وقال (ك) (١): يدلُّ لما قال الشَّافعي من التَّثليثِ حديثُ أبي داودَ: (أنَّه مَسحَ ثلاثًا)، وبالقياسِ على سائر الأَعضاء.
* * *
٤٤ - بابُ وُضُوء الرَّجُلِ مَعَ امرَأتِهِ، وَفَضْلِ وَضوء المرأَةِ
وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالحَمِيم مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ.
(باب وضوء الرجل مع امرأته) في بعضِها: (معَ المَرأَة).
(وفضل وضوء) بفتح الوَاو، بخِلاف الأؤَل، فإنَّه بالضَّم كمَا سبقَ أنَّه المَشهورُ.
(بالحميم)؛ أي: السَّخين، فَعِيل بمعنَى مَفعُولٍ بِه، وبه سُمِّي الحَمَّامُ لاستِخَانِه، والمَحمُومُ لِسُخونَةِ جَسَدِه.
وذِكرُ البُخاريّ لأثرِ عُمرَ تعليقًا؛ ليسَ لتعلُّقِه بتَرجَمة الباب؛ لأنَّ قصدَه الإفادةُ بذِكرِ فقهٍ من آثارِ الصَّحابة، وفَتاوى العُلماء، وبيانِ لُغاتٍ وغيرِ ذلك، ففيه أنَّه لا كَرَاهةَ في المُسَخَّن، كما قالَه أهلُ العراقِ والحجازِ خِلافًا لمُجاهدٍ، ولا في سُؤرِ النَّصرانِيّة؛ لأنَّه طَاهرٌ خِلافًا لأحمَدَ وإسحاقَ، نعم، الأخيرُ من فِعلِ عُمَرَ مُناسبٌ للتَّرجَمة، فيجوزُ أن يكونَ ذكرُه للأوَّل تكثيرًا للفائِدَة، لا لاشتِراكِهِما في أنَّهما من فِعل
стр. 737
عُمَر، ويَحتَمِل أنه قِصَّةٌ واحِدَةٌ، توضَّأ بالحَميمِ من بيتِ نَصرانية، فسَاقَه لبيانِ الواقعِ.
* * *
١٩٣ - حدثنا عبدُ اللهِ بنُ يوسُفَ قال: أخبرنا مالك، عن نافعٍ، عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ أنه قال: كان الرجال وَالنِّسَاءُ يتَوَضَّؤنَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ جَمِيعًا.
(د م س ق).
(أخبرنا مالك ...) إلى آخره، هو أصَحُّ الأسانيدِ عندَ البُخاريِّ.
(الرجال والنساء) اللامُ فيهما للجِنس لا للاستِغراقِ؛ لقرينةٍ، وهي تعذُّرُ العُمومِ في مِثلِه، وعلى هذا فالاحتِجَاجُ بتَقريره ﷺ لما تقرَّرَ نحو: (كانوا يفعَلونَ في زَمنِه أو حياتِه) حجَّةٌ، ولا يكونُ من بابِ الإجماعِ، لأنَّ شرطَه أن يكونَ بعدَ وفاتِه.
(جميعًا)؛ أي: مُجتَمِعين لا مُتفَرِّقين.
قال الجَوهريُ: الجميعُ ضِدُّ المُتفَرق، ودلالةُ الحديثِ على التَّرجمة على جُزأيها، الأول صَريحًا، والثاني التزَاما، والمخالِفُ في المسألة أحمدُ؛ فمَنَعَ الوُضوءَ من فَضلِ وُضوءِ المَرأة، وغُسلِها منفرِدَةً، ووافَقَ على الجوازِ فيما استَعملاه جَميعًا، وهذا الحديثُ عليه، لأنَّهم إذا توضَّؤوا من إِناءٍ واحدٍ يكونُ الرَّجُل مستَعمِلًا لفَضلِ المَرأة لا مَحَالةَ.
стр. 738
وأما حديثُ النَّهي أن يتَوضَّأَ الرَّجلُ بفَضلِ المَرأة؛ فحديثُ الإباحَةِ أصحُّ منه، لأنَّه وإنْ كانَ صَريحًا في استعمالِهما جَميعًا، ومَحلُّ النِّزاعِ عندَ انفرادِها أو لا، فمِن حيثُ إنَّه لَو تنَجَّسَ الماءُ بِها لامتَنعَ تقَدُّم، أو كانَ معَه؛ إذ لا فرقَ في وُقوعِ النَّجاسةِ منَ القبليَّة والمعِيَّة.
قال (ن): حديثُ النَّهي ضَعيفٌ، ضعَّفَه البخاريُّ وغيرُه، أو أنَّ المُرَادَ المُتسَاقِطُ عنها، أو أنّه تنزيهٌ لا تحريمٌ.
٤٥ - بابُ صَبِّ النبِيِّ ﷺ وَضوءهُ عَلَى المُغْمَى عَلَيْهِ
(باب صَبِّ النَّبِيِّ ﷺ وَضُوءَهُ عَلَى المُغْمَى عَلَيْهِ) هو من (أُغمِيَ) بضَمِّ الهمزة، ويُقالُ فيه أيضًا: (غُمِيَ) بضَمِّ الغَين وتَخفيفِ الميم، والإغماءُ والغَشْيُ بِمعنًى، كما سبق في (باب من أجَابَ الفُتْيَا بالإشَارَة)، وهو: اِنْغِمارُ العَقلِ، بخِلاف الجُنون؛ فإنَّه زوالُه، والنَّومِ؛ فإنَّه استِتارُه.
١٩٤ - حَدَّثَنَا أبَو الْوليدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا شعبةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعتُ جَابِرًا يَقُولُ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي، وَأَناَ مَرِيضٌ لَا أَعقِلُ، فتَوَضَّأَ وَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئهِ، فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لمَنِ المِيرَاثُ، إِنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالةٌ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ.
стр. 739
(م د س).
(أعقل): بمعنَى أفهم، وحُذِفَ مَفعوله للتَّعميم، أي: شيئًا، أو لِجَعلِه كاللازم.
(عقلت) من جَعلِه كاللازم قَطعًا.
(الميراث)؛ أي: ميراثي، فاللام للعَهدِ.
(كلالة) من كَلَّ الرَّجُلُ يَكِلُّ كَلالَةً، أي: لا وَلَدَ له ولا والِدَ.
قال الزَّمَخشرِيُّ: ويُطلَقُ أيضًا على مَن ليسَ بوَلَدٍ ولا والدٍ منَ المُخلَّفين، وعلى القَرَابةِ من جِهةَ الوَلَدِ والوالِدِ.
قال التَّيمِيّ: الكلالَة: الوارِثُ، وهو الأخَوَان هنا، واللَّفظُ يقَعُ على الوَارِثِ والمُوَرِّثِ.
(آية الفرائض) هي: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، إلى آخرها، والفَرائِضُ: النُّصُبُ المُقدَّرة، جمعُ فَريضَة.
قال (ط): فيه دليلٌ على طهارَةِ المَاء الذي تَوضَّأَ به، وإلا لم يَصُبَّ علَيه.
قال (ك): يحتَملُ أنَّه صَبَّ من المَاء الباقِي في الإِناء، فلا دليل، وفيه رُقْيَةُ الصَّالحينَ للمَاء رَجَاءَ بَركَتِه، فَبِبَرَكَتِه ﷺ تزولُ كلُّ عِلَّة، وعيادَةُ الأكابِر الأَصاغِرَ، وإنْ كانَ المَريضُ لا يَدرِي ذلك.
стр. 740
٤٦ - بابُ الغُسْلِ وَالوُضُوء فِي المِخْضَبِ وَالقَدَح وَالخَشَبِ وَالحِجَارَةِ
(باب الغُسْلِ وَالوُضُوءَ من المِخْضَبِ) بكسرِ الميم: القَدحُ، أي: الإِجَّانةُ التي تُغسَلُ فيها الثيابُ.
(الخشب): بفَتحِ الخَاء وضَمِّها.
١٩٥ - حَدَّثَنَا وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ بَكْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَامَ مَنْ كانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلَى أَهْلِهِ، وَبَقِيَ قَوْمٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ مَاءٌ، فَصَغُرَ المِخْضَبُ أَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ، فتَوَضَّأَ القَوْمُ كلُّهُمْ، قُلْنَا: كَم كُنتم؟ قَالَ: ثَمَانِينَ وَزِيَادَةً.
الحديث الأول (خ):
(إلى أهله) متعلقٌ بِـ (قامَ)؛ أي: ليُحَصِّلَ المَاء للوُضوء.
(وبقي قوم)؛ أي: في مَجلِسِه ﷺ .
(فأُتي) بضَمِّ الهمزَة.
(فصغر)؛ أي: لم يَسَع بَسطَ الكَفِّ فيه.
(كلهم)؛ أي: من ذلكَ المِخضَب، وهم ثَمانُون، معجزةٌ له ﷺ .
(قلنا) في بعضِها: (فقلنا)، وهو من قَولِ حُمَيد.
الحديث الرابع:
(يمرض) بضَمِّ أوَّله وفتحِ الرَّاء مُشدَّدَةَ، وهو القِيامُ على المَريضِ، كأنَّه من باب الإزالَةِ والسَّلبِ، كجَلَدْتُ البَعيرِ: أَزَلتُ جِلدَه.
(فأذِنَّ) بتَشديدِ النُّونِ، أي: أَذِنَ فِي ذلك أزواجُه ﷺ .
(تَخُطُّ) بضَمِّ الخاء، أي: تُؤَثِّرُ في الأَرضِ، كأنَّه يَخُطُّ خَطًّا، وفي بعضِها: (تُخَطُّ) مَبنيًّا للمَفعُول.
(عباس)، أي: عمِّ النَّبيِّ ﷺ ، ويقالُ فيه: (العَّباس) بلامِ لَمحِ الصّفة.
(قال عبيد الله)؛ أي: المَذكورُ في السَّند، وهذا مُدرَجٌ من كلامِ الزُّهريِّ الرَّاوي عنهُ.
(فأخبرت عبد الله)؛ أي: تَقولُ عائشَةُ.
(وكانت عائشة) هو من مَقولِ عبيد الله، لا عبدِ الله بنِ عبَّاس، لكنْ يحتمَلُ أنَّه مِمَّا سَمِعَه منها، فيكونُ مُسنَدًا، أو يكونُ تعليقًا.
(بيته) في بعضِها: (بيتَها)، لأنَّها تَسكُنُه، فإضافتُه إليها مَجازٌ.
(أهريقوا) بفتحِ الهمزة وسُكونِ الهاء، أي: صُبُّوا، وفي بَعضِها: (أَريقوا)، وأصلُ (هرقّ): أَراقَ، وأَصلُ (يُريقُ): يُؤريقُ، وأصلُ (أُهريق): أُأريق، فلمَّا استَثقَلوا الهمزتَين أبدَلوا، وفي الكلمة لُغات بسطتُها في "شَرحِ العُمدَة"، و"شرحِ لامية ابنِ مالك".
(القربة): ما يُستَقَى به، وجَمعُه قِلَّةً (قِرَبات) بسكون الراء
стр. 744
وفتحها وكسرها، وكثرةً: قِرَب.
(أوكيتهن): جمع وِكاء، وهو ما يُشدُّ به رأسُ القِرْبة.
(أعهد) بفتح الهاء؛ أي: أُوصِي.
(فأجلس) بضَمِّ الهمزة، وفي بعضِها: (وأُجلِسَ).
(طفقنا)؛ أي: جَعلنا نُواصِلُه، وإنَّما طَلَب ذلك؛ لأنَّ الماءَ البَارِدَ في بعض الأفراضِ تُرَدُّ به القُوَّة، والتَّقييدُ بِعَدمِ حلِّ الأَوكِية؛ لأنَّه أبلغُ في طَهارته وصَفائِه، لعدمِ مُخالطَةِ الأيدِي، وأمَّا عددُ السَّبعِ؛ ففيه بَرَكةٌ.
وله شأنٌ لوقُوعِها في كثيرٍ من أعدادِ تعاظُمِ الخَليقَة، وبعضِ الأمورِ الشَّرعيَّة، والقِرَبُ إنَّما تُوكَأُ وتُحَلُّ على ذِكر الله تَعالى، فاشتِراطُ كونِها لم تُحلَلْ؛ لأنَّها تَجمَعُ بَركَةَ الذِّكر في شَدِّها وحَلِّها.
قال المُهلَّبُ: أمَرَه بالصَّبِّ عليه على وَجهِ التَّداوي، كَما صَبَّ ﷺ وَضُوءَه على المُغمَى عليه، وغَلِطَ من قالَ: إنَّه صَبَّ للاغتِسالِ مِن إغمَائِهِ.
(تلك)؛ أي: القِرَبَ السَّبعةَ.
(فعلتن)؛ أي: ما أمَرتُكُنَّ به، ووَجهُ دُخولِ التَّرجمة بالخَشَبِ في هذه الأحاديث: أن القَدَحَ لعَلَّه كانَ من خَشَبٍ.
قال (ط): رُوِي أنَّ ابنَ عمرَ كَرِه الوُضوءَ في الصُّفْرِ؛ لأنَّه جَوهرٌ يُستَخرَجُ من مَعادِنِ الأرضِ يُشبِهُ الذَّهب والفِضَّة.
الحديث الأول:
(كان عمي) سَبقَ في (بابِ المَسحِ على الرَّأسِ) الجَمعُ بينَه وبينَ رِوايةِ أنَّ المُستَخبِرَ جَدُّه: أنَّه جَدّ مِن جِهةِ عَم للأب.
(ثلاث مرات) أقامَ (مرَّات) مُقامَ جَمعِ الكَثرَةِ، وهو (مِرَار)، فإنَّ حقَّ العَدَد من ثلاثَة إلى عَشْرة ذلك لتَعارُضِهما كـ (ثَلاثةِ قُرُوءٍ).
(واستنثر) اقتَصَر عليه لتضَمُّنِه الاستِنشَاقَ، وكونُه معَ المَضمَضَةِ بغَرفَةٍ دليلٍ لأحَدِ الأَوجهِ الخَمسَة.
(ثلاثًا) تنازَعَه الفِعلانِ السَّابقان: (اغتَرَفَ) و (غَسَلَ)؛ لأنَّ الغَسلَ ثلاثًا لا يُمكِنُ أن يكونَ باغتِرافٍ واحِد.
(فأدبر بيديه وأقبل) أخَذَ بظاهِرِ الإِدبارِ الحسنُ بنُ حَيٍّ وغيرُه، وجَوابُه: أنَّ الواوَ لا تفيدُ التَّرتيبَ، وقد سبَقت روايةُ تقديم الإِقبَال، أو أنَّه ﷺ يفعلُ كلًّا من المُختَلِفَين لبَيانِ الجَوازِ والتَّيسيرِ.
* * *
٢٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا بإناءٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحرَاحٍ فِيهِ شَيءٌ مِنْ مَاءٍ، فَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِيهِ، قَالَ أَنسٌ: فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى المَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، قَالَ أَنسٌ: فَحَزَرْتُ مَنْ تَوَضَّأَ مَا بَيْنَ السَّبْعِينَ إِلَى الثَّمَانِينَ.
стр. 747
الحديث الثاني، (م):
سنده بَصريون.
(فأُتي) بضَم الهمزة.
(رحراح) بِرَاءٍ مَفتوحَةٍ ثُمَّ مُهمَلةٍ ساكنةٍ ثم راءٍ مُهمَلةٍ، أي: واسعٌ، ويقالُ فيه أيضًا: (رَحرَحٌ) بلا ألف.
قال (خ): الوَاسعُ الصَّحنِ القَريبُ القَعرِ، ومثلُه لا يَسَعُ كثيرًا، ففيه مُعجزةٌ من معجزاته ﷺ ، وهو أبلَغُ من نبَعِ المَاء من حَجَرِ موسى ﵇؛ لأنَّ النَّبعَ من الحِجارَة مَعهودٌ.
(شيء)؛ أي: قليلٌ، لأنَّ تنوينَه للتَّقليلِ.
(من) تَبعيضِيَّة.
(ينبع) مثلَّثُ الباء.
(فحزرت) بتقديم الزَّاي منَ الحَزْرِ، وهو: الخَرْصُ، وإنَّما دَخَلَ الحديثُ في ترجَمة التَّورِ؛ لأنَّ الجَوهرِيَّ قال: هو الإناءُ الذي يُشرَبُ فيه. فهو صادقٌ على القَدَحِ الرَّحرَاحِ.
(ما بين السبعين إلى الثمانين) سبقَت روايةُ الجَزم بثَمانين، وسيأتِي في (بابِ علامَاتِ النُّبُوَّة) روايةُ (سَبعين)، ورواية (زُهاءَ ثلاثِ مئة)، وفي حديثِ جابرٍ (خمسَ عَشرةَ مئةً)، ووَجْهُ الجَمعِ: أنَّها قَضايا مُتعَدِّدةٌ في مَواطِنَ مُختلِفَةٍ، وسبَقَت مباحثُ في الحديث في (بابِ التِماس الوَضُوء).
* * *
стр. 748
٤٨ - بابُ الْوضُوء بِالمُدِّ
(باب الوضوء بالمُدِّ) هو: مِكيَالٌ يَسَعُ قَدرَ رِطلٍ وثُلُثٍ عندَ أهلِ الحِجَاز، ورِطلَين عندَ أهلِ العِراقِ.
٢٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نعيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ جَبْرٍ قَالَ: سَمِعتُ أَنسًا يَقُولُ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَغْسِلُ -أَوْ كانَ يَغْتَسِلُ- بِالصَّاعِ إِلَى خَمسَةِ أمدَادٍ، وَيتوَضَّأُ بِالمُدِّ.
(م د ت س).
(أنسًا) في بعض النُّسخ: (أَنس)، بلا ألفٍ؛ لأنَّها قد تُكتَبُ كذلكَ تَخفيفًا، أو على لُغةِ من يَقِفُ بلا ألف.
(أو كان): الشَّكُّ من ابن جَبْرٍ في أنَّه كان يَغسِلُ أو يَغتَسِلُ، لأنَّ الفَرقَ بينهما كالفَرقِ بين كَسَبَ واكتَسَبَ، وقيل: ذَكَرَ لَفظَ النَّبيِّ ﷺ أوَّلًا.
(بالصاع) هو أربعةُ أَمدادٍ، قال الجَوهرِيُّ: إلى خَمسَةٍ. وهو بيان لغايَتِه.
قال (ط): ذهبَ أهلُ العِراقِ إلى أنَّه ثَمانيَةُ أَرطال، والمُدُّ: رِطَلَين؛ احتجُّوا بروايةِ (أنَّه ﷺ كانَ يتوضَّأُ بِرِطلَين، وَيغتَسِلُ بالصَّاعِ)، وذهبَ أبو يوسفَ إلى الأوَّل، وهو أنَّ المُدَّ رِطل وثُلُثٌ، والصَّاعَ
стр. 749
خَمسةُ أَرطالٍ وثُلُثٌ؛ حينَ نازَعَه مالكٌ في ذلك، وأتاه بِمُدِّ أبناء المُهاجِرينَ والأَنصار، ورُواتُه عن النَّبي ﷺ بالمَدينة، ثمَّ ذهبَ قومٌ إلى أنَّه لا يجوزُ الوُضوء بأقلَّ من مُدٍّ، ولا الغُسلُ بأقلَّ من صاعٍ؛ للحديث، والأكثرُ على أنَّ هذا ليسَ بِحدٍّ بل خبَرٌ عن القَدر الذي كان يَكفيه ﷺ لقَصدِ التَّنبيهِ على فَضلِ الاقتِصاد، وتَركِ السَّرَفِ، ويُستَحَبُّ أن لا يُزادَ عليه.
قال (ن): أجْمَعَ المُسلمون أنَّ ماءَ الوُضُوء والغُسلِ غيرُ مُقَدَّرٍ، بل يَكفي القَليلُ والكثيرُ؛ إذا وُجِدَ الوُضوء والغُسلُ بشَرطِهِما، وهو الجَرَيانُ على الأعضاءِ، فالمُستَحَبُّ أن لا يُنقَصَ منه.
قلت: هذا في المُعتَدِل، أمَّا الضَّخمُ، أو مَن دُونَ المُعتَدِل؛ فيُعتَبَر بالنِّسبة نَقصًا وزِيادَةً.
* * *
٤٩ - بابُ المَسْح عَلَى الخُفّيْنِ
(باب المسح على الخفين)
٢٠٢ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ الْمِصرِيُّ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: ٧ حَدَّثَنِي عَمرٌو، حَدَّثَنِي أبو النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ، وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ سَأَلَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ:
стр. 750
نعم، إِذَا حَدَّثَكَ شَيْئًا سَعْدٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ.
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبةَ: أَخْبَرَني أبَو النَّضْرِ: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ سَعدًا، فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللهِ، نَحوَهُ.
الحديث الأول (س):
(وأن عبد الله) الظَّاهرُ أنَّ هذا من كلامِ أبي سَلَمَةَ، ويُحتَملُ أنَّه تعليقٌ من البُخاريِّ.
(عن ذلك)؛ أي: عن مَسحِ النَّبي ﷺ على الخُفَّين.
(شيئًا) نكرةٌ في شرط فتعمُّ كالنَّفي، وفي كلام عمرَ مدحٌ عظيمٌ لسَعدٍ، ودليلٌ على العمَل بخبَرِ الواحدِ لكنْ يفيدُ الظَّنَّ، ونَهيُه عن السُّؤالِ فيما حدَّث به سعدٌ مع أنَّ السُّؤالَ يؤكِّدُ الظَّنَّ، فلا نهيَ عنه = مَحمولٌ على أنَّ خبَرَ سعدٍ احتَفَّ به منَ القرائِنِ ما يفيدُ القَطعَ؛ إذ خبِرُ الواحدِ يفيد اليقينَ باحتفافِ القرائن، أو أنَّه إذا صَدَّقه فكيفَ يَسألُ عن ذلك.
قال (ط): اتَّفقَ العلماءُ على جوازِ المَسحِ على الخُفَّين خلافًا لمَنع الخَوارج لأنَّ القرآنَ لَم يَرِد به، وللشِّيعةِ لأنَّ عليًّا امتَنعَ منه، ويُرَدُّ عليهم صِحَّةُ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ بروايةِ الصَّحابة الذين لا يُفارقونَه سَفَرًا ولا حَضَرًا، حتَّى قال الحَسَن: حدَّثني سبعون من الصَّحابة، وكان ذلك كالمُتَواتر، وأيضًا فحديثُ المغيرةَ في غزوةِ تبوك، وهي آخرُ غزاةٍ، والمائدةُ نزلَت قبلَها، فأُمِنَ النَّسخُ للمَسحِ، وأبلغُ منه رواية جريرٍ (مَسْحَه ﷺ على الخُفِّ)؛ وإسلامُه إنَّما كان بعدَ نزول المائدة؛
стр. 751
ولهذا كان يُعجُبهم حديثُ جرير، لا سيَّما وهو في الحَضَر، وحديثُ المُغيرةَ في السَّفر.
قال (خ): وفيه أنَّهم يرَونَ نسخَ السُّنة للقُرآنِ.
لكنْ قالَ (ن): إنَّما حديثُ جَريرٍ لتأخُّرِه بيَّنَ أنَّ المرادَ في آيةِ المائدةِ: غيرُ لابسٍ الخُفَّ، فهو تَخصيصٌ لا نسخٌ.
(وقال موسى) وصَله الإسمَاعيليُّ عنِ الحَسَن بنِ سُفيان.
وجوَّزَ (ك) أن لا يكونَ تعليقًا، وأنَّه من كلامِ ابن وَهْبٍ، فهو عطفٌ على (حدَّثنِي عَمرٌو).
(أن سعدًا) خبَرُه محذوفٌ دلَّ عليه السِّياقُ، وتقديرُه: أنَّ سَعدًا أخبَرَه أنَّ رسولَ الله ﷺ مَسحَ على الخُفَّين.
(فقال): عطفٌ على ذلك المُقدَّر.
(ونحوه): نصبٌ بالقَول؛ لأنَّ معناه جُملةٌ.
* * *
٢٠٣ - حَدَّثَنَا عَمرُو بْنُ خَالدٍ الْحَرَّانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سعدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ ناَفِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عرْوَةَ ابْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعبَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : أَنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَاتَّبَعَهُ الْمُغِيرَةُ بإدَوَاةٍ فِيها مَاءٌ، فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، فتوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْن.
стр. 752
الحديث الثاني:
(فاتبعه) بالقَطعِ من الأَفعال.
(بإداوة) بكسرِ الهمزَة وفتحها: المِطهرَة.
(فتوضأ ومسح)؛ أي تَوضَّأ إلا رِجلَيه، وإلا فَمَعَ الوُضوء الكامِل لا مَسحَ، بقَرينَةِ عطفِه عليه؛ إذ الإجماعُ على عَدَمِ وجوبُ الجَمع.
(على الخفين) في (على) دلالةٌ أنَّه مسحَ أعلى الخُفِّ لا أسفَلَه فقط.
وفي الحديث: خِدمةُ السَّادةِ بلا إذنِهم، والاستعانة، وقد سبق بيانُها.
* * *
٢٠٤ - حدّثنا أبُو نعيمٍ قالَ: حَدَّثنا شَيْبَانُ، عَنْ يَحيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَعفَرِ بنَ عَمرِو بنُ أُميَّةَ الضَّمرِيِّ: أنَّ أَباهُ أَخبَرهُ: أنُّه رأى النبي ﷺ يَمسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ.
وَتَابَعَهُ حَرْبُ بْنُ شَدَّاد وَأَبَانُ، عَنْ يَحيَى.
الحديث الثالث:
(وتابعه)؛ أي: تابعَ شَيبانَ.
(حرب) وصَلَها النَّسائيُّ.
(وأبان) وصَلَها أحمَدُ، والطَّبَرانِيُّ.
стр. 753
(على عمامته) احتجَّ أحمدُ على جوازِ الاقتصار في مَسحِ الرَّأس على العِمامة؛ لكنْ بشَرط أن يعتَمَّ على طَهارةِ كمَسحِ الخف. وحُجَّةُ الجُمهورِ الآيةُ، والعِمامةُ ليست برَأسٍ، والإجماعُ على منعِ مسح الوجه في التَّيمُّم بِحائلٍ، فكذا الرَّأسُ في الوُضوء، ومن قاسَه على الخُفِّ فقد أبعَدَ؛ لأنَّ الخفَّ يشُقُّ نَزعُه بخلاف العِمامَة.
قال (ط): ذكرُ العِمامَة من خَطأ الأَوزاعِيِّ؛ لأنَّ شَيبانَ، وتابَعه حَربٌ وأبَانُ؛ لم يذكُروا العِمامَة، والجَمعُ مُقدَّمٌ على الواحد.
(تابعه معمر)؛ أي: تابَع الأَوْزاعِيَّ، وهي مُتابَعَةٌ ناقِصَة كما سبق، نعم، وصَلَها البَيهقِيُّ.
قال (ط) بعدَ كلامِه السَّابق: إنَّ هذه المُتابَعَةَ مُرسَلَةٌ، وأيضًا فليسَ فيها ذِكرُ العِمامَة، فقَد رواه عبدُ الرَّزاق عن مَعْمَرٍ عن يَحيَى عن أبي سَلَمَة عن عَمرو: أنَّه رآه ﷺ مسحَ على خُفَّيه.
قال: وأبو سَلَمة لم يَسمع من عَمرو، وإنما سَمع من أبيه جَعفَر، فلا حُجَّةَ فيه؛ لكنَّ كلامَ البخاريّ يدلُّ على أنَّه سَمعه منهما كما ترى.
* * *
٢٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ الأَوْزَاعيُّ، عَنْ يَحيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَعفَرِ بْنِ عَمرٍو، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِي ﷺ يَمسَحُ عَلَى عِمَامَتِهِ وَخُفَّيهِ.
стр. 754
(رأيت النَّبي ﷺ ) اكتفاءٌ بما سَبق، أي: رأيتُه يمسحُ على عِمامَتِه وخُفَّيه، وسبقَت مُنازَعةُ (ط) في المُتابعَةِ على العِمامَة.
* * *
٥٠ - بابٌ إِذَا أَدخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ
(باب إِذَا أَدخَلَ رِجْلَيْهِ وَهُمَا طَاهِرَتَانِ)؛ أي: عن الحَدَث.
٢٠٦ - حَدَّثَنَا أبو نعيْم، قَالَ: حَدَّثَنَا زكرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عُروَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأهْويتُ لأَنْزِعَ خُفَّيْهِ فَقَالَ: (دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدخَلْتُهُمَا طَاهِرتيْنِ)، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا.
(فأهويت) بفَتحِ الهمزَة، أي: أشَرتُ إليه، وقيلَ: قَعَدتُ، أو قَصدتُ الهوِيَّ من القيامِ للقُعودِ، وقيل: أمَلتُ.
(دعهما)؛ أي: اُترُكهُما، والضَّميرُ للخُفَّين، وهو من الأفعال التي أماتوا ماضِيَها.
(أدخلتهما)؛ أي: الرِّجلَين.
(طاهرتين) نصبٌ على الحال، ورواه أبو الهيثَمِ: (وهُما طاهِرتانِ)؛ وبينَهُما فَرقٌ.
قلت: بيَّنتُ في "شَرح العُمدة" أنْ لا فَرقَ عندَ التَّحقيق.
стр. 755
قال (ط): في الحديثِ خدمةُ العالِمِ، وقصدُ الخادمِ إلى ما لا يعرفُ من حَدِيثه، وفيه الفهمُ عن الإشارة، وردُّ الجوابِ عمَّا نشأ من فَهم الإشارة، وأنَّ مَن ليسَ على طُهر لا يَمسحُ، حتى يتَوَضَّأ كاملًا، ثم يلبَسُ، فلو غَسلَ رِجلَيه وأدخَلَهما الخُفَّ، ثم أكمَلَ الوُضوءَ لا يمسحُ عليهما، وجوَّزَ ذلك أبو حنيفةَ، أي: بناءً على عَدَم التَّرتيب، وإلا فغَسلُهُما لَغوٌ، والحديثُ يردُّه، حيثُ جعلَ العلَّة اللُّبسَ على طَهارةٍ.
قلت: إذا كان مُفرَّعًا على عَدَمِ التَّرتيب نهضَ استدلالُه.
قال (ط): وفيه المسحُ في السَّفر بغيرِ توقيتٍ، وعَمَّم ذلك مالكٌ في السَّفر والحَضَر، وقال الثَّلاثة: يَمسحُ المُقيمُ يَومًا وليلةً، والمُسافرُ ثلاثةَ أيامٍ بلَياليها.
* * *
٥١ - بابُ مَنْ لَم يَتَوَضَّأْ مِنْ لحمِ الشَّاةِ وَالسَّويقِ
وَأكَلَ أبَو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ ﵃ فَلَم تتَوَضَّؤُا.
(باب مَنْ لَم يَتَوَضَّأ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ وَالسَّوِيقِ)، قوله: (فلم يتوضؤوا) إشارةٌ إلى أنَّه إِجماعٌ سُكوتيٌّ.
* * *
وفي الحديث الاستِعجالُ للصَّلاة، وأنَّ الشَّهادةَ على النَّفيِ تُقبَل إذا كانَ مَحصورًا، وفيه قَطعُ اللَّحم بالسِّكِّين.
* * *
٥٢ - بابُ مَنْ مَضْمَضَ مِن السَّوِيقَ وَلَم يَتَوَضَّأْ
(باب من مضمض من السويق)
٢٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالكٌ، عَنْ يَحيَى ٧ ابْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلى بَنِي حَارِثَةَ: أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعمَانِ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ -وَهِيَ أَدنَى خَيْبَرَ- فَصَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ، فَلم يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ، فَأكَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأكلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى المَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَم يتَوَضّأ.
الحديث الأول (س ق):
(سويد بن النعمان) ليسَ له في البخاري غيرُ هذا الحديثِ، بل ولا في الكتَابَين الآخرين.
(عام خيبر)؛ أي: غَزوَتَها سَنةَ سَبعٍ، وهي على أربعِ مَراحلَ من المَدينةِ، غيرُ مُنصَرفٍ للعَلَميَّة والتَّأنيثِ.
стр. 758
(بالصهباء): بالمُوحَّدة والمَدِّ.
(أدنى خيبر)؛ أي: أسفَلَها.
(فصلى) عَطفٌ على (كُنَّا).
(بالأزواد) جَمعُ (زاد)، وهو: ما يُطَعَمُ في السَّفَر.
(فثري) بالبِناء للمَفعول، أي: بُلَّ، ومنه الثَّرى النَّدِيِّ، والضَّميرُ في (ثُرِّيَ) للسَّويق، وهو ما يُجرَشُ من الشَّعير والحِنطَةِ وغيرِهما للزَّاد.
قال القرطبي: قيدناه بتَشديد الرَّاء وتَخفيفِها.
(ثم قام ...) إلى آخره، أي: فلَم يَجعلْ ذلك ناقِضًا للوُضوء.
قال (خ) في "الأعلام": وهو يدُلُّ على أنَّ الوُضوء مِمَّا مَسَّت النَّارُ منسوخٌ؛ لأنَّه مُتَقَدِّمٌ على خيبَرَ؛ لأنَّ اللَّحم ينضُجُ بالنَّار، والسَّويقُ شُبِّه بالنَّار أيضًا.
وقال في "المعالم": إنَّ الأمرَ بالوُضُوءِ مِمَّا مسَّت النَّار أمرُ استِحبَابٍ، لا أمرُ إيجابٍ.
وقال بعضُهم: المُرادُ بالوُضوءِ: اللُّغوِيُّ، وهو: غَسلُ اليَد، لكنْ سيأتي خلاف السَّلَفِ فيه، وكأنَّه لم يبلُغْ من قالَ ذلك.
* * *
٢١٠ - وَحَدَّثَنَا أَصبَغُ، قَالَ: أَخْبَرَناَ ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرني عَمرٌو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ عِنْدَها
стр. 759
كتِفًا، ثُمَّ صَلَّى وَلم يتَوَضَّأْ.
الحديث الثاني:
وهو وإنْ لَم يُطابق التَّرجَمةَ؛ لكن المَدارُ على ترجَمة البابِ الذي قَبلَه، ولمَّا كانَ في الحديث حكمٌ آخرُ سوى عَدم التَّوضُّؤ، وهو المَضمَضة أَدرَجَ بين أحاديثه بابًا آخرَ مُترجَمًا بذلك الحُكمِ تنبيهًا على الفائِدَةِ التي في ذلك الحَديث الزَّائدةِ على الأصلِ، أو هو من قَلَمِ النُّسَّاخ، إذ الذي عليها خَطُّ الفِرَبْرِيِّ؛ هذا الحديثُ منها في البابِ الأوَّل.
قال (ط): الوُضوء ممَّا غيَّرت النَّار قولُ عائشةَ وأبي هُريرة عَملًا بحديثه، وقال أبو بكرٍ، وعُمَرُ، وعثمانُ، وعليّ: لا؛ لِهذا الحَديث.
قال مالك: إذا عَمِلَ الشَّيخانِ بأحَدِ حديثَين؛ فالحقُّ ما عَمِلا به، وقد كان مَكحُولٌ يقولُ بالوُضُوءِ، فلمَّا بَلَغَهُ أنَّ أبا بكرٍ أكَلَ كَتِفًا وصَلَّى ولَم يتَوضَّأ تَرَكَه، فقيلَ له: كيفَ تركتَ؟ قال: لأَن يقَعَ أبو بَكرٍ منَ السَّماءِ إلى الأَرضِ أحبُّ إليه مِن أن يُخالِفَ النَّبيَّ ﷺ .
وقالَ جابرٌ: كان آخرُ الأَمرَين من رسول الله ﷺ تَركَ الوُضوء ممَّا مسَّت النَّار، والذَّهابُ إلى أنَّه إنَّما عنَى ﷺ بالوُضوء قولَه: (توضَّؤوا ممَّا غيَّرت النَّار): غَسلَ اليَد؛ مِن جَهلِ بعضِهم.
وقال الطَّحاوِيُّ: كانَ قبلَ مسِّ النَّار لا وُضوءَ منه، فكذا بعدَه
стр. 760
كالمَاء المُسخَّن، وفرَّقَ أحمدُ بين لحمِ الجَزورِ؛ فيجبُ الوُضوء منه نيَئًا أو مَطبوخًا، وبَين غيرِه؛ فلا، لحَديثِ: أنتَوضَّأ من لحمِ الإبِل؟ فقَالَ: "نعَم"، فقيلَ: ومن لَحمِ الغَنَم؟ فقالَ: "لا"، وعلى هذا لو صحَّ كانَ مَنسوخًا لما سَبق من آخرِ الأَمرَين، أو يُحملُ على الاستِحبابِ للنَّظافَةِ، إذ أكلُ المَيتَةِ لا ينقُضُ الوُضوء، فالطَّاهرُ أَولى!
قال: ومَعنَى المَضمَضَةِ من السَّويقِ؛ وإنْ كانَ لا دَسَمَ له أنَّه تُحبَسُ بقاياه بينَ الأَسنانِ، ونَواحِي الفَم، فيَشتَغِلُ بتَنقِيعِه باللِّسان المُصَلِّي في صَلاتِه.
وفي الحديث: إباحةُ الزَّادِ في السَّفر رَدًّا على من قالَ من الصُّوفية: لا يدَّخِرُ شيئًا لغَدٍ، وفيه تفَقُّدُ الإمامِ العَسكَرَ عندَ قِلَّةِ الأَزوادِ، وجَمعُها ليَقوتَ مَن لا زادَ له، وفيه تواسِي الرُّفَقَاء بالثَّمَنِ أو بدونِه، وفيه أنَّه يأخذُ المُحتكرين بإخرَاجِ الطَّعام للأَسواقِ لتُباعَ لأهلِ الحاجَة.
* * *
٥٣ - بابٌ هلْ يُمَضْمِضُ مِنَ اللبَنِ
(باب هل يُمَضْمِضُ) بالبناء للمَفعول، وفي بعضِها (يَتَمَضمَضُ منَ اللَّبَن).
٢١١ - حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ بُكَيْرٍ، وَقتيبةُ قَالا: حَدَّثنَا اللَّيْثُ، عَنْ
стр. 761
عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبةَ، عَنِ ابْنِ عَباسٍ: أَنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ شَرِبَ لَبَنًا، فَمَضْمَضَ وَقَالَ: (إِنَّ لَهُ دَسَمًا).
تَابَعَهُ يُونسٌ وَصَالح بْنُ كَيْسَانَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
(ع).
(إن له دسمًا): قال المهلب: تبيينٌ لعِلَّة الأمر بالوُضوء ممَّا مَسَّت النَّارُ في أوَّل الإسلام، لِما كانوا عليه أوَلًا من قِلَّةِ التَّنظُّفِ استِصحابًا لِما كانَ في الجاهليَّة، فلمَّا تقرَّرت النظافةُ، وشاعَت في الإسلامِ نُسِخَ الوُضوءُ تيسيرًا على المُسلِمينَ.
(تابعه) هو من مَقول البخاريِّ، والضَّمير فيه راجعٌ إلى (عُقَيل).
(يونس) وصَلَه مُسلمٌ، (وصالح) وصَلَه أبو العبَّاس السَّرَّاجُ.
وفي الحديثِ: أنَّ المَضمَضَة عندَ أكلِ الطَّعامِ من الآداب.
قال (خ): يُستحَبُّ في كلِّ ما له دُسومَةٌ، أو يَبقَى في الفَمِ منه بقيَّةٌ.
* * *
٥٤ - بابُ الوُضوء مِنَ النَّوْمِ، وَمَنْ لَم يَرَ مِنَ النَّعْسَةِ وَالنَّعْسَتَيْنِ أَوِ الخَفْقَةِ وُضُوأً
(باب الوضوء من النوم، ومن لم ير من النعسة) هي فُتورٌ في الحَواسِّ، ويُسمَّى: الوَسَن، ونَعَسَ بالفتح نعاسًا، والواحدَةُ: نَعْسَةٌ.
стр. 762
(الخفقة) من (خَفَقَ) بالفَتح يَخفِقُ خَفقَةً، أي: حوَّلَ رأسَه، وهو ناعِسٌ، وهو في "الغَريبين" أنَّ معنَى (تَخفِقُ رُؤوسُهم)؛ أي: تَسقُطُ أَذقانُهُم على صُدورِهم، وكأنَّ البُخاريَّ يقولُ: النُّعاسُ لا ينقُضُ، والنَّومُ المُستَغرِقُ ينقُضُ، وستأتي المَذاهبُ فيه.
* * *
٢١٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (إِذَا نعسَ أَحَدُكُم وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ، فَإِنَّ أَحدكم إِذَا صَلَى وَهُوَ ناَعِسٌ لَا يَدرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نفسَهُ).
الحديث الأول (ع):
(فليرقد)؛ أي: بعدَ أن يُتِمَّ؛ بدليلِ الحديثِ الآتي، فإنَّ فيه: (فَلْيُتِمَّ)، أي: يَتَحَرَّى في صَلاته ويُتِمُّها، لا أنَّه يقطَعُ الصَّلاةَ بِمُجرَّد النُّعاسِ.
قال (ط): وَجهُ دُخوله في التَّرجَمَةِ أنَّه أَمَرَه بالرُّقودِ، فلولا أنَّه بَطَلت صَلاتُه ما أمَرَه بالرُّقودِ، فدَلَّ على أنَّ النَّومَ ناقِضٌ.
قال: لأنَّه علَّلَ بأنَّه يَختَلِطُ، فلا يدري الاستِغفارَ مِنَ السَّبِّ، وذلك إنَّما هو في النَّوم المُزيلِ للعَقلِ، فيكونُ بِمنزِلةِ مَن سَكِرَ، وقد قالَ تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣].
стр. 763
(إذا صلى وهو ناعس) إنَّما غيَّر أسلوبَ الأوَّل، وهو (نعَسَ) الذي هو فِعلٌ، وتَقَيَّدَ بِخبَرِ الحال فِعلًا، وهنا اسمًا، وأيضًا فَقَيَّدَ هُناك النُّعاسَ بالصَّلاة، وهنا الصَّلاةَ بالنُّعاس، لقَصدِ التَّقييدِ هنا بالقَوِيِّ الذي يُفضي إلى أنَّه لا يَدري ما يقول، فيكونُ سبَبًا للحُكمِ المَذكورِ أوَّلًا، وهو مُطلَقُ النُّعاس في الصَّلاة بِخِلافِ ما هناكَ.
وحاصِلُه: أنَّ القَصدَ من الكلامِ ما له القَيد، ففي الأوَّل: النُّعاسُ علَّةٌ للأمرِ، وفي الثَّاني الصَّلاةُ علةٌ للاستِغفار، والفَرقُ بينَ التَّركيبَين هو الفَرقُ بين: (ضَرَبَ قائِمًا) و (قامَ ضارِبًا)، لأنَّ الأوَّلَ يحتَملُ: قيامٌ بلا ضَربٍ، والثَّانيَ: ضَربٌ بلا قِيامٍ.
(لا يدري) جزاءٌ إنْ جُعِلت (إذا) شرطيَّةً، وإلا فهو خَبَر للكلِمة المُحقَّقَة.
(لعله يستغفر)؛ أي: يريدُ أن يَستَغفِرَ.
(فيسب) يحتملُ رفعه من عَطفِ فعلٍ على فعلٍ، ونصبه جوابَ (لعلَّ)، لأنَّها مثلُ (ليتَ)؛ قاله ابنُ مالك.
وفي بعضِها: (يَسُبُّ)، بلا فاءٍ على أنَّه حالٌ من التَّرجِّي في (لعلَّ) عائدٌ إلى المُصلِّي لا للمُتكلِّم، أي: لا يدري أمُستَغفِرٌ أم سابٌّ متَرجِّيًا للاستِغفار، وهو في الواقِع قَصَدَ ذلك، أو استُعمل بِمعنى التَّمكُّن من الاستِغفار والسَّب، كما أنَّ التَّرجيَ بين حصول الوُضوء وعدمِه، أي: لا يدري أيَستَغفِر أم يسُبُّ، وهو متمكِّنٌ منهما على السَّويَّة.
стр. 764
٢١٣ - حَدَّثَنَا أبَو مَعمَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا أيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِذَا نعسَ أَحَدكم فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَم حَتَّى يَعلَمَ مَا يَقْرَأُ).
الحديث الثاني:
سنده بصريون.
(إذا نعس)؛ أي: أحدُكم، والقرينة ظاهِرةٌ، وفي بعضها مَذكورٌ.
(في الصلاة): في بعضِها ساقِطٌ.
(ما يقرأ) موصولٌ وصِلتُه، والعائدُ مَحذوفٌ، أي: يقرأه، ويحتَملُ كونُها استفهاميَّةً.
قال (ط): وفي الحديث أنَّه لا ينبَغي للمصَلِّي أن يقرِنَ الصَّلاة مع شاغلٍ عنها، أو حائلٍ بينَه وبينَها لتكونَ هي همَّه، وهذا يدلُّ على أنَّ النَّومَ القليلَ بِخِلافِ ذلك.
قال: وخَرقَ المُزَنِيُّ الإجماعَ بقوله: إنَّ قليلَ النَّوم ناقضٌ.
قال (ك): ليسَ خارقًا، فقد حَكى (ن) مذاهبَ:
أحدها: ناقِضٌ بكلِّ حالٍ؛ قاله الحَسنُ، والمُزَنِيُّ، وابنُ راهويه، وابنُ المُنذِرِ، ورُوِيَ عن ابنِ عبَّاس، وأبي هُريرَة. قال: وهو قولٌ للشَّافِعيِّ غريبٌ.
ثانيها: لا ينقُضُ مُطلَقًا، وعليه أبو موسى الأشعريُّ، وابنُ المُسَيِّبِ.
стр. 765
ثالثها: ينقُضُ كثيرُه دونَ قليلِه، وبه قالَ مالكٌ.
رابعها: لا ينقُضُ إذا كانَ على هيئَةِ المُصلِّي من ركوعٍ وسجودٍ، وقيامٍ وقعودٍ سواءٌ أكانَ في الصَّلاة أو لا، وهوَ قولُ أبِي حنيفة.
خامسها: لا ينتقضُ إلا نومُ الرَّاكع والسَّاجدِ، ورُوي عن أحمدَ.
سادسها: لا ينتقضُ إلا نومُ السَّاجدِ، ورُوي عنه أيضًا.
سابعها: لا ينقضُ النَّومُ في الصَّلاة بكلِّ حالٍ، وينقضُ خارجَها، وهو قولٌ للشَّافعيِّ ضعيفٌ.
ثامنها: وهو مذهبُه: ينقضُ إلا نومَ المُمَكِّنِ مَقعَده من الأرضِ، قلَّ أو كَثُر، في الصَّلاة أو خارِجَها، وليسَ عندَه نفسُ النَّوم حَدَثًا بل دليلٌ عليه، فغيرُ المُمَكِّنِ يغلبُ خروجُ شيءٍ منه بخلاف المُمَكِّنِ.
* * *
٥٥ - بابُ الوُضُوء مِنْ غَيْرِ حَدث
(باب الوُضُوء مِن غيرِ حَدَثٍ)؛ أي: استِحبابُ تجديدِ الوُضوء، بأَن يكونَ على وُضوءٍ، ثمَّ يتوضَّأَ بلا تَخَلُّل حَدَث، لا وجوبُه لما اقتَضاه الحديثانِ من الباب.
٢١٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمرِو ابْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنسًا (ح) قَالَ: وَحَدَّثَنَا مُسَدَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا
стр. 766
يَحيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي عمرُو بْنُ عَامِر، عَنْ أَنسٍ قَالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، قُلْتُ: كيْفَ كنتم تَصنَعُونَ؟ قَالَ: يُجْزِئُ أَحَدُناَ الوُضُوءُ مَا لَم يُحدِثْ.
الأول:
(سفيان)؛ أي: الثَّورِيُّ.
(سمعت أنسًا)؛ أي: يقولُ الحديثَ الآتي، ولكنْ حوَّلَ الإسنادَ، فأحالَ على المُحوَّل إليه، ولهذا في بعض النُّسخَ حاءُ التَّحويلِ.
(يحيى)؛ أي: القَطَّان، ففي هذا السَّنَد قبلَ سفيانَ اثنان، وفائدةُ هذا الإسنادِ أنَّ سفيانَ يُدلِّسُ، وعنعَنةُ المُدَلِّس لا يُحتَجُّ بِها إلا أن يثبُتَ سَماعُه بطريقٍ آخر، ففي الثَّاني أنَّ سفيان قال: حدَّثنِي عمرٌو.
(لكل صلاة)؛ أي: فريضةٍ، كما هو الظَّاهر، ويَحتَملُ شمولَ النَّفلِ أيضًا، وفي (كانَ) دلالةٌ على أنَّ ذلك عادةٌ له.
(يجزي) بضمِّ أوَّله، أي: يكفي، فَفِعلُ النَّبي ﷺ كانَ على جهةِ الأفضليَّة؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الوجوب، والآيةُ تقتضي تكرارَ الوضوء، وإنْ لم يُحدِثْ؛ لأنَّ الأمرَ فيها مُعلَّق بالقيامِ إلى الصَّلاة، لكنْ أجابَ الزَّمَخشَرِيُّ بأنَّه يَحتمِلُ أنَّ الخِطابَ للمُحدِثين، أو أنَّ الأمرَ للنَّدبِ، ومنَعَ أن يُحملَ عليهما مَعًا على قاعدتِهم في عدمِ حَملِ المُشتركِ على معنيَيه، لكنْ مذهبُنا أنَّه يُحمَلُ.
стр. 767
قال: أو كان ذلك أولَ ما فُرِضَ الوُضوء، ثم نُسِخَ، ويشتَرطُ لتجديدِ الوُضوء عندنا على المُرجَّح أن يكونَ قد صلَّى بالأوَّل فريضةً أو نافلةً، وقيل: لا يستحبُّ إلا لمن صلَّى فريضةً.
وقيل: يستحبُّ لمن فَعلَ ما يتوَقَّفُ على الوضُوء، كمَسِّ المُصحَفِ.
وقيل: يُشتَرطُ أن يتَخلَّلَ زَمنٌ، وإنْ لم يفعَل بالأوَّل شيئًا.
وفي الحديث أيضًا سؤالُ الأدنىَ من الأَعلى.
* * *
٢١٥ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرني بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: أَخْبَرَني سُويدُ بْنُ النُّعْمَانِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءَ، صلَّى لنا رَسُولُ اللهِ ﷺ العَصرَ، فَلَمَّا صَلَّى دَعَا بِالأَطْعِمَةِ، فَلَم يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأكَلْنَا وَشَرِبْنَا، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَغْرِبِ فَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَلَّى لنا المَغْرِبَ وَلَم يتَوَضَّأْ.
الحديث الثاني:
(سليمان) هو ابنُ بلالٍ، وسبَق في (باب مَن مَضمَضَ بالسَّويق) مباحثُ في الحديث، لكنْ هنا زيادَةٌ.
(وشربنا) وهو يَحتملُ شُربَ السَّويق؛ لأنَّه إذا بُلَّ صار مائعًا،
стр. 768
ويَحتمِلُ شُربَ المَاء.
والجمعُ بين الحديثَين بِما أشَرنا إليه أوَّلَ الباب: أنَّ فِعلَه ﷺ ذلك غالبًا لكَونه الأفضلَ، وفعلَه الثَّاني بيان لأمَّته أنَّه يَجوزُ، ولا يُقال: إنَّ ذلك من تَعارضِ النَّفي والإثباتِ، فقد تَمَّ الإثباتُ لكَونه زيادةَ علمٍ؛ لأنَّ ذلك إنَّما هو في النَّفي المَحصورِ، وهنا غيرُ مَحصورٍ، بل تَقدَّم النَّفيُ هنا؛ لأنَّه خاصٌّ، والإثباتُ عامٌّ، فيُقَدَّمُ الخَاصٌّ على العَامِّ، أي: يُخصَّصُ به، فقد قالَ أصحابُنا: إذا تَعارَضَ خاصٌّ وعام كانَ مُخَصِّصًا له، عُلمَ تأخُّره أو لا، خلافًا لقَولِ أبي حنيفَةَ أنَّ العامَّ المُتأخِّر يَنسَخُ.
* * *
٥٦ - بابٌ مِنَ الكَبَائِرِ أَنْ لَا يَسْتَتِرَ مِنْ بَوْلِهِ
(باب مِنَ الكَبَائِرِ أَنْ لَا يَسْتَترَ مِنْ بَوْلهِ) واحدُ الكبائر: (كبيرة)، وفي ضَبطِها (١) خلافٌ مَشهورٌ.
٢١٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانينِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ :
стр. 769
(يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ)، ثُمَّ قَالَ: (بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمشِي بِالنَّمِيمَةِ)، ثمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرها كِسْرتيْنِ، فَوَضَعَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا كِسْرَةً، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ فَعَلْتَ هذَا؟ قَالَ: (لَعَلَّهُ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَم تَيبسَا، أَوْ إِلَى أَنْ يَيبسَا).
(عثمان)؛ أي: ابنُ أبي شَيبة.
(جرير)؛ أي: ابنُ عبدِ الحميدِ.
(منصور)؛ أي: ابنُ المُعتَمِر.
(قال)؛ أي: ابنُ عبَّاس، وهو وإنْ كان عند الهِجرة ابنَ ثلاثِ سنين، لكنْ يُحتَملُ أنَّ ذلك بعد رُجوعه ﷺ للمدينة سنةَ الفَتح، أو سنةَ الحجِّ، أو أنه سَمعه من النَّبي ﷺ ، وهو مرسَلُ صحابيٍّ.
(المدينة): اللامُ فيه للعهد، وصارت عَلَمًا لها بِخلاف مكَّة، فإنَّها لا تدخلُها اللام؛ لأنَّها عَلَم بدونها.
(في قبورها): جَمَعَه مثل: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].
قال ابن مالك: عُلِمَ من إضافة الصَّوت إلى إنسانيَن جوازُ إفرادِ المثنَّى معنًى إذا كانَ جُزءَ ما أُضيفَ إليه، نحو: أكلتُ رأسَ شاتَين، وجَمعُه أجودُ كما في: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، والتَّثنية مع أنَّها الأصلُ قليلةُ الاستعمال، فإن لم يكن المضافُ جُزأَه، فالأكثرُ التَّثنيةُ كـ (سَلَّ الزَّيدان سيفَيهما)، وإنْ أُمِنَ اللَّبسُ جاز بلفظِ الجَمع، فـ (في قبورهِما) شاهدٌ عليه.
стр. 770
(بلى) هي إيجابٌ للنَّفي؛ أي: بلى يُعذَّبان في كبير، والجمعُ بينَهما باعتبارَين، كما قالَ (ط)؛ أي: ما هو كبير عندَكم، ولكنَّه كبيرٌ عند الله كما في: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
قال: وقد اختُلف في عدَد الكبائر، فقيل: سَبعٌ، وقيل: تسعٌ، وقيل: كلُّ معصيةٍ، وقيل: كلُّ ذنبٍ خَتَمه الله بنارٍ أو لَعنةٍ أو عذابٍ أو غَضبٍ.
وقيل لابن عبَّاس: الكبائرُ سبعٌ، فقال: هي إلى السَّبع مئة أقربُ، لأنَّه لا كبيرةَ مع الاستغفار، ولا صغيرةَ مع الإِصرار.
والحديثُ حجَّةٌ لهذا، لأنَّ تَركَ التَّحرُّزِ من البَول لم يتقدَّم فيه وعيدٌ.
قال: وفيه أنَّ عذابَ القبر حقٌّ يجبُ الإيمانُ به، انتهى.
وقال (خ): معناه: لا يُعذَّبان في أمرٍ كان يكبُر ويشقُّ عليهما الاحترازُ منه؛ إذ لا مشقَّة في الاحترازِ عنهما، لا أنَّ المرادَ غيرُ كبيرٍ في أمر الدِّين.
قال: وفيه وجوبُ الاستِتار عندَ قضاءِ الحاجَةِ عن أَعيُنِ النَّاس، وأنَّه يُستحَبُّ قراءةُ القرآنِ عند القُبور، لأنَّها أعظمُ بركةً وثوابًا، وعلى رواية (يستَنزِه) -بالزَّاي- فيه وجوبُ الاحتراز عن الأبو الِ لكوبها نَجسةً.
وقال (ن) بعد ذِكر التأويلَين: إنَّ سببَ كونهما كبيرَين أنَّ عدمَ التَّنزُّه من البَول يلزمُ منه بطلانُ الصَّلاة، وتركُها كبيرةٌ، والمشيُ
стр. 771
بالنَّميمةِ من أقبحِ القبائحِ، لا سيَّما مع قوله: (كان)، وهي تُشعِرُ بالغَلَبة.
قال (ك): لا يصحُّ هذا على قاعدةِ الفقهاء، فإنَّ الكبيرةَ ما أَوجبَ حدًّا، ولا حدَّ في المَشي بالنَّميمة، إلا أنْ يُقالَ: الاستمرارُ إصرارٌ على صغيرة، فيكونُ كالكبيرة، وليس المُرادُ بالكبيرةِ معناها الاصطلاحي.
قلتُ: إذا قلنا بتعريفِ إمامِ الحرمَين الذي يَظهر من كلامِ الرَّافعيِّ والنَّوويِّ ترجيحُه؛ كانَ كلُّ ذلك كبيرةً. ومن طُرِق الجَمع أيضًا: أنَّ النَّفيَ كان قبلَ الوَحيِ بأنَّه كبيرةٌ، أو أنَّ: (في كبير) متعلقٌ بقَوله: (ليعذبان)، وجُملَةُ: (وما يُعذَّبان)؛ مُعترِضةٌ على أنَّ (ما) استفهاميَّةٌ للتَّعظيمِ، وتأكيدٌ للتَّعذيب.
(لا يستتر): قال (ط): أي: لا يستُرُ جسدَه ولا ثيابَه من مماسَّته، فلمَّا عُذِّبَ على عَدَم التَّحرُّز منه دلَّ على أنَّ مَن تركَ البولَ في مَخرَجِه؛ ولم يغسِله؛ أنَّه حقيقٌ بالعذاب، وقد رواه البخاريُّ في مَوضعٍ: (لا يستبرِئُ)، أي: لا يستَفرِغُ جُهدَه بعد فراغِه منه.
وقد اختُلِف في إزالة النَّجاسة، فأوجَبَها الشَّافعيُّ مُطلقًا، والحديثُ من حُجَجِه، فإنَّه عُذِّب في القبر، وهو وعيدٌ.
وقال مالكٌ: لا، وأبو حنيفَة: يجبُ إزالةُ ما زادَ على قَدرِ الدِّرهم، وحَمَلَ مالكٌ الحديثَ على أنَّه عُذِّب لتَركه البَولَ يسيلُ،
стр. 772
فيصلِّي بغيرِ طُهرٍ؛ لأنَّ الوضوء لا يصحُّ مع وجودِه، أو لأنَّه يفعلُه عَمدًا بغير عذر.
(بالنميمة) هي نقلُ كلامِ بعضِ النَّاس لبعضٍ بقَصدِ الإفساد.
(جريدة)؛ أي: سعَفَةٌ جُرِّدَ خُوصُها.
(لعله أن) شبَّه (لعلَّ) بِـ (عسى) فقرنَها بِـ (أنْ).
(عنهما) قال ابنُ مالك: يُروى (عنها) بالإفراد، وجازَ إعادةُ الضَّمير في (لعلَّه) و (عنها) إلى الميِّتِ باعتبارِ كَونِه نَفْسًا وإنسانًا، ويجوزُ كونُ الهاءِ في (لعلَّه) ضميرَ الشَّأن، وفُسِّر بِـ (أنْ) وصلتِها، لأنَّه كجملةٍ، لاشتِماله على مسنَدٍ ومسندٍ إليه، أو تكونُ (أن) زائدةً مع كونها ناصبةً، كما زيدت الباءُ مع كونِها جارَّةً.
قال (ك): أو يكونُ الضَّمير مُبهمًا يُفسِّره ما بعدَه، لا ضميرُ الشَّأن، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩].
(تيبسا) بمُثنَّاةٍ فوقَ أوَّله في أكثر الرِّوايات، وفي بعضِها من تحت، وبفَتحِ الموحَّدة وكسرِها لغة، والضَّميرُ للكِسْرَتَين.
قال العلماء: هو مَحمولٌ على أنَّه سألَ الشَّفاعةَ لَهما، فأُجيبَت شفاعتُه بأن يُخفَّفَ عنهما إلى أنْ ييبَسا.
ويحتملُ أنَّه ﷺ يدعو لَهما تلك المُدَّة.
ويحتملُ أنَّهما يسبِّحان ما داما رَطبين، وليسَ لليابسِ تسبيحٌ، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ﴾ [الإسراء: ٤٤]: أي شيءٍ حيٍّ،
стр. 773
وحياةُ كلِّ شيءٍ بِحَسَبِه، فالخَشَبُ ما لم يَيبَس، والحجَرُ ما لم يُقطَع.
والجمهورُ على أنَّه على عمومِه إما حقيقةً، وهو قولُ المُحقِّقينَ؛ إذ العَقل لا يُحيله، أو بلسانِ الحالِ باعتِبارِ دلالته على الصَّانع، وأنَّه مُنزَّهٌ.
وقال (خ): بعد التَّحقيقِ للتَّبرُّك بأثَر النَّبي ﷺ ودُعائِه، وكأنَّه جعلَ حدَّه دوامَ النَّداوة، لأنَّ في (الرَّطب) معنى (ليسَ في اليابس)، والعامَّةُ تفرِشُ الخُوصَ في القُبور، وليسَ له وجهٌ البتَّة.
* * *
٥٧ - بابُ مَا جَاء في غَسْلِ البَوْلِ
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَاحِبِ القَبْرِ: (كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلهِ)، وَلَم يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ.
(باب ما جاء في غسل البول، وقال النَّبيُّ ﷺ ) هو تعليقٌ، وأسنَدَه في الباب قبلَه.
(لصاحب)؛ أي: لأجلِ صاحِبِ.
(ولم يذكر سوى بول الناس) أخَذَ ذلك من إضافةِ البولِ إليه،
стр. 774
وتكونُ روايةُ: (لا يستَتِر من البَولِ)، محمولةً على هذا من حَملِ المُطلَقِ على المُقيَّد، والقَصد أنَّ القَولَ بنجاسةِ البَول خاصٌّ ببَولِ النَّاس لا بولِ سائرِ الحيَوان.
* * *
٢١٧ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ: حدَّثنا إِسْماعيلُ بنُ إِبراهِيمُ قالَ: حَدَّثنِي رَوْحُ بنُ الْقَاسم قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَيَغْسِلُ بِهِ.
(م س د).
(إسماعيل بن إبراهيم)؛ أي: ابن عُليَّة.
(روح) بفتحِ الرَّاء وضمِّها.
(تبرز)؛ أي: خرجَ إلى البَرَاز -بفَتح المُوحَّدة-؛ أي: الفَضَاء الواسِع (١)، أو دخلَ المَبرَزَ، أي: مكانَ البِرَازِ -بكسرها-؛ أي: الغائِط.
(فيغسل) أي: ذَكَرَه، فحُذِف لظُهوره، وللحَياء من ذِكْرِه، كما قالت عائشةُ ﵂: ما رأيتُ منه ولا رأى منِّي، أي: العَورة، وفي بعضِها: (فيغتَسِل)، والافتِعالُ هو العَمَلُ بنَفسِه، كـ (استوى)