← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

بالنَّميمةِ من أقبحِ القبائحِ، لا سيَّما مع قوله: (كان)، وهي تُشعِرُ بالغَلَبة. قال (ك): لا يصحُّ هذا على قاعدةِ الفقهاء، فإنَّ الكبيرةَ ما أَوجبَ حدًّا، ولا حدَّ في المَشي بالنَّميمة، إلا أنْ يُقالَ: الاستمرارُ إصرارٌ على صغيرة، فيكونُ كالكبيرة، وليس المُرادُ بالكبيرةِ معناها الاصطلاحي. قلتُ: إذا قلنا بتعريفِ إمامِ الحرمَين الذي يَظهر من كلامِ الرَّافعيِّ والنَّوويِّ ترجيحُه؛ كانَ كلُّ ذلك كبيرةً. ومن طُرِق الجَمع أيضًا: أنَّ النَّفيَ كان قبلَ الوَحيِ بأنَّه كبيرةٌ، أو أنَّ: (في كبير) متعلقٌ بقَوله: (ليعذبان)، وجُملَةُ: (وما يُعذَّبان)؛ مُعترِضةٌ على أنَّ (ما) استفهاميَّةٌ للتَّعظيمِ، وتأكيدٌ للتَّعذيب. (لا يستتر): قال (ط): أي: لا يستُرُ جسدَه ولا ثيابَه من مماسَّته، فلمَّا عُذِّبَ على عَدَم التَّحرُّز منه دلَّ على أنَّ مَن تركَ البولَ في مَخرَجِه؛ ولم يغسِله؛ أنَّه حقيقٌ بالعذاب، وقد رواه البخاريُّ في مَوضعٍ: (لا يستبرِئُ)، أي: لا يستَفرِغُ جُهدَه بعد فراغِه منه. وقد اختُلِف في إزالة النَّجاسة، فأوجَبَها الشَّافعيُّ مُطلقًا، والحديثُ من حُجَجِه، فإنَّه عُذِّب في القبر، وهو وعيدٌ. وقال مالكٌ: لا، وأبو حنيفَة: يجبُ إزالةُ ما زادَ على قَدرِ الدِّرهم، وحَمَلَ مالكٌ الحديثَ على أنَّه عُذِّب لتَركه البَولَ يسيلُ،

стр. 772

فيصلِّي بغيرِ طُهرٍ؛ لأنَّ الوضوء لا يصحُّ مع وجودِه، أو لأنَّه يفعلُه عَمدًا بغير عذر. (بالنميمة) هي نقلُ كلامِ بعضِ النَّاس لبعضٍ بقَصدِ الإفساد. (جريدة)؛ أي: سعَفَةٌ جُرِّدَ خُوصُها. (لعله أن) شبَّه (لعلَّ) بِـ (عسى) فقرنَها بِـ (أنْ). (عنهما) قال ابنُ مالك: يُروى (عنها) بالإفراد، وجازَ إعادةُ الضَّمير في (لعلَّه) و (عنها) إلى الميِّتِ باعتبارِ كَونِه نَفْسًا وإنسانًا، ويجوزُ كونُ الهاءِ في (لعلَّه) ضميرَ الشَّأن، وفُسِّر بِـ (أنْ) وصلتِها، لأنَّه كجملةٍ، لاشتِماله على مسنَدٍ ومسندٍ إليه، أو تكونُ (أن) زائدةً مع كونها ناصبةً، كما زيدت الباءُ مع كونِها جارَّةً. قال (ك): أو يكونُ الضَّمير مُبهمًا يُفسِّره ما بعدَه، لا ضميرُ الشَّأن، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٢٩]. (تيبسا) بمُثنَّاةٍ فوقَ أوَّله في أكثر الرِّوايات، وفي بعضِها من تحت، وبفَتحِ الموحَّدة وكسرِها لغة، والضَّميرُ للكِسْرَتَين. قال العلماء: هو مَحمولٌ على أنَّه سألَ الشَّفاعةَ لَهما، فأُجيبَت شفاعتُه بأن يُخفَّفَ عنهما إلى أنْ ييبَسا. ويحتملُ أنَّه ﷺ يدعو لَهما تلك المُدَّة. ويحتملُ أنَّهما يسبِّحان ما داما رَطبين، وليسَ لليابسِ تسبيحٌ، فإنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ﴾ [الإسراء: ٤٤]: أي شيءٍ حيٍّ،

стр. 773

وحياةُ كلِّ شيءٍ بِحَسَبِه، فالخَشَبُ ما لم يَيبَس، والحجَرُ ما لم يُقطَع. والجمهورُ على أنَّه على عمومِه إما حقيقةً، وهو قولُ المُحقِّقينَ؛ إذ العَقل لا يُحيله، أو بلسانِ الحالِ باعتِبارِ دلالته على الصَّانع، وأنَّه مُنزَّهٌ. وقال (خ): بعد التَّحقيقِ للتَّبرُّك بأثَر النَّبي ﷺ ودُعائِه، وكأنَّه جعلَ حدَّه دوامَ النَّداوة، لأنَّ في (الرَّطب) معنى (ليسَ في اليابس)، والعامَّةُ تفرِشُ الخُوصَ في القُبور، وليسَ له وجهٌ البتَّة. * * * ٥٧ - بابُ مَا جَاء في غَسْلِ البَوْلِ وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِصَاحِبِ القَبْرِ: (كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلهِ)، وَلَم يَذْكُرْ سِوَى بَوْلِ النَّاسِ. (باب ما جاء في غسل البول، وقال النَّبيُّ ﷺ ) هو تعليقٌ، وأسنَدَه في الباب قبلَه. (لصاحب)؛ أي: لأجلِ صاحِبِ. (ولم يذكر سوى بول الناس) أخَذَ ذلك من إضافةِ البولِ إليه،

стр. 774

وتكونُ روايةُ: (لا يستَتِر من البَولِ)، محمولةً على هذا من حَملِ المُطلَقِ على المُقيَّد، والقَصد أنَّ القَولَ بنجاسةِ البَول خاصٌّ ببَولِ النَّاس لا بولِ سائرِ الحيَوان. * * * ٢١٧ - حدَّثنا يعقوبُ بنُ إِبْرَاهِيمَ قالَ: حدَّثنا إِسْماعيلُ بنُ إِبراهِيمُ قالَ: حَدَّثنِي رَوْحُ بنُ الْقَاسم قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ، عَنْ أَنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَبَرَّزَ لِحَاجَتِهِ أتَيْتُهُ بِمَاءٍ فَيَغْسِلُ بِهِ. (م س د). (إسماعيل بن إبراهيم)؛ أي: ابن عُليَّة. (روح) بفتحِ الرَّاء وضمِّها. (تبرز)؛ أي: خرجَ إلى البَرَاز -بفَتح المُوحَّدة-؛ أي: الفَضَاء الواسِع (١)، أو دخلَ المَبرَزَ، أي: مكانَ البِرَازِ -بكسرها-؛ أي: الغائِط. (فيغسل) أي: ذَكَرَه، فحُذِف لظُهوره، وللحَياء من ذِكْرِه، كما قالت عائشةُ ﵂: ما رأيتُ منه ولا رأى منِّي، أي: العَورة، وفي بعضِها: (فيغتَسِل)، والافتِعالُ هو العَمَلُ بنَفسِه، كـ (استوى)

стр. 775

أي: لنَفسِه، و (سوَّى) بالإطلاق، و (اكتَسَبَ) لنَفسِه، و (كسَب) لأهلِه وعيالِه. * * * ٥٨ - بابٌ (باب) هو في بعضِ النُّسخِ مَتروكٌ. ٢١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعمَشُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: (إِنَّهمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِير؛ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ)، ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَة رَطْبَةً، فَشَقَّها نِضفَيْنِ، فَغَرزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! لِمَ فَعَلْتَ هذَا؟ قَالَ: (لَعَلَّهُ يُخَفِّفُ عَنْهُمَا مَا لم يَيْبَسَا). قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: وَحَدَّثَنَا وَكِيعٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعمَشُ قَالَ: سَمِعتُ مُجَاهِدًا، مِثْلَهُ: (يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلهِ). (ع). (خازم) بالمُعجَمة والزَّاي. (الأعمش): سليمان.

стр. 776

(طاوس) زادَه في هذا دونَ السَّند المُتقَدِّم، لأنَ مُجاهدًا سَمعه منه عن ابنِ عبَّاسٍ، وسَمعه من ابنِ عبَّاس بلا واسطة. (وما يعذبان في كبير) سبق التَّوفيقُ بينه وبينَ: (بلى إنَّه كبيرٌ) من وُجوه. قال (ك) هنا: أو إنَّه اختصارٌ للحديثِ بتَرك ما ليسَ مقصودًا في الباب. قال: وروى هنَّادٌ: (بل) بدلَ (بلى)، فتكونُ للإضرابِ، وحينئذٍ فلا مُنافاة. قلت: فيه نظَر!. (قال ابن المثنى ...) إلى آخره، الغَرَضُ منه أنًّ الأعمشَ صرَّحَ في هذا السَّند بِـ (سَمعتُ)، والمُدلسُ عَنعَنته لا يُعمل بِها إلا إذا ثبتَ السَّماعُ من طريقٍ آخر، وعبَّر هنا بِـ (قالَ) رعايةً للفَرق بينه وبينَ (حدَّثنِي)، فإنَّ (قالَ) أحطُّ درجةً، كما راعى الفَرقَ بين (حدَّثنا) و (حدَّثني)، ثم الظَّاهر أنَّه إنَّما يرويه هنا عن طاوسٍ عن ابنِ عبَّاسٍ، لا عن ابنِ عبَّاسٍ؛ لأنَّ المتابعةَ تقتضي ذلك. (مثله) إشعارًا بأنَّه ما نَقَل لفظَ الحديث بعَينه. * * *

стр. 777

٥٩ - بابُ تَركِ النَّبِيِّ ﷺ وَالنَّاسِ الأَعرَابِيّ حَتَّى فَرَغ مِنْ بَوْلِهِ فِي المَسْجِدِ (باب ترك النَّبي ﷺ والناسِ) بِجَرِّ (النَّاس) عَطفًا على لفظِ (النَّبي) ﷺ ، وبالرَّفع عَطفًا على محله. (الأعرابي) واحدُ الأعراب، وهم سكَّان الباديةِ، والنِّسبة إلى العَرب: عَرَبِيٌّ. ٢١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا همَّامٌ، أَخْبَرَناَ إِسْحَاقُ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى أَعرَابِيًّا يَبُولُ فِي المَسْجدِ فَقَالَ: "دَعُوه"، حَتَّى إِذَا فَرَغَ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ. (خ). (رأى)؛ أي: أبصَرَ. (أعرابيًّا) قيل: هو ذو الخُوَيْصِرَةِ اليَمَانِيُّ، رواه أبو موسى في "ذيلِ كتاب الصَّحابة"، وذَكَر أبو بكرِ التَّاريخيُّ عن عبد الله بن نافعٍ: أنَّه الأقرَعُ بنُ حابسِ التَّميمِيُّ. (يبول) صفةٌ أو حالٌ. (دعوه)؛ أي: اترُكوه. (حتى) من كلامِ أنسٍ، وهي ابتدائيَّة، (إذا) شرطيَّة.

стр. 778

(فصبه) في بعضِها: (فَصَبَّ). وفي الحديث: تنزيهُ المَسجد من الأقذار، وتطهيرُ الأرض بالصَّبِّ، كان لم تُحفَر؛ كما قاله الجمهورُ، خلافا لأبي حنيفةَ حيث قالَ: لا تطهُرُ إلا بحَفرِها، وأنَّ غُسالةَ النَّجاسة طاهرةٌ إذا طَهُر المَحلُّ في وَجهٍ مُطلقا، وفي وَجهٍ نجسةٌ، هذا إذا لم تتغيَّر، فإنْ تغيَّرت فنجِسَةٌ بالإجماع، وفيه الرِّفقُ بالجاهلِ وتعليمُه ما يلزمُه من غير تَعنيفٍ ولا إيذاءٍ؛ إذا لم يُظهر استِخفافَه أو عِنادَه، ودفعُ أعظمِ الضَّررَين بأخفِّهما، فالأمرُ بتَركه لئلا يتَضَرَّرَ، والتَّنجُّسُ قد حصلَ، فاحتمالُ زيادتِه أولى من إيقاعِ الضَّرر به، ولأنَّه لو قامَ في أثناءِ البَول لتنجَّست ثيابُه وبدنُه، ومواضعُ كثيرةٌ من المَسجدِ. قال (ط): فعلَه استِئلافًا للأعرابِيِّ، وتَحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. * * * ٦٠ - بابُ صَبِّ المَاء عَلَى البَوْلِ فِي المَسْجِدِ (باب صب الماء على البول في المسجد) ٢٢٠ - حَدَّثَنَا أبَو الْيَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَني عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ

стр. 779

قَالَ: قَامَ أَعرابِي فَبَالَ فِي المَسْجدِ فتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : (دَعُوهُ وَهرِيقُوا عَلَى بَوْلهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءِ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُم مُيَسِّرِينَ، وَلَم تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ). الحديث الأول: (فتناوله)؛ أي: وقَعوا فيه يُؤذونَه. (وهريقوا) أصلُه: أَريقوا، فأُبدِلت الهمزةُ هاءً، وسبق بيانُه في (باب الغُسل والوُضوء في المِخضَب). (سجلًا) بفتحِ السِّين: الدَّلوُ فيه الماءُ، قَلَّ أو كَثُرَ، وهو مُذكَّرٌ. (أو ذنوبًا) بفتح الذال: الدَّلو المَلآن، فالفارغُ لا سَجْلٌ ولا ذَنوبٌ، ويحتملُ ذلك أن يكونَ من كلامِ النَّبي ﷺ ، فيكونُ تخييرًا، أو من كلامِ الرَّاوي؛ فيكونُ تَرديدًا. (بعثتم) غلَب على الصَّحابة تبعًا للنَّبي المبعوثِ ﷺ ، لكونهم مُقتدينَ به ومُهتدين بِهديه. (ميسرين) حالٌ، ثم أُكِّدَ ذلك بنفيِ ضِدِّه. * * * ٢٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يحيَى ابْنُ سَعِيدٍ قَالَ: سَمعتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . الحديث الثاني (م س): (عبدان) هو عبد الله العَتَكِيُّ.

стр. 780

(عبد الله) هو ابنُ المُبارَك. * * * ٦١ - بابٌ يُهرِيقُ المَاء عَلَى البَوْلِ ٢٢١ / -م - حَدَّثَنَا خَالدٌ، قَالَ: وحَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ المَسْجدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ، فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ. (سليمان) هو ابنُ بلال. (طائفة)؛ أي: قطعةٍ من أرضِ المَسجد. قال (خ): في الحديث أنَّ الماءَ الواردَ على المُتنَجِّس بغَلَبته يُطَهِّرُه، وأنَّ غُسالةَ النَّجاسة مع استهلاكِ عين النَّجاسة بأوصافِها طاهرةٌ، وإلا لكان الصَّبُّ على البول زيادةً في التَّنجيس؛ لأنَّه أكثرُ من البول، وأمَّا ما رُوي من حَفرِ المكان، ونقلِ التُّراب عن ابنِ مُغَفَّلٍ؛ فإسنادُه غيرُ متَّصلٍ؛ لأنَّه لم يدرك النَّبيَّ ﷺ ، ولو وَجبَ ذلك لزال معنَى التَّيسير، وصاروا مُعَسِّرين. قال سفيان الثوري: لم نَجد في أمرِ الماء إلا السَّعَةَ. قال الربيع: وسُئل الشَّافعيُّ عن الذُّبابة تقعُ في النَّتْنِ، ثمَّ تطير فتقعُ على الثَّوب؟ فقال: يجوزُ أن يكونَ في طيرانها ما يُيَبِّسُ

стр. 781

ما برِجلها، فإن كانَ كذلك، وإلا فالشَّيءُ إذا ضاق اتَّسع. وذكر (ط) عن ابنِ القَصَّار تضعيفَ قولِ الشَّافعيَّة أنَّ ما دونَ القُلَّتين إذا وردَ على النَّجِسِ طَهُر، وإذا وردَ النَّجِسُ نَجَّسَ الماء، فإنه لا معنَى له إلا أن يُناطَ الأمرُ بالتَّغيير وعدمِه. قال (ك): لكنَّ الفَرقَ أنَّ الواردَ له قوَّةٌ؛ لأنَّه عاملٌ، فلذلك مَنع النبيُّ ﷺ المُستيقِظَ من النَّوم أن يغمِس يدَه، حتى يَغسلَها ثلاثًا، ففَرقٌ بين وُرودِ الماء، وورودِ المَشكوكِ في نَجاسته. وفي الحديث: أنَّ الأرضَ المُتنَجِّسةَ لا يطهِّرُها إلا الماء لا الشَّمس، كما يقولُ أبو حنيفة: إنَّها إذا أذهبَت الأثر تطهرُ، وقال الثَّوري: إذا جَفَّت فلا بأسَ بالصَّلاة عليها، وقال الحسَن: تطهُرُ. (فأهريق) قيَّده ابنُ الأثير بفتح الهاء. قال: ويَجوزُ إسكانُها من: أَهْراقَ يُهْريقُ إهْراقًا. * * * ٦٢ - باب بَوْلِ الصِّبْيَانِ (باب بول الصبيان) بكسر الصَّاد، وحُكِي ضمُّها، جَمعُ (صَبِي)، والجاريةُ: صبيَّةٌ، وجَمعُها (صبايا). ٢٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ

стр. 782

هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ: أَنَّها قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِصَبِيٍّ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاء فَاَتْبَعَهُ إِيَّاهُ. الحديث الأول (م س ق): (بصبي) أخرجَ الدَّارقُطنِيُّ عن الحجَّاجِ بنِ أَرْطَأَةَ عن هشامٍ بهذا الإسناد (أنَّها أتتْ بعبدِ الله بنِ الزُّبير)، ورَوى الحاكمُ وقوعَ ذلك من الحسينِ بنِ عليٍّ، وروى ابنُ مَندَه وقوعَه لسليمانَ بن هاشمِ بن عُتبةَ بنِ أبي وقَّاص، وقيلَ: الصَّبِيُّ: الحسنُ بنُ عليٍّ. (فأتبعه) بفتحِ الهمزة. * * * ٢٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبةَ، عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَن: أنها أتَتْ بِابْنٍ لَها صَغِيرٍ لَم يَأكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَم يَغْسِلْهُ. الحديث الثاني (م د ت ق): (أُم قيس) اسمُها: آمِنةُ، وقيل: حُذامَةُ، وأمَّا ابنُها فلم يُسمَّ. (لم يأكل الطعام)؛ أي: الذي يُؤكَلُ، وإلا فاللَّبنُ مَطعومٌ إلا أنَّه يُشرب، والمرادُ أنَّه لا يستقلُّ بأكلِ الطَّعام، أو لا يتغذَّى به، ونحو

стр. 783

ذلك، وإلا فأوَّلُ ما يولدُ يلعقُ عَسلًا، ويُحنَّكُ بتَمرٍ. (حجرة) بفتحِ الحاء وكسرِها والجيمُ ساكنةٌ فيهما. (فنضحه) بفتح الضَّاد (ينضِحُه) بالكَسر، أي: رشَّه من غير جَرَيانٍ، فإنَّه مع الجريان يُسمَّى غَسلًا، فلذلك عقَّبه بقوله: (ولم يغسله)، نعم، قال: (خ): في الغَسل أنَّه معَ العَصر. قلت: لكن المُرجَّح في المذهبِ أنَّ العَصرَ لا يُشترطُ. قال: وفيه أنَّ إزالةَ أعيان النَّجاسات تُعتَبَرُ بقَدرِ غِلَظِ النَّجاسة وخِفَّتها، فالنَّضْحُ في الغلامِ لخِفَّة النَّجاسة، لا لأنَّ بولَه طاهرٌ، كما نقله (ط) عن الشَّافعي، وأحمدَ، وإسحاقَ. وأخذَ قومٌ بقوله، (ولم يغسله)، فقَد غَلَّطَ (ن): (ط) في حِكايةِ ذلك عن الشَّافعي، وأحمدَ، فإنَّ مذهبَهما إنَّما هو خِفَّةُ النَّجاسة، فهو كمَذهب أبي حنيفة، ومالكٍ في القَول بنجاستِه، إلا أنَّهما قالا: لا يَغسِلُه مطلقا سواءٌ أكلَ الطَّعام أم لا، واستُدِلَّ لهما بأنَّه نَضَحه، والنَّضحُ: الغَسلُ، لحديث: "وانضَح فَرجَك"، ولحديثِ أسماءَ في غَسل الدَّم: "وانضَحيه". قال المهلَّبُ: ولأنَّ الجَمَل الذي يَستَخرِجُ الماء يسمَّى: ناضِحًا، وأنَّ الذي في الحديث (لم يأكل الطعام) إنَّما هو حكايةٌ للقصَّة لا للفَرق، وأيضًا فالإجماعُ على عدمِ الفَرق بينَ بَولِ الرَّجلِ والمَرأة، فكذلك الصَّبيُّ والصَّبيَّةُ.

стр. 784

وادَّعى الأَصيلِيُّ كما قاله (ط): إنَّ (ولم يغسله) من قولِ ابنِ شهابِ، وإنَّ معمرًا رواه عن ابن شهابِ، فقالَ: (فَنَضَحَه) ولم يزد، وابنُ عُيينَةَ عنه أنَّه قالَ: (فرَشَّهُ) ولم يزِد. قال (ك): في مسلم -بل وهذا "الصَّحيحُ"- ما يدلُّ على أنه ليسَ من قولِ الزُّهريِّ بل من قَول عائشةَ المُشاهِدَةِ لذلك، وأما النَّضحُ فليسَ الغَسلُ كما دلَّ عليه كتبُ اللغة، وإتباعُ الماء أعمُّ من الغَسل والرَّش. ولا نُسلِّم أنه في حديث المِقداد وأسماء بِمعنَى الغَسل، ولو سُلِّم فبدليلٍ خارجِيٍّ، وأمَّا تَسميةُ الجمَل ناضِحًا؛ فهو كنايةٌ؛ لأنَّه يحملُ قليلًا لا جاريًا كثيرًا كالقَنَوَات والأَودِية، وأمَّا القياسُ على الرَّجل والمَرأة، فذلك لِغِلَظِ بولهما، وأمَّا الطِّفلان فخفيفان، لكنَّ أحَدَهُما أخفُّ فعُفِيَ عنه، أو أنَّ بَول الجارية غليظٌ كالكبير. وقيل: بولُها بسببِ استيلاء الرُّطوبَة والبُرودةِ على مِزَاجِها أغلظُ وأنتَنُ. وقيل: فيه لُزُوجَةٌ، فيلصَقُ بالمَحَلِّ. وقيل: لانتِشارِ بَوله وتفرُّقه بخلاف بَولها، فإنه يجتَمعُ فيظهرُ أثره في المَحلِّ، على أنَّه قد جاءَ التَّصريحُ في الحديث بالفَرق، وهو قولُه ﷺ : "يُغسَلُ من بولِ الجَارية، ويُنضَحُ من بولِ الغلام"، أخرجه أبو داود، والترمذي، وزاد أبو داود: "ما لم يَطعَم". وفي الحديثِ استحبابُ حَمل الطِّفلِ لأهلِ الفَضل للتَّبرُّك سواءٌ حالَ

стр. 785

ولادته وبعدَها، وفيه حُسنُ المُعاشَرةِ والتَّواضعُ والرِّفقُ بالصِّغار وغيرهم. * * * ٦٣ - بابُ البَوْلِ قَائِمًا وَقَاعِدًا (باب البول قائمًا وقاعدًا) ٢٢٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنِ الأَعمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أتى النَّبِيُّ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ، فَجئتُهُ بِمَاءٍ فتوَضَّأَ. (ع). (عن أبي وائل) شَقيقٍ. (سباطة) بضَمِّ المهمَلة وخِفَّة المُوحَّدة: مَلقى تُراب الكُناسَة وشبهُه، ويُقال لها أيضًا: المَزْبَلَة، وتكونُ غالبًا بفِنَاء الدَّار، وفي بعضِ الطُّرقِ أنَّها لقومٍ من الأنصار. (فبال قائمًا)؛ أي: لبيانِ الجواز، وإنْ كانَ مَكروهًا في حقِّ غيره كراهةَ تنزيهٍ، وقيل: لا، مُطلقًا. وقال مالكٌ: إن كانَ في مَوضعٍ لا يتطايرُ منه شيءٌ عليه كالسُّباطَةِ فلا بأسَ به، وإلا كُرِهَ، وأنَّ محلَّ الكراهة حيثُ لا عذرَ، وفعلُه ﷺ ذلك إمَّا لأنَّه لم يَجد للقُعودِ مكانًا، فاضطرَّ للقيام؛ إذ كانَ ما يليه من

стр. 786

طَرفِ السُّباطَةِ عاليًا، أو كانَ برِجلِه جُرحٌ لم يتمكَّن من القُعود معه. وقد رُوي (أنَّه فعلَه لجُرحٍ بِمأبِضِه) بِهمزة ساكنة وموحدة مكسورة وضاد معجمة: باطِنُ الرُّكبة، وعن الشَّافعيِّ ﷺ أنَّ العربَ كانت تستشفي بالبَول قائمًا لوجَعِ الصُّلبِ، فلعلَّه كانَ به ﷺ حينئذٍ، أو أنَّ البَول قائمًا أحصنُ للدُّبر كما حُكِيَ عن عمرَ ذلك، فخَشيَ من البول قاعدًا مع قُربه من النَّاس أن يَخرجَ منه صوتٌ بخلافِ القُعود. وإنما خالفَ عادته في التَّباعدِ، وبالَ في السُّباطَةِ التي بقربِ الدُّور من غيرِ أن يبتَعِد عن النَّاس، ولا أبعدَهم، بل أَمرَ حُذيفَة بالتَّقرُّبِ منه؛ لشُغلِه بأمورِ المسلمين، والنَّظَرِ في مصالِحِهم، فلعلَّه طالَ عليه المَجلسُ حتى لم يُمكِنْه التَّباعدُ خشيةَ التَّضرُّرِ، وأمَّا كونُ السُّباطةِ لقَومٍ، فإمَّا لأنَّها ليست مُختصَّةً بِهم؛ إنَّما هي بِفناءِ دُورِهم للنَّاس كلِّهم، فأُضيفَت إليهم لقُربِها منهم، أو أذِنوا لِمَن أرادَ ذلك صَريحًا أو بالمعنَى. قال (ن): وأظهرُ الوجوه أنَّهم كانوا يُؤثِرون ذلك ولا يكرهونه، بل يفرحون، ومَن هذا حالُه يجوزُ البَولُ في أرضِه، والأكلُ من طَعامه، وفي التَّرجَمة: والبولُ قاعدًا، ووجهُ أخذِه من الحديث أنَّه إذا جازَ قائِمًا فقاعدًا أجوَزُ؛ لأنَّه أمكَنُ. وفي الحديث أيضًا خِدمةُ المَفضولِ للفاضِلِ، والاستعانةُ بإحضارِ ماء الوُضوء. * * *

стр. 787

٦٤ - بابُ البَوْلِ عِنْدَ صَاحِبِهِ، وَالتَّسَتُّرِ بالحائِطِ (باب البول عند صاحبه)؛ أي: صاحبِ البائِلِ، فعاد الضَّمير على مدلولٍ عليه بالبَول، أو اللامُ في (البَول) بدلٌ من المُضافِ إليه، أي: بولِ الرَجلِ. ٢٢٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أبِي شَيْبةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُنِي أناَ وَالنَّبِيُّ ﷺ نَتَمَاشَى، فَأتى سُبَاطَةَ قَوْمٍ خَلْفَ حَائِطٍ، فَقَامَ كمَا يَقُومُ أَحَدكم فَبَالَ، فَانتبذْتُ مِنْهُ، فَأَشَارَ إِلَيَّ فجئتهُ، فَقُمتُ عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فرَغَ. (رأيتني) بضَمِّ التَّاء والياء، مفعولٌ، وجاز كونُ الفاعلِ والمفعولِ واحدًا، لأنَّ أفعالَ القلوب يجوز فيها ذلك. (والنبي ﷺ ) بالنَّصبِ عطفًا على مفعولِ (رأى)، وهو الرِّواية، ويجوزُ الضَّم لصِحَّته في المعنَى؛ أي: فيكونُ عطفًا على (أنا). (فانتبذت) بنون ثم مثنَّاة ثم موحَّدةِ ثم ذالٍ مُعجمة؛ أي: ذهبتُ ناحيةً، و (جَلَس فلانٌ نبذة) بفتح النُّون وضمّها؛ أي: ناحيةً. (فأشار إلي) دليلٌ على أنه لم يَبعُد منه بحيث لا يراه، لأنَّه كان يَحرُسُه. قال (خ): والمعنَى في إدنائِه إيَّاه مع استِحباب الإبعادِ في الحاجةِ

стр. 788

أن يكونَ سِترًا بينه وبين النَّاس، إذ السُّباطة إنَّما تكونُ في الأفنيةِ المَسكونةِ أو قريبًا منها، فلا تكادُ تخلو عن مارٍّ. قال (ط): السُّنَّةُ للبائلِ قائمًا أن يقرِّبَ إذا أمِنَ أن تُرى له عورةٌ، وللبائل قاعدًا أن يُبعِد، وإنَّما انتَبَذَ حُذيفةُ لئلا يسمعَ شيئًا مِمَّا يقعُ في الحَدَث، فلمَّا بالَ قائمًا وأمِنَ منه ذلك أمرَه بالقُربِ منه. وفي الحديثِ التَّواري عن النَّاس لقضاءِ الحاجَة بِما يَستُرُ من حائطٍ ونحوِه، وطلبُ البائلِ القربَ من صاحبه ليستُرَه. * * * ٦٥ - بابُ البَوْلِ عِنْدَ سُبَاطةِ قَوْمٍ (باب البول عند سباطة قوم) ٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عرْعَرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي البَوْلِ وَيَقُولُ: إِنَّ بني إِسْرائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَيْتَهُ أَمسَكَ، أتى رَسُولُ اللهِ ﷺ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا. (يشدد)؛ أي: يحتاطُ عظيمًا في الاحترازِ عن الرَّشاشِ، حتى كان يبولُ في القارُورَة. (بنو إسرائيل)؛ أي: بنو يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ صلواتُ الله

стр. 789

وسلامُه عليهم، فإِسرائيلُ: لقبُ يعقوبَ. (كان) مرفوعُه ضميرُ الشَّأن، وإلا لقالَ: (كانوا)، والجملةُ الشَّرطيَّةُ: خبرُه. (أصاب)؛ أي: البولُ، فالفاعلُ ضميرٌ يعودُ عليه. (قرضه) بالمُعجَمَة؛ أي: قطَعَه، ومنه المِقراضُ. (ليته أمسك)؛ أي: ليتَ أبا موسى أمسكَ نفسَه عن هذا التَّشديدِ، أو لسانَه عن المقولِ، أو كِلَيهما عن كِلَيهما، وقَصدُه: أنَّ التَّشديدَ خلاف السُّنةِ لبَوله ﷺ قائمًا مع أنَّ القائمَ مُعرَّض للرَّش. قال (ط): فيه حُجَّةٌ لِمن رخَّص في يسير البَول، لأنَّ المعهود فيمن بالَ قائمًا أن يَتَطاير إليه مثلُ رؤوسِ الإِبَر، وفيه اليُسرُ والسَّماحةُ على هذه الأمَّة حيثُ لم يجب عليهم القَرْضُ كبني إسرائيلَ، ثمَّ قالَ مالكٌ في مثلِ رؤوسِ الإِبَر بغَسلِها استِحسانًا وتنزُّهًا، وقالَ الشَّافعيُّ وُجوبًا. وقال (ن): كانوا يُرخِّصون في القَليل من البَول. * * * ٦٦ - بابُ غَسْلِ الدَّم (باب غسل الدم) ٢٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يحيَى، عَنْ هِشَامٍ

стр. 790

قَالَ: حَدَّثتنِي فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأةٌ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَاناَ تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ كَيْفَ تَصنَعُ؟ قَالَ: (تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالمَاءِ، وَتنضَحُهُ وَتُصَلِّي فِيهِ). الحديث الأول (ع): (يحيى)؛ أي: القَطَّان. (هشام)؛ أي: ابنُ عُرْوَةَ. (فاطمة)؛ أي: بنتُ المُنذِر بنِ الزُّبَير. (أسماء)؛ أي: بنتُ الصِّدِّيقِ ﵁، وهي جَدَّةُ فاطِمة، كما سبق في (باب من أجابَ الفُتيا بالإشارة). (امرأة) في كلام (ط) إشعارٌ بأنَّها أسماء، أي: راوِيةُ الحديث. قال (ك): وليسَ كذلك، إلا أنْ يُقالَ: المُرادُ أسماءُ بنتُ شَكَل، بفتح الشين والكاف، أو أسماءُ بنتُ يزيدَ، فإنَّها السائلةُ على ما قال بعضُ أصحابِ الحديث، انتهى. وفيه نظر، ففي "مسنَد الشَّافعيِّ": أنَّها أسماءُ بنتُ أبي بكر ﵂ ولا يَبعُد أن تُبهِمَ نفسَها. وقولُ (ن): إنَّه ضعيفٌ؛ وهمٌ منه، فإنَّ الحديثَ إسنادُه على شرط الشَّيخين. (أرأيت) بفتح التَّاء؛ أي: أخبِرْنِي.

стр. 791

قال الزَّمخشريُّ: وفيه تَجَوُّزان، إطلاقُ الرُّؤيةِ، وإرادةُ الإخبار، لأنَّ الرُّؤيةَ سببُه، وجعلُ الاستفهامِ بِمعنَى الأمرِ بِجامعِ الطَّلَب. (في الثوب)؛ أي: يصلُ دمُ الحيضِ إليه فيصيرُ فيه. (تصنع) متعلقٌ بالاستِخبار. (تحته) بضَمِّ الحاءِ المُهمَلة؛ أي: تَحُكُّه. (تقرُصُه) بضَمِّ الرَّاء وبالصَّاد المُهملة، أي: تقلَعُه بالظُّفُرِ، أو بالأَصابعِ. قال في "النهاية": مع صبِّ الماء، حتى يذهبَ أثرُه. وفي بعضِها بتشديد الرَّاء المكسورة، والتَّقريصُ: التَّقطيعُ. (وتنضحه) بكسرِ الضَّاد وفَتحِها: هو الرَّشُّ، والمُراد هنا تصبُّه شيئًا فشيئًا. وقال (ح): تَحُتُّ المُستَجْسِدَ من الدَّم لتزولَ عينُه، ثم تقرُصُه بأن تقبِضَ عليه بأصبَعِها، ثمَّ تغمِزُه غَمزًا جيِّدًا وتدلُكُه، حتَّى ينحَلَّ ما تشرَّبه من الدَّم، ثم تنضَحُه، أي: تصبُّ عليه، والنَّضحُ هنا: الغَسلُ حتَّى يزولَ الأَثر. ففي الحديث أنَّ النَّجاسة لا تزولُ إلا بالماءِ، لا بمائعٍ آخر؛ لاستِواء الدَّم وغيرِه إجمَاعًا. وقال (ط): هذا الحديثُ محمولٌ على كثيرِ الدَّم؛ لأنه تعالى إنَّما نَجَّس المَسفوحَ، أي: الكثير، وقد قالَ مالكٌ: يُعفَى عن قليلِ الدَّم،

стр. 792

ويُغسَلُ قليلُ غيره من النَّجاسات، وروى عنه ابنُ وَهْبٍ: أنَّ قليلَ الحيض ككثيرِه، فلا يُعفى عنه كسائرِ النَّجاساتِ بِخلاف سائرِ الدِّماء. وقال الكوفيُّونَ: يُعفى عمَّا دونَ الدِّرهمِ من الدَّم وغيره من النَّجاسات. وفي الحديثِ: حُجَّةٌ على أنَّ قليلَ الحيض لا يُعفى عنه؛ لأنه ﷺ أمرَ بالغَسل مُطلقًا من غيرِ تفصيلٍ. قال: وحجَّةُ الرِّواية الأُخرى عن مالكٍ أن قليلَه موضعَ ضرورةٍ، لأنَّ الإنسانَ لا يخلو غالبًا عن بَثْرةٍ أو دُمَّلٍ أو بَرغوثٍ، ولم يُحرِّم الله تعالى إلا المسفوحَ، فدلَّ على أنَّ غيرَه ليس بمحرَّمٍ. قال: وعندَ الشَّافعي يغسِلُ يسيرَ الدَّم إلا في دمِ البَرغوثِ؛ لأنَّه لا يمكنُ التَّحرُّزُ منه. قال (ك): لا ينحَصِرُ عندَه فيه، بل قليلُ دمِ القَرْحِ والقَملِ والفَصدِ ونحوِه كذلك. * * * ٢٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد، قَالَ: حَدَّثَنَا أبو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّي امرَأةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أفأدع الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرق، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وإِذَا أَدبَرَتْ فَاغْسِلِي

стр. 793

عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي)، قَالَ: وَقَالَ أَبِي: (ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، حَتَّى يَجيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ). الثاني: (محمد) في بعضِها: (ابنُ سَلام). (أبو معاوية): هو محمَّدُ بن خازِمٍ -بالمُعجمة- ذكره هنا بالكُنية رِعايةً للفظِ الشُّيوخ. (حُبيش) بضَمِّ المهملة وفتحِ الموحَّدة وسكون الياء وبالشِّين المُعجمَة. (إني أُستحاض) بضَمِّ الهمزة. قال الجوهري: أي: يستمرُّ بِها الدَّمُ بعدَ أيَّامها، فهي مُستحاضَة، والاستحاضَةُ: دمٌ يَخرُج من عِرقٍ يقالُ له: العاذِلُ -بعَين مهمَلةٍ وذالٍ مُعجَمَةٍ مكسورةٍ- بخلاف الحَيض، فإنَّه يخرُجُ من قعر الرَّحِمِ، وتأكيدها بيانٌ لتَحقيق القضيَّةِ لنُدورِ وقوعِها، لا لأنَّ النبيَّ ﷺ مُتردِّدٌ أو مُنكِرٌ. (أفأدع)؛ أي: أترُكُ، والعَطفُ على مقدَّر بعدَ الهمزة، لأنَّ لها الصَّدرَ، أي: أيكونُ لي حكمُ الحائضِ فأدَعُ؟ قلتُ: وهي طَريقةٌ كما سبقَ مرَّاتٍ، أو أنَّ الاستفهامَ ليس باقيًا بل للتَّقريرِ، فزَالت صدريَّتُها. (لا)؛ أي: لا تَدَعي. (ذلك)؛ -بكسرِ الكاف- (عرق) بكسرِ العَين.

стр. 794

قال البَيضاوِيُّ: أي: دمُ عِرْقٍ انبَثَق، والحيضُ دمٌ تميزه القوَّةُ المُوَلِّدةُ هيَّأه الله لأَجلِ الجَنين فيَجري للرَّحِمِ في مجارٍ مَخصوصَةٍ، فيجتَمِع من قولهم: استَحوَضَ الماء: اجتَمَع وكَثُر، فإذا لم يكن جَنينٌ أو كانَ أكثرَ ممَّا يَحتمِلُه انصبَّ، انتهى. (حيضتك): قال (ش): بكسر الحاء، وكذا في قوله: (أقبَلَت حِيضَتُكِ)، وتَبِعَ في ذلك (خ)، فإنَّه غَلِطَ مَن فَتَحَهما؛ لكنْ جوَّز (ع) وغيرُه الفَتح. وقال (ن): إنه الأظهرُ، بل هو هُنا متعيِّنٌ أو قريبٌ من المُتعيِّن، فإنَّ المعنَى يقتَضيه؛ لأنَّ المُرادَ إثباتُ الاستحاضَةِ ونفيُ الحَيض. وفي الحديثِ النَّهيُ عن الصَّلاة حالَ الحيض، وهو للتَّحريم، يُفسِدُ الصَّلاة بالإجماعِ. (أدبرت)؛ أي: انقَطَع الحيضُ فلا يَخرجُ دَمٌ، لفَقدِ شَرطِه، فيجبُ أن تَغتَسِل في الحال لأوَّلِ صلاةٍ تُدركُها. وقال مالكٌ في روايةٍ: تستظهر بالإمساكِ عن الصَّلاة ونحوِها ثلاثة أيَّام بعد عادتِها. (فاغسلي عنك الدم)؛ أي: واغتَسلي لانقِطاع الحيضِ لدليلٍ خارجٍ عن هذا، وفي المسألة تفاصيلُ في كتبِ الفِقه. وفي الحديث: الأمرُ بغَسل النَّجاسة، وأنَّ الدم نَجِس، وأنَّ الغُسلَ يجب بمجرَّدِ انقطاعِ الحيضِ، وأنَّ إزالةَ النَّجاسة لا يُشترَطُ فيها

стр. 795

العَدَدُ بل الإنقاءُ. قال (خ): واحتجَّ به بعضُ فُقَهاءِ العِراق على الوُضوء بالدَّم الخارج من غيرِ السَّبيلَين، من حيثُ إنه ﷺ علَّل بعضَ الطَّهارة بخروجِ الدَّم من العِرْق، وكلُّ دمٍ بَرَزَ من البَدَن فإنَّما يَخرُجُ من عرْقٍ. قال: لكنْ ليس المعنَى ما ذَهب إليه، ولا مرادُ النبيِّ ﷺ ذلك، وإنَّما العلَّة بصَدْعِ العِرْقِ، وتصَدُّعُ العِرقِ علَّةٌ معروفةٌ عند الأطبَّاء يَحدُث من غَلَبة الدَّم، فتَنصَدِع العُروقُ إذا امتَلأت الأَوعيَةُ، وقَصدُه بذلك الفَرقُ بينَه وبينَ الحَيض؛ لأنَّ الحيضَ خروجُه مُصِحٌّ للبدَن بمنزلة خُروجِ الثِّقَل، نحو البولِ والغائطِ الذي تستغني عنه الطَّبيعة، فيخِفُّ البَدَن، والاستِحاضَةُ مَسقَمَةٌ؛ لأنَّها علَّةٌ يُخافُ منها الهلاك، وفيه أنَّها كانت تُميِّزُ بينَ الحيضِ والاستحاضَةِ، فلذلك وكَلَ الأمرَ في مَعرِفَة ذلك. (قال: وقال أبي)؛ أي: قالَ هشامُ بنُ عُروَة: وقالَ عُروةُ. (توضئي) بصيغةِ الأَمر. (ذلك الوقت)؛ أي: وقتَ إقبالِ الحيض، والسِّياقُ يقتضي أنَّ قوله: (وتوضئي ...) إلى آخره؛ مرفوعٌ لا موقوفٌ. * * *

стр. 796

٦٧ - بابُ غَسْلِ المَنِيِّ وَفركِهِ، وغَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنَ المرْأَةِ (باب غسل المني وفركه): أي: دلكُه حتَّى يذهبَ أثرُه. ٢٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ عَمرُو ابْنُ مَيْمُونٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ الجَنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وإِنَّ بُقَعَ المَاءَ فِي ثَوْبِهِ. الحديث الأول: (عبد الله) وفي بعضِها: هو (ابنُ المَبارَك)، وأشارَ إلى أنَّ ذلك من لفظِه لا من قَولِ شَيخِه. (الجزري) بفتح الجيمِ والزَّايِ، نسبةٌ للجزيرَة. (والجنابة)؛ أي: أثَرَها، أو موجِبَها، أو عبَّرَ بِها عن ذلك مَجازًا، لأنَّ الجَنابَةَ معنى فلا تُغسَلُ. (بقع) بضَمِّ المُوحَّدة وفتحِ القَاف، والعَينُ مُهمَلةٌ جَمع (بُقعَة)؛ أي: موضعٌ يُخالِفُ لونُه ما يليه، ومنه: غُرابٌ أبقَع، وفي بعضِها بتَسكينِ القَاف جَمع (بَقْعَة) كتَمرٍ وتَمرَة، ممَّا يُفرَّق بينَ اسم الجِنسِ ووَاحِده بالتَّاء. قال التَّيمِيّ: البقعةُ: الأثر، والحديث دالٌّ على أنَّ الفَركَ لا يكفي،

стр. 797

فمُطابقَتُه للتَّرجمة [أنَّ المُرادَ بِها] (١) بابُ حكمِ غَسلِ المَنِيِّ وفَركِه، أي: أيهما الكافي منهما. وعُلِمَ منه أيضًا غَسلُ رُطوبَةِ فَرجِ المَرأة؛ لأنَّ المنِيَّ يختَلِطُ بِها عندَ الجِماع، أو أنَّ التَّرجمةَ لِما جاء في هذا الباب، فاكتَفى بذِكرِ بعضِه كما يَفعلُ ذلك كثيرًا، أو كانَ قصدُه أن يُضيفَ حديثًا يتعلَّق به، فلم يتَّفِق له، أو لم يَجِد روايةً بشَرطِهِ. ولا دلالةَ في الحديثِ على نَجاسةِ المنِيِّ؛ لكونِها كانت تَغسلُه، لاحتمال أنه لنجاسةِ المَمَرِّ أو اختلاطِه برطوبةِ الفَرجِ، على أنَّه قد جاءَ في الصِّحاحِ: لقد رأيتُنِي أفرُكُه من ثوبِ رسولِ الله ﷺ فَرْكًا، فيصلِّي فيه. وفي روايةٍ أخرَجَها ابنُ خُزيمة، وابنُ حِبَّان في "صحيحَيهما": وهو في الصَّلاة، فهو دليلٌ لطهارةِ المنِيِّ، وجاء: أنَّه كانَ يَغسِلُ ما أصابه من المَرأةِ، وهو دليلُ نجاسةِ رُطوبةِ فَرجِها، ومن قال بطهارةِ المنِيِّ ورُطوبةِ فَرجِها قال: الغَسلُ للاستِحباب واختيارِ النَّظافة. قال (ط): إنَّما جاءَ الفَركُ في ثيابٍ ينامُ فيها، ولا نِزَاعَ في جوازِ النَّوم في الثَّوب النَّجِس، ولئِنْ سُلِّمَ أنه في الثَّوب الذي يُصلِّي فيه، فيحتملُ أنَّ المنِيَّ نَجِسٌ، لكنَّ الفَركَ مُطهِّرٌ له، كما في دَلكِ النَّعلِ من الأذى بالتُّرابِ، وليس دليلًا على طَهارِة الأذى.

стр. 798

قال (ن): منِيُّ الآدميِّ، قال أبو حنيفة ومالكٌ: نَجِسٌ، إلا أنَّ أبا حنيفَة يكتَفي في تطهيرِ اليابِسِ منه بالفَركِ، ومالكٌ يوجبُ غَسله رَطبًا ويابسًا، وقال الشَّافعيُّ وأحمدُ: طاهرٌ. ومنِيُّ الكَلبِ والخَنزيرِ نَجِسٌ بلا خلاف، وفيما عَدَاهُما منَ الحيوانِ ثلاثةُ أوجُهٍ: أصحُّها: طهارتُه من مأكولِ وغيرِه، ثالثُها: منِيُّ المَأكولِ طاهِرٌ، وغيرُه نَجِسٌ. وعلَّل ابنُ القَصَّار نجاسةَ منِيِّ الآدمي بأنَّه خارجٌ من مَجرى البَول، فكان كالمَذيِ، وأمَّا كونُه خُلِقَ منه حَيَوان طاهِرٌ، فلا يدلُّ على طهارته، فإنَّ اللَّبَنَ طاهر، وهو متولِّدٌ من الدَّم النَّجس. فإنْ قيلَ: خُلِقَ منهُ الأنبيَاء -عليهم الصَّلاةُ السَّلامُ-، فلا يكونُ نَجِسًا؟ فيقال: وخُلِقَ منه الفَراعنة، فيكونُ نَجِسًا. * * * ٢٣٠ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عمرٌو، عَنْ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعتُ عَائِشَةَ (ح) وَحَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عمرُو بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ المَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَتْ: كنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ المَاءِ. الثاني: (سمعت يزيد) بفتح الياء.

стр. 799

(زريع) بضَمِّ الزَّاي على التَّصغير، ويقَعُ في بعضِ النُّسخ: (يزيد) فقط، ولهذا ردَّدَ (ك) بينَه وبينَ أن يكونَ المُراد ابنَ هارونَ الوَاسطِيَّ، ونُقِلَ عن الغَسَّانِيِّ في كتاب "تقييد المهمل": أنَّ ابنَ السَّكَنِ قال: ابنُ زُرَيعٍ، وعن الكَلَابَاذِيِّ عن أبي مَسعودٍ الدِّمَشقيِّ: أنّه قالَ: إنَّه ابنُ هارونَ. قلت: وكذا رجَّحهُ القُطبُ الحلبِيُّ. قال (ك): لا قَدحَ في الحديث بِهذا الإِلباسِ؛ لأنَّ كلَيهِما ثقةٌ على شَرطِ البُخارِيِّ. (سمعت)؛ أي: ما يأتِي بعدَ الإسنادِ المُحوَّلِ، وفي بعض النُّسخ: (ح) إشارةً إلى التَّحويلِ. (عبد الواحد) هو ابنُ زِياد، بكسر الزَّايِ ثم ياءٌ. (عن المني)؛ أي: عن حُكمِ المَنِيِّ، غَسْلًا أو فَركًا. (فيخرُجُ)؛ أي: من الحُجرَةِ إلى المسجد للصَّلاة. (بقع الماء)؛ أي: آثارُه، وهو بالنَّصب على الاختصاصِ، أي: أعنِي، وفي بعضِها بالرَّفع، جوابُ سؤالٍ مُقدَّرٍ؛ أي: هو بُقَع. وفي الحديث جوازُ سؤالِ النِّساء عمَّا يتعلَّق بأمورِ الجِماع لتعلُّمِ الأَحكام، وخدمةُ الزَّوجاتِ للأَزواج. * * *

стр. 800

٦٨ - بابٌ إِذَا غَسَلَ الجَنَابَةَ أَوْ غَيْرها فَلَم يَذْهبْ أثَرُهُ (باب إذا غسل الجنابة أو غيرها): قوله: (فلم يذهبْ) الفاء للعَطفِ، وجوابُ الشَّرطِ مُقدَّرٌ؛ أي: ٧ صحَّت صلاتُه أو نحوُه. (أثره)؛ أي: أثرُ الغَسلِ، وفي بعضِها: (أثرُها)؛ أي: أثرُ الجنَابةِ. ٢٣١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمرُو بْنُ مَيْمُونٍ قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ فِي الثَّوْبِ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأثَرُ الغَسْلِ فِيهِ بُقَعُ المَاءِ. الحديث الأول: (أغسله) الضميرُ للأثر، وإلا فالجَنابةُ مؤنَّثٌ. (وأثر الغسل فيه): قال (ط): يحتملُ ماءَ الغَسل الذي غُسِلَ به، فالضَّميرُ عائدٌ لأثر الماء، ويحتملُ أثرَ الجنابَةِ المَغسولةِ بالماء، فالضَّميرُ عائدٌ له، لكنْ قوله في الحديث الآتي: (ثُمَّ أراه) يدلُّ على الثَّاني، لأنَّ الضَّمير يعودُ إلى أقربِ مذكورٍ، والمنِيُّ أقرَبُ. قال (ك): جعَلَ (بقع الماء) على وجهين: خَبَرًا لقوله: (وأثرُ الغَسل)، لكن يحتملُ أن يُقالَ: جعلَه مبتدأً وفيه خبرُه، والجملةُ خبرُ (الأثر) لا سيَّما حيثُ حُصِرَ؛ لأنَّه لا طريقَ للحَصر إلا التَّقديمُ على

стр. 801

المبتدأ، ثم لا نُسلِّمُ أنَّ قولَها: (ثمَّ أراه) يدلُّ على الثَّاني؛ إذ أقربُ المذكورِ النبيُّ ﷺ ، فالضَّمير يعود عليه، أي: ثُم أَرى النبِيَّ ﷺ في ثَوبه بُقعَةٌ أو بُقَعٌ، والأقرَبُ: الثَّوبُ، أي: ثوبُ النبيِّ ﷺ . * * * ٢٣٢ - حَدَّثَنَا عمرُو بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمرُو بْنُ مَيْمُونٍ بنِ مهْرَانَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّها كَانَتْ تَغْسِلُ المَنِي مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ ، ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعَةً أَوْ بُقَعًا. الثاني: (عمرو) بالواو، فليس في شيوخِ البخاريِّ عُمَرُ بنُ خالدٍ بدون واوٍ. (أراه)؛ أي: أبصرَه، والضَّميرُ للثَّوب، وفي بعضها: (أرى) بلا ضمير، وهذا من قَولِ عائشةَ ﵂، والتقديرُ: قالت: ثُمَّ أراه، أو يقدَّر: (قالت) قبل (أنَّها كانت)، ويكونُ أوَّلُ الكلامِ نقلًا بالمعنى عن عائشةَ، إذ أصلُه: إنِّي كنتُ أغتَسِلُ، وآخِرُه نقلًا للَفظِها بعَينه. (أو بقعًا) الظَّاهر أنَّه من قولِ عائشةَ، ويحتملُ أنَّه شكٌّ من سُليمانَ، ووَجهُ أخذِ باقي التَّرجَمةِ، وهو غَسلُ غيرِ الجنابَةِ من الحديثِ؛ القياس على الجنابةِ. واعلَم أنَّ على نسخةِ قولِه في التَّرجَمة (أثرُها): يكونُ المرادُ به أنَّه لا بدَّ من زَوالِ صفاتِ النَّجاسة إذا كانت سهلةَ الزَّوال، فلو كانت

стр. 802

عَسِرَةَ عُفِيَ عن اللَّونِ أو الرِّيح. * * * ٦٩ - بابُ أَبْوَالِ الإِبِلِ وَالدَّوَابِّ وَالغَنَمِ وَمَرَابِضِها وَصَلَّى أَبُو مُوسَى فِي دارِ البَرِيدِ وَالسِّرقِينِ وَالبَرِّيَّةُ إِلَى جَنْبِهِ، فَقَالَ: ها هُنَا وَثَمَّ سَوَاءٌ. (باب أَبْوَالِ الإبِلِ وَالدَّوَابِّ وَالغَنَم وَمَرَابِضِها): المرادُ: الدَّوابُّ بالمعنَى العُرفيِّ، وهو ذواتُ الحوافِرِ من فَرسٍ وبَغلٍ وحِمارٍ، لا بالمعنَى اللُّغوي، وهو ما دبَّ على الأرضِ، فإنَّ عطفَها على الإبلِ، وعطفَ الغَنَم عليها اقتضَى مغايرتَها، إلا أن يُجعَلَ من عَطفِ عامٍّ على خاصٍّ، ثم عَطفِ خاصٍّ على عامٍّ. (ومرابضها) جمع (مربِض) بكسر المُوحَّدة والضَّاد المعجمة، وهي للغَنَمِ كالمعاطِنِ للإبل، ورُبُوضِ الغَنَم مثلُ بُروكِ الإِبل، ويقال: مِربَضُ الغَنَم: مَأواها. (البريد) بفتحِ المُوحَّدة، قال الجوهري: هو المُرَتَّبُ، والرَّسولُ، واثنا عشَر ميلًا، أي: يُطلَق على كلٍّ منها، ودارُ البَريدِ: منزلُ مَن يأتي برسالةِ السُّلطانِ ونحو ذلك. قال (ش): البَريدُ المُرتَّب في الرِّبَاط، ثم سُمِّي به الرَّسولُ

стр. 803

المَحمولُ عليها، ثم سُمِّيت المسافَة به، والجَمع (بُرُد) بضَمَّتَين؛ قاله المُطَرِّزيُّ، والمُراد هنا في الحديثِ: الأَوَّل. (والسرقين) بكَسرِ السِّين وفَتحِها، ويقالُ له: السِّرجِين بالجيم: رَوثُ الدَّوابِّ، وهو مُعَرَّبٌ، لأنَّه ليسَ في الكلامِ (فَعيل) بالفَتح، وهو عُطِفَ على (البَريد) أو على (دار)، ويُروى بالرَّفع أيضًا. (والبرية إلى جنبه) جُملةٌ حاليَّةٌ، والبَرِّيةُ: بفتحِ المُوحَّدة وتشديدِ الرَّاء؛ قال في "المُحكَم": هي خلافُ الرِّيفيَّة، فهي الصَّحراءُ نسبةً إلى البَرِّ، خلاف البَحر. (هاهنا وثم سواء)؛ أي: ذلك والبَرِّيَّة مُستَويان في جواز الصَّلاة فيه، أي: لأنَّ ما فيها من الأَرواثِ والبَولِ طاهِرٌ، فلا فَرقَ بينها وبينَ البَرِّيَّة، وقَصَدَ البخاريُّ من هذا الاستدلالَ على طَهارة بَول ما يُؤكلُ؛ لكنَّه لا حُجَّةَ فيه لاحتِمالِ أنَّه بَسَطَ ثَوبًا، بل ولا في الحديثِ لِما سنَذكُرُه. * * * ٢٣٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَربٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أيوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: قَدِمَ أُناَسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْربُوا مِنْ أَبْوَالِها وَألبَانها، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قتلُوا رَاعيَ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النهارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهم، فَلَمَّا ارْتَفَعَ

стр. 804

النَّهارُ جِيءَ بِهم، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُم وَأَرجُلَهُم، وَسُمِرَتْ أَعيُنُهُم، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَونَ، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهؤُلَاءَ سَرَقُوا وَقتَلُوا وَكَفَرُوا بَعدَ إِيمَانِهم، وَحَاربوا الله وَرَسُولَهُ. الحديث الأول (م د س): (قدم ناس)، وفي رواية: (أُناسٌ). (من عُكْل) بضَمِّ المُهمَلة وسكونِ الكاف. (أو عُرَينة) بضَمِّ المُهمَلَة والرَّاء المَفتوحةِ وسكونِ الياء، قبيلتان معروفتان، والشَّكُّ من الرَّاوي، وهو أنسٌ ﵁. قال السَّفاقُسِيُّ: و (عُكْل) هم (عُرَينة)، وسيأتي في البخاريّ أنَّ عِدَّتَهم ثَمانية، أي: قَدِما إلى النبِي ﷺ أو إلى المَدينة، ويحتملُ أنَّ (قَدِمَ) متعلقٌ بلفظِ (المَدينة)، كما أنَّ: (فاجتَوَوا) كذلك، فهو من التَّنازُع. (فاجتووا) بالجيم؛ أي: كَرِهوا، يقالُ: اجتوى البلدَ؛ كَرِة المُقامَ بِها، وإن وافَقَت بدَنَه، بخلاف استَوبَأَها؛ فإنَّه إذا لم تُوافِق بدَنَه وإن أحبَّها، والمرادُ أنَّهم استَوخَموها. (بلقاح) بلامٍ مكسورةٍ جَمع (لَقُوحٍ)، وهي: الحَلُوبُ كـ (قُلُوصٍ وقِلاصٍ). قال أبو عمرو: وهي لَقوحُ شهرَين أو ثلاثة، ثمَّ هي لَبونٌ. قال ابن سعد: كانت عِدَّتُها خَمسةَ عشرَ. (وأن يشربوا) في محلِّ جَرٍّ عطفٌ على (لِقَاح).

стр. 805

وردَّد (ك) بينَ أن تكونَ مُلكَه ﷺ ، أو لبيتِ المالِ، أو مُشتَرَكَةً بينهما، وعلى هذين إذنُه لَهم في ألبانِها، لأنَّ ألبانَ الصَّدَقَةِ للمُحتاجين من المُسلمينَ، وهؤلاءِ منهم. (صحوا)؛ أي: من مَرَضِهم. (راعي النبي ﷺ ) اسمُه: يسارُ النوبِيُّ. (واستاقوا)؛ أي: ساقُوا. (النعم) بفتحِ النُّون واحدُ الأَنعام، وهي الأموالُ الرَّاعيةُ، وأكثرُ ما تقعُ على الإبل. (فبعث)؛ أي: سَريَّةً، وكانوا عشرين، وأميرُهم: كُرْزُ بنُ جَابرٍ، وقال موسى بنُ عُقبَةَ: أميرُهم سعيدُ بنُ زَيدٍ، وروى الطَّبَرِيُّ: أنَّه جريرٌ، ولا يصحُّ. (فأمر): قال (ك): هي الفاءُ الفَصيحةُ، أي: المقتضيةُ للعَطف على مَحذوفٍ، أي: فأخَذوا وجاؤوا بِهم فَأَمَر، وهو عجيبٌ فإنَّه صَريحٌ في الحديث، وهو قوله: (فجيء بِهم فأمر)، وفي بعضِها: (فأمَر فقَطعَ)؛ أي: أمَرَ بالقَطعِ، فقَطَع. (أيديهم)؛ أي: يدَ كلِّ واحدٍ منهم بناءً على أنَّ أقلَّ الجمع اثنان، أو من توزيعِ الجَمع على جَمع، أي: من كلّ واحدٍ يدًا واحدةً. (وسمرت): قال (ن): ضَبطوه في البخاريِّ بتشديدِ الميم، أي: كَحَلَ أعيُنَهم بمساميرَ مَحْمِيَّةٍ.

стр. 806

وقال المُنذِريُّ: هو بتخفيف الميم، أي: كَحَّلَها بالمَساميرِ، وشدَّدَها بعضُهم، والأوَّل أشهرُ وأوجَهُ، وقيل: سُمِّرَت: فُقِئَت، أي: مثلَ ما رُوِي: (سُمِلَ) باللام مبنيًّا للمفعول، أي: فُقِئَت أعينُهم، فيكونُ السَّمرُ بمعنَى السَّملِ، لقُربِ مَخرجِ الرَّاء واللام. (الحرة) بفتحِ المُهملةِ وتشديدِ الرَّاء: أرضٌ ذاتُ حجارَةٍ سودٍ، كأنَّها أُحرقت بالنَّار، ويحتملُ إرادةُ حرارةِ الشَّمس. (فلا يسقون) المَنع من ذلك مع كونِ الإجماع على سَقيِ مَن وَجَبَ قتلُه إذا استَسقَى، إمَّا لأنَّه ليس بأمرِه ﷺ ، أو أنَّه نَهيٌ عن سقيِهم لارتدادِهم، ففي مسلِمٍ والتِّرمذِي: أنَّهم ارتدُّوا عن الإسلام، وحينَئِذٍ فلا حُرمَةَ لَهم كالكلبِ العَقورِ، وكذا في قولِ البخاري، (قال أبو قتادة ...) إلى آخره، إذا جُعِلَ من قَولِ أيُّوبَ، حتى يكونَ مُسندًا لا تعليقًا من البخاريّ. وأما سَمْرُ أعينِهم، فإمَّا أن يكونَ قبل نزولِ الحدودِ وآيةِ المُحارَبة والنهيِ عن المُثلَةِ، فيكونُ منسوخًا، وإمَّا أنَّ ذلك قِصاصٌ، ففي "مسلم": أنَّهم فَعَلوا بالرَّاعي ذلك، وإمَّا أنَّ النَّهيَ عن المُثلَةِ نَهيُ تنزيهٍ لا تحريمٍ. والحديثُ إن جَعَله البُخاريُّ حجَّةً لطهارَةِ الرَّوثِ والبَولِ مُطلقًا -كما هو قَولُ الظَّاهريَّة ولم يستَثنوا إلا بولَ الآدمِيِّ فقط- فالقَضيَّةُ في أبوالِ المأكولِ لا عامَّة، ولا يَسوغُ قياسُ غيرِ المأكولِ على المأكولِ

стр. 807

لظُهورِ الفَرق، وكذا إن وَافق مالكًا في أنَّ بولَ ما يُؤكَلُ طاهرٌ دونَ غيره؛ لأنَّه للتَّداوي من أمراضِهم، لكنَّ مالكًا يَمنَعُ التَّداوِيَ بالنَّجِسِ، كما نقَله (ط). وأمَّا أبو حنيفةَ، والشَّافعيُّ وغيرُهما من القائلينَ بنجاسةِ البَولِ مُطلقًا، فلا يَمنعونَ المُداواةَ بالنَّجِس، ويحمِلونَ الحديث على ذلك. وقال ابن القَصَّار: إنَّ مالكًا يقيسُ ما يُؤكَلُ على ريقِهِ وعَرَقه، لأنَّ كلًّا مائعٌ مستحيلٌ من حَيَوانٍ مأكولٍ ليسَ بدَمٍ ولا قَيحٍ، وجوابُه أنَّ ذلك لا يَجتمِعُ ولا يَستحيل في باطِنٍ، بخلافِ البَول، فإنَّه أشبهُ بالدَّمِ والقَيح، وأيضًا فيلزَمُه ذلك في بَولِ ما لا يُؤكَلُ. * * * ٢٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبَةُ قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يُبْنَى المَسْجدُ فِي مَرَابِضِ الغَنَم. الثاني: قوله: (أبو التياح) بفتحِ المُثنَّاة وتشديدِ الياءِ والحاءِ المُهمَلة، اسمه: يزيدُ. (المسجد) اللام للعَهد؛ أي: مَسجِدِ المَدينة.

стр. 808

(الغنم) جنسٌ يَشملُ الذُّكور والإناث، وهو مؤَنَّث، فلذلك يُصغَّر على (غُنَيمَة)، وكلُّ واحدٍ من أسماء الجُموعِ التي لا واحدَ لَها من لفظِها غيرِ الآدَمِي تأنيثُها لازمٌ. * * * ٧٠ - بابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السمنِ وَالمَاءِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأسَ بِالمَاء مَا لَم يُغَيِّرْهُ طَعمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ. وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءَ يَمْتَشِطُونَ بِها، وَيَدَّهِنُونَ فِيها، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأسًا. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وإبْرَاهِيمُ: وَلَا بَأسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ. (باب مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالمَاءِ) قولُ الزُّهريِّ (ما لم يغيره طعم أو لون أو ريح) يحتملُ أنَّ الضَّميرَ في (يغيِّره) للماءِ وطَعمٍ وريحٍ ولونٍ، أي: ما يقعُ فيه، أي: فتَغَيَّر طعمُ الماء بطعمِ الوَاقعِ، أو لونُه بلَونِه، أو ريحُه بريحِه، ويحتملُ ما لم يتغير الواقعُ في الماءِ بطَعمِ الماءِ أو ريحِه أو لونِه، وإذا غيَّره؛ فبالضرورة يكونُ الماءُ قد تغيَّرَ بِما وَقَعَ فيه، ثمَّ ذلك الواقعُ إنْ كان نَجِسًا نَجُسَ الماءُ بتغيُّرِه به، وإلا فيَسلُبُه الطَّهورِيَّة.

стр. 809

قلت: هذا بعيدٌ لفظًا ومعنًى، والأوَّلُ هو الظَّاهر. (حماد) هو ابنُ أبِي سُلَيمانَ الكوفيُّ، شيخُ أبِي حنيفةَ. (لا بأسَ بريشِ الميتة)؛ أي: إمَّا لأنَّه عندَه طاهرٌ، ولو كانَ غيرَ مَأكولٍ، وإمَّا لكونه لا يغيِّر ما يقعُ فيه، فيُستَشهدُ به على أنَّ ما لا يغيِّرُ لا بأسَ به، وهذا هو الظَّاهرُ اللائِقُ بقَصد البخارِيِّ؛ إذ ليسَ قصدُه وقوعَ طاهرٍ لا يغيِّر. (نحو الفيل وغيره)؛ أي: ما لا تُؤثِّرُ الذَّكاةُ فيه، غيرُ المَأكولِ، ويحتملُ إرادةُ الأعمِّ من ذلك. (ناسًا)؛ أي: كثيرًا، فتنوينُه للتكثير، إذ المَقام يقتضيه، نحو: إنَّ لنا مالًا. (ويدهنون) بالتَّشديد، افتِعَالٌ من الدَّهن، أُبدِلَ من تائِهِ دالٌ وأُدغِمَت. (بأسًا)؛ أي: حَرَجًا، أي: ولو كانَ نَجِسًا لما امتَشطُوا به، وادَّهنوا، وعُلِمَ أنَّ عَظمَ الفَيل إذا وَقع في الماء فلا بأسَ به، فإمَّا بناءً على طَهارته كقولِ أبي حنيفة؛ لأنَّه لا تَحُلُّه الحياة عندَه، أو لأنَّه نَجسٌ مُطلقًا كقول الشَّافعي، أو إذا لم يُذَكَّ كقول مالكٍ، لكنَّ وقوعَه في الماء لا يغيِّر، كما سبق مثلُه في الرَّش، وإنَّ الظَّاهرَ الثاني. (ابن سيرين)؛ أي: محمَّد الإمام. (العاج) بتخفيف الجيم: عَظْمُ الفَيل، أي: ولو كانَ نَجِسًا لَمَا صَحَّ بيعُه، وإيرادُ ذلك كلِّه من البُخاريِّ يدلُّ على أنَّ عندَه أنَّ الماءَ

стр. 810

قليلًا كان أو كثيرًا لا يَنجُسُ إلا بالتَّغيُّرِ كما هو مذهبُ مالكٍ، وذَكَر من الحديثِ ما يَشهدُ؛ لأنَّ التَّغيُّرَ هو المؤثِّرُ، ولكنْ سيأتي جَوابه. * * * ٢٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأرةٍ سَقَطَتْ فِي سَمنٍ فَقَالَ: (ألقُوها وَمَا حَوْلَها فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ). الحديث الأول (م س): (وما حولها) دليلٌ على أنَّ السَّمنَ كان جامدًا؛ إذ المائعُ لا حولَ له، أو الحولُ كلُّه فيُلقى، وقد صرَّح به في بعضِ الرِّوايات؛ لأن الجامدَ لا يسري بعضُه إلى بَعضٍ. * * * ٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: (خُذُوها وَمَا حَوْلَها فَاطْرَحُوهُ). قَالَ مَعْنٌ: حَدَّثَنَا مَالكٌ مَا لَا أُحصِيهِ يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونة.
следующие страницы →