وسبق جوابُ الإشكال عن كونِ نفقةِ الأولادِ مُقدَّمةً على الأصول: بأنه لعله كان في شرعهم تقديمُ الأصول، أو أن الأولادَ كانوا يَطلُبون الزائدَ على سدِّ الرَّمَق، أو صياحُهم كان لغير ذلك، وشرحُ بقيةِ الحديث في (البيع) في (باب إذا اشترى شيئًا لغيره)؛ نعم، هناك (فَرَق من الذرة)، وهنا (من الأرز)، فلعله كان منهما، والفَرَق بسكون الراء وفتحها: مِكيَالٌ يَسَعُ ستةَ عشرَ رطلًا.
وفي الحديث: فضلُ بِرِّ الوالدَين واجتنابِ المَحارم، وفضلُ الأمانة، وقال الطِّيبي: كرَّرَ لفظ (اللهم) في القرينة الثانية لأن هذا المقامَ أصعبُ المقامات؛ فإنه ردعٌ لهوى النفس، قال: وقال ذلك (البقر) باعتبار السواد، وأنَّث الضميرَ الراجعَ إلى (البقر) باعتبار جمعية الجنس.
* * *
٦ - باب عُقوق الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْكَبَائِرِ
(باب عقوق الوالدَين من الكبائر)
العُقوق: كلُّ فعلٍ يتأذَّى به الوالدُ، وأصلُه: الشقُّ والقطعُ، فهو شقُّ عصا طاعة الوالد.
٥٩٧٥ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ،
стр. 7290
عَنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ وَرَّادٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَمَنْعَ وَهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ".
الحديث الأول:
(الأُمَّهات) ذَكرَ ذلك إما لأنهنَّ أضعفُ، أو لعقوقهنَّ مزيةٌ، أو من باب الاكتفاء.
(ومنعًا وهات)؛ أي: منعُ ما هو عليكم، وطلبُ ما ليس لكم أخذُه، وقيل: نهيٌ عن منع الواجب من ماله وأقواله وأفعاله، واستدعاءُ ما لم يجب من الحقوق، وفي بعضها: (منع) بدون ألف، على لغة ربيعة في الكتابة بلا ألف تبعًا للوقف.
(ووَأْد) هو الدَّفن في القبر.
(قيل وقال) مشهورُ اللغة أنهما اسمانِ مُعرَبانِ يدخلهما الألفُ واللامُ، والمشهورُ في هذا الحديثِ بناؤُهما على الفتح، فعلانِ ماضيانِ، فالتقديرُ: عن قول قيل وقال، ومرفوعُهما ضميرٌ مستترٌ، ولو رُوِيَ بالتنوين لَكانَ جائزًا، ولكن يكونان مكتوْبَين بلا ألفٍ على لغة ربيعة، ثم إما أن يُرادَ بهما حكايةُ أقاويل: قال فلان كذا وقيل كذا، أو أمورُ الدنيا تُنقَل عن غير احتياطٍ ودليلٍ.
(وكثرة السؤال)؛ أي: المَسائل التي لا حاجةَ إليها أو الأموال، أو عن أحوال الناس، أو عن رسول الله ﷺ قال تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ
стр. 7291
أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١]، وسبق ذلك في (باب الزكاة).
* * *
٥٩٧٦ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنِ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا أُنبَّئِّكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "الإشْرَاكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ"، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ"، فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى قُلْتُ لَا يَسْكُتُ.
(وعقوق) وهو وإن كان كبيرةً لكن عُدَّ من أكبر الكبائر، لأن الوالدَ من حيث الظاهرُ كالمُوجِد له صورةً، ولهذا قَرَنَ اللهُ تعالى الإحسانَ إليهما بتوحيده في: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٣].
(وقول الزُّور) وجهُ عدِّه من أكبرها: أن المرادَ به الكفرُ، فالكافرُ شاهدٌ بالزور وقائلٌ به، أو محمولٌ على المُستَحِلِّ.
قال في "الكشَّاف": جَمَعَ الشِّركَ وقولَ الزُّور في: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾ الآية [الحج: ٣٠]؛ لأن الشِّركَ من باب الزُّور، لأن المُشرِكَ زاعمٌ أن الوَثَنَ تَحقُّ له العبادةُ، وكأنه قال: واجتَنِبَوا عبادةَ الأوثان التي هي رأسُ الزُّور، واجتَنِبُوا الزُّورَ كلَّه.
* * *
стр. 7292
٥٩٧٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكَبَائِرَ، أَوْ سُئِلَ عَنِ الْكَبَائِرِ، فَقَالَ: "الشِّرْكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ"، فَقَالَ: "أَلَا أُنَبَّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ، أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ"، قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْثَرُ ظَنِّي أَنَّهُ قَالَ: "شَهَادَةُ الزُّورِ".
الثالث:
(بأكبر) بالموحدة، والجمعُ بين هذا وبين نحو حديث: "أكبرُ الكبائر أن تجعَلَ لله ندًّا وهو خلَقَك" وشِبْهُ ذلك: أن ذلك باختلاف الأحوال أو المَفاسد المُترتبة عليها، أو أن المرادَ هنا بأكبر الكبائر مما غير الشِّرك؛ إذ الشِّركُ هو أكبرُ الكبائر.
* * *
٧ - باب صِلَةِ الْوَالِدِ الْمُشْرِكِ
(باب صِلَة الوالد المُشرِك)
٥٩٧٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، أَخْبَرَنِي أَبِي، أَخْبَرَتْنِي أَسْمَاءُ ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَتْ: أَتَتْنِي أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : آصِلُهَا؟ قَالَ:
стр. 7293
"نَعَمْ"، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾.
(أُمِّي) هي قَيْلةُ -بفتح القاف وسكون الياء على الأصح- بنتُ عبدِ العُزَّى، وقيل: كانت أُمَّها من الرضاعة، وسبق في (الزكاة).
(راغبة)؛ أي: في بِرِّي طامعةً مني شيئًا، وهو نصب على الحال، وقيل: راغبةً عن الإسلام كارهةً له، وذلك كان زمنَ معاهدته ﷺ للكفَّار ومصالحتهم، ويجوز رفعُه على أنه خبرُ مبتدأ.
* * *
٨ - باب صِلَةِ الْمَرْأَةِ أُمَّهَا وَلَهَا زَوْجٌ
(باب صِلَة المرأةِ أُمَّها)
٥٩٧٩ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي هِشَامٌ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَ: قَدِمَتْ أُمِّي وَهْيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَمُدَّتِهِمْ، إِذْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهْيَ رَاغِبَةٌ؟ قَالَ: "نعَمْ صِلِي أُمَّكِ".
قوله: (وقال اللَّيث) موصولٌ في "جزء أبي الجَهم".
(ومدَّتهم)؛ أي: التي عيَّنُوها للصلح.
خطوطٌ، وكان من الحرير.
(خَلَاق)؛ أي: نصيب، أي: من الدِّين أو في الآخرة، وهذا في المُستَحِلِّ، أو تغليظٌ، وهو في حقِّ الرجل.
(تَكسُوها)؛ أي: تُعطيها غيرَك، وإعطاءُ الكافر ذلك وإن كان مُكلَّفًا بالفروع؛ لكن ليَبيعَه أو يُعطيَه امرأتَه ونحوه.
(أخ له من أهل مكةَ قبلَ أن يُسلِمَ) هو أخوه لأُمِّه عثمانُ بنُ حكيمِ بنِ أُميةَ، ورواه النَّسَائي وابن الحَذَّاء: (أخًا له من أُمِّه مُشرِكًا)؛ نعم، سياقُ رواية البخاري يدل على أنه أَسلَمَ بعدَ ذلك، ولم يذكروه في الصحابة؛ نعم، ابنُ إسحاق ذكر أن حكيمَ بنَ أُميةَ أَسلَمَ قديمًا بمكةَ، وقيل: المرادُ بأنه (أخ له): أنه أخٌ لأخيه زيدِ بنِ الخطاب من أُمِّه أسماءَ بنتِ وهب، فهو مجازٌ؛ إذ جُعِلَ أخُ الأخِ أخًا، ويُحتمَل أن المُرادَ أخو عمرَ من الرضاعة، والحديثُ فيه ظاهرٌ.
* * *
١٠ - باب فَضْلِ صِلَةِ الرَّحِمِ
(باب فضل صِلَة الرَّحِم)
هي تشريكُ ذَوِي القرابات في الخيرات، وهي مراتب: أقلُّها
стр. 7296
السلامُ، وهل المُرادُ بالرَّحِمِ المَحرَمُ أو الأعمُّ؟ فيه خلافٌ.
* * *
٥٩٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ.
الحديث الأول:
(ابن عثمان) هو محمد بن عثمان.
قال الكَلَابَاذي: هو عمرو بن عثمان، ووَهِمَ شعبةُ في اسمه فقال: محمد، وقال البخاريُّ بعدَ روايةِ الحديثِ أولَ (الزكاة): وأخشَى أن يكونَ محمَّدٌ غيرَ محفوظٍ؛ إنما هو عمرٌو.
* * *
٥٩٨٣ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا بَهْزٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَوْهَبٍ، وَأَبُوهُ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُمَا سَمِعَا مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، فَقَالَ الْقَوْمُ: مَا لَهُ مَا لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَرَبٌ مَّا لَهُ"، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، ذَرْهَا"، قَالَ: كَأَنَّهُ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ.
стр. 7297
الثاني:
(أَرَبٌ ماله) سبق الكلامُ عليه في أول (الزكاة) مبسوطًا.
(ذَرْها)؛ أي: اترُكِ الراحلة ودَعْها، كأنه كان على الراحلة حين سأل، ففَهمَ ﷺ استعجالَه، فلمَّا حصلَ مقصودُه من الجواب قال له: دَعِ الراحلةَ تمشي إلى منزلك، أو المرادُ: أنه ﷺ هو الذي كان راكبًا والرجلُ آخذٌ بزمام الراحلة.
* * *
١١ - باب إِثْمِ الْقَاطِعِ
(باب إثم القاطع)
٥٩٨٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم قَالَ: إِنَّ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ".
(لا يَدخلُ الجنةَ قاطعٌ) حَذفُ مفعولِ (قاطع) يدلُّ على عمومه، أي: جميعُ ما أَمَرَ اللهُ به أن يُوصَلَ، وذلك هو الكافرُ، أو المرادُ المُستَحِلُّ، أو لا يدخلُها مع السابقين.
* * *
стр. 7298
١٢ - باب مَنْ بُسِطَ لَهُ فِي الرِّزْقِ بصِلَةِ الرَّحِمِ
(باب مَن بُسِطَ له في الرِّزق بصِلَة الرَّحِم)
٥٩٨٥ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ".
الحديث الأول:
(يُنْسَأ) من النَّسَاء، وهو التأخير.
(أثَره) هو ما يدلُّ على وجودِه ويتبعُه، والمراد هنا: الأَجَلُ، سُمي به لأنه يتبعُ العمرَ، وقد سبقَ فيه السؤالُ المشهورُ: وهو أن الأَجَلَ لا يتغيَّر، وكذا الرزقُ؟ وجوابه: بأن الزيادةَ باعتبار البركة بالتوفيق للطاعات، وصيانته عن الضياع، فهو بحسب الكَيفِ لا الكمِّ، أو بالنسبة إلى ما يَظهر للملائكة في اللَّوح المحفوظ بالمَحو والإثبات فيه: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]، كما يكون عمرُ فلانٍ ستين إلا أن يَصلَ رَحِمَه، فيزداد عشرةً، فهو سبعون، واللهُ تعالى يَعلَمُ الكلَّ، فبالنسبة إليه لا زيادةَ ولا نقصَ؛ بل بالنسبة إليهم، ويُسمَّى مثلُه: القضاءَ المُعلَّقَ لا المُبرَمَ، أو المراد: بقاءُ ذِكرِه الجميلِ، فكأنه
قَالَ فَهْوَ لَكِ"، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ".
الحديث الأول:
(فَرَغَ مِن خلقِه)؛ أي: قضَاه وأتَمَّه؛ فإنه لا يشغلُه شأنٌ عن شأنٍ.
(الرَّحِم) قال (ن): هي معنًى من المعاني تُوصَل وتُقطَع، لا يتأتَّى منه الكلامُ إلا استعارةً بتعظيم شأنها، وفضيلة واصلها، فلسانُ حالِها قائلٌ ذلك، فهو على قاعدة العرب في الاستعارات، انتهى بمعناه.
(العائذ)؛ أي: المُعتصِم بالشيء المُلتجِئ إليه المُستجِير به.
* * *
٥٩٨٨ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الرَّحِمَ سَجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ".
الثاني:
(شُجْنَة) مثلث الشين المعجمة: عروقُ الشجرِ المشتبكةُ، والمرادُ به هنا: قرابةٌ مشتبكةٌ كالعروق المتداخلة والأغصان المتشابكة.
(من الرحمن)؛ أي: مشتقةٌ من هذا الاسم، والمعنى: الرَّحِمُ أثرٌ
стр. 7301
من آثار رحمته مشتبكةٌ بها؛ فالقاطعُ منها قاطعٌ من رحمة الله تعالى.
* * *
١٤ - باب يَبُلُّ الرَّحِمَ بِبَلَالِهَا
(باب يَبُلُّ الرَّحِمَ بِبِلَالِهَا)
بكسر الموحدة: كلُّ ما يُبَلُّ به الحَلقُ من الماء واللبَن، وقد يكون جمعًا لـ (بِلَّة) بالكسر، وهي النداوة، وفي بعضها: (ببَلائها) بالفتح، وقال (خ): في البَلال بالفتح: مصدر بَلَلتُ الرَّحِمَ أَبُلُّه بَلالًا: إذا ندَيتُها، ومعناه: الوصلُ بالصِّلَة، شُبِّهَتْ قطيعةُ الرَّحِمِ بالحرارة تُطفَأ بالبرد والماء.
٥٩٩٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ جِهَارًا غَيْرَ سِرٍّ يَقُولُ: "إِنَّ آلَ أَبِي"، قَالَ عَمْرٌو: فِي كتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ بَيَاضٌ لَيْسُوا بِأَوْليَائِي، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، زَادَ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : "وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا"، يَعْنِي أَصِلُهَا بِصِلَتِهَا.
(عَبَّاس) بمهملتين وشدة الموحدة.
стр. 7302
(في كتاب محمد بن جعفر)؛ أي: شيخ عمرو، والمَنفيُّ من الولاية هو ولايةُ القُرب والاختصاص، لا ولايةُ المَذهب وصالح المؤمنين.
قال الزَّمَخشَري: (صالح المؤمنين): واحدٌ أُريد به جمعٌ لأنه جنسٌ، نحو: كنتُ في السامر والحاضر، ولفظ رواية مسلم: (إلا أن آلَ أبي، يعني: فلانًا)، فقيل: المُكنَّى عنه الحكمُ بنُ أبي العاص، وحملَه بعضُهم على بني أُمية.
ولا يتمُّ مع قوله: (أبي)، فلم يقل: أبي أُمية، وقال صاحب "سراج المُرِيدين": معنى الحديث: آل أبي طالب، ومعناه: إني لستُ أَخصُّ قرابتي ولا فصيلتي الأَدْنين بولايةٍ دونَ المسلمين، وإنما رَحِمُهم معي في الطالبية.
ونُقِلَ أيضًا عن أبي بكر بن العربي: ويجوزُ أن يكونَ أصلُه: وصالِحُو بالواو، فكُتِبُ بلا واوٍ على اللفظ.
(زاد عَنْبَسة) بفتح المهملة وإسكان النون وفتح الموحدة ثم مهملة، وصلَه البخاريُّ في "الأدب المفرد"، وفي "بِرِّ الوالدَين" خارجَ الصحيح، وكذا الإسماعيلي وأبو نُعيم في "مستخرجيهما".
(لهم)؛ أي: لآل أبي.
(رَحِم)؛ أي: قرابة.
(أَبُلُّها)؛ أي: أُندِّيها بما يجب أن تُندَّى، ومنه: "بُلُّوا أرحامَكم"، أي: نَدُّوها، يعني: صِلُوها، يقال للوصل: بَبَل؛ لأنه يقتضي الاتصالَ، وللقطيعة: يَبَس؛ لأنه يقتضي الانفصالَ، وحاصله: أني لا أوالي أحدًا
стр. 7303
بالقرابة، وإنما أُحبُّ اللهَ وصالحَ المؤمنين بالإيمان والصلاح؛ لكن أُراعي لذوي الأرحام منهم بصِلَة الرَّحِم، وفي اللفظ مبالغةٌ، نحو: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: ١]، أي: الذي تَستَوجبُه من الزلزال في مشيئة الله تعالى، وهو الزلزالُ الشديدُ الذي ليس بعدَه شيءٌ، وهو تشبيهُ الرَّحِمِ بأرضٍ إذا بُلَّت بالماء حقَّ بِلالِها أثمرَتْ وظهرَتْ نَضَارتُها، وإذا تُرِكَتْ يَبسَتْ، فلا منفعةَ فيها.
قال (خ): قد يُؤوَّل ذلك بشفاعته ﷺ في القيامة.
قال البخاري: وقع في كلام هؤلاء الرواة: (بلائها) بلا لامٍ قبلَ الهاء؛ بل بهمزةٍ بعدَ الألف، ولكنه باللام أجودُ وأصحُّ، قال: ولا أَعرفُ لـ (بلائها) وجهًا.
قال (ع): وما قاله البخاريُّ صحيحٌ.
قال (ك): يُحتمَل أن يُقال: وجهُه: أن البلاءَ جاء بمعنى المعروف والنعمة، وحيث كان الرَّحِمُ مصرفَها أُضيفَ إليها بهذه المُلابَسَة، أي: أَبُلُّها بمعروفِها اللائقِ بها.
* * *
١٥ - باب لَيْسَ الْوَاصِلُ بالْمُكَافِي
(باب ليس الواصلُ بالمُكافِئ)
هو لفظُ الحديث المذكور في الباب، واللام فيه للجنس، أي:
وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِي فِيهَا مِنْ أَجْرٍ؟ قَالَ حَكِيمٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خَيْرٍ"، وَيُقَالُ أَيْضًا عَنْ أَبِي الْيَمَانِ: أَتَحَنَّثُ، وقال مَعْمَرٌ، وَصَالِحٌ، وَابْنُ الْمُسَافِرِ أَتَحَنَّثُ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: التَّحَنُّثُ: التَّبَرُّرُ، وَتَابَعَهُمْ هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ.
(أرأيت)؛ أي: أخبرني، ومرَّ توجيهُه.
(أتَحنَّث)؛ أي: أتعبَّد، فأتقي بذلك الحنثَ، وهو الإثم، ففيه: أن مَن آمَنَ يُثابُ على أفعال الخير الصادرة عنه حالة الكُفر.
(ويُقال أيضًا عن أبي اليَمَان: أتحنَّت) قال بعضُ العصريين: يعني بالمثناة، وهي روايةُ أبي زُرعةَ الدِّمَشقي عن أبي اليمَان، كما في "مستخرج أبي نُعيم".
(وقال مَعْمَر) موصولٌ في (الصلاة).
(وصالح) وصلَه مسلم.
(وابن مُسافر) وصلَه الطبَراني في "الكبير".
(وقال ابن إسحاق) موصولٌ في (المغازي)، وقال (ك): الفرقُ بين الطريقَين أن روايةَ شُعيب في بعض النُّسَخ بالمثناة، فهو ظاهرٌ إن صحَّ أنه بمعنى المثلثة، وإلا فلعل الفرقَ بزيادة لفظ: (كنتُ).
(وتابعَه هشام) بن عروة، وصلَه البخاري في (العتق).
* * *