَاستحيَيتُ أَنْ أَسأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَأَمرتُ الْمِقْدَادَ
стр. 705
ابْنَ الأَسْوَدِ فَسَألهُ فَقَالَ: (فِيهِ الوُضُوءُ).
وَرَوَاهُ شُعبةُ، عَنِ الأَعمَشِ.
الثالث: سبق شرحُه أيضًا في آخِرِ (كتاب العِلم).
قال (ط) (١): حديثُ المِقدادِ مُجمَعٌ عليه أنَّ فيه الوُضوءَ؛ إلا أنَّ ما سَلِسَ منه عند مالكٍ مَرَضٌ لا وُضوءَ فيه.
(رواه شعبة عن الأعمش) الظَّاهرُ أنه يريدُ الأعمشَ عن منذرٍ عن ابنِ الحنفية، وإنْ احتُمِل أنْ يُروى عن غيرِ المُنذِرِ، وهذا التَّعليقُ من البُخاريِّ الذي ذكرَه متابعةً وصَلَه مسلمٌ.
* * *
١٧٩ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ أَخْبَرَهُ: أَنْ زيدَ بْنَ خَالِدٍ أَخْبَرَهُ: أنَّهُ سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ فَلَمْ يُمنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يتَوَضَّأُ كَمَا يتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ، قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيًّا، وَالزُّبَيْرَ، وَطَلْحَةَ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعبٍ ﵃، فَأمَرُوهُ بِذَلِكَ.
الحديث الرابع:
(قلت: أرأيت) إنَّما لم يقُلْ: (قال)؛ حتى يكون على أُسلوب
стр. 706
الأوَّل، لقَصد حكايةِ لفظِه بعَينه كما قال:
أَنَا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ
ولو قال: سَمَّتهُ أمُّه؛ لجَازَ باعتبار الغَيبَة، والأوَّلُ باعتبار التَّكلُّم، والاعتباران جائزان، والتَّاءُ من (أرأيتَ) مفتوحةٌ، ومفعولُه مَحذوفٌ، أي: أرأيتَ أنَّه يتَوضَّأُ؟
(يمنى) بضَمِّ الأوَّلِ وسكون المِيم، وهو الرِّواية، واللُغةُ الفَصيحَةُ، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨]، وفيه لغة: بفتح أوَّله، ولغة ثالثة: بضَمّ أوَّله وفتحِ الميمِ وتشديدِ النُّونِ، فإنه يقال: (أَمنَى ومَنَى ومَنَّى) بِمعنى.
(وغسل ذكره)؛ أي: لأنَّ الغالبَ على المُجَامعِ خروجُ المَذْيِ منه، وإن لم يشعُر به، والمُرادُ غَسلُ ما يتنجَّس من الذَّكر بالمَذْيِ، كما قالَ الشَّافعيُّ.
وقال مالك: يغسِلُ كلَّ الذَّكر، ولا فرقَ أن يغسِلَ الذَّكر قبلَ الوُضوءِ أو بعدَه على وَجهٍ لا يَنتقِضُ به، لأنَّه قد عَطَفَ بالواو، وهي لمُطلَقِ الجَمع.
واعلم أنَّ عدمَ الغُسل في الجِماع إذا لم يُنْزِلْ كما هو في هذا الحديثِ: مَنسوخٌ، والإجماعُ انعقَد على وجوبِ الغُسل بعد أن كانَ في الصَّحابة مَن لا يوجِبُ الغُسل إلا بالإنزَالِ.
(سمعته)؛ أي: المَذكورَ كلَّه.
стр. 707
(فسألت) هو من مَقولِ زَيدٍ.
(فأمروه)؛ أي: أمَروا المُجَامعَ المذكورَ في قوله: (جَامَعَ).
(بذلك)؛ أي: بأنَّه يتوضَّاُ، ويغسِلُ ذَكَره، ووجهُ ارتباطِ هذا بالتَّرجمة؛ أنَّه يدلُّ على أوَّل جُزأَيها، وهو وُجوبُ الوُضوءِ منَ الخَارج المُعتادِ لا عن الجُزءِ الأخير، وهو عَدمُ الوُجوب في غيره، وفي هذا كفاية.
قال (ط): أقلُّ أحوالِ حديثِ عثمانَ حُصولُ المَذْيِ لمَن جَامَعَ ولم يُمنِ، فهو في معنَى حديثِ المِقدادِ أنَّ فيه الوُضوءَ، إلا أنَّ أئمَّةَ الفَتوى مُجمِعونَ على الغُسل من محاذِي الخِتَانِ، لأمرِه ﷺ بذلك، وهو زيادةُ بيانٍ على ما في هذا الحديث، فيجبُ الأخذُ بِها، إذ الأغلبُ سبقُ الماءِ للمُولجِ، وهو لا يشعرُ لمَغيبِ العُضوِ إذ ذاك بَدءَ اللَّذَّة، وأولَ العُسَيلَةِ، فالتَزمَ المُسلمون الغُسل من مَغيبِ الحَشَفَة بالسُّنَّة.
* * *
١٨٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَناَ النَّضْرُ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعْبةُ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ ذَكْوَانَ أَبِي صَالح، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَرسَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَجَاءَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (لَعَلَّنَا أَعجَلْنَاكَ)، فَقَالَ: نعَم، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (إِذَا أُعْجلْتَ أَوْ قُحِطْتَ، فَعَلَيْكَ الوُضُوءُ).
تَابَعَهُ وَهبٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ أبو عَبْدِ اللهِ: وَلَم يَقُلْ غُنْدَرٌ
стр. 708
وَيحيَى: عَنْ شُعبة: الوُضُوءُ.
الحديث الخامس، (م د):
(يقطر)؛ أي: ينزِلُ الماءُ منه قَطرَةً قَطرَةً، وإسنادُ القَطرِ للرَّأس مَجَاز، مثلُ: سالَ الوادي.
(لعلنا)، لعلَّ هذه لإفادةِ التَّحقيق لا للتَّراخي، وإلا لمَا احتَاجَ لجَوابٍ.
(أعجلناك) بفتح الهمزة وسكون العين، يقال: أعجَله وعجَّله تعجيلًا: استحثه.
(أعجلت أو قحطت) بضَمِّ أوَّلِهما، والإقحَاطُ: عدمُ الإنزالِ، استعارةٌ من قُحوطِ المَطَر؛ وهو انحِباسُه، وقُحوطِ الأرضِ؛ وهو عدمُ إخراجِها النَّباتَ، ويقالُ: قُحِطَ القَومُ وأُقحِطُوا: أصابَهم القَحطُ، وأُقحِطَ: أيضًا على ما لم يُسمَّ فاعلُه.
قال التَّيمِيُّ: وقَع في البخاريّ: (قُحِطتَ)، والمشهور (أُقحِطْتَ) بالألف، فقال: ذلك لمَن أُعجِلَ عن الإنزالِ في الجِماعِ، أو جامَعَ فلم يأتِه المَاءُ.
قال (ك): فيَبقَى من عَطفِ العامِّ على الخاصِّ، وهذا التَّرديدُ؛ الظَّاهرُ أنَّه من النَّبي ﷺ لبيانِ أنَّ عدمَ الإنزالِ هذا حُكمُه، سواءٌ كانَ من خارجٍ عن ذاتِ الشَّخصِ أو من ذاتِه، فهو للتَّفريع.
ويُحتَملُ أنَّه شطٌّ من الرَّاوي، وفي بعضِها: (أَعُجِّلْتَ) بِهمزة
стр. 709
الاستفهام وضمِّ العين وكسرِ الجيم المُشدَّدة، وفي بعضِها بفَتح العينِ وكسرِ الجيم، وفي بعضِها بفتحِ قافِ (قَحَطت) وحائِها، وفي بعضِها بكسر الحاء، وفي بعضِها بالهمزة مفتوحةً مضمومةً على البناء للفَاعل أو المَفعول.
(فعليك الوضوء) مبتدأٌ وخبرٌ مُقدَّمٌ، أو بنصبِ (الوُضوء) على الإغراءِ، أو مفعولُ (عليكَ)؛ لأنه اسمُ فعلٍ بمعنى: اِلزَم.
(تابعه)؛ أي: تابع النَّضرَ (وهب) تعليقٌ، لأنَّ البخاريَّ عند وفاته كان ابنَ اثنتَي عَشرة سنةً، وإسنادُ شعبةَ على ما هو عليه، وقد وصَلَه، أي: أبو العبَّاس السَّرَّاجُ في "مسنده".
(ولم يقل)؛ أي: ولم يذكُرا في رِوايتِهما عن شعبةَ لفظَ (الوُضوء)؛ أي: بل قالا: (فعَليكَ) فقط بحذف المبتدأ، وجازَ ذلك لوُجود القَرينَةِ، ورواية غُنْدَرٍ وصَلَها أحمدُ ومسلم، وروايةُ يحيى بنِ القَّطَّانِ وصَلَها أحمدُ.
* * *
٣٥ - باب الرَّجُلُ يُوَضِّيءُ صَاحِبَهُ
(باب الرجل يوضئ صاحبه) هو بكسر الضَّاد المُشدَّدة، والهمزِ.
١٨١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يَزِيدُ بْنُ هارُونَ، عَنْ يَحيَى، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبة، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ
стр. 710
أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا أفاضَ مِنْ عَرَفَةَ عَدَلَ إِلَى الشِّعْبِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زيدٍ: فَجَعَلْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ وَيتَوَضَّأُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أتصَلِّي؟؟ فَقَالَ: (المُصَلَّى أَمَامَكَ).
الحديث الأول:
سبق في (باب إسبَاغِ الوُضُوء).
(أفاض)؛ أي: دفع (من عرفة)؛ أي: من وُقوفِ عَرَفةَ، لأنَّ (عرفةَ) اسم اليوم، و (عرفات) اسمٌ للمَكان، إلا أنَّ (عَرَفة) أُطلِقَ على المكان.
قال الجوهري: قولُ النَّاس: نزَلنا عَرَفَةَ؛ شبيهٌ بِمُوَلَّدِ، وليس بعرَبيٍّ مَحض.
(الشعب): الطَّريقُ في الجَبل.
(أصب) بضَمِّ الصَّاد، ومفعولُه محذوفٌ.
(ويتوضأ): الجملةُ حاليَّةٌ، وإن كانَ فيه واحدٌ، كإجازة الزَّمخشريّ في: ﴿وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩]، وفي: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا﴾ [المائدة: ٨٤].
(المصلى)؛ أي: مكانُ الصَّلاة.
(أمامك)؛ أي: قُدَّامَك، وقد سبقَ مَباحِثُ أُخرى.
قال (ط): وَجهُ دِلالتِه على أنَّ الرَّجلَ يُوضئُه غيرُه: أنَّ أُسامَةَ كانَ يغتَرِفُ له من الإناءِ ويصُبُّ عليه، وذلك بعض أعمالِ الوُضوء، فجازَ سائرُ أعمَالِه، وهو مِنَ القُرَب التي يعمَلُها الرَّجلُ
стр. 711
عن غيرِه، بخلافِ الصَّلاة؛ لأنَّ الإجماعَ أنَّ المريضَ يُوضِّئُه غيرُه، ويُيَمِّمُهُ غيرُه إذا لم يستَطِع، ولا يُصَلِّي عنه إذا لم يَستَطِع، فحَصَل الفَرقُ بينَهما، وهذا يَرِدُ على مَن قَالَ: نكرَه أن يُشرِكَنا في الوُضوءِ أحَدٌ.
قال (ن): وفي الحديثِ جوازُ الاستِعانَة في الوُضوء، لكنْ إنْ كانَ بإِحضَار الماء فلا كراهةَ، أو بِغَسل الأعضاء فَمَكروهٌ إنْ لم تكنْ حاجةٌ، أو بالصَّبِّ؛ فالأولى تَركُه، وهل يُسمَّى مَكروهًا؟ وَجهان.
قال (ك): وفيه جوازُه؛ لأنَّ ما فَعَلَه النَّبيُّ ﷺ لا يُقالُ فيه: الأَولى تَركُه، وكيفَ يتردَّدُ فيما الأَولى تركُه؟ وكيفَ ينفِي كراهتَه وليسَ المكروهُ إلا ذلك؟
قلتُ: فَعَلَه ﷺ وإنْ كانَ في غيرِه خلافُ الأولى؛ لدَليلٍ خَصَّه، لكنْ هو في حقِّه أولى، بل واجبٌ من حيثُ إنَّه أحدُ طُرُقِ التَّبليغِ، وأمَّا الفَرقُ بين خلافِ الأولى والمكروه، فمَشهورٌ في كلامِ أصحابنا إمَامِ الحَرَمين وغيرِه: إنْ كان بنَهيٍ مقصُودٍ فمَكروهٌ، أو بنهيٍ تضَمَّنَه أمرٌ بفعلٍ فخِلافُ الأَولى.
* * *
١٨٢ - حَدَّثَنَا عَمرُو بْنُ عَليٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ: سَمِعتُ يَحيَى بْنَ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَني سَعدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: أَنَّ ناَفِعَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ: أنَّهُ سَمعَ عروَةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعبَةَ يُحَدِّثُ عَنِ
стр. 712
الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبةَ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، وَأَنَّهُ ذهَبَ لِحَاجَةٍ لَهُ، وَأَنَّ مُغِيرَةَ جَعَلَ يَصُبُّ المَاءَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يتوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْههُ وَيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ.
الحديث الثاني:
(جعل يصب) هذا من تأدِيَة عُروَةَ معنَى كلامِ المُغيرة، إذ لو ذَكَر لفظَ المُغيرة، لقالَ: (جَعَلتُ أَصُبُّ).
(فغسل) عطفُ مفَصَّلٍ على مُجمَلٍ؛ لأنَّه غيرُ مُغايرِ للمَعطُوفِ عليه، وهو (يتَوضَّأ) بل هو عينُ الوُضوءِ كما قرَّره الرمخشريُّ في: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] إلى آخر الآيتين، حيثُ عُطِفَ على: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، وأتَى بِـ (غَسَلَ) ماضيًا؛ لأنَّه الأصلُ، وتعبيرُه بالمُضارعِ في (يتَوضَّأ) إنَّما هو لحِكَايةِ الحالِ المَاضيَة.
(ومسح على الخفين) فيه بيانُ المَسحِ على الخُفَّين، وأنَّه لا يجوزُ أن يَمسَحَ واحدةً ويغسِلَ أُخرى، وعُدِّيَ (مسَحَ) بِـ (على) دونَ حَرفِ الإلصاقِ؛ نَظرًا إلى معنَى الاستعلاء، كما لو قال: مَسحَ إلى الكَعبين؛ كانَ نَظَرًا إلى الانتِهاء، وبِحَسَب المَعاني تختَلفُ صِلاتُ الأفعال، وإنَّما أعادَ بلفظِ (ومَسَحَ) ولم يُعِدْ لفظَ (غَسَلَ) في قوله (ويدَيه)؛ لأنَّ المُراد في الحديثِ بيانُ تأسيسِ قاعدَةِ: المَسحِ بخِلافِ الغَسل، فإنَّه تكريرٌ للسَّابقِ.
* * *
стр. 713
٣٦ - بابُ قِرَاءةِ القُرْآنِ بَعْدَ الحدَثِ وَغَيْرِهِ
وَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: لَا بَأْسَ بِالقِرَاءَةِ فِي الحَمَّامِ، وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ.
وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهم إِزَارٌ فَسَلِّم، وَاِلَّا فَلَا تُسَلِّم.
(باب قِرَاءَةِ القرآنِ بَعدَ الحَدَثِ وَغَيرِه)؛ أي: وغيرِ القُرآنِ من سَلامٍ وذكرٍ.
(منصور)؛ أي: ابنُ المُعتَمِر.
(إبراهيم)؛ أي: النخْعِي.
(في الحمام)؛ أي: والغالبُ أن يكونَ القارِئُ فيهِ مُحدِثًا، وكَرِهَ الحسَنُ وطائفةٌ القِراءَةَ فيهِ.
(بكتب الرسالة)؛ أي: معَ كَونِ الغَالبِ أن في الرَّسائلِ القرآنَ والذِّكرَ، وفي بعضِ النُّسخ: (يُكتَبُ) بالفِعلِ المُضارعِ المَبنِيِّ للمَفعولِ.
(على): مُتَعَلِّقةٌ بـ (كَتَبَ) لا بالقراءَةِ.
(عليهم)؛ أي: على أهلِ الحمَّام.
(إزار) هو ما يُلبَسُ في النِّصف الأسفَل، بخلافِ الثَّوبِ؛ فإنَّه
(عرض) بفتح العَين، أي: ضِدُّ (الطُّول)، نقَله في "المَطالع" عن الأكثَر، وفي بعضِها: بالضَّم بمعنَى النَّاحيَةِ، وأنكَرَه أبو الوليدِ، وابنُ التِّينِ، ونازَعَ الإسماعيلِيُّ البخاريَّ في الاستدلالِ بالحَديثِ على أنَّ الوُضوءَ للحَدَثِ، فإنَّ نومَ النَّبي ﷺ لا ينقُضُ وُضوءَه.
(الوِسَادَة) المِخَدَّة.
(قبله) ظَرفٌ لـ (استَيقَظَ) إن قُلنا: (إذا) ظرفيَّة، أي: [أَستيقِظُ في] وَقتِ الانتِصَافِ أو قَبلَه، فإن قُلنا: شَرطيَّة؛ فمتعلِّق بفعلٍ مُقدَّرٍ، أي: أو كانَ قبلَه، و (استيقَظَ) جوابُ الشَّرط.
(فجلس) في بعضِها: فجَعَلَ.
(العشر الآيات) من إضَافةِ الصِّفةِ للمَوصوف، واللام تدخلُ في العدَدِ المُضافِ نحو (الثَّلاثة الأثواب).
(الخواتم) جَمع خاتِمة؛ أي: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخر السُّورة.
(شن) بفتح المُعجمة؛ وِعاءُ المَاء منَ الأَدَمِ إذا خَلِق، والجمع شِنَانٌ -بكَسرِها-.
(معلقة) أُنِّثَت باعتِبار معنَى القِربَة، وذكَّره في الحَدَث في (بابِ التخفيفِ في الوُضوء) باعتبارِ الأَدَمِ أو الجِلدِ.
(فأحسن وضوءه)؛ أي: أتَمَّه، وأتَى بمندوباتِه، ولا يُعارِضُ هذا قولَه هناكَ: (وُضوءًا خفيفًا)، لأنَّه لا يُنافي التَّخفيفَ، أو كانَ ذا في
стр. 716
وقتٍ وذا في وقتٍ.
(مثل ما صنع)؛ أي: مثلَ وُضُوئه، لكنْ قالَ هناكَ: (نحوًا)، وهو راجِعٌ إلى الكَيفيَّة، والمِثلِيَّةُ هنا راجِعةٌ لأصلِ الوُضوءِ، ويَحتمِلُ التَّعميمَ في الوُضوء، ومسحَ النَّومِ عن الوَجهِ، وقراءةَ الآياتِ، وغيرَ ذلك.
(بأذني) بضَمِّ الذَّال وسُكونها.
(يفتلها)؛ أي: يَدلُكُها، وذلك إمَّا تنبيهٌ عن الغَفلَة، أو إظهارُ مَحبَّته.
(فصلى ...) إلى آخره، مجموعُه اثنا عَشَر ورَكعةُ الوِترِ، فهو دليلٌ لمَن قالَ: صلاةُ اللَّيل ثلاثَ عشرةَ ركعةً (١)، وهو تقييدٌ للمُطلقِ هنا؛ إذ قال: (فصلى ما شاء الله)، وفيه أنَّ السُّنة في النَّوافلِ مَثْنَى لا رُباعُ.
(وخرج)؛ أي: من الحُجرَةِ إلى المَسجد.
(فصلى الصبح)؛ أي: بالجِماعَة.
قال (ط): فيه ردٌّ على مَن كَرِة قِراءةَ القرآنِ للمُحدِثِ غيرِ الجُنُب.
قال (ك): إذا كانَ لا ينامُ قلبُه ﷺ فلا حُجَّةَ في قراءَته الآياتِ على ذلك.
وفيه الاضطَّجاعُ عندَ المَحرَمِ وزوجُها عندَها، وتخفيف الرَّكعَتَين
стр. 717
قبلَ الصُّبحِ، وغيرُ ذلك ممَّا سبق.
* * *
٣٧ - بابُ مَنْ لَم يَتَوضَّأْ إلا مِنَ الغَشْي المُثْقِلِ
(باب مَنْ لَم يتَوَضَّأْ إِلَّا مِنَ الغَشْي المُثْقِلِ) بكسر القَاف، صفة لِـ (الغَشْي) بفتح الغَين وسكونِ الشِّين المُعجَمتَين، ورُوي بكسر الشِّين وتشديدِ الياء، يُقالُ: غُشِيَ عليه غَشْيًا، وغَشيَةً وغَشَيانًا.
ووجهُ الحَصرِ بأنَّ للوُضوءِ أسبابًا أُخَر لأنَّ الاستِثنَاء مُفرَّغٌ، والتَّقديرُ: مَن لم يتَوضَّأ مِن غَشْيٍ إلا مِنَ المُثْقِلِ الذي هو إغماءٌ لا مِنَ الخَفيفِ، أو يقالُ على طَريقَةِ البيَانيِّين: إنَّه قَصرُ إفرادٍ؛ ردًّا على مَن زَعمَ أنَّ نوعَي الغَشيِ ينقُضَان الوُضوءَ.
قال (ط): الغَشْيُ: مَرَضٌ يعرِضُ من طُولِ التَّعَبِ والوُقوفِ، وهو إغماءٌ خفيفٌ، فلا ينقُضُ الوضوءَ، ولا الصَّلاةَ، وإنَّما صبَّت أسمَاءُ المَاء على رأسِها دَفعًا له، لا أنَّه كثيرٌ، فإنَّ ذلكَ ينقُضُ إِجمَاعًا.
١٨٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُروَةَ، عَنِ امرَأَتِهِ فَاطِمَةَ، عَنْ جَدَّتِها أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّها قَالَتْ: أديْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ خَسَفَتِ الشَّمسُ، فَإِذَا النَّاسُ
(المرفق) بفتحِ الميمِ وكسر الفاء، وبالعكس، هو: مِفصَلُ الذِّراعِ والعَضُد، ولا يُؤخذُ من هذا عَدمُ غَسل المِرفَق؛ من حيثُ إنَّ الغايةَ لم تدخلْ، إمَّا لمنع إفادةِ الغايةِ المُخالفة، أو يجب احتِياطًا، أو غير ذلك.
(بدأ ...) إلى آخره هو بيانٌ لِـ (أقبلَ وأدبَرَ).
واعلَم أنَّ في الاستدلالِ بذلك على مَسحِ الجَميع نَظَر؛ إذ ليسَ كلّ ما ذُكِرَ واجبًا كالمَضمَضَةِ والاستِنشَاق، ومَن أوجَبَهما مَحجُوجٌ بأمورٍ بعضُها سبَقَ، وبعضُها يأتي.
وأيضًا التَّثليثُ والتَّثنيةُ في البَعضِ مَذكوران؛ ولا يَجبان اتِّفاقا، ولا يُقالُ: هو بيانٌ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وهو واجبٌ فبيانُه واجبٌ؛ لأنَّا نقولُ: وكانَ يجبُ الرَّدُّ إلى المَكان الذي بَدأ منه، ولا يَجبُ اتَّفاقًا، ويلزَمُ أن يكونَ التَّثليثُ والتَّثنيَةُ واجبَتَين؛ لأنَّهما بيانٌ أيضًا، فمَسحَ النَّبيُّ ﷺ ناصيته، فلو وَجَب الكُلّ لما اقتَصَر عليه، فالحقُّ أن الأمرَ تحقيقُه المَسحُ، وهو صَادقٌ بالكُلّ والبَعضِ.
وهذا الحديثُ وردَ بكَمالِه، ولا نِزاعَ فيه؛ بدليلِ أنَّ الإقبالَ والإدبارَ لم يُذكرا في غيرِ هذا الحَديثِ، وربَّما يُستَدلّ على البَعضِ بالباء المُقتَضِيَة للتَّجزِئَة، ففَرقٌ بينَ: (مَسحتُ المِنديلَ) و (بالمِنديلِ).
قيل: فيلزمُ في: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] مثلُه،
стр. 722
فلا يثبُتُ في الباء تجزئةٌ، وجوابُه: مَنَعَ من ذلك مانِعٌ، وإيجابُ الحنفيَّة الرُّبعَ احتِجاجًا بمَسحِه ﷺ بناصِيته، فهو بيانٌ للإِجمال في الآية؛ لأنَّ الناصِيةَ رُبعٌ، وما في حديثِ عبدِ الله المَازِنيِّ، فإنَّما هوَ لأَنَّه أفضلُ، فيُجمَعُ بذلك جوابُه أنَّه لا يكونُ بيانًا إلا إذا كان أولُ مسحِه لذلك بعد الآية.
وأيضًا فقوله: (بناصِيته) يَحتَمِلُ بعضَها، وأيضَا يحتَمِلُ أنَّ الواجبَ الكُلُّ، ولكنْ قَصَرَ على النَّاصية في وقتٍ لعُذرٍ، وأيضًا فذاك في حديثِ المغيرةِ أنَّه مَسَحَ بناصِيته، وعلى عِمَامَتِه، فاقتِرانُه بالعِمَامَة يَنفِي التَّحديدَ بالرُّبع، وأنَّه لا يُقتَصَرُ عليها، وإنَّ ذلك كانَ لعُذرٍ.
ولنا أيضًا القياسُ على المَسحِ في الخُفِّ، وهو للبَعضِ، وهو أرجَحُ من قياسهم على مَسحِ الوَجه في التَّيمُّم، لأنَّ المَسحَ في الوُضوء أقربُ منَ المَسح في التَّيمُّم.
وأيضًا فمَسحُ الوَجه في التَّيمُّم بدلٌ عن غَسلِ جَميعِه، ومسحُ الرَّأسِ أصلٌ برَأسِه.
قال (ط): أجمَعوا أنَّ مَن (١) مَسَحَ الكُلَّ أدَّى الفَرضَ، واختَلفوا فيمَن مَسحَ البَعض، فيجِبُ اليقينُ بمَسحِ الكُل، وعُورِضَ بأنَّ مسحَ البَعض واجبٌ اتَّفاقا؛ لأنَّ مَن قالَ بالكُلِّ أو بالناصية أو أقلَّ؛ يقولُ به، والزَّائدُ الأصلُ براءةُ الذِّمة منه).
стр. 723
(ثلاثًا) ذُكرَ في بعضِ الأعضاء، وفي بعضِها مرَّتين، للإشعار بجَوازِ ذلك كلِّه، وإن كانَ الأكملُ الثَّلاثَ في الكلِّ، ففِعلُه بيانٌ للجواز، فهو أفضَلُ في حقِّه، والبيانُ وإن لم يكنْ بالقَول؛ لكنَّ الفعلَ أوقعُ في النُّفوس، وأبعَدُ منَ التَّاويلِ.
قال (ط): و (ثُمَّ) في الحديث بمعنَى الواو، أي: لا للمُهلَة، ولا للتَّرتيب.
* * *
٣٩ - بابُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الكعبَيْنِ
(باب غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ إِلَى الكَعبَيْنِ)
١٨٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهيْبٌ، عَنْ عَمرٍو، عَنْ أَبِيهِ: شَهِدْتُ عَمرَو بْنَ أَبِي حَسَن سَأَلَ عَبْدَ اللهِ بْنَ زيدٍ عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ مَاءٍ، فتوَضَّأَ لَهُم وُضُوءَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَأكفَأَ عَلَى يَدِهِ مِنَ التَّوْرِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ وَجْههُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأدبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إلَى الكَعْبَيْنِ.
(شهدت)؛ أي: حَضَرتُ (عمرو بن أبي حسن) هو أبو عُمارَةَ،
стр. 724
جدُّ عمرِو بنِ يحيَى، فيكونُ أخا جدِّه: والجَمعُ بينَه وبينَ ما سبق أنَّه جدُّه؛ أن يكونَ جَدًّا له من جِهةِ الأم، عمًّا لأبيه، أو جُعِلَ جَدًّا لأنه عمُّ أبيه، والعمُّ صِنوُ الأبِ.
ووَقَع في "الأمّ" للشَّافعِيِّ من هذه الطَّريقِ: أنَّ يحيَى والدَ عمرٍو هو السَّائلُ، لا عمارةُ بنُ أبِي حَسَنٍ، ولا عمرُو بنُ أبِي حَسَنٍ، فيجوزُ أنَّ كليهِما سَأَلَ.
(بتور) بالمُثنَّاة فوق وسكونِ الواو، وهو: إناءٌ يُشرَب فيه، أو هو من صُفْرٍ أو حَجَر كالإِجَّانةِ.
(لهم)؛ أي: للسَّائل وأصحابِه، فـ (اللام) بمعنَى: مِن أجلِ.
(فأكفأه) هو لغةٌ في (كفأتُه) بمعنَى: قَلَبتُه، فهو مَكفوءٌ، حكاهُما ابنُ الأعرابيِّ، وقالَ الكِسَائيُّ: كَفَأتُه: قلَبتُه، وأكفَأتُه: أمَلتُه.
(واستنثر) عَطْفُه على (استَنشَقَ) دليلٌ على تغايُرِهِما.
(ثلاثًا) يَحتَمِل لكلٍّ ثلاث، ويَحتَمِل أنَّ الثلاثَ لهما، وهو الظَّاهر، وسبقَ أنَّ في الكيفيَّة خَمسَةُ أوجُهٍ.
(فغسل يديه مرتين)؛ أي: لكُلِّ يدٍ مرَّتين، لا أنَّهما لهما، كلُّ يدٍ مرَّة مرَّة.
وفي الحديثِ جوازُ طلَبِ إحضارِ الماء للمُتوضِّئ، والاستعانةُ بذلك بلا كرَاهةٍ، وأنَّه لا يُدخِلُ اليَدَ في الإناءِ قبلَ الغَسلِ، وجوازُ ذلكَ
стр. 725
بعدَه في أثناءِ الاستِعمَال، ونَدبيَّةُ الثَّلاث في المَضمَضَة والاستِنشاقِ، وأنَّ مسحَ الرَّأس مَرَّةٌ، ووُجوبُ غَسلِ الرّجل.
قال الزَّمَخشَرِيُّ: (إلى) تقتَضي معنَى الغايَة، فأمَّا دخولُها في الحُكم وعدمُه فدائرٌ على الدَّليل، ففي: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْل﴾ [البقرة: ١٨٧] خارِجَةٌ، وإلا لوَجَب الوِصالُ، وتقولُ: حفِظتُ القُرآنَ من أوَّله إلى آخره، فهي داخِلَةٌ، لأنَّ الكلامَ مَسوقٌ لحِفظِ الكُلِّ؛ فـ (إلى المِرفَقَين)، و (إلى الكَعبَين) لا دليلَ فيه على أحَدِ الأَمرَين، فأخَذَ كافَّة العلماءِ بالاحتياطِ، فحَكموا بدخولِ ذلك في الغَسلِ، وأخَذَ زُفَرُ بالمُتيَقَّن، فلم يُدخِلْهُ، وقيل: (إلى الكعبين) جيءَ بالغايةِ فيه لدَفعِ توَهُّمِ المَسح؛ لأنَّ المَسحَ لم يُضرَب له غايةٌ في الشَّرعِ.
قال (ط): احتجُّوا في الدُّخول بأنَّ (إلى) بِمعنَى (مع)، نحو: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، ورُدَّ بأنه كانَ يلزمُ الغَسل إلى الكتِفَين، لكنَّ الغايةَ داخِلَةٌ، فيجبُ غَسلُ المِرفقَين، بخلافِ (إلى اللَّيل)؛ فإنَّه ليسَ مِنَ النَّهار.
وقيلَ: الاستثناءُ من المَتروكِ، أي: واترُكوا منَ المَناكِبِ إلى المَرافِق، فتكونُ المَرافقُ داخلةً في المَغسولِ، والكَعبانِ في ذلك كالمِرفَقِ.
وقال مالكٌ: الكَعبُ: هو المُلتَصِقُ بالسَّاق المُحاذِي للعَقِب، وقالَ أبو حنيفة: هو الشَّاخِصُ في ظَهرِ القَدَم.
стр. 726
وقالَ الأصمَعِيُّ: هُما العَظمانِ النَّاتِئان من جانِبِ القَدَم، دليلُه في حديثِ: (أقيموا صفُوفَكم)، (ورأيتُ الرَّجُل يُلصِقُ كعبَه بكَعبِ صاحِبِه).
* * *
٤٠ - بابُ اسْتِعمَالِ فَضْلِ وَضُوءِ الناسِ
وَأَمَرَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَهْلَهُ أَنْ تتَوَضَّؤا بِفَضْلِ سِوَاكِهِ.
(باب اسْتِعمَالِ فَضْلِ وَضُوءَ النَّاسِ) بفَتح الوَاو على المَشهور، وفَضلُه: ما يَبقَى في الإناءِ بعدَ الوُضوءِ، أو أنَّ المُرادَ ما يتَطايرُ عن المُتوَضِّيء فيُجمَع، والسِّياقُ ظاهرٌ في هذا المعنَى، وبِهذا التَّفسيرِ هو المَاء المُستعمَل، فمالكٌ يقولُ: إنه طَهورٌ، والشَّافعيُّ يقول: طاهرٌ لا طَهورٌ، وأبو حنيفَة يقولُ: إنَّه نَجِسٌ، ثُمَّ المُرادُ بالاستعمال رفعُ حَدَثٍ أو إزالةُ نَجَسٍ على ما فُصِّلَ في الفِقه.
(بفضل سِواكه)؛ أي: العُود الذي يتَسَوَّكُ به في الأشهر، فهو مُذَكَّرٌ.
قالَ في "المُحكَم": ويُؤثَّث أيضًا، وجَمعُه: (سُوُك) كـ (كتاب) و (كُتُب).
والمرادُ بفَضلَةِ الماء: الذي يُنقَعُ فيه ليترطَّبَ، ويُطلق السِّواكُ
стр. 727
أيضًا (١) على الفِعل، أي: الاستِيَاك، وليسَ مُرادًا هنا.
* * *
١٨٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الحَكَمُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جُحَيْفَةَ يَقُولُ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالهاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ فتوَضَّأَ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَأخُذُونَ مِنْ فَضْلِ وَضُوئهِ فَيتمَسَّحُونَ بِهِ، فَصَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ ركعَتَيْنِ وَالعَصرَ ركعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ.
الحديث الأول:
(بالهاجرة) هو وسطُ النَّهار، وعندَ شدَّة الحرِّ، وهذا كانَ في سَفَرِ القَصرِ، ولهذا صلَّى الظُّهرَين رَكعتَين رَكعتَين.
(العنزة) بفَتحات: أطولُ من العَصا، وفيها زجٌّ كالرُّمحِ.
* * *
١٨٨ - وقَالَ أبَو مُوسى: دعَا النبيُّ ﷺ بِقَدحٍ فيهِ ماءٌ، فغسلَ يديهِ ووجههُ فيهِ ومجَّ فيهِ ثُمَّ قالَ لَهُمَا: (اشْرَبَا مِنْهُ، وَأفرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا).
(وقال أبو موسى) وصَلَه في (المغازي) في (غزوة الطَّائف).
стр. 728
(ثم قال لهما)؛ أي: لأبِي الرَّاوي ولبِلالٍ، فإنّه كانَ معه كما ذُكِرَ هناكَ.
(اشربا) بهمزةِ وَصلٍ من (شَربَ).
(وأفرغا) بالقَطع، لأنَّه رُباعيٌّ، وفي الحديث هناك: فنَادتهُما أمُّ سَلَمةَ (١) من وَراءِ السِّتر أَفضِلا، فأفضَلا لها.
ويحتَمل أنَّ الأمرَ بالشُّرب والإِفراغِ لِمَرَضٍ أو شيءٍ أصابَهما، فلذلك قالَ الإسمَاعيلِيُّ: ليسَ هذا منَ الوُضوءِ في شيءٍ، أي: وقصدَ البخاريُّ الرَّدَّ بذلك على من زعمَ نجاسةَ المَاء المُستَعمَل، وليسَ فيه إلا مسحٌ وشُربٌ للتَّبرُّك، ولا يُختَلَفُ في جوازِه.
(نحوركما): جمعُ (نَحر)، وهو موضعُ القِلادَة من الصَّدر.
وفي الحَديثِ قصرُ الرُّباعيَّة في السَّفر، ونَدبُ نَصبِ العَنَزَة، وجوازُ مجِّ الرِّيقِ في المَاء.
وقال (ط): إنَّ قَضدَ البخَاريُّ أنَّ المُستعملَ لم يتغيَّرْ بذلك؛ فيجوزُ الوُضوءُ به، ولهذا ذَكَرَ فضلَ السِّواك، واحتِجاجُ أبِي حنيفةَ على نَجَاستِه بأنَّه ماءُ الذنوبِ، وأُجيبَ بأنَّه مثَلٌ ضَرَبه النَّبيُّ ﷺ ، أي: كما يَنغَسِلُ الدَّرَنُ من الثَّوبِ تتَحاتُّ الذُّنوبُ بالغَسل، ثُم يُعارَضُ بأنَّه صارَ بذلك مُبارَكًا؛ لأنَّ الله تعالى كفَّر به الذُّنوبَ، فلا يكون نَجِسًا، والإجماعُ على عَدَمِ المُؤاخذة بما تَرشَّشَ منه، ولو كانَ نَجِسًا لوَجَبَ
стр. 729
التَّحرُّزُ منه، ولأنَّه لم يتغيَّر، وهو طاهرٌ لاقى جِسما طاهِرًا، فجاز أن يَسقُط الوُضوءُ به مرَّةً أُخرى.
قال (ك): لا نُسَلِّمُ أنَّه لم يتأثَّر بذلك؛ لأنَّه حَصَل له من الكَلالِ والضَّعف ما اقتَضَى أنَّه لا يُزالُ به فرضٌ آخر، وأيضًا فالصَّحابةُ ومَن بعدَهم لم يَجمَعوا الماءَ (١) المُستعمَلَ للاستِعمَال ثانيًا، فلو كانَ طَهورًا لفَعلوا.
قال (ط): وفي الحَديثِ أنَّ لُعابَ البشرِ ليسَ بنجِسٍ، ولا يضُرُّ شُربُه، وأنَّ نَهيَه ﷺ عن النَّفخِ في الطَّعام لِخَوف التَّقَذُّر، فهو تأديبٌ، بل كانت نُخَامتُه ﷺ أطيبَ عندَ المُسلمين مِنَ المِسك، لأنَّهم كانوا يتَدَافعون عليها، ويَدلُكون بِها وُجوههم لبَرَكَتِها، ومُخَالَفتِها لأفواهِ البَشَرِ لمُناجاة الملائِكَة؛ فطيَّبَ الله لَهم نكَهتَه ﷺ ، وحديثُ أبي موسى إمَّا لِمَرَضٍ أو شيءٍ أصابَهما، انتهى. وقد تبين أنَّه للبَرَكة.
* * *
١٨٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالحٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قَالَ: أَخْبَرَني مَحمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ قَالَ -وَهُوَ الَّذِي مَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَهْوَ غُلَامٌ مِنْ بِئْرِهم-، وَقَالَ عُروَةُ عَنِ الْمِسْوَرِ وَغَيْرِه يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ: وَوإذَا تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئهِ.
стр. 730
الحديث الثاني (ع) (١):
(مج)؛ أي: رمَى من الفَمِ، والمُجَاجُ: هو الرِّيقُ المَمجُوجُ من الفَمِ.
[(وهو غلام): الجملةُ حاليَّة] (٢).
(من) متعلّقةٌ بِـ (مَجَّ).
(بئرهم)؛ أي: محمودٌ وقَومُه.
(وقال عروة) وصَلَه في (كتاب الشُّروط).
(وغيره) بالجرِّ عطفٌ على (المِسْوَر)، ولا يضرُّ الإبهامُ في نَحوه، لأنَّ الغالبَ أنَّ عُروةَ لا يروي إلا عن عَدلِ، وأيضًا فذُكِر تبعًا فيُغتَفَر، وهذا عطفٌ على مقولِ ابنِ شِهابٍ، أي: قالَ ابنُ شِهاب: أخبَرني محمودٌ، وقالَ عروةُ.
(منهما)؛ أي: من محمودِ والمِسْوَرِ.
(بصدق) هو كلامُ ابنُ شهابٍ أيضًا، وهُمَا صَحابيَّان صغيرانِ سِنًّا، كبيرَان قَدرًا.
(إذا توضأ) هذا هو اللَّفظُ الذي رواهُ محمودٌ، والجُمَلُ بينهُما اعتِراضٌ.
(كانوا)؛ أي: الصَّحابة، وفي بعضِها: (كادوا)، والمُراد المُبالَغةُ في تنافُسِهم لا وقوعُ المُقاتَلَة.
(فكفأ) يروى: (فَأَكفأَ)، وهما بِمعنَى على الرَّاجحِ كما سبق.
(ثلاثًا) ظاهرُه أنَّ كلَّ غَرفَةٍ يُمَضمِضُ منها ويَستَنشِقُ.
وتفاوتُ هذا الحديثِ معَ المذكورِ في (باب غَسلِ الرِّجلَين) تكرير لفظِ: (مرَّتين)، وهو نَصٌّ في غَسل كلِّ يدٍ مرَّتين، بخِلاف ما هُناك، فإنَّه ظاهرٌ، وزيادةُ (البَاقي برَأسِهِ)، ولفظُ: (ثمَّ أدخلَ يدَه في الإِناء)، ونقصُ لفظِ (مرَّةً واحدةً)، ولفظِ: (إلى الكَعبَين).
ووَجهُ دِلالة الحديثِ على التَّرجَمَةِ: أنَّه أطلَق مسحَ الرَّأس، وأقلُّ ذلك مرَّةٌ، نَعم، الحديثُ هناكَ أصرَحُ من هذا، فإنَّه قالَ: (مرَّةً واحِدةً)، فأشارَ إليه البخاريُّ هنا لكنَّه لم يقُل (واحِدَة).
وقولُ (ك): إنَّ موسى لعلَّه ما ساقَ الحديثَ لبيانِ أنَّ المَسح مرّةٌ، وسليمانَ ساقَه لهذا الغَرَض؛ فيه نظر!
(حدثنا موسى، حدثنا وهيب)؛ أي: وتمامُ الإسنادِ كما ذُكِرَ أوَّلًا.
قال (ط): حديثُ عثمانَ وابنِ عبَّاسٍ ليس فيه (مرَّتين) ولا (ثلاثًا)؛ دليل على أنَّ المرَّة الواحدةَ تَكفي، وإنَّما اختَلَفَ فعلُه ليُرِيَ أمَّتَه التيسيرَ فيه، أمَّا كونُ المَسحِ مرَّة، فهو قولُ الجُمهورِ، فقولُ الشَّافعي: ثلاثٌ؛ يحتاجُ لدَليل، ولا حُجَّةَ له في حديثِ عثمانَ: (ثلاثًا ثلاثًا)، لأنَّ فيه بَدَأ بالمُقدَّم، ثُمَّ رَدَّ إلى حيثُ بدأ، وكذا قالَ مالكٌ: ردُّ اليدينِ من مُؤخَّرِ الرَّأس إلى مُقدَّمه مَسنون، ولو بدَأ منَ المُؤخَّرِ سُنَّ أن يردَّ إلى المُؤخَّر.
стр. 736
وقال (ك) (١): يدلُّ لما قال الشَّافعي من التَّثليثِ حديثُ أبي داودَ: (أنَّه مَسحَ ثلاثًا)، وبالقياسِ على سائر الأَعضاء.
* * *
٤٤ - بابُ وُضُوء الرَّجُلِ مَعَ امرَأتِهِ، وَفَضْلِ وَضوء المرأَةِ
وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالحَمِيم مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ.
(باب وضوء الرجل مع امرأته) في بعضِها: (معَ المَرأَة).
(وفضل وضوء) بفتح الوَاو، بخِلاف الأؤَل، فإنَّه بالضَّم كمَا سبقَ أنَّه المَشهورُ.
(بالحميم)؛ أي: السَّخين، فَعِيل بمعنَى مَفعُولٍ بِه، وبه سُمِّي الحَمَّامُ لاستِخَانِه، والمَحمُومُ لِسُخونَةِ جَسَدِه.
وذِكرُ البُخاريّ لأثرِ عُمرَ تعليقًا؛ ليسَ لتعلُّقِه بتَرجَمة الباب؛ لأنَّ قصدَه الإفادةُ بذِكرِ فقهٍ من آثارِ الصَّحابة، وفَتاوى العُلماء، وبيانِ لُغاتٍ وغيرِ ذلك، ففيه أنَّه لا كَرَاهةَ في المُسَخَّن، كما قالَه أهلُ العراقِ والحجازِ خِلافًا لمُجاهدٍ، ولا في سُؤرِ النَّصرانِيّة؛ لأنَّه طَاهرٌ خِلافًا لأحمَدَ وإسحاقَ، نعم، الأخيرُ من فِعلِ عُمَرَ مُناسبٌ للتَّرجَمة، فيجوزُ أن يكونَ ذكرُه للأوَّل تكثيرًا للفائِدَة، لا لاشتِراكِهِما في أنَّهما من فِعل
стр. 737
عُمَر، ويَحتَمِل أنه قِصَّةٌ واحِدَةٌ، توضَّأ بالحَميمِ من بيتِ نَصرانية، فسَاقَه لبيانِ الواقعِ.
* * *
١٩٣ - حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسُفَ قال: أخبرنا مالك، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ أنه قال: كان الرجال وَالنِّسَاءُ يتَوَضَّؤنَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمِيعًا.
(د م س ق).
(أخبرنا مالك ...) إلى آخره، هو أصَحُّ الأسانيدِ عندَ البُخاريِّ.
(الرجال والنساء) اللامُ فيهما للجِنس لا للاستِغراقِ؛ لقرينةٍ، وهي تعذُّرُ العُمومِ في مِثلِه، وعلى هذا فالاحتِجَاجُ بتَقريره ﷺ لما تقرَّرَ نحو: (كانوا يفعَلونَ في زَمنِه أو حياتِه) حجَّةٌ، ولا يكونُ من بابِ الإجماعِ، لأنَّ شرطَه أن يكونَ بعدَ وفاتِه.
(جميعًا)؛ أي: مُجتَمِعين لا مُتفَرِّقين.
قال الجَوهريُ: الجميعُ ضِدُّ المُتفَرق، ودلالةُ الحديثِ على التَّرجمة على جُزأيها، الأول صَريحًا، والثاني التزَاما، والمخالِفُ في المسألة أحمدُ؛ فمَنَعَ الوُضوءَ من فَضلِ وُضوءِ المَرأة، وغُسلِها منفرِدَةً، ووافَقَ على الجوازِ فيما استَعملاه جَميعًا، وهذا الحديثُ عليه، لأنَّهم إذا توضَّؤوا من إِناءٍ واحدٍ يكونُ الرَّجُل مستَعمِلًا لفَضلِ المَرأة لا مَحَالةَ.
стр. 738
وأما حديثُ النَّهي أن يتَوضَّأَ الرَّجلُ بفَضلِ المَرأة؛ فحديثُ الإباحَةِ أصحُّ منه، لأنَّه وإنْ كانَ صَريحًا في استعمالِهما جَميعًا، ومَحلُّ النِّزاعِ عندَ انفرادِها أو لا، فمِن حيثُ إنَّه لَو تنَجَّسَ الماءُ بِها لامتَنعَ تقَدُّم، أو كانَ معَه؛ إذ لا فرقَ في وُقوعِ النَّجاسةِ منَ القبليَّة والمعِيَّة.
قال (ن): حديثُ النَّهي ضَعيفٌ، ضعَّفَه البخاريُّ وغيرُه، أو أنَّ المُرَادَ المُتسَاقِطُ عنها، أو أنّه تنزيهٌ لا تحريمٌ.
٤٥ - بابُ صَبِّ النبِيِّ ﷺ وَضوءهُ عَلَى المُغْمَى عَلَيْهِ
(باب صَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَضُوءَهُ عَلَى المُغْمَى عَلَيْهِ) هو من (أُغمِيَ) بضَمِّ الهمزة، ويُقالُ فيه أيضًا: (غُمِيَ) بضَمِّ الغَين وتَخفيفِ الميم، والإغماءُ والغَشْيُ بِمعنًى، كما سبق في (باب من أجَابَ الفُتْيَا بالإشَارَة)، وهو: اِنْغِمارُ العَقلِ، بخِلاف الجُنون؛ فإنَّه زوالُه، والنَّومِ؛ فإنَّه استِتارُه.
١٩٤ - حَدَّثَنَا أبَو الْوليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شعبةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعتُ جَابِرًا يَقُولُ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي، وَأَناَ مَرِيضٌ لَا أَعقِلُ، فتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئهِ، فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لمَنِ المِيرَاثُ، إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالةٌ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ.
стр. 739
(م د س).
(أعقل): بمعنَى أفهم، وحُذِفَ مَفعوله للتَّعميم، أي: شيئًا، أو لِجَعلِه كاللازم.
(عقلت) من جَعلِه كاللازم قَطعًا.
(الميراث)؛ أي: ميراثي، فاللام للعَهدِ.
(كلالة) من كَلَّ الرَّجُلُ يَكِلُّ كَلالَةً، أي: لا وَلَدَ له ولا والِدَ.
قال الزَّمَخشرِيُّ: ويُطلَقُ أيضًا على مَن ليسَ بوَلَدٍ ولا والدٍ منَ المُخلَّفين، وعلى القَرَابةِ من جِهةَ الوَلَدِ والوالِدِ.
قال التَّيمِيّ: الكلالَة: الوارِثُ، وهو الأخَوَان هنا، واللَّفظُ يقَعُ على الوَارِثِ والمُوَرِّثِ.
(آية الفرائض) هي: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، إلى آخرها، والفَرائِضُ: النُّصُبُ المُقدَّرة، جمعُ فَريضَة.
قال (ط): فيه دليلٌ على طهارَةِ المَاء الذي تَوضَّأَ به، وإلا لم يَصُبَّ علَيه.
قال (ك): يحتَملُ أنَّه صَبَّ من المَاء الباقِي في الإِناء، فلا دليل، وفيه رُقْيَةُ الصَّالحينَ للمَاء رَجَاءَ بَركَتِه، فَبِبَرَكَتِه ﷺ تزولُ كلُّ عِلَّة، وعيادَةُ الأكابِر الأَصاغِرَ، وإنْ كانَ المَريضُ لا يَدرِي ذلك.
стр. 740
٤٦ - بابُ الغُسْلِ وَالوُضُوء فِي المِخْضَبِ وَالقَدَح وَالخَشَبِ وَالحِجَارَةِ
(باب الغُسْلِ وَالوُضُوءَ من المِخْضَبِ) بكسرِ الميم: القَدحُ، أي: الإِجَّانةُ التي تُغسَلُ فيها الثيابُ.
(الخشب): بفَتحِ الخَاء وضَمِّها.
١٩٥ - حَدَّثَنَا وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلَى أَهْلِهِ، وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ المِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فتَوَضَّأَ القَوْمُ كلُّهُمْ، قُلْنَا: كَم كُنتم؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً.
الحديث الأول (خ):
(إلى أهله) متعلقٌ بِـ (قامَ)؛ أي: ليُحَصِّلَ المَاء للوُضوء.
(وبقي قوم)؛ أي: في مَجلِسِه ﷺ .
(فأُتي) بضَمِّ الهمزَة.
(فصغر)؛ أي: لم يَسَع بَسطَ الكَفِّ فيه.
(كلهم)؛ أي: من ذلكَ المِخضَب، وهم ثَمانُون، معجزةٌ له ﷺ .
(قلنا) في بعضِها: (فقلنا)، وهو من قَولِ حُمَيد.