الرابع:
(عن (١) الكُهَّان) متعلق بـ (سأل).
(ليس بشيءٍ)؛ أي: ليست أقوالُهم مُعتبَرَةً، فهي كالعدم، وفي بعضها: (ليسوا بشيءٍ).
(يَخطفُها) بفتح الطاء على المشهور، وكسرها لغة، وهي أخذُ الشيء بسرعةٍ، قال تعالى: ﴿مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات: ١٠].
(يَقُرها) بفتح الياء وضم القاف.
قال الجَوهري: قَرَّ الحديثَ في أذنه يَقُرُّه بالضم: كأنه صبَّه فيه، وفي بعضها بكسرها وتشديد الراء، أي: مع ضم أوله، وهو ترديدُ الكلامِ في أذن المُخاطَب حتى يَفهمَه.
(كَذْبة) بفتح الكاف وكسرها، والذالُ ساكنةٌ فيهما، وأَنكَرَ بعضُهم الكسرَ لأنها للهيئة، وليس ذلك محلَّها.
(قَالَ عَلِيٌّ) هو ابن المَديني، أي: قال: إن عبدَ الرزاق قال: إن لفظَ (الكلمة من الحقِّ) مُرسَلٌ في الحديث، ولعل شيخَه نقلَه هكذا، فقال رسولُ الله ﷺ : (تلك يَخطَفُها)، وأنَّثَ باعتبار أن الشيءَ عبارةٌ عن الكلمة، أو لعل غرضَه أنه لم يقل لفظَ: (من الحقِّ) بالقاف؛ بل قال: (من الجنِّ) بالجيم والنون، أي: تلك الكلمةُ المسموعةُ من الجن أو المنقولة منه، أو لم يقل لا الجنَّ، ولا الحقَّ؛ بل قال: (تلك
стр. 7107
الكلمة) فقط، ثم قال عليٌّ: (وبلغني أن عبدَ الرزاق أَسندَه بعدَ ذلك).
* * *
٤٧ - بابُ السِّحْرِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وَقولهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾، وَقَوْلهِ: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾، وقوله: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾، وَالنَّفَّاثَاتُ: السَّوَاحِرُ، ﴿تُسْحَرُونَ﴾: تُعَمَّوْنَ.
(باب السِّحْر)
وهو أمرٌ خارقٌ للعادة صادرٌ من نفسٍ شريرةٍ لا يتعذَّر معارضتُه، وقد أنكرَه قومٌ وقالوا: إنما هو خيالاتٌ باطلةٌ لا حقيقةَ لها، وأكثرُ الأُمم من العرب والرُّوم والهند والعجم على ثبوته ووجوده حقيقةً، وله تأثيرٌ، وليس بمستحيلٍ عقلًا أن الله تعالى يَخرقُ العادةَ عندَ النطق
стр. 7108
بكلامٍ مُلفَّقٍ وتركيبِ أجسامٍ على وجهٍ لا يَعرفُه كلُّ أحدٍ، وأشار البخاريُّ إلى ثبوته، وأكَثَرَ في الاستدلال عليه بالآيات وصريح الحديث، وأنه مُمرِضٌ، حيث قال: شفاني الله، وحينئذٍ فالفرقُ بينه وبين معجزة النَّبِيِّ ﷺ أنها بالتحدي، ولا تعارضَ بخلافه، أو أنه يظهر على لسان الفاسق أو يحتاج إلى آلاتٍ وأسبابٍ، والمعجزةُ لا تحتاج إليها.
(تُسْحَرون: تُعْمَون) بضم أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه، ومنهم مَن يفتح ثانيَه ويُشدِّد ثالثَه.
* * *
٥٧٦٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونس، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَحَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجلٌ مِنْ بني زُريقٍ يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ، حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ وَهْوَ عِنْدِي، لَكِنَّهُ دَعَا وَدَعَا ثُمَّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ! أَشَعَرْتِ أَنَّ الله أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أتانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَم، قَالَ: في أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ في مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ، وَجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: في بِئْرِ ذَرْوَانَ"، فَأتاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ في نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ
стр. 7109
فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ! كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءَ، أَوْ كَأَنَّ رُؤُسَ نَخْلِهَا رُؤُسُ الشَّيَاطِينِ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلَا أَستخْرِجُهُ؟ قَالَ: "قَدْ عَافَانِي اللهُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا"، فَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ.
تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَأَبو ضَمْرَةَ، وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ: في مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ، يُقَالُ: الْمُشَاطَةُ مَا يَخْرُجُ مِنَ الشَّعَرِ إِذَا مُشِطَ، وَالْمُشَاقَةُ مِنْ مُشَاقَةِ الْكَتَّانِ.
(زُرَيْق) بتقديم الزاي.
(لَبِيْد) بفتح اللام وكسر الموحدة وبالمهملة: ابن (الأَعْصَم) بمهملتين.
(يُخيَّل) بالبناء للمفعول.
(يَفعَل)؛ أي: يأتي النساءَ، كما سيأتي.
(ذات يوم) بالرفع، وفي بعضها بالنصب، و (ذات) مُقحمَةٌ للتأكيد.
قال الزَّمَخْشَري: أو من إضافة المُسمَّى إلى اسمه.
(لكنه) محلُّ الاستدراك هو إما (وهو عندي)، أي: كان عندي، لكن ليس مشتغلًا بي، بل بالدعاء، أو (يفعل)، أي: كان التخييلُ في الفعل لا في القول والعلم؛ إذ كان دعاؤُه وفهمُه على الوضع الصحيح.
(مَطْبُوب)؛ أي: مسحور، والطبُّ من الأضداد.
стр. 7110
(مُشْط) بضم الميم وكسرها، والشينُ ساكنةٌ فيهما.
(ومُشَاطة) ذُكِرَ آخرَ الحديث تفسيرُها وتفسيرُ المُشَاقة، وقيل: هما بمعنَى، والقافُ تُبدَل من الطاء.
(وَجُفّ) بضم الجيم وتشديد الفاء: وعاءُ طلعِ النخل وغشاؤُه، سواءٌ الذكرُ والأنثى، فلذلك قيَّده بقوله: (ذَكَر)، وفي بعضها: (جُبّ) بالموحدة بمعناه.
(طَلْعة نخلة) الهاء فيه لتمييز المفرد، كتمرة.
(ذَرْوَان) بفتح المعجمة وسكون الراء وبالواو والنون، وفي بعضها: (ذي أَرْوَان) بفتح الهمزة وإسكان الراء، وقد سبق ذلك.
قال (ن): كلاهما صحيحٌ، والثاني أجودُ وأصحُّ، وادَّعَى ابنُ قُتيبةَ أنه الصوابُ، وهي بئرٌ بالمدينة في بستان بني زُرَيْق.
(نُقَاعَة) بضم النون وخفة القاف وتشديدها.
(الحِنَّاء) بالمدِّ، أي: الماء الذي يُنقَع فيه الحِنَّاء.
(وكأن رؤوسَ نخلِها رؤوسُ الشياطين) وجهُ التشبيه: وحاشةُ المَنظر، وهو مَثَلٌ في استقباح الصورة.
(أُثَوِّر) بفتح المثلثة وتشديد الواو المكسورة.
(شرًّا)؛ أي: بأن يَعلَمَ المنافقون السحرَ، فيُؤذون المسلمين به، وهو من باب دفع أعظم المفاسد.
(تابَعَه أبو أُسامة) موصولٌ بعدَ بابٍ.
стр. 7111
(وأبو حمزة) وصلَه في (الدعوات).
(وقال الليث) مضى في (صفة إبليس).
(وابن عُيَيْنَةَ) موصولٌ بعدَ (باب السحر) أيضًا.
* * *
٤٨ - بابٌ الشِّرْكُ وَالسِّحْرُ مِنَ الْمُوبِقَاتِ
(باب الشِّرك والسِّحر من المُوبِقات)
أي: المُهلِكات، وقد ثبت في الصحيح عدُّ السبع: الشِّركُ بالله، والسِّحرُ، وقتلُ النفسِ التي حرَّم اللهُ إلا بالحقِّ، وأكلُ مالِ اليتيم، وأكلُ الرِّبا أو التولِّي يومَ الزَّحف، وقذف المُحصَنات، واقتصارُه في الحديث المذكور على ثنتين:
٥٧٦٤ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اجْتَنِبُوا الْمُوبِقَاتِ الشِّرْكُ بِاللهِ، وَالسِّحْرُ".
(الشِّرك بالله والسِّحر) بالرفع والنصب؛ إما اختصارًا، أو من باب: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
وفيه: أن السِّحرَ من الكبائر، وحُجَّة على مَن عرَّفَ الكبيرةَ بأنها
стр. 7112
المُوجِبة للحَدِّ.
* * *
٤٩ - بابٌ هل يَسْتخْرِجُ السِّحْرَ ؟
وَقَالَ قتادَةُ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب: رَجُلٌ بِهِ طِبٌّ أَوْ يُؤَخَّذُ عَنِ امْرَأَتِهِ، أَيُحَلُّ عَنْهُ أَوْ يُنَشَّرُ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا يُرِيدُونَ بِهِ الإصْلَاحَ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ.
(باب هل يُستَخرَج السِّحرُ؟)
(وقال قتادة) وصلَه أبو بكر الأَثرَم في "سننه" من طريق أبانَ العطَّار عن قتادة بمثله، ومن طريق هشام الدَّسْتُوائي عن قتادة بلفظ: (يلتمس مَن يُداويه)، فقال: إنما نهى اللهُ عما يَضرُّ ولم يَنهَ عما ينفع.
قولهُ: (طِبٌّ)؛ أي: سِحرٌ.
(يُؤَخَّذ) بمعجمتين والتشديد، أي: يُحبَس عن مباشرة المرأة، وهذا هو المشهورُ بعقد التأجيل.
قال الجَوهري: الأُخذة بالضم: الرُّقية كالسحر، أو خرزةٌ تُؤخَذ بها النساءُ والرجالُ، وهي من التأخيذ.
(أو يُنَشَّر) بالتشديد، من: النُّشْرَة، أي: بضم النون وسكون المعجمة، وهي كالتعويذ والرُّقية يُعالَج بها المجنونُ، يُنشَّر عنه
стр. 7113
تنشيرًا، أو يُحتمل أن تكون شكًّا أو تنويعًا شبيهًا باللَّفِّ والنَّشرِ، بأن يكون الحلُّ في مقابلة الطِّب، والتنشير في مقابلة التأخيذ.
قال (ط): هل يُسأل الساحرُ عن حلِّ السِّحر عن المسحور؟ قال الحسنُ البَصريُّ: لا يجوز إتيانُ الساحر مُطلَقًا، وقال ابنُ المُسَيَّب وغيرُه: ذلك إذا أتاه وسألَه أن يَضرَّ مَن لا يحلُّ ضررُه، وأما للحلِّ فنفعٌ، وقد أَذِنَ له لذوي العِلَل في المعالجة، سواءٌ كان المُعالج ساحرًا أو لا.
قال (ط): في كتب وَهْب بن مُنبِّه: أن الحلَّ، ويُسمَّى النُّشرة: أن يَأخذَ سبعَ ورقاتٍ من سِدْرٍ أخضرَ، فيدقَّه بين حَجَرَينِ، ثم يَضربَه بالماء ويقرأَ عليه آيةَ الكرسي وذواتِ ﴿قُلْ﴾، ثم يَحْسُوَ منه ثلاثَ حَسَوَاتٍ ويغسلَ به، فيذهبَ عنه كلُّ ما به إن شاء اللهُ تعالى، وهو جيدٌ للرجل إذا حُبس عن أهله.
* * *
٥٧٦٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ: حَدَّثَنِي آلُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، فَسَألتُ هِشَامًا عَنْهُ، فَحَدَّثَنَا عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ سُحِرَ، حَتَّى كَانَ يَرَى أنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأتِيهِنَّ، قَالَ سُفْيَانُ: وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ إِذَا كَانَ كَذَا، فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ أَعَلِمْتِ أَنَّ الله قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ، أتانِي
стр. 7114
رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلآخَرِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ، كانَ مُنَافِقًا، قَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ في مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ، قَالَ: وَأَيْنَ؟ قَالَ: في جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، تَحْتَ رَعُوفَةٍ، في بِئْرِ ذَرْوَانَ"، قَالَتْ: فَأَتَى النَّبِيُّ ﷺ الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ، فَقَالَ: "هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءَ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُسُ الشَّيَاطِينِ"، قَالَ: فَاسْتُخْرِجَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: أفلَا أَيْ تنشَّرْتَ؟ فَقَالَ: "أَمَا وَاللهِ فَقَدْ شَفَانِي، وَأكرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا".
(كان منافقًا) في هذه الرواية دليل على أن قولَه في الرواية السابقة: (اليهودي) نسبةٌ، بأنه حِلْفٌ لهم.
قال أبو الفرج: يدل على أنه كان قد أَسلَمَ نفاقًا.
(رَاعُوفة) بالراء والمهملة والفاء: صخرةٌ تُترَك في أصل البئر عندَ حفرِه ثانيةَ ليُحبَس [ليجلس] عليها مُستقيه إذا احتاج، وقيل: حجرٌ على رأس البئر يُستقَى عليه، وفي بعض الروايات: (رَعُوفة) بغير ألف، ورُوي بالثاء المثلثة؛ والمشهورُ الفاءُ.
(أفلا تنشَّرت) وفي بعضها: (هلَّا تنشَّرْت)، تفعُّل من النُّشرة، وفي بعضها: (أفلا، أي: تنشَّرْت)، بزيادة (أي) التفسيرية، وفي بعضها: (أفلا أُتِيَ بِنُشْرَة)، فعلٌ ماضٍ مبني للمفعول، من: الإتيان،
стр. 7115
وسبق معنى النُّشرة، وفيه: جوازُ النُّشرة، وأنها كانت مشهورةً عندهم، ومعناها اللغويُّ ظاهرٌ فيها، وهو نشرُ ما طَوَى الساحرُ وتفريقُ ما جمعَه، أي: هلَّا استَخرجتَ الدَّفينَ حتى يَرَاه الناسُ، فكرهَ النَّبِيُّ ﷺ ذلك لِمَا في إظهاره من الفتنة، وهو معنى قوله: (على أحدٍ من الناس شرًّا) فيُحتمل أن المرادَ به لَبيدُ بنُ الأَعصَم؛ لأنه مسلمٌ في الظاهر، أو الناسُ مطلقًا، وقد سبق.
* * *
٥٠ - بابُ السِّحْرِ
(باب السِّحر)
٥٧٦٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أبو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى إِنه لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهْوَ عِنْدِي دَعَا اللهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: "أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ أَنَّ اللهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا استفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ "، قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "جَاءَنِي رَجُلَانِ، فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَم، الْيَهُودِيُّ مِنْ بني زُرَيْقٍ، قَالَ: فِيمَا ذَا؟ قَالَ: في مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ، وَجُفِّ
стр. 7116
طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: في بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ" قَالَ: فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ في أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخْل، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَ: "وَاللهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُسُ الشَّيَاطِينِ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أفأَخْرَجْتَه؟ قَالَ: "لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللهُ وَشَفَانِي، وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا" وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ.
الحديث الأول:
(لَيُخَيَّل)؛ أي: يَظهرُ له من نشاطه وتقدُّم عادته؛ فإذا دنا منهنَّ أخذَه السِّحرُ، فلم يتمكن من ذلك، وقيل: كان يُخيَّل إليه، ولكن لم يكن يعتقد صحةَ ما تَخيَّله، وقيل: كان السِّحرُ جاريًا على جسده وجوارحه، لا على عقله وقلبه، فيتخيَّل بالبصر لا بالبصيرة، وليس فيه قدحٌ فيما يتعلق بالنبوة، وسبق بيانُ ذلك في (باب صفة إبليس) في (كتاب بدء الخلق)، وقيل: تجويزُ مثلِه يَمنع الثقةَ بالشرع، ورُدَّ بأنه معصومٌ بالمعجزات عما يتعلق بالتبليغ، بخلاف أمور الدنيا فإنه لا يَبعُدُ، ولا نقصَ فيه بذلك.
قال (خ): لأن الأنبياءَ -عليهم الصلاةُ والسلامُ- بشرٌ جارٍ عليهم من العِلَل والأعراض ما هو جارٍ على غيرهم، وليس تأثيرُ السحر فيهم بأكثرَ من القتل والسم، وقد قُتِلَ زكريا ويحيى وأمثالهم، وذلك ابتلاءٌ، قال: فقد عصمَه اللهُ، وإنما كان يُخيَّل إليه أنه يفعل الشيءَ من أمر النساء خصوصًا، ولا يفعل؛ وهذا لا نقصَ فيه.
стр. 7117
(جاءَني رجُلانِ) رواه مُرجَّى بن رجاء، عن هشام بسنده: (مَلَكانِ)، فيُحتمل أنهما جبريلُ وميكائيلُ، كما في حديث سعد الآتي.
(قال: لا) (١) هذا غيرُ مُنافٍ لرواية: أنه استخرجه؛ لأن المُثبَتَ هو استخراجُه من موضعه، والمَنفيَّ عدمُ التنشُّر منه، ولهذا قيل له: (أفلا تَنَشَّرت)، أو عدمُ إخراجه من البئر أو من الجُفِّ، كما أشار إليه (ط) لئلا يراه الناسُ، فيتعلمون استعمالَ السِّحر بعد أن قال: إن مدارَ الحديث على هشام؛ لكن بعضَ أصحابه رَوَى عنه الاستخراجَ، وبعضَهم لم يَروِه، والمُثبِتُ معه زيادةُ ثقةٍ؛ فقُبِلَتْ، لا سيما وهو أضبطُ.
الثاني: كالذي قبلَه.
* * *
٥١ - بابٌ مِنَ الْبَيَانِ سحرًا
(باب مِن البيان السِّحرُ)
٥٧٦٧ - حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّهُ قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ، فَخَطَبَا،
стр. 7118
فَعَجبَ النَّاسُ لِبيانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ الْبيانِ لَسِحْرًا، أَوْ إِنَّ بَعْضَ الْبيانِ لَسِحْرٌ".
سبق الحديثُ فيه في (النكاح)، وأن وجهَ التشبيه جلبُ العقول، فإنهما خارقان للعادة، أو أنه كما يقول المالكية: ذمٌّ للبيان؛ لأنه شُبِّهَ بالسِّحر، وهو مذمومٌ.
(رَجُلان) سبق أن اسمَ أحدهما: الزِّبْرِقَان -بالزاي والموحدة والراء والقاف- بن بدر، والآخر: عمرو بن الأَهْتَم.
(من المَشرِق)؛ أي: من نجد.
* * *
٥٢ - بابُ الدَّوَاءِ بِالْعَجْوة للسِّحْرِ
(باب الدَّوَاءِ بالعَجْوَةِ للسِّحْرِ)
العَجْوَة بفتح العين المهملة وسكون الجيم: ضربٌ من أجود التمر بالمدينة.
٥٧٦٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ، أَخْبَرَنَا هَاشِمٌ، أَخْبَرَنَا عَامِرُ بنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : "مَنِ اصْطَبَحَ كُلَّ يَوْمٍ تَمَرَاتٍ عَجْوَةً، لَمْ يَضُرُّهُ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ ذَلِكَ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ" وَقَالَ غَيْرُهُ: "سَبْعَ تَمَرَاتٍ".
صاحبُها، وربما اعتقدَ العَدوَى بطبعها، فيَكفُر.
قال (ن): (لا عَدوَى): نفيُ ما كانوا يعتقدونه أن المرضَ يُعْدِي بطبعه، ولم يَنفِ حصولَ الضرر عنده بقَدَر الله، و (لا يُورد): إرشادٌ لمُجانبَة ما يَحصلُ الضررُ عندَه بقَدَر الله، وقيل: حديثُ (لا يُورد) منسوخٌ بـ: (لا عَدوَى)، وقيل: لا تنافِيَ؛ لِمَا سبق أن إيرادَها قد يَحصل معه ضررٌ، ويتوهَّم العَدوَى، ونفي العَدوَى من حيث الاعتقادُ.
وقال (خ): النهيُ إنما جاءَ في الأدواء التي تشتدُّ رائحتُها ويَنطُفُ منها نُطَفٌ، فإذا بَرَكَتِ الإبلُ في مَبَارك المَرضَى علقَتْ بها تلك النُّطَفُ وسرَتْ روائحُها لِمَا يُساكنُها ويَطولُ مقامُه معها.
(الحديث الأول)؛ أي: حديث (لا عَدوَى)، وفي بعضها: (حديث الأول) نحو: مسجد الجامع.
(فَرَطَنَ)؛ أي: تكلَّم باللغة الحبشية بما لا يُفهَم، والرَّطانة: ما كان بالعجمية.
(نَسِيَ) قد يَستشكل بقوله بعد بسطِ الرِّداء بين يدي النَّبِي ﷺ : (فما نسيتُ شيئًا بعدُ)؟ وجوابه: أنه إنما قال: فما رأيتُه نَسِيَ، ولا يلزمُ من روايته النسيانَ نسيانُه.
قال في "صحيح مسلم": هذه العبارةُ لا أدري: أنسِيَ أبو هريرةَ أو نسخَ أحدُ القولَينِ الآخرَ.
* * *
في أكثر النُّسَخ، ومقتضى الدليل أن تَصحَبَ نونُ الوقاية الأسماءَ المُعربةَ المُضافةَ إلى ياءِ المتكلمِ، لتَقيَها خفاءَ ذلك الإعراب، فلما منعوها ذلك كان كأصلٍ متروكٍ، فنبَّهوا عليه في بعض الأسماء المُعرَبة المُشابِهة للفعل، يقول الشاعر:
وليس المُوافِيني لِيَرقُدَ خَائِبًا ... فَإِنَّ لَهُ أَضْعَافَ مَا كَانَ أَمَّلَا
ومنه الحديثُ: (صادقوني)، ولمَّا كان أفعلُ التفضيل سببَها بفعل التعجب اتصلت به النونُ في قول النَّبِيِّ ﷺ : (أخوفني عليكم)، أي: أخوفُ مَخافتي عليكم، فحُذف المضافُ إلى الياء، وأُقيمت هي مقامَه، فاتصل (أخوف) بها مقرونةً بالنون، ورُوي: (صادقيَّ) بتشديد الياء.
(وَبَرِرتَ) بكسر الراء الأولى.
(تخلفونا) بالإدغام والفكِّ.
(اخسَئُوا) من: خَسَأتُ الكلبَ: طردتُه، وخَسَأَ الكلبُ بنفسه، يتعدَّى ولا يتعدَّى، أي: وبعضُ عصاة المسلمين وإن دخلوا النارَ فيَخرجون منها، وأما الكَفَرَةُ فمُخلَّدون فيها، واسم المرأة التي جَعلَتِ السمَّ في الشاة: زينبُ، وفي الحديث معجزةٌ لرسول الله ﷺ .
* * *
стр. 7126
٥٦ - بابُ شرب السُّمِّ وَالدَّوَاءِ بِهِ وبما يُخَاف مِنْهُ
(باب شُرْبِ السُّمِّ، والدَّواء بهِ، وما يُخَافُ مِنْهُ)
(ما): عطفٌ على الاسم لا على الضمير المجرور، وفي بعضها: (وبما يخاف)، فيجوز العطفُ عليه لإعادة الجار.
(والخبيث) هذه اللفظةُ عندَ القَابِسِيِّ وأبي ذَرٍّ دونَ غيرهما، وذكرَها التِّرْمِذي بلفظ: (ونهى النَّبِيُّ ﷺ عن الدواء الخبيث)، قال أبو عيسى: يعني: السُّمَّ.
٥٧٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقتَلَ نَفْسَهُ، فَهْوَ في نَارِ جَهَنَّمَ، يترَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سَمًّا فَقتلَ نَفْسَهُ، فَسَمُّهُ في يَدِهِ، يتحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قتلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ، يَجَأُ بِهَا في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا".
الحديث الأول:
(تَرَدَّى)؛ أي: سقط.
(تحسَّى) بمهملتين، أي: تجرَّع.
стр. 7127
(يَجَأ بها) من الوِجَاء بالهمز، وهو الضربُ بالسكين، يقال: وجَأتُ البعيرَ: طعنتُ مَنْحَرَه، والأصل في مضارعه: يَوجَأ، وهذه العقوباتُ من جنس الأعمال، نعم، المؤمنُ لا يُخلَّد في النار، فيُحمَل إما على المُستحِلِّ، وإما أن المرادَ بالخلود المكثُ الطويلُ جمعًا بين الأدلة.
(جهنم) اسمٌ لنار الآخرة، لا يُصرَف للتأنيث أو للعُجمة مع العَلَمية.
* * *
٥٧٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ أَبُو بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا هَاشِمُ بْنُ هَاشِم قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنِ اصْطَبَحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ".
الثاني:
فيه فضلُ عَجْوَة المدينة، وقيل: عامٌّ لكل عَجْوَةٍ، وأما السرُّ فيه وفي تخصيص العدد بسبعٍ فهو مما يَعلمُه الشرعُ ويجب الإيمانُ به، كما في عدد الركعات ونُصُب الزَّكَوات.
* * *
(يتوضَّأ)؛ أي: من ألْبَان الأُتُن.
(ألْبَان) فيه تنازعُ عاملَينِ.
(بها)؛ أي: بأبوال الإبل.
(نهى عن لُحُومِها) يُعلَم منه حرمةُ اللبَن, لأنه مُتولِّدٌ من اللحم.
(مَرَارَةُ السَّبُعِ) يُعلَم حرمتُها من عموم النهي عن أكل كل ذي نابٍ لشموله جميعَ أجزائه، ويُحتمَل أن يكونَ المرادُ: ليس لنا نصًّا فيهما، فلا يُعرَف حكمُهما.
* * *
٥٨ - بابٌ إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ في الإِنَاء
(باب إذا وَقَعَ الذُبَابُ في الإنَاءِ)
٥٧٨٢ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُتْبةَ بْنِ مُسْلِمٍ مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ مَوْلَى بَنِي زُريقٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إذَا وَقَعَ الذُبَابُ في إنَاءِ أَحَدِكُمْ، فَليَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لْيَطْرَحْهُ، فَإنَّ في أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ داءً".
(زُرَيْق) بتقديم الزاي، وقيل: إن عُبيدًا مولى زيد بن الخطاب.
стр. 7130
(فَلْيَغْمِسْه) بكسر الميم، وهذا ظاهرٌ إذا كان عندَ الغَمس حيًّا، وحِكمةُ الغَمس: ما جاء أنه يُقدِّم السُّمَ، فيَغمسُه فيتداوى بالآخر الذي فيه الشفاءُ، ومِثلُه العَقربُ ونحوُها، تُهيج الداءَ بإبرتها ويُتداوَى بجرمها.
قال (خ): هذا مما يُنكرُه مَن لم يَشرَحِ اللهُ صدرَه بنور المعرفة، فلِمَ لا يتعجب من النحلة فيها الشفاءُ والسمُّ معًا؛ فتَعسلُ من أعلاها، وتُسمُّ من أسفلها بجمتها؟ والحيةُ سمُّها قاتلٌ، ولحمُها مما يُستشفَى به، ولا حاجةَ لنا إلى النظائر مع قول الصادق المصدوق ﷺ ؛ فإن أهلَ الطبِّ إنما يقولون بالتجربة، والتجربةُ خطرٌ.
قال (ط): يجوز أن يُحمَلَ على ظاهره، وأن يكونَ المرادُ: ما تجدون في نفس الأكل من التقذُّر للطعام إذا وقع، والدواءُ الذي في الجناح الآخر رفعُ التقذُّر بغمسِه فيه وقلةُ المبالاة بوقوعه فيه؛ لأن الذبابَ لا نَفْسَ له، وليس فيه دمٌ يُخشَى منه إفسادُ الطعام، فلا معنى للتقذُّر عنه.
* * *
стр. 7131
٧٧ - كتاب اللباس
стр. 7132
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٧٧ - كتاب اللباس
(كتاب اللباس)
١ - بابُ قولِ الله تعالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾
وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كلُوا واشْرَبُوا والْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا، في غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلَا مَخِيلَةٍ"، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنتَانِ: سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ.
قوله: (وقال ﷺ ) وصلَه النَّسَائي وابن ماجه وأبو داود الطَّيَالسي من حديث عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه.
(إسراف) هو صَرْفُ الشيء زائدًا على ما ينبغي.
(مَخِيلَة) بفتح الميم: الكِبْر.
(أَخطَأتْك)؛ أي: تجاوَزَتْ عنك، فالإخطاء: التجاوزُ عن الصواب، أو (ما) نافية، أي: لم يُوقِعْك في الخطأ اثنتان.
стр. 7133
(أو مَخِيلَة) هي بمعنى الواو، نحو: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] على تقدير النفي، إذ انتفاءُ الأمرَين لازم فيه.
* * *
٥٧٨٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ يُخْبِرُونهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ".
(خُيَلاء) بضم الخاء وكسرها، وهي والمَخِيلة والبَطَر والكِبْر متقاربةٌ في المعنى، ونفيُ نظرِ الله المرادُ به اللطفُ والرحمةُ، لا النظرُ بجارحةٍ لتنزيهه تعالى عن ذلك، أو المعنى بالنسبة إلى مَن يمكن له النظرُ، كما يقال: السلطانُ لا يَنظرُ إلى الوزير، فهو كنايةٌ.
قال في "الكشَّاف" في: (ولا يَنظرُ إليهم): إنه مجازٌ عن السخط عليهم، والفرقُ بين استعماله فيمَن يجوز عليه النظرُ وغيره: تحقيقُ الكناية فيمَن يجوز عليه؛ لأن مَن اعتدَّ بالإنسان التفَتَ إليه، ثم كثر حتى صار عبارةً عن الاعتداد والإحسان وإن لم يكن ثَمَّ نظرٌ، ومجيئُه مجردًا لمعنى الإحسان فيمَن لا يجوز عليه.
* * *
стр. 7134
٢ - بابُ مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ مِنْ غَيْرِ خُيَلَاء
(باب مَن جَرَّ إزارَه مِن غيرِ خُيَلاء)
٥٧٨٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونس، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبةَ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ إِزَارِي يَسْتَرْخِي، إلا أَنْ أتعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَسْتَ مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ".
الحديث الأول:
(يَستَرخي) سببُ استرخائه من أحد الشقَّين على ما قاله ابنُ قتيبة في "المعارف": أنه كان أحْنَى لا يَستمسكُ إزارُه، يَسترخي عن حَقوَيه.
قال (ك): (أَحنَى) إما بالحاء المهملة، من قولهم: أحْنَى الظَّهر، أي: فيه احديدابٌ، وإما بالجيم مهموز، بمعنى: أَحدَب الظَّهر، ثم الاسترخاءُ يَحتمل أن يكونَ من طرفه المقدم نظرًا إلى الاحديداب، أو من اليمين أو الشمال نظرًا إلى النَّحافة؛ إذ الغالبُ أن النحيفَ لا يستمسك إزارُه على السواء.
وفي الحديث: أن الحرامَ هو للخُيَلاء، وأما لغيره فلا بأسَ به، قالوا: القَدْرُ المُستَحبُّ في ما ينزل إليه طرفُ القميص والإزار لنصف الساقَين، والجائزُ بلا كراهةِ ما تحتَ الكعبين، وما ينزل عنهما فممنوعٌ
стр. 7135
إن كان للخُيَلاء تحريمًا، وإلا فكراهةً.
* * *
٥٧٨٥ - حَدَّثنَي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ يُونس، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ وَنَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ , فَقَامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُسْتَعْجلًا، حَتَّى أتى الْمَسْجِدَ وَثَابَ النَّاسُ، فَصَلَّى ركعَتَيْنِ، فَجُلِّيَ عَنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا، وَقَالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيتانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَصَلُّوا وادْعُوا الله حَتَّى يَكْشِفَهَا".
الثاني:
(محمَّد) صرَّح ابنُ السَّكَن بأن محمدًا عن عبد الأعلى هو ابن سلام، فيُحتمَل أنه المراد.
(وثاب الناسُ) بمثلثة، أي: اجتمعوا، وأصلُه بمعنى الرجوع، وسبق الحديثُ في (الكسوف).
* * *
٣ - بابُ التشْمِير في الثِّيَابِ
(باب التَّشمير في الثياب)
من: شَمَّر إزارَه: إذا رفعَه، وشَمَّر في أمره، أي: خَفَّ.
стр. 7136
٥٧٨٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شُمَيْلٍ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، أَخْبَرَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: فَرَأَيْتُ بِلَالًا جَاءَ بِعَنَزَةٍ فَرَكَزَهَا، ثُمَّ أَقَامَ الصَّلَاةَ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ في حُلَّةٍ مُشَمِّرًا، فَصَلَّى ركعَتَيْنِ إِلَى الْعَنَزَةِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ وَرَاءِ الْعَنَزَةِ.
(إسحاق) جزمَ به أبو نُعيم في "المستخرج" بأنه ابن رَاهَوَيْهِ، وإما ابن إبراهيم، وإما ابن منصور.
(حُلَّة) واحدة: الحُلَل، وهي بُرُودُ اليمَن، والحُلَّة: ثوبان؛ إزارٌ ورداءٌ، أو نحو ذلك.
(العَنَزة) بالتحريك: أطولُ من العصا وأقصرُ من الرمح، وفيه زُجٌّ.
* * *
٤ - بابُ مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهْوَ فِي النَّارِ
(باب ما أسفلَ من الكَعبَينِ ففي النار)
هو لفظُ الحديث الذي أورده، و (ما) موصولٌ، صلتُه ما بعدَه، على تقدير: كان أسفلَ، فـ (أسفل): خبر كان، أو (أسفل) فعلٌ ماضٍ
стр. 7137
هو وفاعلُه الصلةُ، أو (أسفل): مرفوع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو أسفلُ.
* * *
٥٧٨٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإزَارِ فَفِي النَّارِ".
(ما أسفلَ من الكعبَين من الإزَار) (من) الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: للبيان.
(في النار) قال (خ): يريد أن الموضعَ الذي يناله الإزارُ من أسفل الكعبين من النار.
* * *
٥ - بابُ مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلَاء
(باب مَن جَرَّ ثَوبَه من الخُيَلاء)
٥٧٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا".
стр. 7138
الحديث الأول:
(بَطَرًا) هو الطغيانُ عند طول الغناء، وقيل: شدة المَرَح، وقيل: هو قريبٌ من معنى الخُيَلاء.
* * *
٥٧٨٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبةُ، حَدَّثَنَا محمد بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ النَّبِي، أَوْ قَالَ أَبُو الْقَاسِم ﷺ "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي في حُلَّةٍ، تُعْجبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جُمَّتَهُ، إِذْ خَسَفَ اللهُ بِهِ، فَهْوَ يتجلَّلُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
(مُرَجِّل) بضم الميم وتشديد الجيم.
(يَتَجلجَل) بجيمَينِ، أي: يتحرك وينزل مضطربًا، والجَلجَلة: الحركةُ مع صوتٍ، أي: يَسُوخُ في الأرض حتى يُخسَفَ به، ويُروَى: (يتخلل)، يُروَى بالخاء المعجمة، واستبعَدَه (ع)؛ إلا أن يكونَ من قولهم: خَلخَلتُ العظمَ: إذا أخذتُ ما عليه من اللحم، قال: ورويناه في غير "الصحيحين" بحاءَين مهملتَين.
قال (ك): وهذا الرجلُ يُحتمَل أن يكونَ من هذه الأُمَّة وسيقع بعدُ، وأن يكونَ من الأُمَم السالفة، فهو خبرٌ عن ماضٍ، وقيل: هو قارون.
قلت: سماه السُّهَيلي في "التعريف" في: ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ [الصافات: ١] عن الطبَري الهيزن، وأنه من أعراب فارس، وجزم الكَلَابَاذِي في "كتاب معاني الأخبار" بأنه قارون، وكذا في "صحاح الجَوهري"، وفي "تاريخ
стр. 7139
الطبري" عن سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة: ذكر لنا أنه يُخسَف بقارونَ كلَّ يومٍ قامةٌ، وأنه يتجَلجَلُ فيها, لن يَبلغَ قعرَها إلى يوم القيامة.
* * *
٥٧٩٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ، خُسِفَ بِهِ، فَهْوَ يتجَلَّلُ في الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
تَابَعَهُ يُونس، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَلَمْ يَرْفَعْهُ شُعَيْبٌ، عن أبي هُرَيْرَةَ.
الثالث:
بمعنى ما قبلَه.
(تابعَه يونس) ابن زيد، موصولٌ في (أحاديث الأنبياء).
(ولم يَرفَعْه شعيب عن أبي هريرة) بل وقفَه عليه، وصلَه الإسماعيلي من طريق أبي اليَمَان عنه بتمامه.
* * *
٥٧٩٠ / -م - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، أَخْبَرَنَا أَبِي، عَنْ عَمِّهِ جَرِيرِ بْنِ زيدٍ قَالَ: كنْتُ مَعَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى بَابِ دارِه، فَقَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمعَ النَّبِيَّ ﷺ نَحْوَهُ.
الرابع:
هو بنحوه كما قاله البخاري.