قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ! أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: "لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ"، قَالُوا: بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "صَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ"، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ.
(خشبة) قيل: الجذع الذي كان يَخطُبُ إليه.
(سَرَعان) بفتحتين، وقيل: بسكون الراء، وهذه الأفعالُ والأقوالُ لم تَقطَعِ الصلاةَ؛ إما لأنه قبلَ تحريمها في الصلاة، أو لأنها قليلٌ، وذلك في حكم السَّهو والنسيان، وأما ذو اليدَينِ فتوهَّمَ أنه خارجٌ عن الصلاة لإمكان وقوع النَّسخ؛ وكذا الشيخان، مع أن النَّبِيَّ ﷺ كلَّمَهما، وقد قال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وقد سبق الحديثُ بشرحه في (باب التوجُّه نحو القِبْلَة)، وفي (باب تشبيك الأصابع في المسجد)، وقُبيلَ (كتاب الجنائز).
* * *
٤٦ - باب الْغِيبَةِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾.
стр. 7358
(باب الغِيبَة)
بكسر المعجمة وسكون الياء وبالموحدة: هي أن يتكلَّمَ الإنسانُ خلفَ الإنسان بما يَكرَهُ ولو صدقًا، فإن كان كذبًا فهو بُهتانٌ، وفي حكمِه الكتابةُ والإشارةُ ونحوهما.
* * *
٦٠٥٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى قَبْرَيْنِ، فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كبِيرٍ، أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ"، ثُمَّ دَعَا بِعَسِيبٍ رَطْبٍ، فَشَقَّهُ بِاثْنَيْنِ، فَغَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا، وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا، ثُمَّ قَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا، مَا لَمْ يَيْبَسَا".
(يحيى) إما ابنُ موسى الحُدَّاني، وإما ابنُ جعفر البَلْخِي.
(لا يَستَتِر)؛ أي: لا يختفي عنْ أَعيُن الناس عندَ قضاء الحاجة.
(بالنَّمِيمَة) هي نقلُ الكلامِ على سبيل الإفساد.
(بعَسيب) بفتح المهملة الأولى: سَعَفٌ لم يَنبُتْ عليه الخُوصُ، وقيل: قضيب النخل.
(ما لم يَيبَسَا)؛ أي: لأنه سألَ الشفاعةَ، فأُجيب بالتخفيف عنهما ما لم يَيبَسَا أو غير ذلك، وسبق إيضاحُه في (كتاب الوضوء) في
стр. 7359
(باب: مِن الكبائر أن لا يَستَترَ)، ووجهُ دلالةِ الحديثِ على الغِيبة: أن النميمةَ نوعٌ منها؛ لأن المَنقولَ عنه لو سمعَه لَغمَّه؛ نعم، وردَ بلفظ الغيبة في "ابن ماجه"، لكنه لمَّا لم يكن على شرط البخاري لم يَذكُرْه.
* * *
٤٧ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "خَيْرُ دُورِ الأَنصَارِ "
(باب قول النَّبِيِّ ﷺ : خيرُ دُورِ الأنصارِ)
أي: بنو النَّجَّار، كما هو لفظ الحديث، وهو بفتح النون وتشديد الجيم، والمرادُ أنهم خيرُ الأنصار.
٦٠٥٣ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّناَدِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ".
* * *
٤٨ - باب مَا يَجوزُ مِنِ اغْتِيَابِ أَهْلِ الْفَسَادِ وَالرِّيَبِ
(باب ما يجوزُ مِن اغتيابِ أهلِ الفَساد والرِّيَب)
قد يُنازَع في تسمية هذا غِيبةً؛ بل هو نصيحةٌ، والرِّيَبُ جمع:
لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَكَانَ الآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ"، ثُمَّ دَعَا بِجَرِيدَةٍ فَكَسَرَهَا بِكِسْرتَيْنِ أَوْ ثِنْتيْنِ، فَجَعَلَ كِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، وَكِسْرَةً فِي قَبْرِ هَذَا، فَقَالَ: "لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا".
(مجاهد عن ابن عباس) رواه عنه بلا واسطةِ، وفي الحديث السابق قريبًا رواه عن طاوس عنه، فهو يروي عنه بواسطةٍ وبدونها.
(وإنه لَكبير) لا ينافي قولَه أولًا: (ليس بكبيرٍ)؛ لأن ذاك باعتبار اعتقادهم، أو المرادُ: لا مَشقةَ عليكم فيه، وفي تعريف الكبيرة أقوالٌ، قيل: ما يُوجبُ الحَدَّ، فيُشكِلُ على هذا الحديث؛ إلا أن يُقالَ: أُريدَ الكبيرةَ لغةً، وقيل: ما تُوعِّدَ عليه بخصوصه، وقيل غيرُ ذلك، فالنَّميمةُ من العظائم، لا سيما مع الاستمرار المُشار إليه بـ: (كان يمشي).
(بجريدة) هي السَّعفةُ المُجرَّدةُ من الوَرَق، وسبق الحديثُ في (كتاب الوضوء).
* * *
٥٠ - باب مَا يُكْرَه مِنَ النَّمِيمَةِ
وَقَوْلهِ: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾، ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾، يَهْمِزُ
стр. 7362
وَيَلْمِزُ: يَعِيبُ.
(باب ما يُكرَهُ من النَّمِيمَة)
قوله: (يَهمِز) إلى آخره.
قال في "الكشَّاف": إن الهَمزَ الكسرُ، واللَّمزَ الطعنُ، فالمرادُ: كسرُ أعراضِ الناس، والغضُّ منهم والطعنُ فيهم.
* * *
٦٠٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ حُذَيْفَةَ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ حُذيْفَةُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قتَّاتٌ".
(يَرفعُ الحديثَ)؛ أي: حديثَ الناسِ وكلامَهم.
(قتَّات) بقاف ومثناة مكررة: هو النمَّام، وقيل: مَن يَستمعُ مِن غيرِ أن يُشعَرَ به، ثم يَنمُّ، والنمَّام: الذي يكون مع القوم يشعرون به، فيَنمُّ عليهم، ومعنى كونِه لا يَدخلُ الجنةَ، أي: مع السابقين، أو محمولٌ على المُستَحِلِّ.
* * *
стр. 7363
٥١ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾
(باب قول الله : ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠])
٦٠٥٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ"، قَالَ أَحْمَدُ: أَفْهَمَنِي رَجُلٌ إِسْنَادَهُ.
(لم يَدَع)؛ أي: يَترُك.
(الزُّور): الكذب.
(به)؛ أي: مقتضاه.
(والجهل)؛ أي: فعل الجهال أو السفاهة على الناس، كما قال:
أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَينَا ... فَنَجهَلَ فَوقَ جَهْلِ الجَاهِلِينَا
وقال البَيضَاوي: القصدُ بالصوم ليس نفسَ الجوع والعطش، بل ما يتبعُه من كسرِ الشهواتِ، وإطفاءِ ثائرة الغضب، وتطويعِ النفس الأمَّارة للمُطمئنَّة، فإذا لم يَحصلْ شيءٌ من ذلك فلا يبالي اللهُ تعالى بصومِه ولا يَقبَلُه منه، وهو معنى (فليس لله حاجةٌ)، أي: لا يَقبَلُه، وسبق في (الصوم).
стр. 7364
(أَفهَمَني)؛ أي: ذكَّرَني بعدَ أن نسيتُه، أو أراد أن رجلًا عظيمًا -يدلُّ عليه تنوينُه- أَفهمَني هذا الحديثَ، وهو إما شيخُه ابنُ أبي ذِئب، فيكون تعظيمًا له، وإما غيرُه.
* * *
٥٢ - باب مَا قِيلَ فِي ذِي الوَجْهَيْنِ
(باب ما قِيلَ في ذي الوَجهَينِ)
٦٠٥٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تَجِدُ مِنْ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ".
(شرّ) في بعضها: (أشرّ)، وهي فصيحةٌ أيضًا، ووجهُ كونِه أشرَّ أنه يُشبه النفاقَ.
(هؤلاء)؛ أي: يأتي لكل طائفةٍ يُظهرُ عندَهم أنه منهم ومُخالفٌ للآخرين مُبغِضٌ لهم، إذ لو أتَى كلَّ طائفةٍ بالإصلاح كان محمودًا.
* * *
стр. 7365
٥٣ - باب مَنْ أَخْبَرَ صَاحِبَهُ بمَا يُقَالُ فِيهِ
(باب مَن أَخبَرَ صاحبَه بما يُقالُ فيه)
٦٠٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِسْمَةً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللهِ مَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا وَجْهَ اللهِ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فتمَعَّرَ وَجْهُهُ، وَقَالَ: "رَحِمَ اللهُ مُوسَى، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ".
(قَسَم)؛ أي: في حُنَين.
(رجل) سبق في (الجهاد) في (باب ما كان يُعطي المُؤلَّفَة): أنه مُعتِّبُ بنُ قُشَير، وشرحُ الحديث.
(فتمعَّر) بمهملة: تغيَّر، وقصدَ البخاريُّ بإيراد هذا الحديث أنه خارجٌ من النميمة؛ لأنه يصحُّ فيه.
* * *
٥٤ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ التَّمَادُحِ
(باب ما يُكرَهُ من التَّمَادُح)
٦٠٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ،
(وحسيبُه اللهُ)؛ أي: يُحاسبُه على علمه الذي يُحيط بحقيقة حاله، والجملةُ اعتراضيةٌ، وقال الطِّيبي: هو مِن تتمةِ القول، والجملةُ الشرطيةُ حالٌ من فاعل (فليقل)، و (على الله) فيه معنى الوجوب والقطع، والمعنى: فَلْيَقلْ: أَحسِبُ فلانًا كَيتَ وكَيتَ إن كان بحسب ذلك، واللهُ يَعلمُ سرَّه فيما فعل، فهو مُجازًى به، ولا يقول: أتيقَّن.
(ولا يزكِّي)؛ أي: لا يقطع على عاقبة أحدٍ، ولا على ما في ضميره؛ فإن ذلك مُغيَّبٌ عنه.
(وقال وُهَيب) قد وصلَه من بعدُ.
* * *
٥٥ - باب مَنْ أَثْنَى عَلَى أَخِيهِ بِمَا يَعْلَمُ
(باب مَن أَثنَى على أخيه بِمَا يَعلَمُ)
وَقَالَ سَعْدٌ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ: إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، إِلَّا لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ.
الحديث الأول:
(وقال سعد)؛ أي: ابن أبي وقاص، موصولٌ في (مناقب ابن سلام).
стр. 7368
(من أهل الجنة) فيه: أن المَشهُودَ لهم بالجنة لا يَنحصرُون في العشرة؛ إما لأن العددَ لا ينفي الزائدَ، أو أن العشرةَ بُشِّرُوا دفعةً، وإلا فالحَسَنُ والحُسينُ باتفاقٍ، وكذا أزواجُه ﷺ أُمَّهاتُ المؤمنين من أهل الجنة، وأما حصرُ سعدٍ فإما لأنه لم يَسمَعْ في غيره، أو يُقيَّد كونه حالَ المشي على الأرض.
* * *
٦٠٦٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ فِي الإزَارِ مَا ذَكَرَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ إِزَارِي يَسْقُطُ مِنْ أَحَدِ شِقَّيْهِ، قَالَ: "إِنَّكَ لَسْتَ مِنْهُمْ".
الثاني:
(لست منهم)؛ أي: لأنك لا تَجرُّه خُيَلاء ولا تكبُّرًا، وسبق أولَ (كتاب اللباس)، وأن الجمعَ بين مدح أبي بكر وابن سلام وغيرهما وبين نهَيه عن المدح: أن مَحلَّ النهي المُجازَفةُ والزيادةُ، أو عندَ خوفِ العُجبِ، أما عندَ عدمِ ذلك فلا.
* * *
يَا رَسُولَ اللهِ! فَهَلَّا تَعْنِي تَنَشَّرْتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَمَّا اللهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَمَّا أَنَا فَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا"، قَالَتْ: وَلَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفٌ لِيَهُودَ.
(كذا وكذا) ورد في "النَّسَائي": (شهرين).
(يأتي أهلَه)؛ أي: يُباشِرُها.
(ولا يأتي)؛ أي: والحالُ أنه لم يكن ذلك.
(ذات يوم) بإقحام (ذات)، أو مِن إضافةِ المُسمَّى إلى اسمه.
(أمر)؛ أي: التخييل.
(رجلان)؛ أي: مَلَكَان على صورتهما.
(عند رِجلي) بالإفراد والتثنية.
(طَبَّه)؛ أي: سَحَرَه.
(جُفّ) بضم الجيم وشدة الفاء: وعاءُ طلعِ النخل.
(ومُشَاقة) بضم الميم: ما يُغزَل.
(رَاعُوفة) بمهملة وواو وفاء: حَجَرٌ أسفلَ البئر.
(ذَرْوَان) بفتح المعجمة وسكون الراء.
(رؤوس الشياطين) مَثَلٌ في الاستقباح.
(نُقَاعَة) بضم النون وخفة القاف وشدتها: ما يُنقَع فيه الحِنَّاء.
(فأُخرِج)؛ أي: من تحت الرَاعُوفة، لكنه لم يَنشُرْه ولم يُفرِّقْ
стр. 7371
أجزاءَه، ولم يُطلِعْ عليه الناسَ، ومرَّ الحديثُ آخرَ (كتاب الطِّب).
* *
٥٧ - باب مَا يُنْهَى عَنِ التَّحَاسُدِ وَالتَّدَابُرِ وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ .
(باب ما يُنهَى عن التَّحَاسُد)
٦٠٦٤ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا".
الحديث الأول:
(الظَّن أكذبُ الحديثِ)؛ أي: أكثرُ كذبًا من الكلام، والكذب وإن كان من صفات الأقوال إلا أن المرادَ هنا: عدمُ مطابقةِ الواقع، سواءٌ لا كان قولًا أم لا، وقد سبق الحديثُ في (النكاح) في (باب لا يَخطُب على خِطبة أخيه).
قال (خ): وهذا في غير أوائل الظنون؛ فإن تلك خواطرُ لا يملك دفعَها، وإنما التكلف بما يَقدِرُ، فالمرادُ: تحقُّق الظنِّ بما يُجعَل كالعلم.
стр. 7372
(تحسَّسوا ولا تجسَّسوا) الأولى بالحاء، والثانية بالجيم، قال الحَربي: هما بمعنًى واحدٍ، وهو البحثُ عن بواطن الأمور، وقيل: بالجيم: تَطَلُّب الأخبار من غيره بالسؤال والبحث عن عورات الناس، وبالحاء: إذا تولَّى ذلك بنفسه، وقال في "الفائق": بالجيم: تَعَرُّفُ الخبر بلُطفٍ، ومنه: الجاسوس، وجسَّ الطبيبُ اليدَ، وبالحاء: تطلُّب الشيءِ بحاسةٍ، كالتسمُّع على القوم.
(تدابَرُوا)؛ أي: تَهَاجَرُوا، بأن يُوليَ كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه دُبرَه.
(عبادَ) بالنصب خبر (كان)، وما بعدَه حالٌ أو منادًى، و (إخوانًا) خبر (كان)، والمؤمنون وإن كانوا إخوةً لكن المأمورَ به لازمُ الأخوَّة، وهو التعاطُفُ، أو كُونُوا كالإخوة الحقيقية.
* * *
٦٠٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أيامٍ".
الثاني:
(أن يَهجُرَ) محلُّه إذا لم يكن لأمرٍ دينيٍّ، فقد أَمرَ ﷺ بهجران كعبٍ ورفيقَيه لمَّا تخلَّفُوا عن غزوة تَبُوك، فهُجِرُوا خمسين يومًا حتى نزلَتْ
ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ مِنْ دِيننَا شَيئًا"، قَالَ اللَّيثُ: كَانَا رَجُلَيْنِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ.
٦٠٦٨ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بِهَذَا، وَقَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ! مَا أَظُنُّ فُلَانًا وَفُلَانًا يَعْرِفَانِ دِينَنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ".
في بعضها: (ما يُكرَه)، وفي بعضها: (ما يجوز)، واستُشكل بأن الحديثَ صيغتُه نفيُ الظنِّ، وأُجيب: بأن المَنفيَّ فيه وفي مثلِه موضوعٌ لظنِّ النفي عُرفًا، ففي: ما أظنُّ زيدًا في الدار، أظنُّه ليس في الدار، وإنما عُدِلَ عن الأصل تحقيقًا للنَّصَفة، وأن صاحبَه بريءٌ من المُجازَفَة، حَرِيٌّ بالمُناصَفَة.
* * *
٦٠ - باب سَتْرِ الْمُؤْمِنِ عَلَى نَفْسِهِ
(باب سترُ المؤمنِ على نفسِه)
٦٠٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِم بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّ أُمَّتِي
стр. 7375
مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ، وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللهُ، فَيَقُولَ: يَا فُلَانُ! عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ ويُصْبحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللهِ عَنْهُ".
الحديث الأول:
(إلا المُجاهِرون) في بعضها: (المجاهرين) بالنصب؛ وهو ظاهرٌ، ووجهُ الرفع أن العفوَ مُتضمِّنٌ معنى الترك، فكان الاستثناءُ من مَنفيٍّ، أو أن (إلا) بمعنى لكن، وما بعدَها مبتدأ حُذِفَ خبرُه، التقدير: لا يعافون، وإن كان الأصلُ أن يُذكَر، كما في الحديث: (فأَحرَمُوا كلُّهم إلا أبو قتادةَ لم يُحرِم).
قال ابن مالك: وبمثله تأوَّلُوا قراءةَ بعضِهم: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إلا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٢٤٩]، أي: إلا قليلٌ منهم لم يشربوا، والمُجاهِر: هو الذي جاهَرَ بمعصيته وأظهرَها، أي: فكلُّ واحدِ من أُمَّتي يُعفَى عن ذنبه، ولا يُؤاخَذ به إلا الفاسقُ المُعلِنُ.
(المَجَانَة) بالجيم وتخفيف النون: عدم المبالاة بقولٍ أو بفعلٍ.
(عملًا)؛ أي: معصية.
(علمتُ) بتاء المتكلم.
(ويُصبح) قال (ك): يدخل في الصباح، وفيه نظرٌ؛ فإنها ناقصةٌ لا تامةٌ.
* * *
стр. 7376
٦٠٧٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ: كَيفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ قَالَ: "يَدْنُو أَحَدُكُمْ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَتقُولُ: نَعَمْ. وَيَقُولُ: عَمِلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَرِّرُهُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنِّي سَتَرْتُ عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ".
الثاني:
(النَّجْوَى) المُسارَرَة، أي: التي تقعُ بين الله تعالى وعبده المؤمن يومَ القيامة.
(يدنُو)؛ أي: يُقرِّب منزلتَه ورتبتَه.
(كنفه)؛ أي: ستره، حتى تحيطَ به عنايتُه التامةُ.
(فيقول: عملتَ) بالخطاب.
(مرتَين) متعلق بالقول لا بالعمل.
(فيُقرِّره)؛ أي: يجعله مُقِرًّا، والحديثُ من المتشابه، ففيه الطريقان: التفويض، والتأويل، وفيه سعةُ رحمة الله تعالى، حيث يُذكِّرُه بالمعاصي سرًّا، ثم يَغفرُ له، وسبق الحديثُ في أول (كتاب المظالم)، ووجهُ دخولِ الحديثِ، وهو سترُ الله في الترجمة بالستر على نفسه: أن سترَ الله مُستلزِمٌ لسترِه، وقيل: لأن أفعالَ العباد مخلوقةٌ لله، أي: فسترُ العبدِ نفسَه هو سترُ اللهِ عليه.
* * *
(مُتَضَعَّف) بكسر العين، وفتحها، أي: يستضعفُه الناسُ لضعف حاله في الدنيا.
(متواضع) مُتذلِّلٌ خاملُ الذِّكر.
(لو أقسمَ)؛ أي: لو أَقسَمَ يمينًا طمعًا في كرم الله بإبراره لأَبرَّه، وقيل: لو دعاه لأَجابَه.
(عُتُلّ) هو الغليظ الشديد العنيف.
(جوَّاظ) بفتح الجيم وتشديد الواو وبظاء معجمة: الجَمُوح المَنُوع، أو المُختال في مشيته، والمرادُ: أن أغلبَ أهلِ الجنة وأهلِ النار هؤلاء، وسبق الحديثُ في (سورة ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾).
(لَتأخذُ بيد رسول الله ﷺ ) المراد لازمُ ذلك، وهو الرِّفقُ والانقيادُ، أي: كان من خُلقِه أنه لو كان لأمَةٍ حاجةٌ إلى بعض مواضع المدينة، والتمسَتْ مساعدتَه واحتاج أن يَمشيَ معها لحاجتها لم يَتخلَّفْ، وفيه أنواعٌ من المبالغة؛ حيث ذَكرَ المرأةَ لا الرجلَ، والأَمَةُ من أيِّ الإماء كانت، لا الحُرَّة، وحيث قال: (حيث شاءت)، وعبَّر بالأخذ باليد الذي هو غايةُ التصرُّف ونحوه ﷺ .
* * *
٦٢ - باب الْهِجْرةِ
وَقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ".
وَيَقُولَانِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ نهى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَلَمَّا أَكثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ مِنَ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيج طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا وَتَبْكِي وَتَقُولُ: إِنِّي نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتِ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِي، حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا.
الحديث الأول:
(الطُّفَيل) هو أخو عائشة، وفي "جامع الأصول": أن عَوْفًا هو ابنُ مالك بن الطُّفَيل، وقال الكَلَابَاذي: عَوْفُ بنُ الحَارثِ بنِ الطُّفَيل.
(حُدِّثت) بالبناء للمفعول.
(لَتنتهيَنَّ)؛ أي: هي.
(قالت: هو)؛ أي: الشأن.
(إن أُكلِّم) بصيغة الشرط، وهو الموافقُ لِمَا تقدَّم في (كتاب الأنبياء) في (مناقب قريش): (عليَّ نذرٌ إن كلَّمتُه)، وفي بعضها: (أن لا أُكلِّمَ) بفتح الهمزة وكسرها، بزيادة (لا)، والمقصودُ حَلِفُها على عدم التكلُّم معه.
(أُشفِّع) بكسر الفاء الشديدة، أي: لا أَقبَلُ الشفاعةَ فيه.
(ولا أتحنَّث إلى نذري)؛ أي: في يميني منتهيًا إليه.
(أنشدكما) بضم الشين، من: نَشَدتُ فلانًا: إذا قلتُ له: نَشَدتُك
стр. 7381
اللهَ، أي: سألتُك بالله.
(لَمَا) بتخفيف الميم، و (ما) زائدة، وبتشديدها بمعنى: إلا، كما في: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، أي: ما أَطلبُ منكم إلا الإدخالَ.
قال في "المُفَصَّل": نشدتُك بالله إلا فعلتَ، معناه: لا أَطلبُ منك إلا فعلتَ.
(قطيعتي)؛ أي: قطيعة الرَّحِم؛ لأن عائشةَ خالتُه.
(يَناشُدانها)؛ أي: ما يطلبان منها إلا التكلُّمَ معه وقَبُولَ العذر منه.
(من الهجرة) بيانُ (ما قد عملتِ).
(من التذكرة)؛ أي: التذكُّر بالصلة وبالعفو وكظم الغيظ ونحوه.
(والتحريج)؛ أي: التضييق، والنسبة إلى الحرج، وأنه لا تحلُّ الهجرةُ ونحوه.
(وأَعتَقَت)؛ أي: كفَّارةً ليمينها، وعُلِمَ بذلك أن النذرَ المرادُ به اليمينُ، وسبق الحديثُ في (كتاب الأنبياء).
قال (ط): لم تَهجُرْ عائشةُ ابنَ الزُّبَير ﵁ ثلاثةَ أيام؛ لأن الهَجرَ تركُ الكلام عند التلاقي، وعائشةُ لم تكن تلقَاه فتُعرِضُ عن السلام عليه، إنما كانت من وراء الحجاب، ولا يدخل عليها أحدٌ إلا بإذنٍ، فلم يكن ذلك من الهجرة، ويدل عليه لفظ: (يلتقيان فيُعرض)، ولم
стр. 7382
يكن بينهما التقاءٌ وإعراضٌ، وأنها كانت أُمَّ المؤمنين وخالتَه، أدَّبَتْه بالهَجر على الكلام الذي قاله في حقِّها؛ لأنه كان كالعقوق لها، والهَجرُ جائزٌ لِمَن عَصَى.
* * *
٦٠٧٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ".
الثاني:
(فوق ثلاث)؛ أي: فما دونَها جائزٌ؛ لأن الآدميَّ مجبولٌ على الغضب وضيق الصدر وسوء الخُلق، والغالبُ أنه يزول من المؤمن أو يقلُّ بعدَ الثلاث.
* * *
٦٠٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ".
стр. 7383
الثالث:
(فيُعرض) من إعراض الوجه، وفيه: أن شرطَ الهجرة الالتقاءُ.
(وخيرهما)؛ أي: أفضلُهما، وفيه: أن الهجرةَ تنتهي بالسلام.
"""
٦٣ - بابٌ مَا يَجُوزُ مِنَ الْهِجْرَانِ لِمَنْ عَصَى
وَقَالَ كَعْبٌ حِينَ تَخَلَّفَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا، وَذَكَرَ خَمْسِينَ لَيْلَةً.
(باب ما يَجوزُ من الهجران لِمَن عَصَى)
قوله: (وقال كعب) سبق في (المغازي).
(حين) ليس ظرفًا لـ (قال)؛ بل لمحذوف، أي: كان كذا وكذا.
(عن كلامنا) (١)؛ أي: هو مع صاحبَيه مُرارة بن الربيع، وهِلال بن أُمية.
* * *
٦٠٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ
стр. 7384
أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لأَعْرِفُ غَضَبَكِ وَرِضَاكِ"، قَالَتْ: قُلْتُ: وَكَيْفَ تَعْرِفُ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "إِنَّكِ إِذَا كُنْتِ رَاضِيَةً قُلْتِ: بَلَى وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كنْتِ سَاخِطَةً قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ"، قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ لَسْتُ أُهَاجِرُ إِلَّا اسْمَكَ.
(أجل)؛ أي: نعم، ووجهُ مطابقة الحديث للترجمة، مع أنه لا معصيةَ في هذه القضية؛ إما لأنه قاسَ الهجرانَ للأمر المُخالِف للشريعة على هجران اسمه للأمر المخالف للطبيعة، وقال (ط): غرضُه أن يُبيِّنَ الهجرانَ الجائزَ، وأن ذلك متنوعٌ على قَدْرِ الأسباب، فما كان لمعصيةٍ ينبغي هجرُه مُطلَقًا كحديث كعب، وما كان لمعاتبة بين الأهل والإخوان فهجرٌ عن التسمية ونحوها كما فعلَتْ عائشةُ، فإن قيل: لا هجرَ عن أهل الشِّرك، فلِمَ يُهجَر الفاسقُ والمُبتدِعُ! قلنا: لله تعالى أحكامٌ فيها مصالِحُ للعباد، وهو أعلمُ بأسبابها، وعليهم التسليمُ؛ فله الخَلقُ والأمرُ.
قال (ك): الهجرُ القلبِيُّ في الكافر واجبٌ على المؤمن، وأما المُكالَمةُ ونحوها فلمصلحةِ المعاملات ونحوها، وأيضًا الكافرُ لا يرتدعُ بالهجر عن كفره، بخلاف الفاسق والمُبتدِع؛ مع أن الأَولَى هجرُ الكافر أيضًا.
قال (ع): مُغاضَبةُ عائشةَ ﵂ من الغَيرة التي عُفِيَ
стр. 7385
عنها للنساء، ولولا ذلك لَكانَ عليها من الحَرَج في ذلك ما فيه؛ لأن الغضبَ على النَّبِيِّ ﷺ كبيرةٌ عظيمةٌ، وفي قولها: (إلا اسمك) دلالةٌ على أن قلبَها مملوءٌ من المحبة، وغَيرة النساء إنما هي لفرط المَحبَّة.
* * *
٦٤ - باب هَلْ يَزُورُ صَاحِبَهُ كُلَّ يَوْمٍ، أَوْ بُكْرَةً وَعَشِيًّا
(باب هل يَزورُ صاحبَه كلَّ يومٍ)
٦٠٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ: قَالَ ابْنُ شِهَاب: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْهِمَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ: هَذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَ: "إِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي بِالْخُرُوجِ".
(وقال اللَّيث) موصولٌ في (الهجرة).
(يَدِيْنَان الدِّيْن)؛ أي: كانا مؤمنَينِ مُتديِّنَينِ بدِين الإسلام.
أولَ (البيوع).
* * *
٦٠٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ"؟ فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي.
الثاني:
(لا حِلْفَ)؛ أي: لأنه للاتفاق، والإسلامُ قد جمعَهم وألَّفَ بين قلوبهم، فلا حاجةَ إليه؛ لأنهم كانوا يتحالفون في الجاهلية لأن الكلمةَ غيرُ مُجتمِعةٍ، والجمعُ بين هذا وبين قوله: (قد حالَفَ): أن المَنفيَّ المُعاهَدَةُ الجاهليةُ، والمُثبَتَ هو المُؤاخاةُ، وقال (ن): لا حِلْفَ في الإسلام، أي: حِلْف التوارُث، وما يَمنعُ الشرعُ منه؛ أما المؤاخاةُ على طاعة الله والتعاونُ على البِرِّ فلم يُنسَخْ، إنما المَنسوخُ ما يتعلق بالإرث، انتهى.
قلت: وقد أَوضحتُ ذلك فيما جمعتُه في الحِلْف وسميتُه: "ودائع التخالُف في وقائع التحالُف" بفوائدَ ولطائفَ يجبُ السعيُ إليها.
* * *
стр. 7390
٦٨ - باب التَّبَسُّمِ وَالضَّحِكِ
وَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَضَحِكْتُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللهَ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى.
(باب التبسُّم)
هو ظهورُ الأسنان عندَ التعجُّب بلا صوتٍ، فإن كان مع صوتٍ قويٍّ يُسمع الجيرانَ مثلًا فقَهقَهَةٌ، وإلا فضحكٌ.
(وقالت فاطمة) موصولٌ في (المناقب).
(أسرَّ إلَيَّ) وأنه أَسرَّ إليها: (إنك أولُ مَن يتبعُني).
(وقال ابن عباس) موصولٌ في (الجنائز).
(أَضحَك) لأنه لا مُؤثِّرَ في أفعاله وفي الوجود إلا اللهُ، كما يقوله الأَشعَري.
* * *
٦٠٨٤ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَبَتَّ طَلَاقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ