Полный текст (8 898 стр.). Показаны 7316–7355 · переход к 7321.
стр. 7316
عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلَاثِ سِنِينَ، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِي فِي خُلَّتِهَا مِنْهَا.
(ما غِرْتُ) (ما) في الأولى نافية، وفي الثانية موصولة.
(لِمَا) متعلق بـ (غرت) الثانية.
(من قَصَب)؛ أي: قصب اللؤلؤ، وهو المُجوَّف منه، كما يقال في اصطلاح ذوي الجوهر: قصبٌ من اللؤلؤ كذا، ومن الجوهر كذا، ومن الدُّرِّ كذا للخيط منه، وقيل: كان البيتُ من القصب تفاؤلًا بقَصَبِ سَبْقِها إلى الإسلام.
(خُلَّتها)؛ أي: في أهل خُلَّتها، يعني: أخلَّاءَها وأصحابَها.
قال (خ): وَضعَ المصدرَ موضعَ الاسم، فيكون للواحد والجمع، وسبق في (المناقب) في (باب تزويج خديجة).
* * *
٢٤ - باب فَضْلِ مَنْ يَعُولُ يَتِيمًا
(باب فضل مَن يَعُولُ يتيمًا)
أي: يُنفقُ عليه ويقومُ بمصلحته.
стр. 7317
٦٠٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا"، وَقَالَ بِإِصْبَعَيْهِ السَّبابةِ وَالْوُسْطَى.
(وكافل اليتيم)؛ أي: القائم بمصالحه.
(بأُصبعَيه)؛ أي: أشار إليهما، أي: مُصاحبَين مُجتمعَين، والمرادُ بهذه المبالغةُ في درجة كافل اليتيم، وإلا فدرجاتُ الأنبياءِ -عليهم الصلاة والسلام- أعلى [مِن] درجات سائر الخلق، ونبيُّنا ﷺ أعلى من الكلِّ، لا ينالُ درجتَه أحدٌ، وسبق في (كتاب الطلاق) في (باب الإشارة).
* * *
٢٥ - باب السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ
(باب الساعي على الأَرمَلَة)
أي: مَن لا زوجَ لها.
٦٠٠٦ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ
стр. 7318
وَالْمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ كَالَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ".
٦٠٠٦ / -م - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ مَوْلَى بْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
الحديث الأول:
(يَرفعُه)؛ أي: لأنه تابعيٌّ؛ لكنَّ فيه جهالةَ الواسطة التي لم يَذكُرْه، إما نسيانًا أو لغرضٍ.
قال (ك): ولا قدحَ بسببه.
(الساعي)؛ أي: الكاسبُ عليها العاملُ في مصلحتها.
(كالمجاهد) ثم قال: (وكالذي يَصومُ) يُحتمَل أن يكونَ لفًّا ونشرًا، أو أن يكونَ كلُّ واحدٍ ككلَيهما، وفي بعضها: (أو كالذي) بـ (أو) بدل الواو.
* * *
٢٦ - باب السَّاعِي عَلَى الْمِسْكِينِ
(باب الساعي على المِسْكِين)
٦٠٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ
стр. 7319
زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: يَشُكُّ الْقَعْنَبِيُّ كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لا يُفْطِرُ".
(وأَحسِبُه) هو من مَقُول عبد الله بن مَسْلَمة القَعْنَبي، ولذلك عقَّبَه بقوله: (يَشكُّ) إلى آخره.
(لا يَفتُر) لا ينكسرُ ولا يضعفُ من قيام الليل للتعبُّد والتهجُّد، و (لا يفتر): صفة للقائم، كما في قوله:
وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي
* * *
٢٧ - باب رَحْمَةِ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ
(باب رحمة الناسِ والبَهَائم)
٦٠٠٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي سُلَيمَانَ مَالِكِ بنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَيْنَا النَّبِيَّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، فَظَنَّ أَنَّا اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، وَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، وَكَانَ رَفِيقًا رَحِيمًا، فَقَالَ: "ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ".
стр. 7320
الحديث الأول:
(شَبَبَة) جمع: شاب.
(متقاربون)؛ أي: في السِّنِّ.
(رفيقًا) من الرفق، بتقديم الفاء على القاف، منصوبٌ على الحالية، وفي بعضها: (وكان رقيقًا).
(أهليكم) جمع: أهل، ويُجمَع (أهل) بالواو والنون شذوذًا، ويُجمَع أيضًا على: أهلات وأهالي.
(فعَلِّمُوهم)؛ أي: الشريعةَ.
(ومُرُوهم)؛ أي: بالمأمورات، أو عَلِّمُوهم الصلاةَ ومُرُوهم بها.
(أكبرُكم)؛ أي: أفضلُكم، أي: أسنُّكم؛ لأنهم كانوا متقاربين في الفقه ونحوه، وسبق الحديث في (باب الأذان).
* * *
٦٠٠٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَوَجَدَ بِئْرًا، فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الْكَلْبَ مِنَ الْعَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ بِي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ
стр. 7321
لَهُ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا، فَقَالَ: "فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ".
الثاني:
(يَلهَث) بالمثلثة، أي: يُخرج لسانَه من العطش.
(الثَّرَى)؛ أي: التراب الندِيّ.
(فشَكرَ اللهُ له)؛ أي: جزَاه فغفَرَ له.
(في كلِّ ذي كبدٍ رطبةٍ أجرٌ)؛ أي: في إرواء كل حيوانٍ، فالرطبة كنايةٌ عن الحيوان، وقيل: الكبدُ إذا أُظمِئت ترطَّبَتْ؛ وكذا إذا أُلقيَتْ على النار، والكبدُ: مؤنثٌ سماعيٌّ، وسبق الحديثُ في (كتاب الشرب)؛ نعم، في (بدء الخلق): أن امرأةً عملَتْ ذلك، ولا منافاةَ لاحتمال وقوع الأمرَين.
* * *
٦٠١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهْوَ فِي الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا، فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ ، قَالَ لِلأَعْرَابِيِّ: "لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا"، يُرِيدُ رَحْمَةَ اللهِ.
الثالث:
(حجَّرتَ) من: التحجير وهو المنع.
стр. 7322
(واسعًا)؛ أي: خصَّيت ما هو عامٌّ، فرحمتُه وسعَتْ كلَّ شيءٍ، والقائلُ ذلك هو الأعرابِيُّ الذي بال في المسجد، وهو ذو الخُوَيْصرة.
* * *
٦٠١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَريَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى".
الرابع:
(تداعَى)؛ أي: دعا بعضُه بعضًا إلى المشاركة في الأَرَق.
(والحُمَّى) وهي حرارةٌ غريبةٌ تشتعلُ في القلب، وتنبثُّ منه في جميع البدن، فيشتعل اشتعالًا يضرُّ بالأفعال الطبيعية.
وفيه: تعظيمُ حقوقِ المسلمين، وتحضيضُهم على المُلاطَفَة والمُعاوَنَة والتعاطُف.
* * *
٦٠١٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ غَرَسَ غَرْسًا فَأَكَلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةً".
стр. 7323
الخامس:
(دابة) ما يدبُّ على الأرض، فهو عطفُ عامٍّ على خاصٍّ.
* * *
٦٠١٣ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي زيدُ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ".
السادس:
(مَن لا يَرحَم) بالجزم والرفع كما سبق.
* * *
٢٨ - باب الْوَصَاةِ بالْجَارِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إِلَى قَوْلهِ ﴿مُخْتَالًا فَخُورًا﴾.
(باب الوَصَاة بالجَار)
هو اسمٌ من: أَوصَيتُ ووَصَّيتُ، والمرادُ الإحسانُ للجار.
* * *
٦٠١٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ
стр. 7324
يَحْيَى بْنِ سَعيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ".
٦٠١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ".
الحديث الأول، والثاني:
(سيُورِّثُه)؛ أي: يَجعلُه قريبًا وارثًا.
* * *
٢٩ - باب إِثْمِ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايقَهُ
يُوبِقْهُنَّ: يُهْلِكْهُنَّ، مَوْبِقًا: مَهْلِكًا.
(باب إثم مَن لا يَأمَنُ جارُه بَوَائقَه)
جمع: بائقة، وهي الغائلة، وأكثرُ ما يُوصَف بها الأمرُ الشديدُ.
* * *
٦٠١٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ،
стр. 7325
عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ"، قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَايِقَهُ".
تَابَعَهُ شَبابةُ، وَأَسَدُ بْنُ مُوسَى.
٦٠١٦ / -م - وَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ الأَسْوَدِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(ومَن)؛ أي: مَن الذي لا يُؤمِنُ، والعطفُ أي: سمعْنَا قولَك وما عرفْنَا مَن هو، ونفيُ الإيمان هنا نفيُ كماله، لأنه عاصٍ، والعاصي ليس بكاملِ الإيمان.
(تابعَه) الضمير لعاصم.
(شَبابة) بالمعجمة وتخفيف الموحدة، وصلَه الإسماعيلي، وأخرجه إسحاق بن رَاهَوَيه في "مسنده" عنه.
(وأسد) وصلَه الطبَراني في "مكارم الأخلاق" له.
(وعثمان) وصلَه أحمد.
* * *
٣٠ - باب لَا تحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا
(باب لا تَحقِرَنَّ جارةٌ لجارتها)
٦٠١٧ - حَدَّثَنا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ،
стр. 7326
هُوَ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ".
(عن أبيه) اسمه كَيسان، ولا ينافي ما سبق أن سعيدًا يَروِي عن أبي هريرةَ؛ لأنه يَروِي عن أبي هريرةَ بواسطةٍ وبدونها.
(يا نساءَ المُسلِمات) بنصبِ (النساء) وجرِّ (المسلمات)، من إضافة الموصوف إلى صفته، أي: يا نساءَ الأنفسِ المُسلِماتِ، وقيل: يا فاضلاتِ المُسلِماتِ، كما يقال: رجالُ القوم، أي: ساداتُهم وأفاضلُهم، وبرفعهما، وبرفع (النساء) ونصب (المسلمات)، نحو: يا زيدُ العاقلَ.
(لا تَحقِرَنَّ) النهي إما للمعصية، أي: لا تَمنع جارةٌ من الصدقة لجارتها لاستقلالها واحتقارها؛ بل تجود بما تيسَّر، وإن كان قليلًا، وإما للمُعطَاة المُتصدَّق عليها.
(ولو فِرْسِن) بكسر الفاء والمهملة وسكون الراء: وهو من البعير بمنزلة الحافر من الدابة، وقد يُطلَق على الغَنَم استعارةً، وقيل: هو عظمُ الظِّلْف، والنونُ زائدةٌ فيه، وقيل: أصليةٌ، وسبق في (الهِبَة).
* * *
٣١ - باب مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ
(باب مَن كان يُؤمنُ بالله واليوم الآخر فلا يُؤذِ جارَه)
٦٠١٨ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي
стр. 7327
حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".
الحديث الأول:
(مَن كان يُؤمِنُ) إلى آخره، أي: مَن كان كاملَ الإيمان.
قلت: أو تهييج، والاقتصارُ على ذلك دونَ بقية الواجبات، لأنهما المَبدَأُ والمَعَادُ، أي: مَن يُؤمنُ بِمَن خلَقَه وهو يُجازيه يومَ القيامة بالخير والشر، أما كونُ هذا الأمرِ للوجوبِ أو للندبِ فمنُزَّلٌ على حالَينِ، فقد يكون فرضَ عينٍ أو كفايةٍ، وقد يكون مندوبًا، وأقلُّه أن يكونَ من مكارم الأخلاق، وأما الاقتصارُ في الحديث على هذه الثلاثة في جوامع الكلم لأن هذه هي الأصولُ؛ فالثالثُ إشارةٌ إلى القوليات، والأولان فعليان، أولهما: التخلية عن الرذيلة، والثانية: التحلية بالفضيلة، فلا بدَّ لِمَن يُؤمنُ بالله واليوم الآخر أن يتصفَ بالشفقة على خلق الله؛ إما قولًا بالخير، أو سكوتًا عن الشر، أو فعلًا لِمَا ينفع، أو تركًا لما يَضرُّ.
* * *
٦٠١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيَّ قَالَ: سَمِعَت أُذُنَايَ
стр. 7328
وَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الَاخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتَهُ". قَالَ: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".
الثاني:
(أُذناي) ذَكَرَ ذلك مع أنه معلومٌ للتوكيد.
(جائِزَته) هي العطاءُ، مشتق من الجواز، لأنه حَقَّ جوازُه عليهم، وقُدِّرَ بيومٍ وليلةٍ؛ لأن عادةَ المسافرين ذلك.
قال الجَوهري: ويقال: إن أصلَ الجائزة أنَّ والِيَ فارسَ مرَّ به الأحنفُ في جيشه غازيًا إلى خراسان، فوقفَ لهم على القنطرة، فقال: أَجِيزُوهم، فجعل يَنسُبُ الرجلَ ويُعطي كلَّ واحدٍ بقَدْرِ حَسَبِه.
قلت: الجائزةُ مُتكلَّمٌ بها من قبل ذلك، وقد تكلَّم بها النَّبِيُّ ﷺ في هذا الحديث، فما معنى هذا الكلام؟ ونصبُه إما لأنه مفعولٌ ثانٍ لـ (يُكرِم)، لأنه بمعنى: يُعطي، أو هو كالظرف، أو بنزع الخافض.
(يوم وليلة)؛ أي: كفايتُه في كل يومٍ وليلةٍ يستقبلُها بعدَ ضيافته، وقيل: جائزتُه يومٌ وليلةٌ حقُّه إذا اجتاز به، وثلاثةُ أيامٍ إذا قصدَه، ووجهُ وقوعه خبرًا عن الجثة، إما باعتبار أن له حكمَ الظرف، أو بتقدير (زمان) في المبتدأ، أي: زمانُ جائزتِه يومٌ وليلةٌ.
стр. 7329
(ثلاثة أيام)؛ أي: كضيافة المسافر.
قال (خ): معناه يتكلَّف له يومًا وليلةً، فيزيدُه في البِرِّ، وفي اليومَين الآخرَين يُقدِّمُ له ما يَحضُرُه، فإذا مضى الثلاثُ فقد مضى حقُّه، فإن زادَ على ذلك فهو صدقةٌ.
(أو لِيَصمُتْ) بضم الميم في الأشهر، وقد تُكسَر.
* * *
٣٢ - باب حَقِّ الْجِوَارِ فِي قُرْبِ الأَبْوَابِ
(باب حق الجار فِي قُربِ الأبواب)
٦٠٢٠ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: "إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بابًا".
(أقربهما) لعل السرَّ أنه يَنظرُ إلى ما يَدخلُ دارَه، وأنه أسرعُ لحوقًا به عندَ الحاجات في أوقات الغَفَلات.
* * *
стр. 7330
٣٣ - باب كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ
(باب كلُّ معروفٍ صدقةٌ)
٦٠٢١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ".
٦٠٢٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ"، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجدْ؟ قَالَ: "فَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ"، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: "فَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ"، قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: "فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ"، أَوْ قَالَ: "بِالْمَعْرُوفِ"، قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: "فَيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ".
الحديث الأول، والثاني:
(فيعمل) برفع الأفعال الثلاثة.
(المَلهُوف)؛ أي: المظلومُ يستغيثُ، أو المَحزُونُ المَكرُوبُ.
* * *
стр. 7331
٣٤ - باب طِيبِ الْكَلَامِ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ.
(باب طِيْب الكلام)
قوله: (وقال أبو هريرة) موصولٌ في (الصلح).
* * *
٦٠٢٣ - حَدَّثَنَا أبُو الْوَلَيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ النَّارَ، فتعَوَّذَ مِنْهَا وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ، فتعَوَّذَ مِنْهَا، وَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ، قَالَ شُعْبَةُ: أَمَّا مَرَّتَيْنِ فَلَا أَشُكُّ، ثُمَّ قَالَ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ".
(وأشَاحَ) بمعجمة ثم مهملة.
قال (خ): أشاحَ بوجهه: صرفَه عن الشيء، فعلَ الحَذِرِ منه الكارهِ له، كأنه ﷺ كان يَرَاهَا ويَحذرُ وهجَ سعيرها، فنحَّى وجهَه عنها.
(أما مرتين) معادلها مُقدَّر، أي: وأما ثلاثُ مراتٍ فأشكُّ فيها.
(بشِق) بالكسر، أي: بنصف.
(تجد) إفراده بعد (اتقوا) بالجمع، قال علماءُ البيان: هو التفاتُ
стр. 7332
عكسٍ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:١]، كذا قال (ك).
* * *
٣٥ - باب الرِّفْقِ فِي الأَمْرِ كلِّهِ
(باب الرِّفْق فِي الأمرِ كلِّه)
هو ضد العنف، فهو الأخذُ بالأسهل وما فيه لطفٌ.
٦٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، قَالَتْ: عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا، فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَهْلًا يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! وَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ".
الحديث الأول:
(السَّام) قيل: الموت في لسانهم، وكان قَتادةُ يَروِيه: (السَّأْم) بالهمز والمد، من السآمة، أي: تسأمُون دِينكم.
(أَوَ لَمْ) بهمزة الاستفهام وواو العطف المفتوحة.
стр. 7333
(عليكم) في بعضها: (وعليكم)؛ لأن الموتَ فيه التشارُكُ، أي: كلُّنا نموتُ، أو الواو للاستئناف لا للعطف، تقديره: وأقولُ: عليكم ما تستحقُّونه، وإنما اختارَ هذه الصيغةَ لتَكونَ أبعدَ عن الإفحاش، وأقربَ إلى الرِّفق.
* * *
٦٠٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجدِ، فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا تُزْرِمُوهُ"، ثُمَّ دَعَا بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَصُبَّ عَلَيْهِ.
الثاني:
(فقاموا إليه)؛ أي: ليُؤذُوه ويَضربُوه.
(تُزْرِمُوه) من الإزرام بالزاي ثم الراء، أي: لا تقطعوا عليه بولَه، وزَرِمَ البولُ: انقطع، وسبق ذلك في (الوضوء)، وأن الصحابِيَّ ذو الخُوَيْصِرة اليَمَاني، وفيه: الرِّفقُ بالأعرابي مع صيانة المسجد من زيادة النجاسة لو هُيج الأعرابي عن مكانه، وفيه: أن الماءَ يكفي في غسل بوله، ولا حاجةَ إلى حفر المكان ونقل التراب.
* * *
стр. 7334
٣٦ - باب تَعَاوُنِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا
(باب تعاوُن المؤمنين بعضِهم بعضًا)
(بعضهم) بالجر: بدل، و (بعضًا) بالنصب: بنزع الخافض، أي: للبعض.
٦٠٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْبَرَني جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا"، ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
(بُرَيد) بالتصغير: اسم.
(أبي بُرْدَة) الأصغر ابن عبد الله بن أبي بُردَة عامر، وقيل: الحارث بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري، فحقق ذلك.
(المؤمن) اللام فيه للجنس، أي: بعض المؤمنين يشدُّ بعضًا، وهو معنى: (يَشُدُّ بعضُه بعضًا) بيانًا لوجه الشبه.
(ثم شبَّك) كالبيان له بالفعل، أي: شدًّا مثلَ هذا الشدِّ.
* * *
٦٠٢٧ - وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ جَالِسًا، إِذْ جَاءَ رَجُلٌ يَسْأَلُ أَوْ طَالِبُ
стр. 7335
حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: "اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ نبِيِّهِ مَا شَاءَ".
(فَلْتُؤجَرُوا) هي الفاء السببية التي يُنصَب الفعلُ المضارعُ بعدَها، واللام بالكسر بمعنى: كي، وجازَ اجتماعُهما لأنهما لأمرٍ واحدٍ، أو الجزائية لكونها جوابًا للأمر، أو زائدةٌ على مذهب الأخفش، أو عاطفةٌ على (اشفعوا)، واللام للأمر أو على مُقدَّر، أي: اشفعوا لِتُؤجَرُوا فَلْتُؤجَرُوا، نحو: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة: ٤٠]، وفائدةُ اللام حينَئذٍ أنه إذا كان التقديرُ: إن تَشفَعُوا تُؤجَرُوا، والشرطُ مُتضمِّنٌ للسببية كان ذِكرُها تصريحًا بالسببية.
وقال الطِّيبي: الفاء واللام مُقحَمان للتأكيد، لأنه لو قيل: اشفَعُوا تُؤجَرُوا صَحَّ، أي: إذا عرضَ المُحتاجُ حاجةً عليَّ فاشفَعُوا له إلَيَّ؛ فإن لكم الأجرَ، قبلتُ شفاعتَكم أم لا، ويُجري اللهُ على لساني ما يشاء من قضاء الحاجة، فالكلُّ بتقدير الله تعالى.
* * *
٣٧ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾
كِفْلٌ: نَصِيبٌ، قَالَ أَبُو مُوسَى: كِفْلَيْنِ أَجْرَيْنِ بِالْحَبَشِيَّةِ.
стр. 7336
(باب قول الله : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥])
٦٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ: "اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ".
عُرِفَ معنى الحديث فيه مما سبق في الباب قبلَه.
* * *
٣٨ - باب لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ فَاحِشًا ولا متفحشًا
(باب لم يكن النَّبِيُّ ﷺ فاحشًا)
أي: بالطبع.
(ولا مُتفحِّشًا)؛ أي: بالتكلُّف، أي: لا فحشَ عندَه لا ذاتيًّا ولا عرضيًّا، والفحشُ هو القبحُ، وكلُّ سوءٍ جاوَزَ حدَّه فهو فاحشٌ، أي: لم يكن مُتكلِّمًا بالقبيح أصلًا.
٦٠٢٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ مَسْرُوق
стр. 7337
قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو حِينَ قَدِمَ مَعَ مُعَاوِيَةَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَذَكَرَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: لَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَخْيَرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ خُلُقًا".
الحديث الأول:
(من أخيركم)؛ أي: من خيركم، فاستُعمل فيه (أفعل) التفضيل على الأصل.
(خُلقًا) بالضم: مَلَكةٌ تصدر بها الأفعالُ بسهولةٍ من غير تفكُّرٍ.
* * *
٦٠٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ يَهُودَ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ اللهُ، وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْكُمْ، قَالَ: "مَهْلًا يَا عَائِشَةُ! عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ"، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: "أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ".
الثاني:
(يهود) غير منصرف.
(والعُنْف) ضد اللُّطف.
стр. 7338
(والفحش) التكلُّم بالقبيح.
(فيُستَجَاب لي)؛ أي: لأنه بالحقِّ.
(ولا يُستَجَاب لهم) لأنه بالباطل.
قال (خ): السامُ: الموتُ، دَعَوا عليه به، قال: ولم يكن من عائشةَ ﵂ إفحاشٌ، بل دعاءٌ عليهم بما هم أهلٌ له، وهم الذين بدؤوا فجازَتْهم على ذلك، والفحشُ: المجاوزةُ إلى حدِّ الإفراط.
* * *
٦٠٣١ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو يَحْيَى هُوَ فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ سَبابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا، كَانَ يَقُولُ لأَحَدِناَ عِنْدَ الْمَعْتِبةِ: "مَا لَهُ، تَرِبَ جَبِينُهُ".
الثالث:
(لم يكن) إلى آخره: يُحتمَل أن الفرقَ بين الثلاث أن السبَّ يتعلق بالنَّسَب كالقذف، والفحشَ بالحَسَب، واللَّعنَ يتعلق بالآخرة؛ فإنه البعدُ عن رحمة الله.
(المَعْتِبَة) بالفتح والكسر والموحدة.
قال الخليل: العِتَابُ: مخاطبةُ الإذلال.
стр. 7339
(ما له) استفهام.
(تَرِبَ جبينُه)؛ أي: أصابَه الترابُ، ويقال: تَرِبَتْ يداك، على الدعاء، أي: لا أَصبتَ خيرًا.
قال (خ): هذا الدعاءُ يَحتملُ وجهَينِ: أن يَخرَّ لوجهه فيُصيبُ الترابُ جبينَه، وأن يكونَ دعاءً له بالطاعة ليُصلِّيَ فيتربَ جبينُه، وقيل: الجَبينانِ هما اللذانِ يكتنفانِ الجبهةَ، فمعناه: صُرِعَ لجبهته، فيكونُ سقوطُ رأسه على الأرض من ناحية الجبين.
* * *
٦٠٣٢ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ، وَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ"، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ! حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ: كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ! مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ".
الرابع:
(أن رجلًا) قيل: هو مَخرَمة بن نوفل بن أُهَيب أخي وهب، والد آمنة بنت وهب، وهو والدُ المِسْوَر بن مَخرَمة، كان من المُؤلَّفة، كذا
стр. 7340
سَمَّاه عبد الغني بن سعيد في "مُبهمَاته"؛ وكذا هو في "أمالي الهاشمي" من طريق أبي زيد عن عائشة ﵂ قالت: جاء مَخرَمةُ بنُ نوَفل، فذكر الحديث، وقيل: عُيَيْنَة -بالتصغير- بن حصن الفَزَاري، ولم يكن أَسلَمَ، وإن أَظهرَ الإسلامَ، فأراد النَّبِيُّ ﷺ أن يُبيِّنَ حالَه ليَعرفَه الناسُ.
(أخو العشيرة)؛ أي: القبيلة، أي: بئسَ هذا الرجلُ منها، كقولك: يا أخا العرب! لرجلٍ منهم، وهذا من أعلام النبوة؛ لأنه ارتدَّ بعدَه ﷺ وجيء به أسيرًا إلى أبي بكر ﵁.
(تطلَّق)؛ أي: انشرحَ وانبسطَ له، يقال: رجلٌ طَلْقُ الوجه وطليقُه، ولا مخالفةَ بين هذا وقوله فيه ذلك؛ لأنه لم يَمدَحْه ولا أَثنَى عليه في وجهه، بل أَلَانَ له القولَ تألُّفًا، ولامتثاله على الإسلام، وفيه: مداراةُ مَن يُتَّقَى فُحشُه، وجوازُ غيبةِ الفاسقِ المُعلِنِ بفسقه ومَن يُحتاج إلى التحرُّز منه.
وقال (خ): الغيبة إنما هي مِن بعضِ الناس في بعضٍ، وليس منه قولُه ﷺ في أمَّته من الأمور التي يضيفها إليهم بغيبةٍ، لأنه يجب عليه أن يُبيِّنَ ويُفصحَ بالشيء، ويُعَرِّفَه للناس، فإنه نصحٌ وشفقةٌ، ولكنه لِمَا جُبِلَ عليه من الكرم وحسن الخُلق أَظهَرَ له البشاشةَ، ولم يُجبْه لتَقتديَ به أُمَّتُه في اتِّقاء شرِّ مَن هذه سبيلُه في مداراته.
* * *
стр. 7341
٣٩ - باب حُسْنِ الْخُلُقِ وَالسَّخَاء، وَمَا يُكْرَه مِنَ الْبُخْلِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، وَقَالَ أَبو ذَرٍّ لَمَّا بَلَغَهُ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي، فَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَجَعَ فَقَالَ: رَأَيتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ.
(باب حُسن الخُلق) بالضم.
و (السَّخاء): هو إعطاءُ ما ينبغي لِمَن ينبغي.
(وقال ابن عباس) موصولٌ في (باب بدء الوحي) و (الصيام).
(أجود) سبق الكلامُ على رفعه ونصبه.
(وقال أبو ذَرٍّ) موصولٌ في (مناقب قريش).
(لأخيه) اسمه أُنيَس.
(الوادي)؛ أي: مكة.
(يأمر بمكارم الأخلاق)؛ أي: الفضائل والمَحاسن. قال ﷺ : "بُعثتُ لأُتَمِّمَ مَكَارمَ الأخلاق".
* * *
٦٠٣٣ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، هُوَ ابْنُ زيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ
стр. 7342
الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهْوَ يَقُولُ: "لَنْ تُرَاعُوا، لَنْ تُرَاعُوا"، وَهْوَ عَلَى فَرَسٍ لأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: "لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا". أَوْ: "إِنَّهُ لَبَحْرٌ".
الحديث الأول:
(أحسن الناس) قال الحكماءُ: للإنسان ثلاثُ قوَى: الغضبية، والشهوية، والعقلية؛ فكمالُ الأولى: الشجاعةُ، والثانية: الجُودُ، والثالثة: الحكمةُ، فأَشارَ بـ (أحسن) إلى ذلك؛ إذ معناه: أحسنُ الناس في الأفعال والأقوال، أو لأن حسنَ الصورةِ تابعٌ لاعتدال المزاج، وهو مُستتبعٌ لصفاء النفس، الذي به جودةُ القريحة ونحوها، وهذه الثلاثُ هي أُمَّهاتُ الأخلاق.
(فزعَ)؛ أي: خاف.
(ذات ليلة) بإقحام (ذات).
(قِبَل) بكسر القاف، أي: جهة.
(لم تُرَاعوا) نفيٌ بمعنى النهي، أي: لا تَفزَعُوا.
(عُرْيٍ) بضم المهملة وتسكين الراء، واسم الفرس: مندوب.
(ما عليه سَرجٌ) تفسيرٌ له.
(بحرًا)؛ أي: واسعَ الجَري كالبحر، وسبق الحديثُ في (الجهاد).
* * *
٦٠٣٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ
стр. 7343
قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا ﵁ يَقُولُ: مَا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ قَطُّ فَقَالَ: لَا.
الثاني:
(ما سُئل)؛ أي: ما طُلب منه شيءٌ من أموال الدنيا.
قال الفرزدق:
مَا قَالَ: لا قَطُّ إِلَّا فِي تَشَهُّدِهِ ... لَولَا التَّشَهُّدُ كَانَتْ لَاؤُهُ نَعَمُ
قال الشيخُ عزُّ الدِّين في "كتاب الشجرة": أي: لم يقل: (لا) منعًا للعطاء، بل يقول اعتذارًا من الفقد، لقوله تعالى: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، وفرقٌ بين (لا أُعطيكم) و (لا ما أُعطيكم)، وكذلك فرقٌ بين قوله: (لا أَحملُكم) و (لا أَجدُ ما أَحملُكم عليه).
* * *
٦٠٣٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُلنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو يُحَدِّثُنَا إِذْ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا، وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: "إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا".
الثالث:
(خِيَاركم) في بعضها: (أخياركم).
* * *
стр. 7344
٦٠٣٦ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ بِبُرْدَةٍ، فَقَالَ سَهْلٌ لِلْقَوْمِ: أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ: هِيَ شَمْلَةٌ، فَقَالَ سَهْلٌ: هِيَ شَمْلَةٌ مَنْسُوجَةٌ فِيهَا حَاشِيِتُهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَكْسُوكَ هَذِهِ؟ فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ ﷺ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَلَبِسَهَا، فَرَآهَا عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا أَحْسَنَ هَذِهِ! فَاكْسُنِيهَا، فَقَالَ: "نَعَمْ"، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ لَامَهُ أَصْحَابُهُ، قَالُوا: مَا أَحْسَنْتَ حِينَ رَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَهَا مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ إِيَّاهَا، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا فَيَمْنَعَهُ، فَقَالَ: رَجَوْتُ بَرَكَتَهَا حِينَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ ﷺ لَعَلِّي أُكَفَّنُ فِيهَا.
الرابع:
(ببُردة) هي كِسَاءٌ أسودُ مُربَّعٌ تَلبَسُه الأعرابُ، والشَّمْلَةُ: الكِسَاء، وسبق شرحُ الحديثِ في (الجنائز) في (باب مَن استعدَّ الكَفَن).
* * *
٦٠٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ"، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: "الْقَتْلُ، الْقَتْلُ".
стр. 7345
الخامس:
(يَتقَارب) قال (خ): يريد به دنوَّ مجيء الساعة، أي: إذا دَنَا كان من أشراطها نقصُ العملِ والشُّحُّ والهَرْجُ، أو قصرُ مدة الأزمنة عما جرَتْ به العادةُ فيها، وذلك من علامات الساعة إذا طلعَتِ الشمسُ من مغربها، أو قصرُ أزمنة الأعمار، أو تقاربُ أحوالِ الناسِ في غَلَبَة الفساد عليهم.
قال (خ): ولفظُ العمل إن كان محفوظًا، ولم يكن منقولًا إليه فمعناه عملُ الطاعة لاشتغال الناس بالدنيا، وقد يكون معنى ذلك إظهارَ الخيانة في الأمانات، وقال البَيضَاوي: يُحتمَل أن المرادَ بتقارُب الزمان: تسارُعُ الدولِ إلى الانقضاء والقُرونِ إلى الانقراض.
(ويُلْقَى) بالبناء للمفعول، أي: يُطرَح بين الناس، فيَرى ذلك إليهم، أي: يكثروا في الطِّباع والقلوب.
(الشُّحُّ): البخل مع الحرص.
* * *
٤٠ - باب كَيْفَ يَكُونُ الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ ؟
(باب كيف يكون الرجلُ فِي أهلِه)
٦٠٣٩ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ
стр. 7346
إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ.
(مِهْنَة) بكسر الميم وسكون الهاء وبنون: الخدمة.
* * *
٤١ - باب الْمِقَةِ مِنَ اللهِ تَعَالَى
(باب المِقَة)
بكسر الميم وخفة القاف كـ: عِدَة، وهي المَحبَّة.
(من الله)؛ أي: الثابتة من الله بأن يكونَ هو مُحِبًّا، أي: مريدًا للخير.
٦٠٤٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أَحَبَّ اللهُ عَبْدًا ناَدَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلَانًا، فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي أَهْلِ الأَرْضِ".
(القَبُول)؛ أي: قَبُول قلوب العباد ومحبتهم له، وميلهم إليه
стр. 7347
ورضاهم عنه، ففيه: أن محبةَ الناس علامةُ مَحبة الله ، وما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسنٌ؛ فمحبةُ اللهِ إرادةُ الخير، ومحبةُ الملائكه استغفارُهم له وإرادتُهم خيرَ الدارَينِ له، أو ميلُ قلوبهم إليه؛ لأنه مطيعٌ لله محبوبٌ له.
* * *
٤٢ - باب الْحُبِّ فِي اللهِ
(باب الحُبُّ فِي اللهِ)
أي: في ذاتِ الله، لا يَشُوبُه الرِّياءُ والهَوى.
٦٠٤١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِي ﷺ : "لَا يَجدُ أَحَدًا حَلَاوَةَ الإيمَانِ حَتَّى يُحِبَّ الْمَرْءَ، لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَحَتَّى أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ، وَحَتَّى يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا".
(حلاوة) شبَّه الإيمانَ بالعسل لِميلِ الطبع إليه، وذَكرَ في المُسنَد إليه ما هو من خواصِّ العسل، فهو استعارةٌ بالكناية.
(إليه) فَصَلَ به بين (أحبُّ) و (من)؛ لأن في الظَّرفِ توسعةً، ومحبةُ الله إرادةُ طاعتِه، ومحبةُ رسوله ﷺ إرادةُ متابعتِه، والمحبةُ وإن
стр. 7348
كانت أمرًا طبيعيًّا لا تَدخلُ تحتَ الاختيار؛ لكن المرادَ الحُبُّ العقليُّ، الذي هو إيثارُ ما يقتضي العقلُ رجحانَه ويستدعي اختيارَه وإن كان على خلاف الهوى، كالمريض يَعَافُ الدواءَ ويَميلُ إليه اختيارُه.
(مما سواهما) سبق الجمعُ بين هذا وبين حديث: (بِئسَ الخطيبُ أنتَ) في (كتاب الإيمان)، وأن المُعتبَرَ هو المُركَّبُ من المَحبَّتَينِ، لا كلُّ واحدةٍ منهما فإنها وحدَها ضائعةٌ بخلاف المعصية، قال: كلُّ واحدٍ من العصيانيَنِ مُستقلٌّ باستلزام الغواية.
* * *
٤٣ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ إِلَى قوِلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
باب قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١])
٦٠٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَضْحَكَ الرَّجُلُ مِمَّا يَخْرُجُ مِنَ الأَنْفُسِ، وَقَالَ: "بِمَ يَضْرِبُ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْفَحْلِ، ثُمَّ لَعَلَّهُ يُعَانِقُهَا؟ "، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَوُهَيْبٌ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ: "جَلْدَ الْعَبْدِ".
стр. 7349
الحديث الأول:
(مما يخرج)؛ أي: من الضُّراط، الذي يكون بغير اختيار، لأنه مُشترَكٌ بين الكلِّ.
(وقال: بِمَ يَضربُ أحدُكم امرأتَه) الجمعُ بينه وبين قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] أن المَنهيَّ الضربُ المُبَرِّحُ، ولذا قال: كالعبد أو الفحل، والجائزُ ما لم يكن كذلك، وسبق الحديثُ أواخرَ (النكاح).
(وقال الثَّورِي) موصولٌ في (النكاح).
(وَوُهَيْب) في (التفسير).
(وأبو معاوية) سبق هناك بيانُ وصلِه.
* * *
٦٠٤٣ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بِمِنًى: "أتدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "بَلَدُ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهْرٌ حَرَامٌ"، قَالَ: "فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا".
стр. 7350
الثاني:
سبق شرحُه في (كتاب العلم)، وحكمةُ تقديم السؤال تقريرُ ذلك، لِمَا تقرَّر في نفوسهم من المُشبَّه به.
* * *
٤٤ - باب مَا يُنْهَى منَ السِّباب وَاللَّعْنِ
(باب ما يُنهَى من السِّباب)
يُحتمَل أنه مُفاعَلَة، وأن المرادَ السَّبُّ، أي: الشتمُ، وهو التكلُّم بما يَعيبُ الإنسانَ.
(واللَّعن): التبعيد من رحمة الله.
٦٠٤٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يُحَدِّثُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سِبابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كفْرٌ".
تَابَعَهُ غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ.
الحديث الأول:
(فُسوق)؛ أي: خروجٌ عن طاعة الله.
(وقتاله)؛ أي: مقاتلته حقيقةً أو مخاصمةً.
стр. 7351
(كفر)؛ أي: كفران حقوق المسلمين، أو محمولٌ على المُستَحِلِّ، سبق في (الإيمان).
(تابعَه غُنْدَر) اسمه محمد بن جعفر، أخرجه أحمد في "مسنده".
* * *
٦٠٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ أَنَّ أَبَا الأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ".
الثاني:
(لا يرمي)؛ أي: لا يَنسبُه إلى الفسق أو الكفر.
(إلا ارتدَّت)؛ أي: تلك الرَّمية، بأن يصيرَ هو فاسقًا بذلك أو كافرًا.
* * *
٦٠٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا سَبَّابًا، كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتبةِ: "مَا لَهُ، تَرِبَ جَبِينُهُ".
стр. 7352
الثالث:
سبق شرحُه قريبًا.
* * *
٦٠٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ: أَنَّ ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ- حَدَّثَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلَامِ فَهْوَ كَمَا قَالَ، وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قتلَ نفسَهُ بِشَيءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهْوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كقَتْلِهِ".
الرابع:
(غير الإسلام)؛ أي: كأن حَلَفَ باللَّاتِ والعُزَّى، كما هو طريقةُ الكُفَّار.
(كما قال)؛ أي: كافر، لأنه مُعظِّمٌ لذلك، ويُحتمَل أن يُرادَ به التهديدُ، وسبق في (الجنائز).
(فيما لا يملك)؛ أي: كأن قال: إن شفَى اللهُ مريضي فللَّه عليَّ أن أُعتقَ عبدَ فلانٍ.
(عُذِّبَ به)؛ أي: بمثله، فيُجازَى بجنس عمله.
(كقتله)؛ أي: في الإثم، وقيل: لأن القاتلَ يقطعُ المقتولَ عن
стр. 7353
منافع الدنيا، واللاعنَ يَقطعُه عن منافع الآخرة من رحمة الله تعالى.
* * *
٦٠٤٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَغَضِبَ أَحَدُهُمَا، فَاشْتَدَّ غَضَبُهُ حَتَّى انتفَخَ وَجْهُهُ وَتَغَيَّرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَها لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجدُ"، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ، فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: تَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَقَالَ: أَتُرَى بِي بَأْسُ؟ أَمَجْنُونٌ أَنَا؟ اذْهَبْ.
الخامس:
(كلمة)؛ أي: الاستعاذة.
(الذي تجد)؛ أي: الغضب.
(بأس)؛ أي: شدةٌ من مرضٍ ونحوه.
(أمجنون) خبرٌ مُقدَّمٌ على المبتدأ.
(اذهب) أمر، أي: انطلِقْ لشغلك.
قال (ن): هذا كلامُ مَن لم يَفقَه في دِينِ الله، ولم يُؤمِنْ أن الغضبَ من نزغات الشيطان، وتوهَّم أن الاستعاذةَ مختصةٌ بالمجانين، وكأنه كان من جُفَاةِ العربِ، سبق في (كتاب بدء الخلق)
стр. 7354
في (باب إبليس).
* * *
٦٠٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ حَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُخْبِرَ النَّاسَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فتلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُم، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَإنَّهَا رُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ".
السادس:
(فتَلَاحَى رجلان) هما عبد الله بنُ أبي حَدْرَد، وكَعْبُ بنُ مَالك.
(فرُفِعَتْ)؛ أي: من قلبي، فنسيتُها.
(التاسعة)؛ أي: التاسعة والعشرون من رمضانَ، كما سبق في الأحاديث الأخرى في (كتاب الإيمان) في (باب خوف المؤمن).
* * *
٦٠٥٠ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ الْمَعْرُورِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: رَأَيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا، وَعَلَى غُلَامِهِ بُرْدًا، فَقُلْتُ: لَوْ أَخَذْتَ هَذَا فَلَبِسْتَهُ كَانَتْ حُلَّةً، وَأَعْطَيْتَهُ ثَوْبًا آخَرَ، فَقَالَ:
стр. 7355
كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَنِلْتُ مِنْهَا، فَذَكَرَنِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لِي: "أَسَابَبْتَ فُلَانًا؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "أَفَنِلْتَ مِنْ أُمِّهِ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"، قُلْتُ: عَلَى حِينِ سَاعَتِي هَذِهِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ؟ قَالَ: "نَعَمْ، هُمْ إِخْوَانُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفُهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ".
السابع:
(هو ابن سويد) أراد بذلك تعريفَه، وإن لم يكن شيخُه تلفَّظ به.
(عليه)؛ أي: على أبي ذَرٍّ.
(حُلَّة) ولا تكون إلا ثَوبانِ.
(وبين رجل) هو بلالُ بنُ رَبَاح المُؤذِّن، وأُمُّه حَمَامةُ، نُوبِيَّةٌ.
(جاهلية)؛ أي: أخلاقهم، والجاهليةُ ما قبلَ زمان الإسلام، والتنوينُ فيه للتقليل والتحقير، أو المرادُ بالجاهلية: الجهلُ.
(هم)؛ أي: المماليك أو الخَدَم، وإن لم يَسبِقْ لهم ذكرٌ؛ لكن قرينتَه: (تحتَ أيديكم)، لأنه مجازٌ عن الملك، وسبق الحديثُ في (الإيمان) في (باب المعاصي).
(ما يغلبُه)؛ أي: تصير قدرتُه فيه مغلوبةً، أي: يعجزُ عنه فلا
следующие страницы →