Полный текст (8 898 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.
стр. 7701
يستوي فيه المذكر والمؤنث، إمّا لكونه جائزًا لا واجبًا، أو الوجوب في المفرد، لا حالَ التثنية، أو أنث لمناسبة خفيفة وثقيلة، إذ هما بمعنى فاعل لا مفعول، أو التاء لنقل اللّفظ من الوصفية إلى الاسمية.
(الرّحمن) خص من بين سائر الأسماء؛ لأن السياق لبيان سَعَةِ رحمة الله تعالى؛ حيث يجازي على العمل القليل الثوابَ الكثير.
(سبحانَ) لازم النصب على المصدرية بإضمار فعل، وهو عَلَم على التسبيح، وهو من العَلَم الجنسي الّذي للمعنى، والعَلَم شخصي وجنسي، ويكون للعين وللمعنى، وأمّا وجوب إضافته مع كونه علمًا، ولا يجمَع بين إضافة وعَلَمية، فجوابه: أنه يُنَكَّر، ثمّ يضاف؛ كما قال:
عَلَا زَيْدُنَا يَوْمَ الوَغَى رَأْسَ زَيْدِكُمْ ... بابيَضَ مَاضِي الشَّفْرَتَيْنِ يَمَانِي
والتسبيحُ معناه: التنزيهُ، أي: أنزه اللهَ تعالى عما لا يليق به.
(وبحمده) الواو فيه للحال، أي: سبحْتُ اللهَ متلبسًا بحمدي له، من أجل توفيقه لي، ويحتمل أن الحمد مضاف للفاعل.
والمرادُ من الحمد: لازمُه مجازًا، وهو ما يوجب الحمدَ؛ من التوفيق ونحوِه، أو بعطف جملة على جملة، أي: والتبستُ بحمده.
والمختار في الحمد: أنه الثّناء على الجميل الاختياري على وجه التعظيم، والإشارةُ بالتسبيح إلى وصفه تعالى بصفات الجلال،
стр. 7702
وهي السلبية؛ نحو: لا شريكَ له، ولا جهةَ له، ولا مثلَ له، ونحو ذلك من التنزيهات، وبالحمد؛ لصفات الإكرام؛ كالعلم، والقدرة، ونحوِهما، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٧]، وقدم السلبيّ على الوجوديّ؛ لأن النظم الطبيعي يقتضي إثبات التخلية أولًا عن النقصان، والتحلية ثانيًا بالكمال.
وفيه نكتةٌ أُخرى، وهي الإتيانُ باسم الله الّذي هو اسمٌ للذات المقدسة، الجامعةِ لجميع الصفات العليا، والأسماء الحسنى، ثمّ وصفه بالعظيم الّذي هو شامل لسلب ما لا يليق به؛ وإثبات ما يليق به؛ لأنها العظمة المطلقة، وأمّا تكرار التسبيح، فللإشعار بتنزيهه على الإطلاق، ثمّ بأن التسبيح ليس إلا متلبسًا بالحمد؛ ليعلم ثبوت الكمال له نفيًا وإثباتًا معًا جميعًا، أو لأن الاعتناء بشأن التنزيه أكثرُ من الاعتناء بالتحميد؛ لكثرة المخالفين فيه؛ قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، ولهذا جاء في القرآن بعبارات متعددة بلفظ المصدر؛ نحو: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء: ١]، ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ [الجمعة: ١]، ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ [الحديد: ١]، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] أو أن التنزيهات ممّا تدركها عقولنا، والكمالات تقصر عن إدراك حقيقتها؛ كما قال بعض المتكلمين: الحقائقُ الإلهيةُ لا تعرف إلا على طريق السلب؛ كما يقال في العلم: لا يدرى منه إلا أنه ليس بجاهل، أنها معرفةُ حقيقةِ علمه، فلا سبيل إليها، فهي كلمة جامعة ممتثل بها قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [طه: ١٣٠]، وينحط
стр. 7703
عن الممتثل بها خطاياه، وإن كانت مثلَ زبد البحر.
* * *
٦٦ - باب فَضْلِ ذِكْرِ اللهِ -
(باب: فضل ذكر الله تعالى)
٦٤٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ".
الحديث الأوّل:
(مَثَلُ الّذي يذكر ربه) وجهُ تشبيه الذاكرِ بالحيِّ: الاعتدادُ به، والنفعُ، والنصرة، ونحوها.
* * *
٦٤٠٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ، يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللهَ تنادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ، قَالَ: فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالَ: فَيَسْأَلهُمْ رَبُّهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟
стр. 7704
قال: تقول: يُسَبِّحُونَكَ، وَيُكَبِّرُونَكَ، وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا وَاللهِ مَا رَأَوْكَ، قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا، قَالَ: يَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قَالَ: يَسْأَلُونَكَ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَلَيْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ قَالَ: يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ، قَالَ: يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَا وَاللهِ مَا رَأَوْهَا، قَالَ: يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا، وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً، قَالَ: فَيَقُولُ: فَأُشْهِدِكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قَالَ: يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ"، رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ وَلَمْ يَرْفَعْهُ، وَرَوَاهُ سُهَيْلٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الثانِي:
(أهل الذكر) متناول لذوي الصّلاة، وقراءة القرآن، والحديث، وتدريس العلم، ومناظرة العلماء، ونحو ذلك.
(هلمّوا)؛ أي: تعالوا، وهو على لغة تميم في عدم استواء
стр. 7705
الواحد والجمع فيه.
(فيسألهم) حكمةُ السؤال، مع أنه عالم بذلك: الإظهارُ للملائكة أن في بني آدم المسبحين والمقدسين.
وفيه: شرفُ أصحاب الأذكار المواظبين الملازمين لها، وكثرةُ أعداد الملائكة، وشهادتهم لبني آدم بالخيرات، واستدراك لقولهم فيما سبق: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وفيه: إثبات الجنَّة والنار، وأن الصحبة لها تأثير عظيم، وأن جلساء السعداء سعداء، والتحريض على صحبة أهل الخير.
(رواه شعبة) وصله أحمد، والإسماعيلي.
(ورواه سهيل) وصله أحمد، وأبو داود الطيالسي.
* * *
٦٧ - باب قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّة إلا بِاللهِ
(باب: قول: لا حول ولا قوة إلا بالله)
٦٤٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ فِي عَقَبَةٍ، أَوْ قَالَ: فِي ثَنِيَّةٍ، قَالَ: فَلَمَّا عَلَا عَلَيْهَا رَجُلٌ نَادَى فَرَفَعَ صَوْتَهُ: لَا إِلَهَ إلا اللهُ وَاللهُ أكبَرُ، قَالَ: وَرَسُولُ اللهِ ﷺ -
стр. 7706
عَلَى بَغْلَتِهِ، قَالَ: "فَإِنَّكمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا"، ثُمَّ قَالَ: "يَا أَبَا مُوسَى، أَوْ يَا عَبْدَ اللهِ! أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ؟ "، قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ".
(أو قال: ثنية)؛ أي: عقبه، فالشكُّ من الراوي في اللفظين.
قال (ك): هو على قول من لا يجيز الرِّواية بالمعنى.
(كنز)؛ أي: كالكنز في كونه ذخيرةً نفسية بتوقع الانتفاع بها، وسبق الحديث مرارًا.
(لا حول ولا قوة إلا بالله) محلُّه إمّا رفع خبر عن مبتدأ مقدر؛ أي: هو، أو نصب بتقدير: أعني، أو خفض بدلًا من (كنز).
* * *
٦٨ - باب للهِ مِائَةُ اسْم غَيْرَ وَاحِدٍ
(باب: لله مئةُ اسْمِ غير واحدة)
أي: تسمية واحدة.
٦٤١٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَفِظْنَاهُ مِنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً قَالَ: "للهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا، مِائَةٌ إلا وَاحِدًا، لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إلا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهْوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ".
стр. 7707
(مئة) رفع على البدلية، أو خبر مبتدأ محذوف.
(واحدًا) نصب على الاستثناء، ويجوز رفعه على جعل (إلا) بمعنى: غير، فتكون صفة لـ (مئة) كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
والحكمة في إعادة مئة إلا واحدًا، وهو معنى تسع وتسعين: التوكيدُ، ودفعُ التصحيف والالتباس بسبع وسبعين، والوصفُ بالعدد الكامل في ابتداء السماع.
وأمّا حكمة الاستثناء، وتنقيص واحد، فلأن الفرد أفضلُ من الزوج، ومنتهى الإفراد من المراتب من غير تكرار تسع وتسعين؛ لأن مئة وواحدًا يتكرر فيه الواحد، وسبق آخر (كتاب الشروط) فيه وجه آخر.
(يحفظها)؛ أي: يحافظ على مقتضياتها، والتصديق بمعانيها.
وقيل: ليس فيه حصر الأسمائيّة، وأن لا اسم غير ذلك، بل هذه الأسماء من أحصاها دخل الجنَّة، فهو خبر عن دخول الجنَّة بإحصائها، لا إخبارٌ بحصر الأسماء فيها.
وقيل: أسماء الله تعالى، وإن لم تنحصر؛ لكن بمعاني جميعها محصورة في هذه.
قيل: وفيه دليل على أن أشهر أسمائه هو الله؛ لإضافة الأسماء إليه، وفيه: أن الاسم هو المسمى، وقيل: هو الاسم الأعظم.
стр. 7708
(وتر) بالكسر؛ أي: فرد، وقد تفتح.
(يحب الوتر) لذلك جعل الصلواتِ خمسًا، والطوافَ سبعًا، وندب التثليث في أكثر الأعمال، وخلق السماوات سبعًا، ونحو ذلك.
* * *
٦٩ - باب الْمَوْعِظَةِ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ
(باب: الموعظة سَاعة بَعْدَ سَاعَةٍ)
٦٤١١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ قَالَ: كُنَّا نَنْتَظِرُ عَبْدَ اللهِ، إِذْ جَاءَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، فَقُلْنَا: أَلَا تَجْلِسُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَدْخُلُ فَأُخْرِجُ إِلَيْكُمْ صَاحِبَكُمْ، وَإِلَّا جِئْتُ أَنَا، فَجَلَسْتُ فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِهِ، فَقَامَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أَخْبَرُ بِمَكَانِكُمْ، وَلَكِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنَ الْخُرُوج إِلَيْكُمْ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأيَّامِ، كَرَاهِيَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا.
(يزيد بن معاوية)؛ أي: النخعي الكُوفيُّ التابعي، من أصحاب ابن مسعود.
(صاحبكم)؛ أي: ابن مسعود.
(أما) بالتخفيف.
(إنِّي) بالكسر.
стр. 7709
(أُخْبَر) بالبناء للمفعول.
(بمكانكم)؛ أي: بأنه مشغول بكم، أو المكان بمعنى: الكون.
(يتخوَّلُنا)؛ أي: يتعهَّدُنا.
(السآمة): الملالة وَزْنًا ومعنى، وسبق الحديث في (كتاب العلم).
* * *
стр. 7710
٨١ - كِتَابُ الرِّقَاقِ
стр. 7711
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٨١ - كِتَابُ الرِّقَاقِ
١ - باب مَا جَاءَ فِي الرِّقَاقِ، وَأَنْ لَا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخِرة
(كتاب الرقائق)
جمع رقيقة، من الرِّقَّة ضد الغلظة؛ أي: الكلمات المرقِّقَة للقلوب؛ أي: من الرقة بمعنى: الرّحمة، وفي بعضها: (الرقاق) جمع رقيق.
(باب: الصِّحَّة والفراغ)
كذا ابتدأ عبد الله بن المبارك في كتابه في الرقائق بحديث: "نعمتان" إلى آخره، فلعلّ البخاريّ اقتدى به.
٦٤١٢ - حَدَّثَنَا الْمَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، هُوَ ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ".
стр. 7712
٦٤١٢ / -م - قَالَ عَبَّاسٌ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
الحديث الأوّل:
(مغبون) خبر مقدم للمبتدأ، وهو (كثير)؛ من الغَبْن -بإسكان الباء-، وهو النقص في البيع، أو بفتحها، وهو النقص في الرأي؛ فكأنه قال: هذان الأمران إذا لم يستعملا فيما ينبغي، فقد غُبِن صاحبُهما؛ أي: باعهما ببخس لا تحمد عاقبتُه؛ أي: ليس له في ذلك رأي البتة؛ فإن الإنسان إذا لم يعمل الطّاعة في زمن صحته، ففي زمن المرض بطريق الأولى؛ وكذا الفراغ، فيبقى بلا عمل خاسرًا مغبونًا؛ فالإنسان يكون صحيحًا لا متفرغًا للعبادة؛ لاشتغاله بأسباب المعاش، وبالعكس، فإذا اجتمعا للعبد، وقصَّر في نيل الفضائل، غبن كلَّ الغبن؛ فإن الدنيا سوق الأرباح، وتجارات الآخرة.
قال (ط): فيه تنبيه على عظيم نعمة الله تعالى على عباده في الصِّحَّة والكفاية، إذ لا يكون فارغًا حتّى يكون مكفيًا، فمن أنعم الله عليه بهما، فليحذر أن يغبنهما، لا سيما و [هو] يعلم أنه خلقه من غير ضرورة له، وبدأه بالنعم الجليلة؛ كالصحة ونحوها، من غير استحقاق منه لها، وضمن أرزاقه، ووعده بجزاء الحسنات أضعافًا مضاعفة، وأمره أن يعبده شكرًا عليها، وتحصيلًا لجزاء أعماله، فمن لم يفعل، فقد غُبن أيامَهُ، ويندم حيث لا ينفعه الندم.
стр. 7713
(قال العباس العنبري) رواه ابن ماجه عنه.
* * *
٦٤١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخِرَهْ. فَأَصْلِح الأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ".
٦٤١٤ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا أبُو حَازِمٍ، حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ السَّاعِدِيُّ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الْخَنْدَقِ وَهْوَ يَحْفِرُ، وَنحنُ ننقُلُ التُّرَابَ ويَمُرُّ بِنَا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخِرَهْ. فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ".
تَابَعَهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
الثاني، والثالث:
سبق شرحهما.
(ويمر بنا) في بعضها: (وبَصُرَ بنا).
* * *
٢ - باب مَثَلِ الدُّنيَا فِي الآخِرَةِ
وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ
стр. 7714
فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
(باب: مثل الدنيا في الآخرة)
٦٤١٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
(وَلَغَدْوَة) بفتح المعجمة وسكون المهملة.
(في سبيل الله) أعمّ من الجهاد، كما سبق مرات.
(أو) هي للتنويع، لا لشكِّ الراوي.
* * *
٣ - باب قَوْل النَّبِيِّ ﷺ : "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيِبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ "
(باب: قول النَّبيّ ﷺ : كن في الدنيا كأنك غريب)
هي كلمة جامعة لأنواع النصح؛ إذ الغريبُ لقلةِ معرفتِه بالناس
стр. 7715
قليلُ الحسد، والعداوة، والحقد، والنفاق، والنزاع، وسائر الرذائل، منشؤها الاختلاطُ بالخلائق، ولقلة إقامته قليلُ الدَّار والمزرعة والأهل والعيال، وسائرِ العلائق الّتي هي منشأ الاشتغال عن الخالق تعالى.
(أو عابر سبيل) هو أعمُّ من الغريب؛ لأن العابر قد لا يكون غريبًا، والمبالغة فيه أكثر؛ لأن تعلقاتِه أقلُّ من تعلقات الغريب، ففيه الترقي، وفيه الترغيبُ في الآخرة، والتوجُّه إليها، وأنها المرجعُ، ودار القرار، والزهدُ في الدنيا، والاستعدادُ للموت، ونحوُ ذلك.
* * *
٦٤١٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبُو الْمُنْذِرِ الطُّفَاوِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: "كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ"، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تنتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تنتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ.
(وخذ)؛ أي: خذ بعضَ أوقات صحتك لوقت مرضك؛ أي: اشتغلْ في الصِّحَّة بالطاعة بقدر ما لو وقع في المرض تقصيرٌ يدرَك بها.
* * *
стр. 7716
٤ - باب فِي الأَمَلِ وَطُولِهِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾. ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. وَقَالَ عَلِيٌّ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً، وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةُ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ، ﴿بِمُزَحْزِحِهِ﴾: بِمُبَاعِدِهِ.
(باب: في الأمل وطوله، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ﴾ [آل عمران: ١٨٥])
مناسبةُ ذكر الآية للترجمة باعتبار أولها، وهو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، أو عَجُزها، وهو: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أو ذكرها لمناسبة قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ﴾ [البقرة: ٩٦]؛ إذ في تلك الآية: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦].
(فإن اليوم عمل) العمل إن كان في اليوم، وليس نفسُ اليوم عملًا، إلا أنه أخبر عنهُ مبالغة؛ فإنه نفس العمل، نحو: نهاره صائم، وأبو حنيفة فقهٌ.
стр. 7717
(ولا حسابَ) بالفتح؛ أي: لا حساب فيه، وبالرفع؛ أي: ليس في اليوم حساب، ومثلُه شاذّ عند النحاة، فهو حجة عليهم.
* * *
٦٤١٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مُنْذِرٍ، عَنْ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ، مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، وَقَالَ: "هَذَا الإنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، أَوْ قَدْ أَحَاطَ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطُطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نهشَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نهشَهُ هَذَا".
الحديث الأوّل:
(خططًا) بضم الخاء وكسرها: جمع خطة.
(هذا الإنسانُ) مبتدأ وخبر؛ أي: على سبيل التمثيل؛ ويروى: (خطوطًا)، فإن قيل: الخطوط ثلاثة؛ لأن الصغار كلها في حكم واحد، والمشار إليه أربعة، فكيف ذلك؟ قيل: الداخل له اعتبارات، فالنصفُ الداخلُ فنه الإنسانُ فرضًا، والنصفُ الخارجُ منه أملُه.
(الأعراض)؛ أي: الآفات العارضة له.
وقال (ش): جمع عَرَض، وهو ما يُنتفع به في الدنيا.
стр. 7718
(فإن أخطأه)؛ أي: بأن تجاوز عنه هذا العرض، لدغه العرض الآخر، وإن تجاوزت عنه هذه الأعراض؛ أي: الآفات جميعُها من الأمراض المهلكة ونحوها، (نهشه)؛ أي: لدغه (هذا)؛ أي: الأَجَل، يعني: إن لم يمت بالموت الاخترامي، لا بد أن يموت بالموت الطبيعي، وحاصله: أن ابن آدم يتعاطى الأمل، ويختلجه الأجل دون الأمل؛ قال الشاعر:
اللهُ أَصْدَقُ وَالآمَالُ كَاذِبَةٌ ... وَجُلُّ هَذِي المُنَى في الصَّدْرِ وَسْوَاسُ
* * *
٦٤١٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ ﷺ خُطُوطًا، فَقَالَ: "هَذَا الأَمَلُ، وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الأَقْرَبُ".
الثاني:
(خطوطًا) ذكره جمعًا، ولم يذكر في التفصيل إلا اثنين اختصارًا، فالخط الآخر: الإنسانُ، والخطوطُ الأُخرُ: الآفاتُ، والخطُّ الأقربُ: الأجل؛ إذ لا شك أن الخط المحيط أقربُ من الخط الخارج منه.
واعلم أن الأمل مذموم، قالوا: إلا للعلماء؛ فلولا أملُهم وطولُه
стр. 7719
لَمَا صنفوا، والفرقُ بينه وبين الأُمنية: أن الأمل ما أملته عن سبب، والتمني من غير سبب.
قال بعض العلماء الحكماء: الإنسان لا ينفكُّ من الأمل، فإن فاته، عوّل على التمني، وقالوا: من قصّر من أمله، كرمه الله تعالى بأربع كرامات؛ لأنه إذا ظن أنه يموت عن قريب، يجتهد في الطّاعة، وتقل همومه، فإنّه لا يهتم لما يستقبله من المكروه، ويرضى بالقليل، ويتنوّر قلبه.
* * *
٥ - باب مَنْ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً فَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ إِلَيْهِ فِي الْعُمُرِ لِقَوْلهِ: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾
(باب: من بلغ ستين سنةً، فقد أعذرَ الله إليه)
أي: أزال الله عذره، فلم يُبق فيه موضعًا للاعتذار حيث أمهلَه هذه المدةَ، ولم يعتذر، يقال: أعذر الرَّجل: إذا بلغ أقصى الغاية في العذر، فلا ينبغي له حينئذ إلا الاستغفار، والطاعة، والإقبال على الآخرة بالكلية، ولا يكون له على الله بعد ذلك حجة، فالهمزة للسلب، وقيل: معناه: أقام الله عذره في تطويل عمره وتمكينه من الطّاعة مدة مديدة.
* * *
стр. 7720
٦٤١٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُطَهَّرٍ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مَعْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغِفَارِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً"، تَابَعَهُ أَبُو حَازِمٍ، وَابْنُ عَجْلَانَ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ.
الحديث الأوّل:
(ستين سنة) هي رابع الأسنان كما قاله الأطباء: سن الطفولة، وسن الشباب، وسن الكهولة، وسن الشيخوخة، وفيه يظهر ضعف القوة، ويتبين النقص، والانحطاط، ويجيئه نُذُر الموت، فهو وقت الإنابة إلى الله .
(تابعه أبو حازم) وصله الإسماعيلي، وابن مَنْدَهْ.
(وابن عجلان) وصله أحمد، والبيهقي.
* * *
٦٤٢٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَفْوَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنتَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا، وَطُولِ الأَمَلِ".
قَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، وَابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَني سَعِيدٌ، وَأَبُو سَلَمَةَ.
стр. 7721
الثّاني:
(الكبير)؛ أي: الشّيخ، وذكرُ هذا الحديث في الباب قبله أنسبُ.
(قال اللَّيث) وصله الإسماعيلي.
* * *
٦٤٢١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قتادَةُ، عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ، وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ: حُبُّ الْمَالِ، وَطُولُ الْعُمُرِ"، رَوَاهُ شُعْبَةُ، عَنْ قتادَةَ.
الثّالث:
(يَكْبَرُ) بفتح الموحدة؛ أي: يطعَن في السن.
(يكبُر معه) بضم الموحدة؛ أي: يعظُم، فإن صحت الرِّواية في يكبر الثّانية بالفتح، فالجمع بينه وبين الحديث السابق الذي فيه ذكرُ الشباب: أن المراد بالشباب: الزيادة في القوة، وبالكبر: الزيادة في العدد، ذاك باعتبار الكيف، وهذا باعتبار الكم.
(اثنان) وجه التخصيص بهما: أن أحبَّ الأشياء إلى ابن آدم نفسُه، فيحب بقاءها، وهو العمر، وسببُ بقائها المال، فإذا أحسّ بالرحيل، قوي حبّه لذلك:
وَطِيبُ الكَرَى عِنْدَ الصَّبَاحِ يَطِيبُ
стр. 7722
(رواه شعبة) وصله مسلم.
* * *
٦ - باب الْعَمَلِ الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ فِههِ سَعْدٌ
(باب: العمل الّذي يُبتغى به وجه الله)
قوله: (فيه سعد)؛ أي: حديث سعد بن أبي وقّاص، سبق في (الجنائز) وغيره، وهو: "إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إلَّا أُجِرْتَ بِهَا".
٦٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَزَعَمَ مَحْمُودٌ أنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَالَ: وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا مِنْ دلْوٍ كَانَتْ فِي دَارِهِمْ.
٦٤٢٣ - قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ قَالَ: غَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "لَنْ يُوَافِيَ عَبْدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إلا اللهُ، يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ، إلا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ".
الحديث الأوّل:
(زعم)؛ أي: قال.
(عقل)؛ أي: لأنه كان صغيرًا حين دخل النبي ﷺ دارهم،
стр. 7723
وشرب ماء، ومَجَّ من ذلك الماء مجةً على وجهه.
وسبق الحديث بطوله في (باب المساجد في البيوت)، إلا أنه هناك الزُّهْري هو الّذي سأل الحُصين، وسمع منه، والمفهوم هنا: أنه محمود، فقال (ك): إن كانت الراوية بالرفع، فهو عطف على محمود؛ أي: أخبرني محمودٌ، ثمّ أحدُ بني سالم، وإن كانت بالنصب، فالمراد: سمعت عتبانَ الأنصاريَّ، ثمّ السالميَّ؛ إذ عتبانُ كان سالميًّا أيضًا. أو يقال: بأن السماع من حصين كان حاصلًا لهما، ولا محذور في ذلك؛ لجواز سماع الصحابي من التابعي، وبأن المراد من الأحد: غيرُ الحصين، وأمّا قوله هناك: (حَرَّمَهُ عَلَى النَّارِ)، وهنا: (حرم اللهُ عليه النارَ)، فذاك حقيقة باعتبار أن النّار تأكل كلّ ما يلقى فيها؛ التّحريم يناسب الفاعل، ومعناهما يؤول إلى واحد؛ لتلازمهما.
(يوافى)؛ أي: يأتي، يقال: وافى القومَ: أتاهم.
(وجه الله)؛ أي: ذاته، والحديث من المتشابه، أو لفظُ الوجه زائد، أو المراد: جهة الحق والإخلاص، لا الرياء ونحوه.
* * *
٦٤٢٤ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ، إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلا الْجَنَّةُ".
стр. 7724
الثّاني:
(صَفِيَّه)؛ أي: حبيبه المصافي له، والصفيُّ: الخالصُ من كلِّ شيء؛ كالولد، والأخ، وسائر محبوباته.
(احتسبه)؛ أي: صبر عليه لله تعالى، ولم يجزع على فقده، والحِسبة بالكسر: الأجرة، واسم من الاحتساب، واحتسب بكذا أجرًا عند الله؛ أي: نوى به عند الله .
* * *
٧ - باب مَا يُحْذَرُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا، وَالتَّنَافُسِ فِيهَا
(باب: ما يحذر من زهرة الدنيا)
أي: بهجتها، ونضارتها، وحسنها.
(والتنافس)؛ أي: الرغبة.
٦٤٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبة، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ، كَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ يَأْتِي بِجزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ
стр. 7725
الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِهِ، فَوَافَتْهُ صَلَاةَ الصُّبْح مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ تَعَرَّضُوا لَهُ، فتبَسَّمَ حِينَ رَآهُمْ وَقَالَ: "أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِشَيْءٍ"، قَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَاللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فتنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا ألهَتْهُمْ".
الحديث الأوّل:
(البحرين) تثنية بحر: اسمُ بلدٍ بقرب الهند.
(فوافت)؛ أي: أتوا.
(فأبشروا) بهمزة قطع.
(وأَمِّلُوا) من التأميل، وهو الرجاء.
(الفقرَ) منصوب بـ (أخشى) بعده، ورفعُه ضعيف؛ لاحتياجه حينئذ إلى ضمير يعود عليه، وإنّما يجيء مثله في الشعر.
(وتلهيكم)؛ أي: عن الآخرة، سبق في (الجزية).
* * *
٦٤٢٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ
стр. 7726
يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "إِنِّي فَرَطُكُمْ، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ، وَإِنِّي وَاللهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، أَوْ مَفَاتِيحَ الأَرْضِ، وَإِنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تنافَسُوا فِيهَا".
الثّاني:
(فصلّى)؛ أي: دعا لهم بدعاء صلاة الميِّت، وإلا، فقد سبق في (الجنائز): أنه دفن شهداء أُحد قبل أن يصلّي عليهم.
(فَرَطُكُم) بفتح الراء: هو المتقدم في طلب الماء؛ أي: سابقُكم إليه كالمهيئ له.
وفيه: إثبات الحوض المورود أنه مخلوق اليوم.
وفيه: إخبار بالغيب محجزة له ﷺ .
* * *
٦٤٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ زيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ أكثَرَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ"، قِيلَ: وَمَا بَرَكَاتُ الأَرْضِ؟ قَالَ: "زَهْرَةُ الدُّنْيَا"، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: هَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟؛ فَصَمَتَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، ثُمَّ
стр. 7727
جَعَلَ يَمْسَحُ عَنْ جَبِينِهِ، فَقَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ؟، قَالَ: أَنَا، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: لَقَدْ حَمِدْنَاهُ حِينَ طَلَعَ ذَلِكَ، قَالَ: "لَا يَأْتِي الْخَيْرُ إلا بِالْخَيْرِ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وَإِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ، إلا آكِلَةَ الْخَضِرَةِ، أكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ، فَاجْتَرَّتْ وَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ، وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ حُلْوَةٌ، مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعْمَ الْمَعُونة هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ، كَانَ الَّذِي يَأَكُلُ وَلَا يَشْبَعُ".
الثّالث:
(ما يخرج) خبر (إن)، إمّا بتقدير حرف جزاء؛ أي: ممّا يخرج، أو بتقدير لفظ آخر؛ أي: أخاف عليكم بسببه.
(هل يأتي الخير بالشر)، أي: هل تصير النعمةُ عقوبةً.
(حمدناه) يجمع بينه وبين ما سبق في (الزَّكاة) في (باب الصَّدقة على اليتامى) أنهم ذموه، وقالوا له: تكلِّمُ النبيَّ ﷺ ولا يكَلِّمُكَ: أن الحمدَ والذمَّ باعتبارين، أو في حالتين، وسبق شرح الحديث هناك.
* * *
٦٤٢٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي زَهْدَمُ بْنُ مُضَرِّبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ
стр. 7728
يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"، قَالَ عِمْرَانُ فَمَا أَدْرِي قَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ قَوْلهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، "ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذِرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ".
الرابع:
(ولا يستشهدون)؛ أي: شهادة الحسبة.
(ويخونون)؛ أي: خيانة ظاهرة؛ بحيث لا يبقى معها للناس اعتماد عليه.
(السِّمَن)؛ أي: يتكَثَّرون بما ليس فيهم من الشرف، أو يجمعون الأموال، أو يغفلون عن أمر الدين، ويقللون الاهتمام به؛ لأن الغالب على السمين أن لا يهتم بالرياضة، والظاهر: أنه حقيقة؛ لكن المراد به: ما يستكسبه، لا الخلقي.
* * *
٦٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونهمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ".
الخامس:
(عن أبي حمزة) بمهملة وزاي: محمّد بن ميمون.
стр. 7729
(تسبق)؛ أي: من حرصهم على الشّهادة يحلفون على ما يشهدون به، فتارة يحلفون قبل أن يشهدوا، وتارة بالعكس، وهذا مَثَل في سرعة الشّهادة واليمين، وحرص الرَّجل عليها، حتّى لا يدري بأيهما يبتديء، فكأنهما يتسابقان؛ لقلة مبالاته بالدِّين.
وفي الحديث: فضلُ الصّحابة، والتابعين، وتبع التابعين.
ومر الحديثان في (الشهادات).
* * *
٦٤٣٠ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَبابًا وَقَدِ اكْتَوَى يَوْمَئِذٍ سَبْعًا فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِالْمَوْتِ، إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ مَضَوْا وَلَمْ تنقُصْهُمُ الدُّنْيَا بِشَيْءٍ، وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا لَا نَجدُ لَهُ مَوْضِعًا إلا التُّرَابَ.
٦٤٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ قَالَ: أتيْتُ خَبابًا وَهْوَ يَبْنِي حَائِطًا لَهُ، فَقَالَ: إِنَّ أَصْحَابَنَا الَّذِينَ مَضَوْا لَمْ تَنْقُصْهُمُ الدُّنْيَا شَيْئًا، وَإِنَّا أَصَبْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ شَيْئًا، لَا نَجدُ لَهُ مَوْضِعًا إلا التُّرَابَ.
٦٤٣٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ خَباب ﵁ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
стр. 7730
السادس، والسابع، والثامن:
(خبابًا) سبق حديث قصته، والجمعُ بين ذمِّ الكيِّ وجوازه سبق قريبًا في (كتاب الطب)، والمراد: أنهم لم يشتغلوا بجمع المال؛ بحيث يلزم في كمالهم نقصان، والمراد من التراب: بناء الحيطان؛ بقرينة: (وهو يبني)، ولولا ذلك، احتمل اللفظُ الكنزَ، ودفنَ الذهب في الأرض، والمدار في هذه الأحاديث على فقر الماضين، وغنى الباقين.
* * *
٨ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾
جَمْعُهُ سُعُرٌ، قَالَ مُجَاهِدٌ: الْغَرُورُ الشَّيْطَانُ.
(باب: قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر: ٥])
٦٤٣٣ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْقُرَشِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُعَاذُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ ابْنَ أَبَانَ أَخْبَرَهُ قالَ: أَتَيْتُ عُثْمَانَ بِطَهُورٍ وَهْوَ جَالِسٌ عَلَى الْمَقَاعِدِ، فتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ وَهْوَ فِي هَذَا
стр. 7731
الْمَجْلِسِ، فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ هَذَا الْوُضُوءِ، ثُمَّ أتى الْمَسْجدَ فَرَكَعَ رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، قَالَ: وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَغْتَرُّوا".
(المقاعد) بقاف ومهملتين: موضع بالمدينة.
(لا تغتروا)؛ أي: فتجترئون على الذنوب معتمدين على المغفرة بالوضوء؛ فإن ذلك بمشيئة الله تعالى.
* * *
٩ - باب ذَهَابِ الصَّالِحِينَ
(باب: ذهاب الصالحين) بكسر الذال؛ أي: الفقد، وأمّا ذَهاب -بالفتح-، فجمع ذهبة -بالكسر-، وهي المطيرة الضعيفة؛ قاله في "المُحْكم".
٦٤٣٤ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانةَ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَيَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ، لَا يُبَالِيهِمُ اللهُ بَالَةً"، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: يُقَالُ حُفَالَةٌ وَحُثَالَةٌ.
(حُفَالة) بضم المهملة ثمّ فاء، أو مثلثة؛ كفوم وثوم: الرذالة من لكل شيء، وقيل: ما يبقى من آخر الشعير أو من التّمر أردؤه.
стр. 7732
(لا يُبَالِيهِمُ)؛ أي: لا يرفع لهم قدرًا، ولا يقيم لهم وزنًا، يقال: ما باليته.
(بالةً) نصبه على المفعول المطلق، وإن لم يكن مصدرًا لباليت؛ بل اسم مصدر، وقيل: أصله باليةً، فحذفت الياء تخفيفًا، وسبق في (غزوة الحُديبية).
* * *
١٠ - باب مَا يُتَّقَى منْ فتْنَة الْمَال، وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
(باب: ما يتقى من فتنة المال)
٦٤٣٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَم، وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ، إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وإنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ".
الحديث الأوّل:
(تَعسَ) بكسر المهملة وفتحها: هلك وسقط.
(عبدُ الدّينار)؛ أي: خادمه، وطالبه، فكأنه عبدٌ له.
(والقطيفة): الدثار المخمل.
стр. 7733
(والخميصة) الكساء الأسود المربع.
(أُعطي) مبني للمفعول؛ قال تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ الآية [التوبة: ٥٨].
* * *
٦٤٣٦ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقولُ: "لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلا التُّرَابُ، وَيتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ".
الثّاني:
(لهما) متعلّق بـ (ثالثًا)، كان صفة له، فصار بتقدمه حالًا، لا بـ (أبتغي)؛ لأنه متعدٍّ بنفسه، والمراد بابن آدم: الجنسُ باعتبار طبعه، وإلا، فكثير منهم يقنع بما أُعطي، ولا يطلب زيادة، وذلك عارض له من توبة الله تعالى عليه.
(على من تاب)؛ أي: من المعصية، ورجع عنها؛ أي: يوفقه للتوبة، أو يرجع عليه من التشديد إلى التخفيف، أو يرجع عليه بقبوله.
* * *
٦٤٣٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا مَخْلَدٌ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ -
стр. 7734
يَقُولُ: "لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ مِثْلَ وَادٍ مَالًا لأَحَبَّ أَنَّ لَهُ إِلَيْهِ مِثْلَهُ، وَلَا يَمْلأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ".
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَا أَدْرِي مِنَ الْقُرْآنِ هُوَ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ.
٦٤٣٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِمَكَّةَ فِي خُطْبَتِهِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "لَوْ أَنَّ ابْنَ آدَمَ أُعْطِيَ وَادِيًا مَلَآنَ مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَانِيًا، وَلَوْ أُعْطِيَ ثَانِيًا أَحَبَّ إِلَيْهِ ثَالِثًا، وَلَا يَسُدُّ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ".
الثالث، والرابع:
(محمّد) قيل: هو ابن سلام.
(ملء) يروى: (مثل).
(يقول ذلك)؛ أي: حديث: "لو أَنَّ لابنِ آدَمَ"، أو لفظ: (لا أدري)، والظاهرُ الأولُ؛ لما في الحديث بعده، أنها تغاير ألفاظ الروايات في خوف، وعين، وفم، فإنّه تفنن في الكلام، والغرض بالكل: الموت؛ لأنه مستلزم لامتلاء ذلك ترابًا، أي: لا يشبع من الدنيا حتّى يموت.
* * *
стр. 7735
٦٤٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَوْ أَنَّ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَمْلأَ فَاهُ إلا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ تَابَ".
٦٤٤٠ - وَقَالَ لَنَا أَبُو الْوَلِيدِ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنسٍ، عَنْ أُبَيٍّ قَالَ: كُنَّا نَرَى هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ، حَتَّى نزَلَتْ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾.
الخامس:
(حتّى نزل: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ [التكاثر: ١]؛ أي: نزلت السورة الّتي في معنى ذلك، فنسخت تلاوة: (لو كان لابن آدم)، وبقي الحكم، لا أن الحكم منسوخ بـ (ألهاكم)؛ لأن شرط نسخه التعارض، ولا تعارض، فنزول ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، كان إعلامًا بنسخ ذلك، وإنّما كانت بمعناه؛ لأن بعضهم فسر زيارة المقابر بالموت؛ أي: شغلكم التكاثر من الأموال إلى أن متم، ويحتمل أن معناه: كنا نظن أنه قرآن، حتّى نزلت السورة الّتي بمعناه، فعرَّفنا النَّبيّ ﷺ أن ذلك ليس بقرآن، وأن القرآن هو: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾ إلى آخره.
* * *
стр. 7736
١١ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ "
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.
قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نستَطِيعُ إلا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ.
(باب: قول النَّبيّ ﷺ : هذا المال خضرة)
التاء فيه للمبالغة، أو باعتبار أنواع المال، أو صفة لمحذوف؛ أي: كبقلة.
(لا نستطيع)؛ أي: لا نقدر.
(إلا أن نفرح) بما حصل لنا ممّا في آية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤].
* * *
٦٤٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا الْمَالُ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لِي:
стр. 7737
يَا حَكِيمُ! إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأَكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى".
(بإشْرَاف) هو الاطلاع على الشيء، والتعرُّض له بنحو بَسْطِ اليد.
(كالذي يأكل ولا يشبع)؛ أي: كالجوع الكاذب، ويسمى: جوعَ الكلب، كلما ازداد أكلًا، زاد جوعًا. وسبق الحديث في (الزَّكاة) في (باب الاستعفاف).
* * *
١٢ - باب مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهْوَ لَهُ
٦٤٤٢ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُويدٍ قَالَ: عَبْدُ اللهِ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا مِنَّا أَحَد إلا مَالُهُ أَحَبُّ إلَيْهِ، قَالَ: "فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ".
(باب: ما قدم من ماله فهو له)
أي: قدمه على موته؛ بأن يكون صرفه في حياته في مصارف الخير.
стр. 7738
الحديث فيه ظاهر.
* * *
١٣ - باب الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْمُقِلُّونَ
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
(باب: المكثرون) أي: من المال، (هم المقلُّون)؛ أي: في الثواب.
* * *
٦٤٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيع، عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي، فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ "، قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ! تَعَالَهْ"، قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: "إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إلا مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا"، قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ
стр. 7739
سَاعَةً، فَقَالَ لِي: "اجْلِسْ هَا هُنَا"، قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ، فَقَالَ لِي: "اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ"، قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ، فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُقْبِلٌ وَهْوَ يَقُولُ: "وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى"، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نبَيَّ اللهِ! جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا.
قَالَ: "ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇، عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنىَ؟ قَالَ: نعمْ، قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ نعمْ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ".
٦٤٤٣ / -م - قَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، وَحَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَالأَعْمَشُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ، إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، قِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَ: مُرْسَل أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ: اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا، إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إِلَهَ إلا اللهُ عِنْدَ الْمَوْتِ.
(خيرًا)؛ أي: مالًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠].
стр. 7740
(فنفح) بالمهملة، أي: أعطى، والنفحة: الدفعة.
(في قاع): أرض سهلة مطمئنة انفرجت عنها الجبال.
(من تكلم) قال (ش): بفتح التاء وضمها، والضم من تكلم أنت، والفتح؛ أي: من تكلم معك، روي بهما.
(الحَرّة) بفتح الحاء المهملة: أرض ذات حجارة سود.
(دخل الجنَّة)، أي: كان مصيره إليها، وإن ناله عقوبة؛ جمعًا بينه وبين: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣]، وغير ذلك من الوعيد للفُساق.
(قال النضر)؛ أي: ابنُ شُميل، وصله الإسماعيلي، وابن مندَهْ في (الإيمان)، وابن حِبّان في "صحيحه".
قال (ك): قال الإسماعيلي: ليس في حديث شعبة قصة المكثرين والمقلين؛ إنّما فيه قصة من مات لا يشرك، والعجبُ من البخاريّ كيف أطلق هذا الكلام.
* * *
١٤ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا "
(باب: قول النَّبيّ ﷺ : ما أُحِبُّ أن لي أُحدًا ذهبًا)
نصب على التمييز، أي: مثل أُحُدٍ ذهبًا.
следующие страницы →