← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 7421–7460 · переход к 7426.

стр. 7421

قال (خ): معناه: لا تتعرَّضْ لأسباب الغضب التي تجلبُه، وإلا فالغضبُ مطبوعٌ في الإنسان، لا يمكن إخراجُه من جِبلَّتِه، أومعناه: لا تَقُلْ ما يأمرُك به الغضبُ، ويَحملُك عليه من الأقوال والأفعال، وقال البَيضَاوي: لعله لمَّا رأى أن جميعَ المفاسد من شهوته وغضبه، والشهوةُ مكسورةٌ بالنسبة إلى ما يقتضيه الغضبُ، فأَرشَدَ السائلَ عما يُوصلُ إلى التحرُّزِ عن القبائح بنهيه عن الغضب، الذي هو أعظمُ ضررًا وأكثرُ وِزرًا، فإذا ملَكَها كان قد قَهَرَ أقوى أعدائه. * * * ٧٧ - باب الْحَيَاءِ (باب الحَيَاءِ) هو تغيُّر وانكسارٌ من خوفِ ما يُعَابُ به ويُذَمُّ. ٦١١٧ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ"، فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ: إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا، وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً، فَقَالَ لَهُ عِمْرَانُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ صَحِيفَتِكَ.

стр. 7422

الحديث الأول: (لا يأتي إلا بخير) أي: لأنه مَن استَحيَا مِن الناس أن يَروه مُرتكبَ المَحارم، فذلك داعيةٌ إلى أن يكونَ أشدَّ حياءً من الله تعالى، والحياءُ من الله زاجرٌ عن ارتكاب معاصيه، وليس من الحياء أن يتركَ المواجهةَ بالحقِّ لِمُن يُعظمُه، ولا الإخلالُ ببعض الحقوق؛ بل هذا عجزٌ، ولذلك عرَّفَه بعضُهم شرعًا بأنه: خُلُقٌ يَبعثُ على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في الحسن. (بُشَير) بضم الموحدة وبمعجمة. (في الحكمة)؛ أي: العلمُ الذي يُبحَثُ فيه عن أحوال حقائق الموجودات، وقيل: العلمُ المُتيقَّنُ الوافي. (وَقارًا)؛ أي: الحِلْم والرَّزَانة. (السَّكينة) هي الدَّعَةُ والسُّكونُ، وإنما غضب عمرانُ لأن الحُجَّةَ إنما هي في سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ ، لا فيما يَروِي عن كتب الحكمة؛ لأنه لا يُدرَى ما حقيقتُها، ولا يُعرَفُ صدقُها. * * * ٦١١٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَجُلٍ وَهْوَ يُعَاتَبُ فِي الْحَيَاءِ يَقُولُ: إِنَّكَ لَتَسْتَحْيِي، حَتَّى كَأَنَّهُ يَقُولُ قَدْ أَضَرَّ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ".

стр. 7423

الثاني: (مُعاتَب) بالبناء للمفعول، أي: يُلَامُ ويُذَمُّ. (لتستحيي) بياءَين أو بواحدةٍ. (دَعْه)؛ أي: اترُكْه. (من الإيمان)؛ أي: شعبةٌ منه، فـ (من) للتبعيض، وقيل: كما أن الإيمانَ يمنعُ من المعصية ويحملُ على الطاعة، فكذلك الحياءُ، فصار بمساواته في ذلك من جنسه، وإلا فالحياءُ غريزةٌ، والإيمانُ فعلٌ، وقيل: الحياءُ قد يكون تخلُّقًا واكتسابًا، ويكون غريزةً، واستعمالُه على قانون الشرع يَحتاجُ إلى النيَّة والاكتساب، فهو بهذا الوجه من الإيمان. * * * ٦١١٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مَوْلَى أَنَسٍ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ -اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ-: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا. الثالث: (العَذرَاء) البِكْر، وسبق قريبًا في (باب مَن لم يُواجِهِ الناسَ). * * *

стр. 7424

٧٨ - باب إِذَا لَمْ تَسْتَحِي فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ (باب إذا لم تَستَحي فاصنَعْ ما شئتَ) ٦١٢٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى إِذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنع مَا شِئْتَ". (مما أَدرَك)؛ أي: أدركَه، فحُذف العائدُ على (ما). (الناس) بالرفع، ويُنصَب، ويكون عائدُ (ما) ضميرَ الفاعل، ومعنى (أدرَكَ): بَلَغَ. (إذا لم تستحي) الجزم إما بحذف إحدى الياءَين إن كان بياءَين، أو بحذف الياء إن كان أصلُه بواحدةٍ، أي: لم يَزلِ الحياءُ مُستحسَنًا في شرائع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وإنه باقٍ لم يُنسَخْ. (فاصنَعْ ما شئتَ) قال (خ): هو للتهديد كـ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]؛ فإن اللهَ يجزيكم، أو أراد: افعَلْ ما شئتَ لا تستحي منه، أي: لا تَفعَلْ ما يُستحيَى منه، أو الأمرُ بمعنى الخبر، أي: إذا لم يكن لك حياءٌ يَمْنَعُك من القبيح فاصنع ما شئتَ، وسبق الحديثُ قُبَيلَ (مناقب قريش). * * *

стр. 7425

٧٩ - بابٌ مَا لَا يسْتَحْيَا مِنَ الْحَقِّ، لِلتَّفَقُّهِ في الدِّينِ (باب ما لا يُستحيَا من الحَقِّ) ٦١٢١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلٌ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ". الحديث الأول: (إذا رأتِ الماء)؛ أي: أَنزلَتِ الماءَ عندَ الاحتلام، مرَّ في (الغسل)، وفيه: أن تركَ الحياء في السؤال عن أمر الدِّين ليس بمذمومٍ، فهو تخصيصٌ للعمومات في طلب الحياء. * * * ٦١٢٢ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ خَضْرَاءَ، لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَلَا يَتَحَاتُّ"، فَقَالَ الْقَوْمُ: هِيَ شَجَرَةُ كَذَا، هِيَ شَجَرَةُ كَذَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النَّخْلَةُ، وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ فَاسْتَحْيَيْتُ، فَقَالَ: "هِيَ النَّخْلَةُ"، وَعَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا خُبَيْبُ بْنُ

стр. 7426

عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ، وَزَادَ: فَحَدَّثْتُ بِهِ عُمَرَ، فَقَالَ: لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا. الثاني: (يتحاتُّ) يتناثر، تفاعلٌ من: الحَتِّ، أي: لا يحتكُّ بعضُ ورقِها ببعضٍ فيَسقطُ. (وزاد): أراد في هذا الطريق أن ابنَ عُمر قال: فحدثتُ به عُمر. (من كذا)؛ أي: من حُمْرِ النَّعَم، ووجهُ الشبهِ كثرةُ خيرِها ومَنافعِها من الجهات، وقيل: إنه إذا قُطِعَ رأسُها، أو فسدَ ما هو كالقلب لها، أو غرقَتْ ماتَتْ، ولا تَحملُ حتى تُلقحَ، ولطلعِها رائحةُ المَني، وتَعشقُ كالإنسان، ومرَّ في (العلم). * * * ٦١٢٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مَرْحُومٌ، سَمِعْتُ ثَابِتًا، أنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا ﵁ يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ تَعْرِضُ عَلَيْهِ نَفْسَهَا، فَقَالَتْ: هَلْ لَكَ حَاجَةٌ فِيَّ؟ فَقَالَتِ ابْنَتُهُ: مَا أَقَلَّ حَيَاءَهَا! فَقَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ، عَرَضَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ نَفْسَهَا. الثالث: (تَعْرِض)؛ أي: ليتزوَّجها رسولُ الله ﷺ . (فِيَّ)؛ أي: في نكاحي.

стр. 7427

(ابنته)؛ أي: ابنة أنس، واسمها: أُمَينة بالتصغير. (فقال)؛ أي: أنس. * * * ٨٠ - بابٌ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا" وَكَانَ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ واليُسر عَلَى النَّاسِ (باب قولِ النَّبِيِّ ﷺ : يسِّرُوا) قوله: (وكان)؛ أي: النَّبِيُّ ﷺ ، وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ٦١٢٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ لَهُمَا: "يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا"، قَالَ أَبُو مُوسَى: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّا بِأَرْضٍ يُصْنَعُ فِيهَا شَرَابٌ مِنَ الْعَسَلِ، يُقَالُ: لَهُ الْبِتْعُ، وَشَرَابٌ مِنَ الشَّعِيرِ، يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ". ٦١٢٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاح قَالَ: سَمِعْتُ

стр. 7428

أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا". الحديث الأول والثاني: (وتَطَاوَعَا)؛ أي: تَوافَقَا في الأمور. (بأرض)؛ أي: اليمَن. (البِتْع) بكسر الموحدة وسكون المثناة وبمهملة. (المِزْر) بكسر الميم وتسكين الزاي وبالراء. * * * ٦١٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ، فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ. الثالث: (أيسرهما)؛ أي: أَسهلُهما. (ما لم يكن إثمًا) وذلك التخيير إن كان من الكفَّار فظاهرٌ، وإن كان من الله تعالى فمعناه: فيما إذا لم يُؤدِّ إلى إثمٍ كالتخيير بين المجاهدة في العبادة والاقتصاد؛ بل إذا جرَّت المجاهدةُ للهلاك كانت

стр. 7429

غيرَ جائزةٍ، وقال (ع): يُحتمَل أن يُخيِّرَه اللهُ تعالى فيما فيه عقوبتان ونحوه، وأما قولها: (ما لم يكن إثمًا) فإنما هو إذا خيَّرَه الكفَّارُ. (إلا أن تُنتَهَك) قال (ع): هو ارتكابُ ما حرَّمَه اللهُ، والاستثناءُ مُنقطعٌ، أي: إذا انتُهكت حرمةُ الله تعالى انتَصرَ للهِ تعالى، وانتَقَمَ ممن ارتكبَ ذلك. * * * ٦١٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا عَلَى شَاطِئِ نَهْرٍ بِالأَهْوَازِ قَدْ نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ عَلَى فَرَسٍ، فَصَلَّى وَخَلَّى فَرَسَهُ، فَانْطَلَقَتِ الْفَرَسُ، فَتَرَكَ صَلَاتَهُ وَتَبِعَهَا حَتَّى أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا ثُمَّ جَاءَ فَقَضَى صَلَاتَهُ، وَفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ تَرَكَ صَلَاتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ، فَأَقْبَلَ فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مُتَرَاخٍ فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُ لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ. وَذَكَرَ أَنَّهُ صَحِبَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَرَأَى مِنْ تَيْسِيرِهِ. الرابع: (الأَهْوَاز) بفتح الهمزة وسكون الهاء وبالواو والزاي: موضعٌ بخوزستان بين العراق وفارس. (نَضَبَ) بفتح المعجمة، أي: غارَ وذهبَ في الأرض. (له رأيٌ)؛ أي: رأيُ الخوارج.

стр. 7430

(مُتَرَاخٍ)؛ أي: مُتباعدٌ. (وتركته)؛ أي: الفرس، وفي بعضها: (تركتها)؛ لأن الفَرسَ يقع على الذكر والأُنثى؛ لكن لفظُه مُؤنثٌ سماعيٌّ. (تيسيره)؛ أي: تسهيله على الأُمَّة، وما رآه من تسهيله ﷺ هو الحاملُ له على ذلك، لا أنه من تلقاء نفسه، وفيه: أن مَن انفلَتَتْ دابتُه وهو في الصلاة يقطعُها ويتبعُها؛ وكذا كلُّ مَن خَشِيَ تلفَ ماله، وسبق الحديثُ في (الصلاة) قُبَيل (سجود السَّهو). * * * ٦١٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. ح، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي الْمَسْجدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ". الخامس: (وقال اللَّيث) وصلَه الذُّهْلي. (فثَارَ) من الثَّوَران، وهو الهَيَجان، ليُؤذُوه. (دَعُوه)؛ أي: اترُكُوه؛ لئلا يتأذَّى في نفسه، ويَكثرَ تنجيسُ المسجد، وسبق الحديثُ في (الوضوء).

стр. 7431

(وأَهْرِيْقُوا)؛ أي: صُبُّوا، وفيه لغتان. (ذَنُوبًا) بفتح المعجمة: الدَّلو العظيمُ الملآنُ. (سَجْلًا) بفتح المهملة وتسكين الجيم: الدَّلو فيه الماءُ، قلَّ أو كَثُرَ. * * * ٨١ - بابٌ الاِنْبِسَاطِ إِلَى النَّاسِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: خَالِطِ النَّاسَ، وَدِينَكَ لَا تَكْلِمَنَّهُ، وَالدُّعَابَةِ مَعَ الأَهْلِ. (باب الانبِسَاط إلى الناس) قوله: (فلا تَكْلِمَنَّه) من: الكَلم، وهو الجَرح، أي: خالِطِ الناسَ بشرط أن لا يحصلَ في دِيِنك خللٌ، ويبقى صحيحًا، ويُروَى: (تَثْلِمَنَّه). (والدُّعَابة) بالجرِّ، عطفًا على (الانبساط)، وهو المُزَاح. * * * ٦١٢٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لأَخٍ لِي صَغِيرٍ: "يَا أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ ".

стр. 7432

الحديث الأول: (عُمَير) مُصغَّر عمر، و (النُّغَير) مُصغَّر: النُّغَر بالنون والمعجمة والراء: طُوَيرٌ كالعصفور له صوتٌ حسنٌ، ومنقارُه أحمرُ، وقيل: فِرَاخُ العصافير، الواحد: نُغْرَة، والجمع: نِغْرَان، ومعنى: ما فَعَلَ؟ أي: ما شأنُه وحالُه؟ وفي الحديث: تكنيةُ الطفل ومَن لم يُولَد له، وليس كذبًا، وجوازُ المُزَاح، والسجعُ في الكلام والتصغيرُ، وتمكينُ الولِيِّ من لعب الصغير بالعصفور، والسؤالُ عما هو عالِمٌ به، وكمالُ خُلُقِه ﷺ ، واستمالةُ قلوب الصغار وإدخالُ السرور على قلوبهم، قيل: وجوازُ صيد المدينة، وإظهارُ المَحبة لأقارب الصغير ونحوه. * * * ٦١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي. الثاني: (محمد) إما ابنُ سلام، وإما ابنُ المثنى. (بالبَنَات)؛ أي: بالتماثيل واللُّعَب.

стр. 7433

(يَتَقَمَّعْنَ) من: التقمُّع، وهو الانفصالُ، والدخولُ في البيت، والهَرَبُ، والاستتارُ، ومن الانقماع، والمرادُ: يَدخُلْنَ في بيتٍ أو من وراءِ سترٍ، وأصلُه من القِمَع الذي على رأس التمرة، أي: يَدخُلْنَ فيه كما تدخلُ التمرةَ في قِمَعِها. (يُسرِّبُهنَّ) من التسريب بالمهملة، أي: يُرسلُهنَّ، والسارب: الذاهب، وسَرَّبَ عليه الخيلَ: بعثَها عليه قطعةً بعدَ قطعةٍ. قال (خ): فيه: أن اللُّعَبَ بالبنات ليس كالتلهِّي بسائر الصُّوَر التي جاء فيها الوعيدُ؛ وإنما رخَّصَ فيها لعائشةَ ﵂ لأنها كانت غيرَ بالغةٍ. قال (ط): فيه الرُّخصةُ في اللُّعَب التي يَلعبُ بها الجَواري، وقيل: إنه منسوخٌ بحديث الصُّوَر، وكان ﷺ أحسنَ الناس أخلاقًا، وكان يَنبسطُ إلى النساء والصبيان ويُمازحُهم، وقال: "إني لأَمزَحُ ولا أَقولُ إلا حقًّا". * * * ٨٢ - باب الْمُدَارَاةِ مَعَ النَّاسِ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: إِنَّا لَنَكْشِرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ، وَإنَّ قُلُوبَنَا لتلْعَنُهُمْ.

стр. 7434

(باب المُدَارَاة مع الناس) هي لِيْنُ الكلمةِ وتركُ الإغلاظ في القول. قال (ط): هي من أخلاق المؤمنين مندوبةٌ، وهي الرِّفقُ بالجاهل الذي يستتر بالمعاصي، واللُّطفُ به، حتى يردَّه عما هو عليه، بخلاف المداهنة: وهي أن يَلقَى الفاسقَ المُعلِنَ بفسقه، فيُوالفَه ولا يُنكِرَ عليه ولو بقلبه، فتلك مُحرَّمةٌ. (لنَكْشِرُ) بالمعجمة المكسورة، من: الكَشر، وهو الكشفُ عن الأسنان كالتبسُّم، وهو أولُ الضحك. * * * ٦١٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ، حَدَّثَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: "ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ"، أَوْ: "بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ"، فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ! قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي الْقَوْلِ، فَقَالَ: "أَيْ عَائِشَةُ! إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ تَرَكَهُ، أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ". الحديث الأول: (رجل) هو عُيَينةُ بنُ حِصن الفَزَاري، وقيل: مَخرَمة. (العَشِيرة) القبيلة، أي: بئسَ هذا الرجلُ منهم.

стр. 7435

(أَشرَّ)؛ أي: من المؤمنين، وإلا فالكافرُ أشرُّ الخَلق. (وَدَعَه)؛ أي: تركَه، وإنما أَلَانَ له القولَ تألُّفًا له ولأمثاله على الإسلام، فلا ينافي ما تقدَّم، وفيه: غِيبةُ الفاسق المُعلِن بفسقه ومَن يُحتاج للتحذير منه، وهو كما قال ﷺ ؛ لأنه كان ضعيفَ الإيمان في حياته، وارتدَّ بعدَه. قال (ط): كان ﷺ مأمورًا أن لا يُعامِلَ الناسَ إلا بما ظهرَ منهم، لا بما يَعلَمُه منهم دونَ غيره، فقال فيه قبلَ الدخول ما كان يَعلَمُه، وبعدَه ما كان ظاهرًا فيه عندَ الناس. * * * ٦١٣٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُهْدِيَتْ لَهُ أَقْبِيَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ مُزَرَّرَةٌ بِالذَّهَبِ، فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَةَ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: "خَبَأْتُ هَذَا لَكَ"، قَالَ أَيُّوبُ: بِثَوْبِهِ أَنَّهُ يُرِيهِ إِيَّاهُ، وَكَانَ فِي خُلُقِهِ شَيْءٌ، رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ. ٦١٣٢ / -م - قَالَ حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَقْبِيَةٌ. الثاني: مُرسَل؛ لأن ابنَ أبي مُلَيكةَ تابعيٌّ.

стр. 7436

(مُزرَّرة)؛ أي: لها أزرارٌ. (قال أيوب بثوبه) حال عن لفظ: (خَبَأتُ)، أي: مُتلبِّسًا به، أي: قال: خَبَأتُ هذا لك، والحالُ أنه مُلتصقٌ بالثوب، وأشار أيوبُ إلى ثوبه ليَستحضرَ فعلَ النَّبِيِّ ﷺ للحاضرين، قائلًا: إنه يُري مَخرَمةَ الأزرار. (وأنه) في بعضها بلا واو. (يُريه) في بعضها: (كان)، أي: يُري مَخرَمةَ أزرارَه تطييبًا لقلبه؛ فإن مَخرَمَةَ كان في خُلُقِه نوعٌ من الشَّرَاسة، وفي بعضها: (إياه) بالتذكير، أي: الثوب، أو الذهَب. (رواه حَمَّاد بن زيد) موصولٌ في (الخُمس). (وقال حاتم) موصولٌ في (الشهادات). * * * ٨٣ - بابٌ لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ. (باب لا يُلدَغُ المؤمنُ من جُحرٍ مرتَينِ) قوله: (وقال معاوية) رفعَه ابنُ حَبَّان في "صحيحه".

стр. 7437

(لا حِلْم) هو التأنِّي في الأمور المُقلِقة. (إلا بتجربة) في بعضها: (عن تَجرِبة)، وفي بعضها: (لذي تَجرِبة)، أي: لا يُوصَف امرؤ بِحِلْمٍ، حتى يُجرِّبَ الأمورَ، وقيل: إن مَن جرَّبَ وعرفَ العواقبَ آثَرَ الحِلْمَ، وصَبَرَ على قليل الأذى، ليَدفعَ أكثرَ منه. * * * ٦١٣٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ قَالَ: "لَا يُلْدَغ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ". (لا يُلدَغ) قال (خ): خبرٌ معناه الأمرُ، أي: لِيَكُنِ المؤمنُ جازمًا حَذِرًا، لا يُؤتَى من ناحية الغفلة، فيُخدَع مرةً بعد أُخرى، وقد يكون ذلك في أمر الدِّين كما يكون في أمر الدنيا، ويُروَى بكسر الغين وبالسكون تخفيفًا لمعنى النهي، وقيل: لا يكون ذلك إلا في أمر الآخرة. قال (ط): قاله ﷺ حين أُسِرَ أَبو عزَّة -بالزاي- الشاعرُ يومَ بَدرٍ وعاهَدَ أن لا يَهجُوَ رسولَ الله ﷺ ، فنقضَ العهدَ، فأُسِرَ، فسأل النَّبِيَّ ﷺ أن يَمُنَّ عليه مرةً أُخرى، فقال: (لا يُلدَغ) الحديث، وأَمرَ بقتله. * * *

стр. 7438

٨٤ - باب حَقِّ الضَّيْفِ (باب حقِّ الضَّيف) ٦١٣٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ؟ "، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "فَلَا تَفْعَلْ، قُمْ وَنَمْ، وَصُمْ وَأَفْطِرْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّكَ عَسَى أَنْ يَطُولَ بِكَ عُمُرٌ، وَإِنَّ مِنْ حَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنَّ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا فَذَلِكَ الدَّهْرُ كُلُّهُ"، قَالَ: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: "فَصُمْ مِنْ كُلِّ جُمُعَةٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ"، قَالَ: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قُلْتُ: أُطِيقُ غَيْرَ ذَلِكَ، قَالَ: "فَصُمْ صَوْمَ نَبِيِّ اللهِ دَاوُدَ"، قُلْتُ: وَمَا صَوْمُ نَبِيِّ اللهِ دَاوُد؟ قَالَ: "نِصْفُ الدَّهْرِ". (لزَوْرِك) جمع زائر، كـ: راكب ورَكْب، وسيأتي قولُ البخاري فيه أنه مصدرٌ. (يَطُولُ بك عمرٌ)؛ أي: تكون طويلَ العمر، فتبقى ضعيفَ القوى كَليلَ الحواس نَهيكَ النفس، فلا تَقدِرُ على المداومة عليه،

стр. 7439

وخيرُ العمل ما دامَ وإن قلَّ. (وإن حسبَك)؛ أي: كافيك، وفي بعضها: (من حسبك)، أي: من كافيك، ويُحتمَل زيادةُ (من) على رأي الكوفيين. (الدَّهر) بالرفع والنصب، أي: أن تصومَ الدهر. (يقال: زَوْر) إلى آخره، معناه أن زَوْرًا مصدرٌ يُطلَق على الواحد والاثنين والجمع، وهذا غيرُ ما سبقَ أنه جمع زائر؛ فهما قولان. (تَزَاوَر)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧]. * * * ٨٥ - باب إِكْرَامِ الضَّيْفِ وَخِدْمَتِهِ إِيَّاهُ بِنَفْسِهِ، وَقَوِلهِ: ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (باب إكرامُ الضَّيف) ٦١٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ". ٦١٣٥ / -م - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ مِثْلَهُ، وَزَادَ:

стр. 7440

"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ". الحديث الأول: (مَن كان يؤمنُ)؛ أي: إيمانًا كاملًا. (جائزته) سبق تفسيرُه في (باب لا تَحقِرَنَّ جارةٌ) قال السُّهَيلي: مَن رفعَ فعلى الابتداء، أي: جائزتُه تكلُّفٌ أو إتحافٌ، هذا على تفسير أبي داود، وأما على تفسير الهَرَوي فتقديرُه: جائزتُه يُزاد يومًا وليلةً، أي: بعدَ الضيافة، وأما النصب فعلى بدل الاشتمال، أي: يُكرَمُ جائزةَ ضيفه يومًا وليلةً، ونَصبَ (يومًا) على الظرفية. قال (ط): قَسَمَ ﷺ أمرَه ثلاثةَ أقسامٍ: يُتحفُه في اليوم الأول، ويَتكلَّفُ له في اليوم الثاني، وفي الثالث يُقدِّمُ له ما يحضرُه، ويُجيزُ بعدَ الثالث. قال مالك: كان هذا في أول الإسلام حين كانت المُواساةُ واجبةً، فلما أتى اللهُ بالخير والسعة صارت الضيافةُ مندوبةً. * * * ٦١٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".

стр. 7441

٦١٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ فَلَا يَقْرُونَنَا، فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ". الثاني، والثالث، والرابع: (يُقروننا) بالإدغام والفك. (فخُذُوا)؛ أي: أخذًا قَهريًّا، وهذا لا يكون إلا عند الضرورة، وبالثمن عاجلًا أو آجلًا. * * * ٦١٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ". الخامس: (فَلْيَصِلْ رَحِمَه) هو تشريك ذَوي القربات في الخيرات. * * *

стр. 7442

٨٦ - باب صُنْعِ الطَّعَامِ، وَالتَّكَلُّفِ لِلضَّيْفِ (باب صُنع الطعامِ والتكلُّف للضَّيف) ٦١٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيسِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: آخَى النَّبِيِّ ﷺ بَينَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا فَقَالَ: كُلْ فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ آخِرُ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ، قَالَ: فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ سَلْمَانُ". أَبُو جُحَيْفَةَ وَهْبٌ السُّوَائِيُّ، يُقَالُ: وَهْبُ الْخَيْرِ. (أُم الدَّرْدَاء) هم ثنتان: زوجتا أبي الدَّرْدَاء: الكبرى صحابيةٌ اسمها: خَيْرَة، والأُخرى تابعيةٌ تُسمَّى: هُجَيْمة. (مُتبذِّلةً)؛ أي: لابسةً ثيابَ البِذْلة والخدمة، بلا تجمُّلٍ وتكلُّفٍ، نحو زِينةٍ.

стр. 7443

(لا حاجةَ له في الدنيا) عمَّمَتْ هذا اللفظَ للاستحياء من أن تُصرِّحَ بعدم حاجته إلى مُباشرتها، في الحديث: زيارةُ الصديق، ودخولُ داره في غَيبته، والإفطارُ للضيف، وكراهيةُ التشدُّد في العبادة، وأن الأفضلَ التوسُّطُ، وأن الصلاةَ آخرَ الليل أَولَى، ومَنقبَةٌ لسلمانَ؛ حيث صدَّقَه ﷺ . * * * ٨٧ - بابٌ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْغَضَبِ وَالْجَزَعِ عِنْدَ الضَّيْفِ (باب ما يُكرَه من الغَضَب والجَزَع عندَ الضَّيف) الجَزَع: ضد الصبر. ٦١٤٠ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْجُرَيْرِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ﵄: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: دُونَكَ أَضْيَافَكَ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: اطْعَمُوا، فَقَالُوا: أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا؟ قَالَ: اطْعَمُوا، قَالُوا: مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجيءَ رَبُّ مَنْزِلِنَا، قَالَ: اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ، فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ، فَأَبَوْا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ فَقَالَ:

стр. 7444

مَا صَنَعْتُمْ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! فَسَكَتُّ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ! فَسَكَتُّ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ! أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَّا جِئْتَ، فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: سَلْ أَضْيَافَكَ، فَقَالُوا: صَدَقَ أَتَانَا بِهِ، قَالَ: فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي، وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ اللَّيْلَةَ، فَقَالَ الآخَرُونَ: وَاللهِ لَا نَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمَهُ، قَالَ: لَمْ أَرَ فِي الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ، وَيْلَكُمْ مَا أَنْتُمْ لِمَ لَا تَقْبَلُونَ عَنَّا قِرَاكُمْ؟ هَاتِ طَعَامَكَ، فَجَاءَهُ فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَالَ: بِاسْمِ اللهِ، الأُولَى لِلشَّيْطَانِ، فَأَكَلَ وَأَكَلُوا. (تَضَيَّف رَهْطًا)؛ أي: اتخذَهم ضَيفًا. (دونَك)؛ أي: خُذْهم والزَمْهم. (قِرَاهم)؛ أي: ضيافتهم، وفي إضافة القِرَى إليهم لطفٌ، كقول الشاعر: إذَا قَالَ قذْنِي قُلْتُ باللهِ حِلْفَةً ... لَتُغْنِي عَنِّي ذَا إنَائِكَ أَجمَعَا (لتلقَيَنَّ)؛ أي: الأذى وما يكرهُه. (يجد)؛ أي: يغضب. (يا غُنْثَر) بالمعجمة المضمومة والنون الساكنة والمثلثة المفتوحة: هو الجاهل، وقيل: اللئيم، وقيل: الثقيل، ويُروَى بالمهملة وبالمثناة المفتوحتين وسكون النون بينهما: هو الذباب، شبَّهَه بذلك تحقيرًا. (لما جئت)؛ أي: ألا جئت، أي: لا أطلبُ منك إلا مجيئَك، أو (ما) زائدة.

стр. 7445

(كالليلة)؛ أي: لم أَرَ ليلًا مثلَ هذه الليلة في الشرِّ. (ويلَكم) ليس القصدُ به الدعاءَ عليهم. (مما) استفهامية. (ألا تَقبَلُون) بتخفيف اللام. (الأُولى)؛ أي: الحالةُ الأُولى، أو الكلمةُ القسيمةُ لِمَا تقدَّم في آخر (مواقيت الصلاة) في (باب السَّمَر مع الضيف): أنه قال: (إنما كان ذلك من الشيطان)، يعني: يمينَه، وإنما خالَفَ اليمينَ لِمَا هو خيرٌ؛ فقد قال ﷺ : (فَلْيَأتِ الذي هو خيرٌ، وَلْيُكفِّرْ عن يمينه). قال (ط): (الأُولى) يعني: اللُّقمة الأولى، ترغيمًا للشيطان؛ لأنه حملَه على الحَلف، وباللُّقمة الأولى وقعَ الحِنثُ فيها، قال: وإنما حَلَفَ لأنه اشتدَّ عليه تأخيرُ عشائهم، ثم لمَّا لم يَسَعْه مخالفةُ أضيافِه تركَ التمادي في الغضب، فأَكلَ معهم استمالةً لقلوبهم، وتقدَّمَتْ مَباحثُ الحديث. * * * ٨٨ - بابٌ قَوْلِ الضَّيْفِ لِصَاحِبِهِ: لَا آكُلُ، حَتَّى تَأْكُلَ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (باب قول الضَّيف لصاحبِه: لا آكُلُ حتى تَأكُل) قوله: (فيه حديثُ أبي جُحَيفة)؛ أي: المذكور آنفًا؛ إذ قال

стр. 7446

سلمان: (ما أنا بآكلٍ حتى تأكلَ). * * * ٦١٤١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّي، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ﵄: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِضَيْفٍ لَهُ أَوْ بِأَضْيَافٍ لَهُ، فَأَمْسَى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ أُمِّي: احْتَبَسْتَ عَنْ ضَيْفِكَ، أَوْ أَضْيَافِكَ اللَّيْلَةَ، قَالَ: مَا عَشَّيْتِهِمْ؟ فَقَالَتْ: عَرَضْنَا عَلَيْهِ، أَوْ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا أَوْ فَأَبَى، فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَسَبَّ وَجَدَّع وَحَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ، فَاخْتَبَأْتُ أَنَا فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ! فَحَلَفَتِ الْمَرْأَةُ لَا تَطْعَمُهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ، فَحَلَفَ الضَّيْفُ أَوِ الأَضْيَافُ أَنْ لَا يَطْعَمَهُ أَوْ يَطْعَمُوهُ حَتَّى يَطْعَمَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَأَنَّ هَذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا، فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ! مَا هَذَا؟ فَقَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِي إِنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ قَبْلَ أَنْ نَأْكُلَ، فَأَكَلُوا وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا. (ما عشَّيتِهم) في بعضها: (عشَّيتِيهم) بإشباع ياء المخاطبة. (وجزع) بالزاي، وفي بعضها: (جذع) بذال مهملة، أي: قال: يا مجذوعَ الأُذنيَن، أو دعا عليه بذلك. (فاختبَأتُ)؛ أي: احتَبَستُ خوفًا من خصومته. (المرأة)؛ أي: أُمُّ عبد الرحمن.

стр. 7447

(يَطعَمَه)؛ أي: أبا بكر. (يَطعَمُوه)؛ أي: أَبو بكر وزوجتُه وابنُهما. (هذه)؛ أي: الحالة أو اليمين. (رَبَتْ)؛ أي: زادَتِ اللُّقمةُ أو البقيةُ. (أكثر) بالنصب. (فِرَاس) بكسر الفاء وخفة الراء وبالمهلمة: هي بنتُ عبدِ دُهْمان بضم المهملة وإسكان الهاء، أحد بني فِرَاس، واسمها: زينب، وهي مشهورةٌ بأُمِّ رُوْمان. (وقُرَّة) بالجرِّ، قيل: أرادَتِ القَسَمَ برسول الله ﷺ . (أكثر)؛ أي: منها، فحُذفت صلتُه. * * * ٨٩ - باب إِكْرَامِ الْكَبِيرِ، وَيَبْدَأُ الأَكْبَرُ بِالْكَلَامِ وَالسُّؤَالِ (باب إكرام الكَبير) ٦١٤٢ - و ٦١٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى الأَنْصَارِ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَهْلٍ، وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللهِ

стр. 7448

ابْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ، وَحُوَيَّصَةُ، وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "كَبِّرِ الْكُبْرَ"، قَالَ يَحْيَى: لِيَلِيَ الْكَلَامَ الأَكْبَرُ، فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَتَسْتَحِقُّونَ قَتِيلَكُمْ، أَوْ قَالَ صَاحِبَكُمْ بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ، قَالَ: "فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ قَوْمٌ كُفَّارٌ، فَوَدَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ قِبَلِهِ، قَالَ سَهْلٌ: فَأَدْرَكْتُ ناَقَةً مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ، فَدَخَلَتْ مِرْبَدًا لَهُمْ فَرَكَضَتْنِي بِرِجْلِهَا. ٦١٤٣ / -م - قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ يَحْيَى: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: مَعَ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ بُشَيْرٍ، عَنْ سَهْلٍ وَحْدَهُ. الحديث الأول: (في النَّخل)؛ أي: نخل خَيبر. (ومُحَيِّصة وحُوَيِّصة) بضم أولهما وتشديد يائهما وتخفيفها. (ابنا) مثنى. (صاحبهم)؛ أي: مقتولهم، وهو عبد الله. (الكُبْرَ) بالنصب، أي: قدِّمُوا، جمع: أكبَر، أي: قدِّمِ الأكابرَ للتكلُّم في تحقيق القضية، وإن كانت الدعوى إنما هي لأخيه عبد الرحمن.

стр. 7449

(أيمان خمسين) بتنوين (أيمان)، وفي بعضها بإضافة (أيمان)، فيتعلَّق به الحَنَفيةُ في اعتبار العدد لا في الأيمان؛ لكن خالَفُوا الحديثَ في منعِهم تحليفَ المُدَّعِي في القَسَامة. (لم نَرَه)، أي: لم نشُاهِدْه. (فتُبْرِئكم)؛ أي: تُخلِّصُكم من اليمين، وحُكمُ القَسَامة مُخالفٌ لسائر الدعاوى؛ حيث كانت اليمينُ هنا على المُدَّعِي، ولعل ذلك لأجل أن المُدَّعِي هو الذاكرُ لأمرٍ خفيٍّ، والمُدَّعَى عليه من الظاهر معه، وهاهنا الظاهرُ مع المُدَّعِي اللَّوثُ، وهي قرينةٌ تُغلِّبُ على الظنِّ صدقَه، ومعنى نسبة الحَلِف إليهم مع أن الحالفَ هو الوليُّ وهو أخوه فقط: أنهما من جهتهم لا من جهة غُرَمائهم، ومعلومٌ عندَهم أن الحالفَ هو المُستَحِقُّ، والمعنى في كونها خمسين معظمُ أمرِ الدماء. (فوَدَاه) رُوِيَ: (ففداهم) بالفاء وجمع الضمير، وإنما عَقَلَه من عنده لأنه عاقلةُ المسلمين، فقطعَ ﷺ النزاعَ وجَبَرَ خاطرَهم، وإلا فاستحقاقُهم لم يَثبُتْ لامتناعهم من الحَلِف. (مِن قِبَلِه) بكسر القاف، أي: من عنده، فيُحتمَل من خالص ماله، أو من بيت المال، ففيه: أن الإمامَ ينبغي أن يُراعِيَ المصالحَ العامةَ، وإصلاحُ ذاتِ البَين، وإثباتُ القَسَامة، والابتداءُ بيمين المُدَّعِي فيها، وردُّ اليمين على المُدَّعَى عليه عندَ النُّكُول، وجوازُ الحُكم على الغائب، وجوازُ اليمين بالظنِّ، وصحةُ يمين الكافر.

стр. 7450

(مِرْبَدًا) بكسر الميم وإسكان الراء وفتح الموحدة وبمهملة: موضعٌ يَجتمعُ فيه الإبلُ. (فرَكَضَتْني)؛ أي: رَفَسَتْني، وأراد به ضبطَ الحديث وحفظَه، ومرَّ الحديثُ آخرَ (الجهاد). (قال اللَّيث) وصلَه مسلم والتِّرْمِذي والنَّسَائي. (وقال ابنُ عُيَينة) وصلَه مسلم والنَّسَائي. * * * ٦١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ مَثَلُهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا، وَلَا تَحُتُّ وَرَقَهَا"، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ وَثَمَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "هِيَ النَّخْلَةُ"، فَلَمَّا خَرَجْتُ مَعَ أَبِي قُلْتُ: يَا أَبَتَاهْ! وَقَعَ فِي نَفْسِي النَّخْلَةُ، قَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَهَا؟ لَوْ كُنْتَ قُلْتَهَا كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: مَا مَنَعَنِي إِلَّا أَنِّي لَمْ أَرَكَ وَلَا أَبَا بَكْرٍ تَكَلَّمْتُمَا، فَكَرِهْتُ. الثاني: (مثلها)؛ أي: صفتها. (فكرهتُ أن أتكلَّمَ)؛ أي: بحضور مَن هو أكبرُ مني، ففيه:

стр. 7451

إكرامُ الكبير، وتقديمُه في الكلام في جميع الأمور إلا أن يَتخصَّصَ الصغيرُ بعلمٍ، فيجوز أن يتقدَّمَ به، ولا يُعدُّ ذلك سوءَ أدبٍ ولا تنقيصًا للكبير، ولذلك قال عمرُ: (لو قلتَها لَكانَ أحبَّ إلَيَّ). * * * ٩٠ - بابٌ مَا يَجُوزُ مِنَ الشِّعْرِ وَالرَّجَزِ وَالْحُدَاءِ وَمَا يُكْرَهُ مِنْهُ وَقوْلِهِ: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كُلِّ لَغْوٍ يَخُوضُونَ. (باب ما يَجوزُ من الشِّعْر) وهو كلامٌ مُقفًّى موزونٌ بالقصد. (والرَّجَز) سُمِّي بذلك لتقارُبِ أجزائه وقلةِ حروفه. (والحُدى) سَوقُ الإبل والغِناءُ لها، وهو بضم الحاء وكسرها مقصور. * * *

стр. 7452

٦١٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَم أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً". ٦١٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، سَمِعْتُ جُنْدَبًا يَقُولُ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي إِذْ أَصَابَهُ حَجَرٌ فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ، فَقَالَ: "هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ". الحديث الأول: (دَمِيت) بفتح المهملة وكسر الميم، وأما تاء القافية ففي الرَّجَز مكسورةٌ، وفي الحديث ساكنةٌ، وسبق الحديثُ أولَ (الجهاد)، ووجهُ الجمع بين قوله ﷺ وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩]؛ إما أن الرَّجَزَ ليس بشعرٍ كما قاله الأخفش، أو قاله حكايةً عن شِعْرِ الغير، أو المرادُ: نفيُ صفة الشِّعرِ لا نفسِه. * * * ٦١٤٧ - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ"، وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ.

стр. 7453

الثالث: (كلمة) المرادُ بها هنا: قطعةٌ من الكلام. (لَبِيْد) بفتح اللام وكسر الموحدة وإهمال الدال: ابنُ رَبيعةَ -بفتح الراء- العامري الصحابي، عاشَ مئةَ عامٍ وأربعًا وخمسين سَنةً، مات في خلافة عثمان ﵁. (باطل)؛ أي: فانٍ مُضمحِلٌّ. (وكاد أُمَيَّة) بضم الهمزة وخفة الميم وتشديد الياء. (ابن أبي الصَّلْت) بفتح المهملة وإسكان اللام وبمثناة: الثقفي، وفي "مسلم": (عن عمرو بن الشَّرِيد -بفتح المعجمة وكسر الراء وبمهملة- عن أبيه قال: رَدفتُ رسولَ الله ﷺ يومًا، فقال: هل معك من شِعر أُميةَ شيءٌ؟ فقلتُ: نعم، فقال: هِيْهِ، فأنشدتُه بيتًا، فقال: (هِيْهِ)، حتى أنشدتُه مئةَ بيتٍ، فقال: إن كادَ لَيُسلِمُ)، و (هِيْهِ): كلمةُ استزادةٍ مبنيةٌ على الكسر، تُنوَّن ولا تُنوَّن، ففيه: أن بعضَ الشِّعر محمودٌ. * * * ٦١٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْناَ لَيْلًا، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ لِعَامِرِ بْنِ الأَكْوَعِ: أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيهَاتِكَ؟ قَالَ: وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا، فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يَقُولُ:

стр. 7454

اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا فَاغْفِرْ فِدَاءٌ لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا ... وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟ "، قَالُوا: عَامِرُ بْنُ الأَكوَعِ، فَقَالَ: "يَرْحَمُهُ اللهُ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: وَجَبَتْ يَا نَبِيَّ اللهِ، لَوْ أَمْتَعْتَنَا بِهِ، قَالَ: فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَرْناَهُمْ حَتَّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَمْسَى النَّاسُ الْيَوْمَ الَّذِي فُتِحَتْ عَلَيْهِمْ أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا هَذِهِ النِّيرَانُ، عَلَى أَيِّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ؟ "، قَالُوا: عَلَى لَحْمٍ، قَالَ: "عَلَى أَيِّ لَحْمٍ؟ ". قَالُوا: عَلَى لَحْمِ حُمُرٍ إِنْسِيَّةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَهْرِقُوهَا وَاكسِرُوهَا"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَوْ نُهَرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: "أَوْ ذَاكَ"، فَلَمَّا تَصَافَّ الْقَوْمُ كَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ، فَتَنَاوَلَ بِهِ يَهُودِيًّا لِيَضْرِبَهُ، وَيَرْجِعُ ذُباب سَيْفِهِ فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ فَمَاتَ مِنْهُ، فَلَمَّا قَفَلُوا قَالَ سَلَمَةُ: رَآنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ شَاحِبًا، فَقَالَ لِي: "مَا لَكَ؟ "، فَقُلْتُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ، قَالَ: "مَنْ قَالَهُ؟ "، قُلْتُ: قَالَهُ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كَذَبَ مَنْ قَالَهُ، إِنَّ لَهُ لأَجْرَيْنِ -وَجَمَعَ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ- إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ نَشَأَ بِهَا مِثْلَهُ".

стр. 7455

الرابع: (عامر) هو أخو سَلَمة، إلا إن قلنا: إن سَلَمةَ هو ابنُ عمرو بن الأكوع، فيكون عمَّه. (هُنَيهَاتك) جمع: هُنَيَّة، مُصغَّر: الهَنَة؛ إذ أصله: هَنْوَة، وهو الشيءُ الصغيرُ، والمرادُ الأراجيزُ. (يَحدُو)؛ أي: يَسُوقُ، والرواية: (اللهم)، والموزون: (لاهُمَّ). (فداء لك)؛ أي: لرسولك. قال المَازَرِي: لا يُقال للهِ: فِدىً لك، إنما يُستعمَل في مكروهٍ يُتوقَّع حلولُه بالشخص، فيَختار شخصٌ أن يَحلَّ ذلك له ويَفديه، فهو إما مجازٌ عن الرِّضا، كأنه قال: نفسي مبذولةٌ لرِضاك، وهذه الكلمةُ في البيت خطابًا لسامع الكلام، ولفظ (فدى) مقصورٌ وممدودٌ، مرفوعٌ ومنصوبٌ. (اقتَفَينا)؛ أي: اتَّبَعْنا أثرَهنَّ، وقال (ط): اغفِرْ ما ركبنا من الذنوب، و (فداءً لك): دعاءٌ أن يَفديَه اللهُ من عقابه على ما اقتَرفَ من ذنوبه، كأنه قال: اغفِرْ لي وافدِنِي منه فداءً لك، أي: من عندك، فلا تُعاقِبْني به، ولفظ (لك): تبيينٌ لفاعلِ الفداء المَعنِيِّ بالدعاء، أي: فتكون اللامُ كلامِ (هيتَ لك)، وفي بعضها: (أبقينا)، أي: افدِناَ من عقابك فداءً ما أبقينا من الذنوب، أي: ما تَركْنَاه مكتوبًا علينا، قال: ورُوِيَ: (فداءٍ) بالخفض، شبَّهه بـ: (أمسِ) على الكسر.

стр. 7456

(أَبَينا) من الإباء عن الفرار وعن الباطل، وفي بعضها: (أتينا)، من الإتيان. (عَوَّلوا)؛ أي: حملوا علينا بالصياح لا بالشجاعة، ولا ينافي هذا ما سبق في (الجهاد): أنه ﷺ كان يقولها في حفر الخَندق، وأنها من أراجيز ابن رَوَاحةَ؛ لأنه يجوز وقوعُ الأمرَين، ولا محذورَ أن يَحدوَ الشخصُ بشِعرِ غيرِه. (وجبت)؛ أي: الشهادة، وكانوا قد عرفوا أنه إذا استَغفرَ لأحدٍ عندَ الوقعة وفي المَشَاهد يُستَشهَد، فلما سمع عُمرُ ﵁ ذلك قال: (يا رسولَ الله! لو أَمتَعتَنا بعامرٍ)، أي: لو تركتَه لنا، فبارَزَ يومَئذٍ، فرجعَ سيفُه على ساقه، فقَطعَ أكحلَه، فمات. (حُمر الإنْسِية) بكسر الهمزة وسكون النون وبفتحهما، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته. (نُهرِيقها) بسكون الهاء وفتحها وبحذفها. (ويرجع) بالرفع. (ذُباب)؛ أي: طرف. (قَفَلُوا): رجعوا. (شاحبًا)؛ أي: مُتغيِّر اللَّون. (حَبِطَ) بكسر الموحدة، أي: بَطَلَ. (وأُسَيد بن الحُضَير) مُصغَّران.

стр. 7457

(لأجرَين)؛ أي: أجرُ الجُهد في الطاعة، وأجرُ المجاهدة في سبيل الله. (مشى بها) بهذه الخصلة الحميدة، وهي الجهادُ مع الجُهد، وفي بعضها: (نشأ) بلفظ الماضي، من: النَّشْء بالهمز والهاء، عائدةٌ إلى الحرب أو بلاد العرب، أي: قليلٌ من العرب نَشَأ بها. وفي الحديث وجوهٌ أُخَرُ تقدَّمت في (غزوة خَيبر)، وقال (ط): يُحتمَل أن الأجرَين من جهة أنه لما أَمَاتَ نفسَه، وقتلَها في سبيل الله ضُوعفَ أجرُه، أو يكون أحدُهما لموته والآخرُ للجزاء الذي به تقويةُ نفوس المسلمين، لِمَا فيه من ذكر الشجاعة ونحوه. * * * ٦١٤٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ وَمَعَهُنَّ أُمُّ سُلَيْمٍ، فَقَالَ: "وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ! رُوَيْدَكَ، سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ"، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَلِمَةٍ، لَوْ تَكَلَّمَ بَعْضُكُمْ لَعِبْتُمُوهَا عَلَيْهِ، قَوْلُهُ: "سَوْقَكَ بِالْقَوَارِيرِ". الخامس: (يا أَنْجَشَة) بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم والمعجمة: غلامٌ أسودُ كان حاديًا، وكان في سَوقه عُنفٌ، فأمرَه أن يَرفقَ بالمَطَايا، فيَسُوقهنَّ كما تُسَاقُ الدابةُ إذا كان حملُها القواريرَ.

стр. 7458

قال (خ): وجهٌ آخرُ وهو أنه كان حسنَ الصوت، فكرهَ أن يُسمعَهنَ الحُدَاءَ، فتتحرَّك نفوسُهنَّ، فشبَّه ضعفَ عزائمِهنَّ وسرعةَ تأثير الصوت فيهن بالقوارير في سرعة الآفة إليها، وهذا معنى قوله: (رُوَيدَك): اسم فعل، بمعنى: أَمهِلْ، والكافُ حرفُ خطابٍ. (سَوقَك) مفعول لـ (رُوَيد). (بالقَوَارير)؛ أي: قواريرُ الزُّجاج، شبَّه النساءَ بهنَّ فيما سبق. (بكلمة)؛ أي: وهي قوله: (سَوقَك بالقوارير). (لَعِبتُمُوها) قال (ك): لعله بالنظر إلى أن شرطَ الاستعارة أن يكونَ وجهُ الشبَه جليًّا بين الأقوام، وليس بين القارورةِ والمرأةِ وجهُ التشبيه ظاهرًا، أو الحقُّ أنه كلمةٌ في غاية الحسن والبلاغة والسلامة من العيب، ولا يَلزَمُ في الاستعارة أن يكونَ جلاءُ الوجه من حيث ذاتُها؛ بل يكفي الجلاءُ الحاصلُ من القرائن التي تجعل الوجهَ جليًّا ظاهرًا، كما هنا، فالعَيبُ في العائب. وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَولًا صَحِيحًا ... وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ ويُحتمَل أن قصدَ أبي قِلابةَ أن هذه الاستعارةَ تَحسُنُ من النَّبِيِّ ﷺ في البلاغة، ولو صدَرَتْ ممن لا بلاغةَ له لَعِبتُمُوها، وهذا اللائقُ بمنصب أبي قِلابة ﵁. وقال (ط): القواريرُ كنايةٌ عن النساء على الإبل، فأَمرَه بالرِّفق في حُدَاء الإبل لئلا يَسقُطْنَ، وهي استعارةٌ بديعةٌ، لأن القواريرَ أسرعُ

стр. 7459

الأشياء تكسُّرًا، فأفادَتِ الاستعارةُ من الحضِّ على الرِّفق ما لم تُفِدْه الحقيقةُ، وحاصلُ ما قصدَ في الباب: أن الشِّعرَ كالكلام؛ فما فيه ذكرُ تعظيم الدنيا والكذبُ الباطلُ والفحشُ فمذمومٌ، وما فيه تعظيمُ الله تعالى وتحقيرُ الدنيا ونحوه فمحمودٌ وحكمةٌ. * * * ٩١ - بابٌ هِجَاءِ الْمُشْرِكِينَ (باب هجاء المشركين) أي: ذمهُّم في شِعرٍ. ٦١٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي هِجَاءِ الْمُشْرِكينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَكَيْفَ بِنَسَبِي؟ "، فَقَالَ حَسَّانُ: لأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ الْعَجِينِ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذَهَبْتُ أَسُبُّ حَسَّانَ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ: لَا تَسُبُّهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . الحديث الأول: (لأَسُلَّنَّكَ)؛ أي: لأَتلطَّفَنَّ في تخليص نَسَبِك من هجوهم،

стр. 7460

بحيث لا يبقى منه شيءٌ ينالُه هجوٌ، كالشَّعرة إذا انسلَّت من العجين، لا يبقى شيءٌ منه عليها. قال (ط): أي: أَهجُوهم بأفعالهم وبما يختصُّ عارُه بهم. (أَسُبُّ حسَّان)؛ أي: لأنه كان موافقًا أهل الإفك فيه. (يُنَافح) بإهمال الحاء: يُدافع ويُخاصم، وسبق في (مناقب قريش). * * * ٦١٥١ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ الْهَيْثَمَ بْنَ أَبِي سِنَانٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ فِي قَصَصِهِ يَذْكُرُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَخًا لَكُمْ لَا يَقُولُ الرَّفَثَ". يَعْنِي بِذَاكَ ابْنَ رَوَاحَةَ قَالَ: فِينَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كتَابَهُ ... إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْفَجْرِ سَاطِعُ أَرَانَا الْهُدَى بَعْدَ الْعَمَى فَقُلُوبُنَا ... بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَالَ وَاقِعُ يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ ... إِذَا اسْتَثْقَلَتْ بِالْكَافِرِينَ الْمَضَاجِعُ * تَابَعَهُ عُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَالأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. الثاني: (قَصَصه) بفتح القاف وكسرها.
следующие страницы →