أولَ (البيوع).
* * *
٦٠٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَبَّاحٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ"؟ فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي.
الثاني:
(لا حِلْفَ)؛ أي: لأنه للاتفاق، والإسلامُ قد جمعَهم وألَّفَ بين قلوبهم، فلا حاجةَ إليه؛ لأنهم كانوا يتحالفون في الجاهلية لأن الكلمةَ غيرُ مُجتمِعةٍ، والجمعُ بين هذا وبين قوله: (قد حالَفَ): أن المَنفيَّ المُعاهَدَةُ الجاهليةُ، والمُثبَتَ هو المُؤاخاةُ، وقال (ن): لا حِلْفَ في الإسلام، أي: حِلْف التوارُث، وما يَمنعُ الشرعُ منه؛ أما المؤاخاةُ على طاعة الله والتعاونُ على البِرِّ فلم يُنسَخْ، إنما المَنسوخُ ما يتعلق بالإرث، انتهى.
قلت: وقد أَوضحتُ ذلك فيما جمعتُه في الحِلْف وسميتُه: "ودائع التخالُف في وقائع التحالُف" بفوائدَ ولطائفَ يجبُ السعيُ إليها.
* * *
стр. 7390
٦٨ - باب التَّبَسُّمِ وَالضَّحِكِ
وَقَالَتْ فَاطِمَةُ ﵍: أَسَرَّ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَضَحِكْتُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللهَ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى.
(باب التبسُّم)
هو ظهورُ الأسنان عندَ التعجُّب بلا صوتٍ، فإن كان مع صوتٍ قويٍّ يُسمع الجيرانَ مثلًا فقَهقَهَةٌ، وإلا فضحكٌ.
(وقالت فاطمة) موصولٌ في (المناقب).
(أسرَّ إلَيَّ) وأنه أَسرَّ إليها: (إنك أولُ مَن يتبعُني).
(وقال ابن عباس) موصولٌ في (الجنائز).
(أَضحَك) لأنه لا مُؤثِّرَ في أفعاله وفي الوجود إلا اللهُ، كما يقوله الأَشعَري.
* * *
٦٠٨٤ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَبَتَّ طَلَاقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ
стр. 7391
رِفَاعَةَ فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ، وَإِنَّهُ وَاللهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللهِ إِلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ، لِهُدْبَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ جِلْبابِهَا، قَالَ: وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ بِباب الْحُجْرَةِ لِيُؤْذَنَ لَهُ، فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي أَبَا بَكْرٍ، يَا أَبَا بَكْرٍ! أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ وَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التَّبَسُّمِ، ثُمَّ قَالَ: "لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ، لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ".
الحديث الأول:
(حِبَّان) بكسر المهملة وشدة الموحدة.
(فبَتَّ)؛ أي: قطعَ بتطليقِ الثلاث.
(الزَّبِير) بفتح الزاي.
(الهُدْبَة) هي ما على طرف الثوب من الخَمل.
(وابن سعيد بن العاص)؛ أي: خالد بن سعيد، وهذا هو الصوابُ، وفي نسخة: (سعيد بن العاص).
(تَذُوقي) لا ينافي ذلك قولها: (كالهُدْبة)؛ لأنه في الرِّقَّة، لا في الرَّخَاوة، وسبق في (اللباس)، وأنه قال: (أَنفُضُها نفضَ الأديم).
(عُسَيلته) كنايةٌ عن لذة الجِمَاع، والعسل: يُؤنث، فصُغِّرَ بعُسَيلة.
* * *
قَالَ: عَلَى أَفْقَرَ مِنِّي؟ وَاللهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، قَالَ: "فَأَنْتُمْ إِذًا".
الرابع:
(بِعَرَق) بفتح المهملة والراء: قُفَّةٌ منسوجةٌ من خُوصٍ، وإن صحَّتِ الروايةُ بالفاء عِوَضَ العين، فهو مكيالٌ يَسَعُ ستةَ عشرَ رطلًا.
(المِكْتَل) بكسر الميم وفتح المثناة: زَنبيلٌ يَسَعُ خمسةَ عشرَ رطلًا.
(نَوَاجذه) بإعجام الذال: هي أُخرَيات الأسنان والأضراس، فأولُها في مُقدَّم الفم: الثنايا، ثم الرَّبَاعيات، ثم الأنياب، ثم الضَّوَاحك، ثم النَّوَاجذ.
(إذن) جوابٌ وجزاءٌ، أي: إن لم يكن أفقرَ منكم فكُلُوا أنتم، أي: إنفاقًا على العيال؛ لأن الكفَّارةَ على التراخي، وسبق الحديثُ مشروحًا في (الصوم).
* * *
٦٠٨٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْركَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، قَالَ أَنَسٌ: فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ:
стр. 7395
يَا مُحَمَّدُ! مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ.
الخامس:
(نَجراني) بفتح النون وسكون الجيم: نسبةً إلى بلدة باليمَن، وفي الحديث: كمالُ حِلْمِ رسول الله ﷺ وزهدِه وكرمِه، تقدَّم في (كتاب الجِزية).
* * *
٦٠٨٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وَجْهِي.
٦٠٩٠ - وَلَقَدْ شَكَوْتُ إِلَيْهِ أَنِّي لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا".
السادس:
(ما حَجَبَني)؛ أي: عن مجلسه المُختص بالرجال، لا الدخول في حُجَر النساء، أو المرادُ: ما مَنَعَني عطاءً طلبتُه منه.
(ثبِّتْه) أعمُّ من الثبات على الخيل وعلى غيرها، وسبق في (غزوة ذي الخَلَصَة).
* * *
стр. 7396
٦٠٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ، هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: "نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ"، فَضَحِكَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ: أَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "فَبِمَ شَبَهُ الْوَلَدِ".
السابع:
(الماء)؛ أي: المَني، أي: يجبُ الغُسلُ إذا احتلَمَتْ وأَنزلَتْ.
(فبِمَ)؛ أي: فبأيِّ شيءٍ حصل شَبَهُ الولدِ بالأُمِّ، أو يُشبه الأُمَّ، وفي بعضها: (فيم) بالياء بدل الموحدة، أي: في أيِّ شيءٍ من المشابهة بينهما لولا أن لها ما يَنعقدُ الولدُ منه، قالوا: في ماء الرجل قوةٌ عاقدةٌ، وفي ماء المرأة قوةٌ منعقدةٌ، وسبق الحديثُ في (كتاب الغسل)، وسبق في (كتاب الأنبياء): (أنه إذا سبق مَنِيُّ الرجلِ مَنِيَّها أَشبَهَ الوالدَ، وإن سبقَ مَنِيُّها أَشبَهَها).
* * *
٦٠٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو أَنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ.
стр. 7397
الثامن:
(مُستَجمِعًا) من استَجمَعَ، أي: اجتَمَعَ، وهو لازمٌ.
(ضاحكًا) تمييز، أي: مجتمعًا من جهة الضحك، يعني: ما رأيتُه يضحك تمامًا لم يَترُك منه شيئًا.
(لَهَواته) جمع: لَهَاة، وهي الهَنَةُ المُطيفةُ في أقصى سقف الفم، وقيل: اللَّحمةُ التي فيها، والجمعُ بين هذا وبين حديث ظهور النَّوَاجذ في قصة الأعرابي: أن عائشةَ إنما قالت: (ما رأيتُ)، وأبو هريرةَ شاهَدَ ما لم تُشاهِدْه، والمُثبِتُ مُقدَّمٌ، فكان ﷺ أكثرُ أحواله التبسُّمَ، وفي بعض الأحوال أعلى منه وأقلَّ من القَهقَهة، وفي النادر عند إفراط التعجب تبدو النواجذُ على عادة البشَر، وقيل: تُسمَّى: الضواحك، والأنباب: نَوَاجذ، ولهذا جاء في (باب الصيام) بلفظ: (الأنياب).
قلت: وهذا أَولَى بحمل الحديث عليه، فعلى الأول فيه جوازُ القَهقَهة، وكان أصحابُه أيضًا يضحكون، والإيمانُ في قلوبهم أعظمُ من الجبال، وإنما المَكرُوهُ المَذمُومُ كثرةُ الضحك.
* * *
٦٠٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ. وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهْوَ يَخْطُبُ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ: قَحَطَ الْمَطَرُ فَاسْتَسْقِ رَبَّكَ،
(يُكتَب)؛ أي: يُحكَم له، فالمرادُ إظهارُه للمخلوقين، أو في الملأ الأعلى، أو إلقاؤُه في قلوب الناس وألسنتهم، وإلا فحُكمُ اللهِ قديمٌ، والقصدُ أنه يستحقُّ وصفَ الصدِّيقين وثوابَهم في مقابلة وصف الكذَّابين وعقابهم؛ لأنه من علامة النفاق، ولعله لم يَقُلْ: في الصدِّيقين بلفظ: (يُكتَب) إشارةً إلى أنه صدِّيقٌ، من جملة الذين قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩].
* * *
٦٠٩٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ نَافِعِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإذَا اؤْتُمِنَ خَانَ".
الثاني:
(آية المنافق)؛ أي: علامتُه، والمرادُ هنا: أنه يشبهُ المنافقَ، أو إذا كان معتادًا، أو المرادُ التغليظُ، أو الذين كانوا في عهد النَّبِيِّ ﷺ من المنافقين، أو كان منافقًا خاصًّا، أو ليس المرادُ النفاقَ الإيمانِيَّ؛ بل العُرفِيَّ، وإلا فالإجماعُ مُنعقِدٌ على أن المسلمَ لا يُحكَم بنفاقه المُوجِبِ لكونه في الدَّركِ الأسفلِ بواسطة الكذب وأخويه، وسبق مبسوطًا في (الإيمان).
* * *
стр. 7401
٦٠٩٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "رَأَيْتُ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، قَالَا: الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ يَكْذِبُ بِالْكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".
الثالث:
(رأيت)؛ أي: في المنام، وسبق الحديثُ بطوله آخرَ (الجنائز)، (وقد رأى رجلًا جالسًا ورجلًا بيدة كَلُّوبٌ من حديدٍ يُدخلُه في شِدْقِه، حتى يبلغَ قَفَاه، ثم يَفعلُ بِشِدْقِه الآخرِ مثلَ ذلك، ويَلتئمُ شِدْقُه هذا، فيعودُ فيَصنعُ مثلَه؛ فقلت: ما هذا؟ فقالا: الذي رأيتَه يشقُّ).
(فكذَّاب) دخول الفاء في خبر الموصول، وإن كان هنا مُعيَّنًا، وشرطُه أن يكونَ مُبهَمًا؛ بل عامًّا، لأنه جُعِلَ هنا كالعام، قاله ابن مالك.
(بالكَذبة) بفتح الكاف، وفيه: أن العقابَ كان في موضع المعصية، وهو الفهمُ الذي كَذبَ به.
* * *
٧٠ - باب فِي الْهَدْيِ الصَّالِحِ
(باب الهَدْي الصالح)
بفتح الهاء وسكون المهملة: السِّيرة.
стр. 7402
٦٠٩٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي أُسَامَةَ: حَدَّثَكُمُ الأَعْمَشُ، سَمِعْتُ شَقِيقًا قَالَ: سَمِعْتُ حُذَيْفَةَ يَقُولُ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ لَابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، مِنْ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلَا.
الحديث الأول:
(حدَّثكم)؛ أي: أَحَدَّثَكُم، فسكوتُه بعدَه تصديقٌ وتسليمٌ بالقرائن.
(دَلًّا) بفتح الدال وشدة اللام: قريبٌ من معنى الهَدْي، وهما السَّكينةُ والوَقَارُ في الهيئة والمَنظر والشمائل.
(وسَمْتًا) بفتح المهملة وإسكان الميم: الطريق، والقصد، وهيئة أهل الخير.
(لابن أُمِّ عبدٍ)؛ أي: عبد الله بن مسعود، وكانوا أصحابَه يدخلون عليه ينظرون إليه قولًا وفعلًا، حركةً وسكونًا، حالًا ومَلَكةً وغيرها، فيَتَشبَّهُون به.
* * *
٦٠٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُخَارِقٍ، سَمِعْتُ طَارِقًا قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كتَابُ اللهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
стр. 7403
الثاني:
(هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ )؛ أي: سيرتُه، ومرَّ الحديثُ في (كتاب الإيمان).
* * *
٧١ - باب الصَّبْرِ على الأَذَى وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .
(باب الصَّبْرُ على الأَذَى)
٦٠٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ، أَوْ لَيْسَ شَيْءٌ أَصْبَرَ عَلَى أَذىً سَمِعَهُ مِنَ اللهِ، إِنَّهُمْ لَيَدْعُونَ لَهُ وَلَدًا، وَإِنَّهُ لَيُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ".
الحديث الأول:
(من الله) متعلق بـ (أصبر)، ومعنى الصبر: وهو حبسُ النفسِ عن شهواتها، وإن كان مستحيلًا في حقِّ الله تعالى، فالمرادُ هنا: الحِلْمُ وتأخيرُ العقوبة عن مُستَحِقِّها إلى زمانِ آخرَ.
(لَيدعُونَ له)؛ أي: يَنسبُون إليه ما هو مُنَزَّهٌ عنه، وهو يُحسنُ
стр. 7404
إليهم بما يتعلق بأنفسهم؛ وهو المُعافاةُ، وبأموالهم؛ وهو الرزقُ.
* * *
٦١٠٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ شَقِيقًا يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللهِ قَسَمَ النَّبِيُّ ﷺ قِسْمَةً كَبَعْضِ مَا كَانَ يَقْسِمُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: وَاللهِ إِنَّهَا لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللهِ، قُلْتُ: أَمَّا أَنَا لأَقُولَنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَتَيْتُهُ وَهْوَ فِي أَصْحَابِهِ فَسَارَرْتُهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَغَيَّرَ وَجْهُهُ وَغَضِبَ، حَتَّى وَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَخْبَرْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: "قَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَبَرَ".
الثاني:
(قَسَمَ)؛ أي: يومَ خَيبرَ.
(أما) بالتخفيف: حرفُ تنبيهٍ، سبق الحديثُ في (الجهاد) في (باب ما كان النَّبِيُّ ﷺ يُعطي المُؤلَّفَة).
قال بعضُ العلماء: الصبرُ على الأذى من جهاد النفس جَبَل اللهُ النفوسَ على تألُّمها منه، ولهذا شقَّ على النَّبِيِّ ﷺ ؛ لكن سكن منه لعلمه بما وعدَه اللهُ من الأجر، وهو بلا حسابٍ، بخلاف الإنفاق؛ فإنه بسبعِ مئةٍ، وسائرُ الحسنات بعشرِ أمثالها.
* * *
стр. 7405
٧٢ - بابٌ مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بالْعِتَابِ
(باب مَن لم يُوَاجِهِ الناسَ بالعِتَاب)
٦١٠١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَخَطَبَ، فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً".
الحديث الأول:
(مسلم) إما البَطِين، وإما ابنُ صُبيَح؛ وكلاهما بشرطه يرويان عن مسروق، وعنهما الأَعْمشُ.
(فتَنَزَّه)؛ أي: تحرَّز.
(لأَعلَمُهم) إشارةٌ إلى القوة العِلْمية.
(وأَشدُّهم له خشيةً) إشارةٌ إلى القوة العَمَلية، أي: فهم يتوهَّمُون أن رغبتَهم عما فعلتُ أقربُ لهم عند الله، وليس كذلك؛ بل أنا أعلَمُهم بالأقرب وأَولاهم بالعمل، وفيه: الحثُّ على اقتدائهم به، والنهيُ عن التعمُّق، وذمُّ التنَزُّه عن المُبَاح، وحسنُ المعاشرة بإرسال
стр. 7406
التعزير والإنكار، وعدمُ التعيين.
قال (ط): معنى (لم يواجه)، أي: خصوصُ ذلك الشخص، ولم يُعيِّنْه، أو لم يَنتقِمْ لنفسه كما لم يَنتقِمْ من الأعرابي الذي جَبَذَ بردائه، أما في أمر الدِّين فكان يُؤاخِذُ به ويُقرِّعُ عليه ويَصدَعُ بالحق.
* * *
٦١٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ، هُوَ ابْنُ أَبِي عُتْبَةَ مَوْلَى أَنَسٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ.
الثاني:
(العَذْرَاء) هي البِكْر، أي: عذرتُها باقيةٌ، وهي جلدة البَكَارة.
(في خِدْرِها)؛ أي: سترٌ يُجعَل للبِكْر في جنب البيت، وفيه: أن للشخص أن يَحكُمَ بالدليل؛ لأنهم كانوا يعرفون كراهتَه للشيء بتغيُّر وجهه، كما كانوا يعرفون قراءتَه في الصلاة باضطراب لحيته (١).
* * *
стр. 7407
٧٣ - بابٌ مَنْ كَفَّرَ أَخَاهُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ فَهْوَ كَمَا قَالَ
(باب مَن أَكَفَرَ أَخَاه)
أي: دعاه كافرًا ونسبَه إلى الكُفر.
٦١٠٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا".
٦١٠٣ / -م - وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، سَمِعَ أَبَا سَلَمَةَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الحديث الأول:
(لأخيه)؛ أي: أخوَّة الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
(فقد باءَ به)؛ أي: رجعَ به، لأنه إن كان صدوقًا في نفس الأمر فالمَقُولُ له كافرًا، وإن كان كذَّابًا، فالقائلُ كافرٌ؛ لأنه حَكَمَ بكون المؤمنِ كافرًا، والإيمانِ كفرًا، ولكن هذه المعصيةَ وإن لم يَكفُرْ بها المؤمنُ؛ لكنْ محمولٌ على المُستَحِلِّ، أو المعنى: رجعَ عليه التكفيرُ، أو كأنه كفَّرَ
стр. 7408
نفسَه؛ لأنه كفَّرَ مَن هو مِثلُه، وقال بعضُهم: المرادُ بأحدهما هو القائلُ على قاعدة استعمال الكناية وترك التصريح بالسوء، كقول الرجل لِمَن يريد أن يُكذِّبَه: والله إن أحدَنا لَكاذبٌ، يريد خصمَه على التعيين، قال (خ): بأنه القائلُ إذ لم يكن له تأويلٌ، وهو على طريقة: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وقال (ط): باءَ بإثمِ رميِه لأخيه بالكُفر، أي: رجعَ وِزْرُ ذلك عليه إن كان كاذبًا، وقيل: يرجعُ عليه إثمُ الكُفر؛ لأنه إذا لم يكن كافرًا، فهو مِثلُه في الدِّين، فيَلزَمُ من تكفيره تكفيرَ نفسه، لأنه مُساويه في الإيمان، فإن كان ما هو فيه كُفرًا فهو أيضًا فيه ذلك، وإن استحقَّ المَرميُّ به بذلك كُفرًا استحقَّ الرامي أيضًا، وقيل: المعنى: يَؤُولُ به ذلك إلى الكُفر؛ لأن المعاصي بريدُ الكُفرِ، ويُخَافُ على المُكثِرِ منها أن يكونَ عاقبةُ شؤمِها المصيرَ إليه.
(وقال عكرمة) وصلَه أَبو نُعيم في "المستخرج".
* * *
٦١٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا".
الثاني:
في معنى الأول.
* * *
стр. 7409
٦١٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلَامِ كَاذِبًا فَهْوَ كمَا قَالَ، وَمَنْ قتلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ".
الثالث:
(بَمِلَّةٍ غيرِ الإسلام) كأن يقول: إذا فعلتُ كذا فأنا يهوديٌّ، ومعنى (فهو كما قال)؛ أي: كاذبٌ لا كافرٌ، لأنه ما تعمَّد بالكذب الذي خاف عليه التزامَ المِلَّة التي حَلَفَ بها، بل كان ذلك على سبيل الخديعة للمحلوف له، فهو وعيدٌ، وأما مَن حَلَفَ بها وهو صادقٌ فيما حَلَفَ عليه فهو كتصحيح براءته من تلك المِلَّة، كما لو قال: أنا يهوديٌّ إن أكلتُ اليومَ، ولم يأكل فيه، فلم يتوجَّه عليه إثمٌ لفقدِ نيَّتِه على نفيها لنفي شرطها، لكن لا يَبْرَأ من المَلامة لمخالفة الحديث، وهو: (مَن كان حالفًا فَلْيَحلِفْ بالله)، وقال البَيضَاوي: ظاهرُه أنه يَحتمِلُ بهذا الحَلِفِ إسلامَه، ويصير يهوديًّا كما قالَ، ويَحتمل أن يُرادَ به التهديدُ والمبالغةُ في الوعيد، كأنه قال: فهو مُستحِقٌّ لِمِثلِ عذابِ ما قاله.
(عُذِّبَ به) إشارةٌ إلى عذابه من جنس عمله.
(فهو)، أي: الرمي.
(كقتلِه)؛ أي: في التحريم، أو في الإثم، أو في الإبعاد؛ فإن
стр. 7410
اللَّعنَ يُبعدُ من رحمة الله، والقتلَ يُبعدُ من الحياة، فوجهُ التشبيه هنا أظهرُ؛ لأن النسبةَ إلى الكُفر المُوجِب للقتل كالقتل في أن المُسبِّبَ للشيء كفاعله.
* * *
٧٤ - باب مَنْ لَمْ يَرَ إِكْفَارَ مَنْ قَالَ ذلِكَ مُتأَوِّلًا أَوْ جَاهِلًا
وَقَالَ عُمَرُ لِحَاطِبٍ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَمَا يُدْرِيكَ؟ لَعَلَّ اللهَ قَدِ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ".
(باب مَن لَمْ يَرَ إكفارَ مَن قالَ ذلك متأوِّلًا أو جاهلًا)
قوله: (وقال عُمر) موصولٌ في (المغازي).
(لحاطب)؛ أي: لأجل حاطب، وإلا لقال: إنك منافقٌ، والقصدُ أن المُتأوِّلَ في تكفير الغير معذورٌ غيرُ آثمٍ، ولذلك عَذرَ ﷺ عُمرَ في نسبته النفاقَ إلى حاطبٍ، لتأويله ظنًّا بأنه بما كتبَ إلى المشركين يصير منافقًا.
* * *
٦١٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَادَةَ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، أَخْبَرَنَا سَلِيمٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، حَدَّثَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ ﵁ -
الثاني:
(إسحاق) قال ابن السَّكَن: هو ابن رَاهَوَيه، وقال الكَلَابَاذي: إنه ابنُ منصور.
(فَلْيَقُلْ: لا إلهَ إلا اللهُ)؛ أي: لأنه تَعَاطَى صورةَ تعظيمِ الأصنام حين حَلَفَ بها، فأُمِرَ أن يَتَدارَكَه بكلمة التوحيد.
(أُقامِرْك) إنما قرنَ القِمَارَ بالصنم تأسِّيًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية [المائدة: ٩٠].
(فَلْيَتصدَّقْ)؛ أي: فيكون كفَّارةَ دعائه لذلك التصدُّق بما تيسَّر، وقيل: بمقدار ما أَمرَ أن يُقامرَ به.
قال (ط): ليس فيه تجويزُهما؛ بل أن مَن نَسِيَ أو جهلَ، فحَلَفَ به فكفَّارتُه التكلُّمُ بالكلمة؛ لأنه قد تقدَّم نهيُهم عن الحَلف بغير الله، فعذرَ الناسي والجاهلَ، ولذلك سوَّى البخاريُّ في ترجمته بين الجاهل والمُتأوِّل في سقوط الحَرَج، وأيضًا عذرَهم لقربِ عهدِهم بجري ذلك على ألسنتهم في الجاهلية.
* * *
٦١٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فِي رَكْبٍ وَهْوَ يَحْلِفُ بابيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بآبائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، وَإِلَّا فَلْيَصْمُتْ".
стр. 7413
الثالث:
(بآبائكم) لا ينافي ذلك نحو: (أَفلَحَ وأبِيه إن صَدَقَ)؛ لأن ذلك لم يَقصِدْ به القَسَمَ؛ بل هو مما يُزاد في الكلام بالتقدير ونحوه.
قال العلماء: حكمةُ النهي عن الحَلف بغير الله: أن الحَلفَ يقتضي تعظيمَ المحلوف به، وحقيقةُ العظمة مختصةٌ بالله تعالى، فلا يُضاهَى به غيرُه، وقد عذرَ ﷺ عُمرَ في حَلفِه بأبيه، لتأويله بالحقِّ الذي للآباء، وبه ظهرَتْ مناسبتُه لترجمة الباب.
أما إقسامُ الله تعالى بمخلوقاته فلأنه يُقسِمُ بما شاء تنبيهًا على شرفه.
* * *
٧٥ - باب مَا يَجُوزُ مِنَ الْغَضَبِ وَالشِّدَّةِ لأَمْرِ اللهِ
وَقَالَ اللهُ: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾.
(باب ما يَجوزُ من الغَضَب)
٦١٠٩ - حَدَّثَنَا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوَانَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ الْقَاسِم، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ قِرَامٌ فِيهِ صُوَرٌ، فتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ تناوَلَ السِّتْرَ فَهَتكَهُ، وَقَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ
стр. 7414
يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ".
الحديث الأول:
(قِرَام) بكسر القاف: سترٌ.
(من أشد) إما من حيث إن المُصوِّرَ يُصوِّرُ صورةً تُعبَد من دون الله، فيكفر، أو المرادُ به المُستَحِلُّ، أو غير ذلك، وسبق في آخر (اللباس).
* * *
٦١١٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، حَدَّثَنَا قَيْسُ بن أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: إِنِّي لأَتَأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَطُّ أَشَدَّ غَضَبًا فِي مَوْعِظَةٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، قَالَ: فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ، فإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ".
الثاني:
(فأيكم ما صلَّى)، (ما) زائدة.
* * *
٦١١١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي رَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجدِ
مُغْضَبًا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا زَالَ بِكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتكُمْ، فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءَ فِي بَيْتِهِ، إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ".
الخامس:
(وقال المكِّي) وصلَه أحمد والدَّرِامي في "مسنديهما".
(احتجر)؛ أي: اتخذ شبهَ الحُجرة.
(حُجَيرة) مُصغَّر: حُجْرَة، ويُروَى بفتح الحاء وكسر الجيم.
(مُخَصَّفة) الخَصَفَة بمعجمة ثم مهملة مفتوحتين: ما يُجعَل منه جِلَالُ التمر من سَعَفٍ ونحوه.
قال (ط): ولو ثوبًا يستدير، يقال: خَصَفتُ على نفسي، أي: جمعتُ بين طرفَيه بعودٍ أو خيطٍ.
قال (ن): الخَصَفة والحصير بمعنىً واحدٍ، وشكَّ الراوي فيه، والمرادُ: أنه حوَّط موضعًا من المسجد بحصيرةٍ تسترُه ليُصلِّيَ فيه، ولا يَمرَّ عليه أحدٌ، وليتوفَّرَ فراغُ القلب، ففيه: جوازُ الجماعة في النافلة، وتركُ بعضِ المصالحِ لخوفِ مفسدةٍ أعظمَ من ذلك، وما كان عليه من شفقته على الأُمَّة.
قال (ط): يجبُ الغضبُ والشدةُ في أمر الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا سيما على الأئمَّة والملوك؛ ليَنحفظَ أمرُ الشريعة، ولا يَطرأَ عليها التغييرُ والتبديلُ، قال: وغضبُه عليهم لأنهم
стр. 7418
صلَّوا في مسجده الخاص به بغير إذنه.
قال (ك): أو لرفعِ أصواتهم، أو لحصبِ الباب، أو هو غضبُ شفقةٍ وخوفٍ أن يفرضَ عليهم ذلك، فلا يقوموا بحقِّه، فيُعاقَبُوا عليه.
(فتتبَّع) بالتشديد، أي: طلبُوا موضعَه واجتمعوا.
(وحَصَبُوا الباب) رمَوه بالحَصباء، وهي الحَصا الصغيرةُ؛ تنبيهًا لظنِّهم أنه نَسِيَ.
(بكم)؛ أي: مُتلبِّسًا بكم.
(صنعكم)؛ أي: مصنوعكم، وهو الصلاة.
(ظننت)؛ أي: خفتُ، وفيه: أن أفضلَ النافلة ما كان في البيوت، وعندَ الستر عن أَعيُن الناس؛ إلا ما كان من شعائر الشريعة، كالعيد.
(المكتوبة)؛ أي: المفروضة.
* * *
٧٦ - باب الْحَذَرِ مِنَ الْغَضَبِ
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.
لَذَهَبَ عَنْهُ ما يَجدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"، فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ.
الثاني:
(لَذهبَ)؛ أي: لأن الشيطانَ هو المُزيِّنُ للإنسانِ الغضبَ، والاستعاذةُ بالله من أقوى السلاح على دفع كيده.
مرَّ الحديثُ في (بدء الخلق) في (باب صفة إبليس).
* * *
٦١١٦ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، هُوَ ابْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ : أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَوْصِنِي، قَالَ: "لَا تغْضَبْ"، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: "لَا تَغْضَبْ".
الثالث:
(أن رجلًا) هو جَارية -بالجيم- بن قُدامة، كما في "مسند أحمد"، ورواه ابنُ أبي شَيبة والحاكمُ من حديثه، ووقع مثلُ هذا السؤال لأبي الدَّرْدَاء، رواه ابنُ خَيْرُون في "فوائده" لعبد الله بن عُمر، ورواه ابنُ صخر في "فوائده" لسفيانَ بنِ عبدِ اللهِ الثقفي.
(لا تغضب) كان النَّبِيُّ ﷺ مُكاشَفًا بأوضاع الخَلق، فيَأمرُهم بما هو أَولَى بهم، ولعل الرجلَ كان غَضُوبًا، فوصَّاه بتركه.
стр. 7421
قال (خ): معناه: لا تتعرَّضْ لأسباب الغضب التي تجلبُه، وإلا فالغضبُ مطبوعٌ في الإنسان، لا يمكن إخراجُه من جِبلَّتِه، أومعناه: لا تَقُلْ ما يأمرُك به الغضبُ، ويَحملُك عليه من الأقوال والأفعال، وقال البَيضَاوي: لعله لمَّا رأى أن جميعَ المفاسد من شهوته وغضبه، والشهوةُ مكسورةٌ بالنسبة إلى ما يقتضيه الغضبُ، فأَرشَدَ السائلَ عما يُوصلُ إلى التحرُّزِ عن القبائح بنهيه عن الغضب، الذي هو أعظمُ ضررًا وأكثرُ وِزرًا، فإذا ملَكَها كان قد قَهَرَ أقوى أعدائه.
* * *
٧٧ - باب الْحَيَاءِ
(باب الحَيَاءِ)
هو تغيُّر وانكسارٌ من خوفِ ما يُعَابُ به ويُذَمُّ.
٦١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ"، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً، فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ.
стр. 7422
الحديث الأول:
(لا يأتي إلا بخير) أي: لأنه مَن استَحيَا مِن الناس أن يَروه مُرتكبَ المَحارم، فذلك داعيةٌ إلى أن يكونَ أشدَّ حياءً من الله تعالى، والحياءُ من الله زاجرٌ عن ارتكاب معاصيه، وليس من الحياء أن يتركَ المواجهةَ بالحقِّ لِمُن يُعظمُه، ولا الإخلالُ ببعض الحقوق؛ بل هذا عجزٌ، ولذلك عرَّفَه بعضُهم شرعًا بأنه: خُلُقٌ يَبعثُ على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في الحسن.
(بُشَير) بضم الموحدة وبمعجمة.
(في الحكمة)؛ أي: العلمُ الذي يُبحَثُ فيه عن أحوال حقائق الموجودات، وقيل: العلمُ المُتيقَّنُ الوافي.
(وَقارًا)؛ أي: الحِلْم والرَّزَانة.
(السَّكينة) هي الدَّعَةُ والسُّكونُ، وإنما غضب عمرانُ لأن الحُجَّةَ إنما هي في سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ ، لا فيما يَروِي عن كتب الحكمة؛ لأنه لا يُدرَى ما حقيقتُها، ولا يُعرَفُ صدقُها.
* * *
٦١١٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ وَهْوَ يُعَاتَبُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي، حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ".
стр. 7423
الثاني:
(مُعاتَب) بالبناء للمفعول، أي: يُلَامُ ويُذَمُّ.
(لتستحيي) بياءَين أو بواحدةٍ.
(دَعْه)؛ أي: اترُكْه.
(من الإيمان)؛ أي: شعبةٌ منه، فـ (من) للتبعيض، وقيل: كما أن الإيمانَ يمنعُ من المعصية ويحملُ على الطاعة، فكذلك الحياءُ، فصار بمساواته في ذلك من جنسه، وإلا فالحياءُ غريزةٌ، والإيمانُ فعلٌ، وقيل: الحياءُ قد يكون تخلُّقًا واكتسابًا، ويكون غريزةً، واستعمالُه على قانون الشرع يَحتاجُ إلى النيَّة والاكتساب، فهو بهذا الوجه من الإيمان.
* * *
٦١١٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مَوْلَى أَنَسٍ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ -اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ-: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا.
الثالث:
(العَذرَاء) البِكْر، وسبق قريبًا في (باب مَن لم يُواجِهِ الناسَ).
* * *
стр. 7424
٧٨ - باب إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ
(باب إذا لم تَستَحي فاصنَعْ ما شئتَ)
٦١٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنع مَا شِئْتَ".
(مما أَدرَك)؛ أي: أدركَه، فحُذف العائدُ على (ما).
(الناس) بالرفع، ويُنصَب، ويكون عائدُ (ما) ضميرَ الفاعل، ومعنى (أدرَكَ): بَلَغَ.
(إذا لم تستحي) الجزم إما بحذف إحدى الياءَين إن كان بياءَين، أو بحذف الياء إن كان أصلُه بواحدةٍ، أي: لم يَزلِ الحياءُ مُستحسَنًا في شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإنه باقٍ لم يُنسَخْ. (فاصنَعْ ما شئتَ) قال (خ): هو للتهديد كـ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]؛ فإن اللهَ يجزيكم، أو أراد: افعَلْ ما شئتَ لا تستحي منه، أي: لا تَفعَلْ ما يُستحيَى منه، أو الأمرُ بمعنى الخبر، أي: إذا لم يكن لك حياءٌ يَمْنَعُك من القبيح فاصنع ما شئتَ، وسبق الحديثُ قُبَيلَ (مناقب قريش).
* * *