← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 18103

اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح

شمس الدين البرماوي

Полный текст (8 898 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.

стр. 7736

١١ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "هَذَا الْمَالُ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ " وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾. قَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نستَطِيعُ إلا أَنْ نَفْرَحَ بِمَا زَيَّنْتَهُ لَنَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ أَنْ أُنْفِقَهُ فِي حَقِّهِ. (باب: قول النَّبيّ ﷺ : هذا المال خضرة) التاء فيه للمبالغة، أو باعتبار أنواع المال، أو صفة لمحذوف؛ أي: كبقلة. (لا نستطيع)؛ أي: لا نقدر. (إلا أن نفرح) بما حصل لنا ممّا في آية: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤]. * * * ٦٤٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قَالَ: "هَذَا الْمَالُ، وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ لِي:

стр. 7737

يَا حَكِيمُ! إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِطِيبِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ، وَكَانَ كَالَّذِي يَأَكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى". (بإشْرَاف) هو الاطلاع على الشيء، والتعرُّض له بنحو بَسْطِ اليد. (كالذي يأكل ولا يشبع)؛ أي: كالجوع الكاذب، ويسمى: جوعَ الكلب، كلما ازداد أكلًا، زاد جوعًا. وسبق الحديث في (الزَّكاة) في (باب الاستعفاف). * * * ١٢ - باب مَا قَدَّمَ مِنْ مَالِهِ فَهْوَ لَهُ ٦٤٤٢ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُويدٍ قَالَ: عَبْدُ اللهِ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ "، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا مِنَّا أَحَد إلا مَالُهُ أَحَبُّ إلَيْهِ، قَالَ: "فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ". (باب: ما قدم من ماله فهو له) أي: قدمه على موته؛ بأن يكون صرفه في حياته في مصارف الخير.

стр. 7738

الحديث فيه ظاهر. * * * ١٣ - باب الْمُكْثِرُونَ هُمُ الْمُقِلُّونَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. (باب: المكثرون) أي: من المال، (هم المقلُّون)؛ أي: في الثواب. * * * ٦٤٤٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيع، عَنْ زيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْشِي وَحْدَهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ، قَالَ: فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ، قَالَ: فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ، فَالْتَفَتَ فَرَآنِي، فَقَالَ: "مَنْ هَذَا؟ "، قُلْتُ: أَبُو ذَرٍّ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ! تَعَالَهْ"، قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً، فَقَالَ: "إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إلا مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا"، قَالَ: فَمَشَيْتُ مَعَهُ

стр. 7739

سَاعَةً، فَقَالَ لِي: "اجْلِسْ هَا هُنَا"، قَالَ: فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ، فَقَالَ لِي: "اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ"، قَالَ: فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ، فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ، ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهْوَ مُقْبِلٌ وَهْوَ يَقُولُ: "وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى"، قَالَ: فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ: يَا نبَيَّ اللهِ! جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ؟ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا. قَالَ: "ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇، عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ، قَالَ: بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنىَ؟ قَالَ: نعمْ، قَالَ: قُلْتُ: وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى؟ قَالَ نعمْ، وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ". ٦٤٤٣ / -م - قَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، وَحَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، وَالأَعْمَشُ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ، حَدَّثَنَا زيدُ بْنُ وَهْبٍ بِهَذَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ، إِنَّمَا أَرَدْنَا لِلْمَعْرِفَةِ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، قِيلَ لأَبِي عَبْدِ اللهِ: حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَ: مُرْسَل أَيْضًا لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، وَقَالَ: اضْرِبُوا عَلَى حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا، إِذَا مَاتَ قَالَ: لَا إِلَهَ إلا اللهُ عِنْدَ الْمَوْتِ. (خيرًا)؛ أي: مالًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠].

стр. 7740

(فنفح) بالمهملة، أي: أعطى، والنفحة: الدفعة. (في قاع): أرض سهلة مطمئنة انفرجت عنها الجبال. (من تكلم) قال (ش): بفتح التاء وضمها، والضم من تكلم أنت، والفتح؛ أي: من تكلم معك، روي بهما. (الحَرّة) بفتح الحاء المهملة: أرض ذات حجارة سود. (دخل الجنَّة)، أي: كان مصيره إليها، وإن ناله عقوبة؛ جمعًا بينه وبين: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣]، وغير ذلك من الوعيد للفُساق. (قال النضر)؛ أي: ابنُ شُميل، وصله الإسماعيلي، وابن مندَهْ في (الإيمان)، وابن حِبّان في "صحيحه". قال (ك): قال الإسماعيلي: ليس في حديث شعبة قصة المكثرين والمقلين؛ إنّما فيه قصة من مات لا يشرك، والعجبُ من البخاريّ كيف أطلق هذا الكلام. * * * ١٤ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا " (باب: قول النَّبيّ ﷺ : ما أُحِبُّ أن لي أُحدًا ذهبًا) نصب على التمييز، أي: مثل أُحُدٍ ذهبًا.

стр. 7741

٦٤٤٤ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَرَّةِ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَقْبَلَنَا أُحُدٌ فَقَالَ: "يَا أَبَا ذَرٍّ"، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "مَا يَسُرُّنِي أَنَّ عِنْدِي مِثْلَ أحُدٍ هَذَا ذَهَبًا، تَمْضِي عَلَيَّ ثَالِثَةٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ، إلا شَيْئًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ، إلا أَنْ أقولَ بِهِ فِي عِبَادِ اللهِ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا"، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ مَشَى، فَقَالَ: "إِنَّ الأَكثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلا مَنْ قَالَ: هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ". ثُمَّ قَالَ لِي: "مَكَانَكَ لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ"، ثُمَّ انْطَلَقَ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ حَتَّى تَوَارَى، فَسَمِعْتُ صَوْتًا قَدِ ارْتَفَعَ، فتَخَوَّفْتُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَهُ لِي: "لَا تَبْرَحْ حَتَّى آتِيَكَ"، فَلَمْ أَبْرَحْ حَتَّى أَتَانِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتًا تَخَوَّفْتُ، فَذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: "وَهَلْ سَمِعْتَهُ؟ "، قُلْتُ: نعمْ. قَالَ: "ذَاكَ جِبْرِيلُ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ"، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ". الحديث الأوّل: قال (ك): إنّه مسند من طريق أبي ذر، مرسل من طريق أبي الدرداء.

стр. 7742

(أحد) فاعل (استقبل)، لا مفعوله. (إلا شيء) استثناء من (دينار)، ويروى: (إلا شيئًا) بالنصب؛ قاله (ش). (أَرْصُده) من الرصد. (لدَين) بفتح الدال. (إلا أن أقول) استثناء من فاعل: (يسرّني). (هكذا)؛ أي: أصرفه، وأنفقه على عباد الله. (مكانك)؛ أي: الزم. * * * ٦٤٤٥ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونس، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّني أَنْ لَا تَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ، إلا شَيْئًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ". الثّاني: كالذي قبله. * * *

стр. 7743

١٥ - باب الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ إلَى قَوْلِهَ تَعَالَى ﴿مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَمْ يَعْمَلُوهَا لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْمَلُوهَا. (باب: الغنى غنى النفس) ٦٤٤٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونس، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ". (ليس الغنى)؛ أي: الحقيقي المعتبر. (العَرَض) قال (ع): بفتح الراء: ما يجمع من متاع الدنيا؛ أي: كما في قوله تعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، والمعنى: ليس الغنى بكثرة المال، وقال ابن فارس في "المقاييس": الّذي سمعناه في الحديث بسكون الراء، وهو ما كان من المال غير نقد، وجمعه عُروض. (غنى النفس)؛ أي: استغناؤها بما حصل لها، فهو رضا بقضاء الله تعالى؛ لعلّمه أن ما عند الله لا ينفد، فلا يحرص على الدنيا وجمعها، فلهذا ترى كثيرًا من المتمولين فقير النفس، مجتهدًا في

стр. 7744

الزيادة، فهو لشدة شرههِ، وحرصِه على جمعه كأنه فقير. * * * ١٦ - باب فَضْلِ الْفَقْرِ (باب: فضل الفقر) ٦٤٤٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ: أَنَّهُ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: "مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ "، فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ، هَذَا وَاللهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا رَأَيُكَ فِي هَذَا؟ "، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَذا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا". الحديث الأوّل: (فقال لرجل عنده) هو أبو ذر كما رواه ابن حِبّان من طريقه. (ثمّ مر رجل) هذا الفقير المار: جُعَيْلٌ الضَّبِّيُّ كما في "مسند الرُّويَاني" ما يشعر به. (حَرِيٌّ)؛ أي: جدير.

стр. 7745

(أن لا يُشَفَّع) بتشديد الفاء المفتوحة؛ أي: لا تقبل شفاعته. (لا يسمع)؛ أي: لا يلتفت إليه. (مثلَ) منصوب على التمييز. قلت: وخفضُه صفةً لا يمتنع، وسبق الحديث في (النِّكاح) في (باب الأكفاء). * * * ٦٤٤٨ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ عُدْنًا خَبابًا، فَقَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ نُرِيدُ وَجْهَ اللهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ نَمِرَةً، فَإِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهْوَ يَهْدُبُهَا. الثّاني: (فوقع)؛ أي: ثبت، فهو كواجب الوقوع بمقتضى وعده الصادق. (أجره) سواء في الآخرة، أو في الدنيا. (أينعت)؛ أي: حان قطافها، واليانع: النضيج. (يهدبها) بكسر الدال المهملة وضمها وبالموحدة؛ أي: يجتنيها

стр. 7746

ويقتطفها، سبق في (الجنائز). * * * ٦٤٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ زَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرُ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءَ". تَابَعَهُ أَيُّوبُ، وَعَوْفٌ، وَقَالَ صَخْرٌ، وَحَمَّادُ بْنُ نَجيحٍ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. الثّالث: سبق في (بدء الخلق) في (باب صفة الجنَّة). (تابعه أَيّوب)؛ أي: السَّخْتِيَاني. (وعوف)؛ أي: الأعرابي، وقد وصلهما في (النِّكاح). (وقال صخر)؛ أي: ابن جُويرية. (وحماد) وصلهما النَّسائيُّ، وابن مندَهْ. * * * ٦٤٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: لَمْ يَأَكلِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خِوَانٍ حَتَّى مَاتَ، وَمَا أَكَلَ خُبْزًا مُرَقَّقًا حَتَّى مَاتَ.

стр. 7747

الرابع: (خوان) بكسر المعجمة وضمها: ما يؤكل عليه الطّعام عند أهل التنعم؛ أي: المائدة، ويقال فيه: أخوان. * * * ٦٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَقَدْ تُوُفِّي النَّبِيُّ ﷺ وَمَا فِي رَفِّي مِنْ شَيْءٍ يأَكَلُهُ ذُو كَبِدٍ، إلا شَطْرُ شَعِيرٍ فِي رَفٍّ لِي، فَأَكَلْتُ مِنْهُ حَتَّى طَالَ عَلَيَّ، فَكِلْتُهُ، فَفَنِيَ. الخامس: (رَفّ) هو خشبة عريضة يغرز طرفها في الجدار، وهو شبه الطاق في البيوت. (ذو كبد)؛ أي: حيوان. (شطر)؛ أي: بعض. (فكِلْتُه، ففني) سبق في (البيع) في (باب الكيل) قوله ﷺ : "كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ"، ووجهُ الجمع كما سبق: أن الكيل عند ابتداء البيع سببُ البركة، وتركه عند النفقة سببُ البركة، أو المراد بكيله بشرط أن يبقى الباقي مجهولًا.

стр. 7748

* تنبيه: مر في تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر قولان؛ ومن قال بالثّاني قال: ليس في هذه الأحاديث تفضيل الفقير الصابر عليه؛ إذ حديث سهل يحتمل أن يكون خيريته لفضيلة أُخرى فيه؛ كالإسلام، وحديث خَباب ليس فيه دلالة على فضله، فضلًا عن أفضليته؛ إذ المقصود منه: أن من بقي إلى فتح البلاد، ونيل الطَّيِّبات خَشُوا أن تكون عجل لهم أجر طاعتهم بما نالوا منها؛ إذ كانوا على نعيم الآخرَة أحرصَ، وحديثُ عمرانَ يحتمل أنه خبر عن الواقع؛ أي: إن أكثر أهل الدنيا الفقراء. وأمّا تركُه ﷺ الأكلَ على الخِوان، والمرقَّق؛ فلأنه لم يرض أن يتعجل من الطَّيِّبات؛ وكذا حديث عائشة، ويُعارض باستعاذته ﷺ من الفقر، وبقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]؛ أي: مالًا، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: ٨]، وبأنه ﷺ توفي في أكمل حالاته وهو موسرٌ بما أفاء الله عليه، وبأن الغنى وصفٌ للحق، والفقر وصفٌ للخلق. وأجاب من قال بالأول: بأن السياق يدلُّ على ترجيح الفقراء؛ إذ الترجيح بالإسلام ونحوه لا حاجة له إلى البيان، وبأن من لم ينقص من أجره شيء في الدنيا يكون أفضل وأكثر ثوابًا عند الله في القيامة، وبأنّ الإيماء إلى أنّ علة دخول الجنَّة الفقر يُشعر بأفضليته، وَتَرْكُ النَّبيّ ﷺ دليل على ذلك؛ لأنه اختاره ليكون ثوابه في القيامة أكثر، وأمّا حديث الاستعاذة من الفقر، فمعارض بحديث استعاذته من الغنى، وأمّا

стр. 7749

الآيتان، ففيهما ما لا شك فيه أن المال خير، وإنما النزاع في الأفضلية، لا في الأفضل، أو المراد بالإغناء في الآية الثّانية: غنى النفس، وأمّا قصة وفاته [فلا نسلم الإيسار إذ كان] (١) ما أفاء الله عليه جعله صدقة؛ فأين اليسار، ودرعه مرهونة على قليل شعير؟! وأمّا غنى الله تعالى، فليس بمعنى الغنى الّذي نحن فيه. * * * ١٧ - باب كَيْفَ كَانَ عَيْشُ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَتَخَلِّيهِمْ مِنَ الدُّنْيَا (باب: كيف كان عيش النَّبيّ ﷺ ؟) ٦٤٥٢ - حَدَّثَنِي أَبُو نُعَيْمٍ بِنَحْوٍ مِنْ نِصْفِ هَذَا الْحَدِيثِ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ: اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ إِنْ كُنْتُ لأَعْتَمِدُ بِكَبِدِي عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْجُوعِ، وَإِنْ كُنْتُ لأَشُدُّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِي مِنَ الْجُوعِ، وَلَقَدْ قَعَدْتُ يَوْمًا عَلَى طَرِيقِهِمُ الَّذِي يَخْرُجُونَ مِنْهُ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، مَا سَأَلْتُهُ إلا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ وَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي عُمَرُ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ، مَا سَأَلْتُهُ إلا لِيُشْبِعَنِي، فَمَرَّ فَلَمْ يَفْعَلْ، ثُمَّ مَرَّ بِي أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ

стр. 7750

فَتَبَسَّمَ حِينَ رَآنِي، وَعَرَفَ مَا فِي نفسِي وَمَا فِي وَجْهي، ثُمَّ قَالَ: "أَبَا هِرٍّ! "، قلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ!، قَالَ: "اِلْحَقْ"، وَمَضَى فَتَبِعْتُهُ، فَدَخَلَ فَاسْتَأْذَنَ، فَأَذِنَ لِي، فَدَخَلَ فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ: "مِنْ أَينَ هَذَا اللَّبَنُ؟ "، قَالُوا: أَهْدَاهُ لَكَ فُلَانٌ أَؤ فُلَانَةَ، قَالَ: "أَبَا هِرٍّ! "، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "الْحَقْ إِلَى أَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ لِي"، قَالَ: وَأَهْلُ الصُّفَّةِ أَضْيَافُ الإِسْلَامِ، لَا يَأْوُونَ إِلَى أَهْلٍ وَلَا مَالٍ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ، إِذَا أَتَتْهُ صَدَقَةٌ بَعَثَ بِهَا إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ مِنْهَا شَيْئًا، وَإِذَا أَتَتْهُ هَدِيَّةٌ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، وَأَصَابَ مِنْهَا وَأَشْرَكَهُمْ فِيهَا، فَسَاءَنِي ذَلِكَ، فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا اللَّبَنُ فِي أَهْلِ الصُّفَّةِ؟ كُنْتُ أَحَقَّ أَنَا أَنْ أُصِيبَ مِنْ هَذَا اللَّبَنِ شَرْبَةً أَتَقَوَّى بِهَا، فَإِذَا جَاءَ أَمَرَنِي، فَكُنْتُ أَنَا أُعْطِيهِمْ، وَمَا عَسَى أَنْ يَبْلُغَنِي مِنْ هَذَا اللَّبَنِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ طَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولهِ ﷺ بُدٌّ، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا، فَاسْتَأْذَنُوا فَأَذِنَ لَهُمْ، وَأَخَذُوا مَجَالِسَهُمْ مِنَ الْبَيْتِ، قَالَ: "يَا أَبَا هِرٍّ! "، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "خُذْ فَأَعْطِهِمْ"، قَالَ: فَأَخَذْتُ الْقَدَحَ فَجَعَلْتُ أُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، فَاُعْطِيهِ الرَّجُلَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ فَيَشْرَبُ حَتَّى يَرْوَى، ثُمَّ يَرُدُّ عَلَيَّ الْقَدَحَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ رَوِيَ الْقَوْمُ كلُّهُمْ، فَأَخَذَ الْقَدَحَ فَوَضَعَهُ عَلَى يَدِهِ، فَنَظَرَ إِلَيَّ فَتَبَسَّمَ، فَقَالَ: "أَبَا هِرٍّ! "، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "بَقِيتُ أَنَا وَأَنْتَ"، قُلْتُ: صَدَقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ!

стр. 7751

قَالَ: "اقْعُدْ فَاشْرَبْ"، فَقَعَدْتُ فَشَرِبْتُ، فَقَالَ: "اشْرَبْ"، فَشَرِبْتُ، فَمَا زَالَ يَقُولُ: "اشْرَبْ" حَتَّى قُلْتُ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا، قَالَ: "فَأَرِنِي"، فَأَعْطَيْتُهُ الْقَدَحَ فَحَمِدَ اللهَ وَسَمَّى، وَشَرِبَ الْفَضْلَةَ. الحديث الأوّل: (حدثني أبو نُعيم بنحو نصف هذا الحديث) قد رواه النَّسائيُّ، والحاكم، وأبو نعيم في "الحلية" بتمامه، وأمّا إبهام البخاريّ النّصف، وكونه يلزم منه أن يبقى النّصف الآخر بلا إسناد، فجوابه كما قال (ك): أنه اعتمد على ما ذكر في (الأطعمة) من طريق يوسف بن عيسى قريبًا من نصف هذا الحديث، فلعلّه أراد هنا بالنصف المذكور لأبي نُعيم ما لم يذكره هنا، فيصير الكل مُسْنَدًا، بعضه بطريق يوسف، والبعض الآخر من طريق أبي نُعيم، ثمّ قال: قال صاحب "التلويح" مُغُلْطاي المصري: ذكر الحديث في (الاستئذان) مختصرًا، وكان هذا هو النّصف المشار إليه هنا، وأقول: ليس ما ذكره ثَمَّة نصفه، ولا ثلثه، ولا ربعه، ثمّ إن المحذور منه هو خلو البعض بلا إسناد لازم كما كان؛ نعم أفاد تقريره أن بعضه مكرر الإسناد، ولا كلام فيه، انتهى. وقال (ش): هذا الموضع من عُقد الكتاب، فإنّه لم يذكر من حدثه بالنصف الآخر، ويمكن أن يقال: اعتمد على السند الآخر الّذي تقدّم له في (الاستئذان)، انتهى.

стр. 7752

(والله) في بعضها: (الله) -بالنصب- قَسَمٌ حذف منه حرف الجر، ويجوز الجر؛ قال ابن جني: إذا حذف حرف القسم، نصب الاسم بعده بالفعل المقدر، تقول: اللهَ لأذهبنَّ، ومن العرب من يجر اسم الله وحده مع حذف حرف الجر، فيقول: اللهِ لأقومنَّ؛ لكثرة استعمالهم. (إن كنت)، (إن) مخففة من الثقيلة. (لأعتمدُ بكبدي) هو ممّا يسكن. (أشدُّ الحجر) قال (خ): أشكل الأمر في شد الحجر على قوم، حتّى توهموا أنه تصحيف من الحجز -بالزاي- جمع الحجزة الّتي يشدها الإنسان وسطه، لكن من أقام بالحجاز عرف عادة أهله؛ فإن المجاعة تصيبهم كثيرًا، فإذا خَوي البطن، لم يكن معه الانتصاب، فيعمد حينئذ إلى صفائح رقاق في طول الكف تربط على البطن، فتعتدل القامة بعض الاعتدال؛ أي: فتكون الفائدةُ في ذلك المساعدةَ على الاعتدال والانتصاب، وقيل: الفائدةُ: المنعُ من كثرة التحلل من الغذاء الّذي في البطن؛ لكونها حجارة رقاقًا ربما تشد طريق الأمعاء، وإذا امتنع تحلل ذلك، يكون الضعفُ أقلَّ، أو أن ذلك يقلل حرارةَ الجوع ببرودة الحجر، أو أن ذلك إشارة إلى كسر النفس، وإلقامها الحجر، ولا يملأ جوفَ ابنِ آدم إلا الترابُ. قال بعض الحكماء: الشبّ يقوي المعدة. (ليُشبعَني) من الإشباع، وفي بعضها: (ليستتبعني)، استفعال،

стр. 7753

وهي رواية أبي الهيثم. (ما في نفسي)؛ أي: من الجوع، وطلب الطّعام. (في وجهي)؛ أي: من صفرة اللون، ورثاثة الهيئة. [(أبا هو) قال (ش): بتخفيف الراء وتشديدها: منادى مضاف، والهِرِّ الذكر، وإنما كناه بابي هر؛ لأنه وجد هرة في الطريق، فأخذها، فأتى بها رسولَ الله ﷺ ، فقال: أنت أبو هِرّ. (الحَق)؛ أي: اتبعني. (لي) تنازع فيه الفعلان. (وأهلُ الصفة أضيافُ الاسلام) سبق أنهم سبعون نفسًا، وأن الحاكم في "الإكليل"، والسلمي، وابن الأعرابي، وأبا نُعيم في "الحلية" عُنوا بسرد أسمائهم. (فدخل) الثّانية تكرار للأول، وقيل: المراد بالأول: إرادة الدخول، فالاستئذان يكون لنفسه ﷺ . (وما عسى)؛ أي: أقول في نفسي: وما عسى أن يحصل لي من هذا اللبن مع هذا الجمع؟ والظاهر أن كلمة (عسى) مقحمة. (فأتيتهم فدعوتهم) ذكرُه بعدُ: (فكنت أنا أُعطيهم)، يُشعر بأن الإتيان والدعوة بعد الإعطاء، والأمرُ بالعكس؛ لكن إذا جعل: (فكنتُ أنا أُعطيهم) عطفًا على جواب الشرط، وهو: (فإذا جاؤوا)، كان بمعنى الاستقبال داخلًا تحت القول، والتقدير: عند نفسه.

стр. 7754

(يَرْوَى) بفتح الواو؛ كرضِي يرضَى. (الرَّجل)؛ أي: الجنس؛ أي: كلّ رجل رجل منهم. قال (ك): الرَّجل الثّاني معرفة معادة، فيكون هو الأوّل بعينه على القاعدةُ النحوية؛ لكن المراد: وغيره، وأجاب: بأن ذلك حيث لا قرينةُ، ولفظ: (حتّى انتهيت) قرينة المغايرة؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية [آل عمران: ٢٦]. (فحمد الله)؛ أي: على البركة، وظهورِ المعجزة. وفي الحديث: أن كتمان الحاجة أولى من إظهارها، وإن جاز له الأخبار بباطن أمره لمن يرجو منه كشف ما به، واستخباب الاستئذان، وإن كان في بيت أهله، والسؤال عن الوارد إلى البيت، وتشريك الفقراء فيه، وشرب الساقي وصاحب الشراب آخرًا، والحمد على الخير، والتسمية عند الشرب، وامتناعه ﷺ من الصَّدقة، وأكله الهدية. * * * ٦٤٥٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدًا يَقُولُ: إِنِّي لأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو، وَمَا لنا طَعَامٌ إلا وَرَقُ الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ، وَإِنَّ أَحَدَنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ، مَا لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُني عَلَى الإِسْلَامِ، خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ سَعْيِي.

стр. 7755

الثّاني: (لأوّل العرب رمى)؛ أي: لأنه كان في أول قتال جرى في الإسلام، وهو أول من رمى إلى الكفار. (الحبلة) بضم المهملة وسكون الموحدة، وقيل: بفتحهما أيضًا: ثمر السلم، يشبه اللوبياء، أو ثمر عامة العضاه، أو بقلة. (السَّمُر) بضم الميم: شجر. (ماله خِلْط)؛ أي: لجوعهم يخرج منهم مثلَ البَعْر، لا يختلط بعضه ببعض؛ لجفافه. (بنو أسدٍ) قبيلة. (تُعزرني)؛ أي: تؤدِّبني على أحكام الدّين، وتعلّمني توقفي عليها، وذلك أنهم كانوا قالوا لعمر: إنّه لا يحسن يصلّي، فقال: إن كنت محتاجًا إلى تعليمهم، فقد خِبْتُ وَضلَّ عملي، وضاع سعمى فيما مضى، وفيما صلّيت مع رسول الله ﷺ ، حاشاه من ذلك ﵁، مر في (كتاب الأطعمة). * * * ٦٤٥٤ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ طَعَامِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالي تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ.

стр. 7756

الثّالث: (عثمان)؛ أي: ابن محمّد بن أبي شيبة. (تِباعًا) بكسر المثناة؛ أي: متتابعة. * * * ٦٤٥٥ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، هُوَ الأَزْرَقُ، عَنْ مِسْعَرِ بْنِ كِدَامٍ، عَنْ هِلَالٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ، إلا إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ. الرابع: (أُكلتين) بضم الهمزة وفتحها. * * * ٦٤٥٦ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَدَمٍ، وَحَشْوُهُ مِنْ لِيفٍ. الخامس: (أَدَم) بفتح الهمزة والمهملة. * * *

стр. 7757

٦٤٥٧ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قتادَةُ قَالَ: كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَخَبَّازُهُ قَائِمٌ، وَقَالَ: كلُوا، فَمَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا، حَتَّى لَحِقَ بِاللهِ، وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ. السادس: (سميطًا)؛ أي: مسموطًا: منزوعًا شعرُها بالماء الحار، وإنّما لم يقل: سميطة؛ لأن فعيلًا بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، أو أن الشاة لا يتبين مذكرها من مؤنثها إلا بالوصف؛ كشاةٍ وحشيٍّ ووحشيّةٍ، وسبق الحديث في (الأطعمة)، والمراد: أنه ﷺ لم يكن متنعمًا في المأكولات. * * * ٦٤٥٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَّنَى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إلا أَنْ نُؤْتَى بِاللُّحَيْم. السابع: (إنما هو)؛ أي: طعامنا. (نؤتى) بنون الجمع. (باللحم) في بعضها: (باللُّحيم) بالتصغير. * * *

стр. 7758

٦٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابْنَ أُخْتِي! إِنْ كنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ نَارٌ، فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إلا أنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ أَبْيَاتِهِمْ، فَيَسْقِينَاهُ. ٦٤٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "اللَّهُمَّ ارْزُقْ آلَ مُحَمَّدٍ قُوتًا". الثّامن: (يُعيشكم) بضم أوله، قال في "المُحْكم": أعاشَهُ الله. قال ابنُ أبي دُواد -وسأله أبوه: ما الّذي أعاشك؟ -، فأجابه: أَعَاشَنِي بَعْدَكَ وَادٍ مُبْقِلُ ... آكُلُ مِنْ جرذَانِهِ وأَنسلُ (قوتًا)، أي: المسكة من الرزق، وفيه: فضلُ الكفاف، وأخذُ البُلْغَة من الدنيا، والزهدُ فيما فوق ذلك رغبةً في توفير نعمة الآخرة. * * *

стр. 7759

١٨ - باب الْقَصْدِ وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْعَمَلِ (باب: القصد) أي: استقامة الطريق، وما بين الإفراط والتفريط. ٦٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَشْعَثَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ مَسْرُوقًا قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَتِ: الدَّائِمُ، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيَّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمعَ الصَّارِخَ. الحديث الأوّل: (يقوم)؛ أي: من النوم. (الصارخ)؛ أي: الديك، أو المؤذن. * * * ٦٤٦٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّذِي يَدُومُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. الثّاني: مثله. * * *

стр. 7760

٦٤٦٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَنْ يُنَجِّيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ"، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "وَلَا أَنَا، إلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَةٍ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا وَرُوحُوا، وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا". الثّالث: (يتغمدني) بالمعجمة قبل الميم وبعدها مهملة، وتغمده: ستره، وهذا الاستثناء منقطع، ويحتمل الاتصال على نحو: ﴿إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]. (سدِّدوا) من السداد -بالمهملة -، وهو القصدُ من القولِ، والعملِ، واختيارُ الصواب منهما. (وقاربوا)؛ أي: لا تبلغوا النهاية؛ بل تقربوا منها. (الدُّلجة) بضم الدال وفتحها: السير باللّيل، والإدْلاج -بسكون الدال-: السيرُ أولَه، وبتشديدها: السيرُ آخره. (والقصد القصدَ) نصب على الإغراء؛ أي: الزموا الوسطَ والاستقامةَ. (تبلغوا)؛ أي: المنزلَ الّذي هو مقصدُكم؛ شبه المتعبدين بالمسافرين، وقال: لا تستوعبوا الأوقات كلها بالسير؛ بل اغتنموا أوقات نشاطكم، وهو أول النهار وآخره، وبعض اللّيل، وارحموا

стр. 7761

أنفسكم فيما بينهما؛ لئلا ينقطع بكم؛ قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ الآية [الإسراء: ٧٨]، وسبق الحديث في (الإيمان). * * * ٦٤٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَأَنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا إِلَى اللهِ، وَإِنْ قَلَّ". الرابع: (لن يُدخل أحدًا منكم عملُه الجنةَ) وجهُ الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢]؛ أن الباء في الآية للإلصاق، أو المراد: جنة خاصّة هي بسبب الأعمال، أو أن دخوله الجنَّة بفضل الله، وهو المراد من الحديث، والدرجات فيها بالأعمال، وهو المراد بالآية. قلت: ولا يخفى ما في هذا، وقد سبق ذلك في (كتاب الإيمان). * * * ٦٤٦٥ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّهَا قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ : أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ قَالَ: "أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ"،

стр. 7762

وَقَالَ: "اكْلَفُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ". الخامس: (أَدْوَمُه وإن قَلَّ) لا تنافي بينهما من حيث إن الدوام استغراقُ الأوقات، فلا يكون قليلًا؛ بل هو غير مقدور؛ لأن المراد بالدوام: المواظبة العرفية، وهي الإتيان بها في كلّ شهر، أو كل يوم بقدر ما يطلق عليه عُرفًا اسم المداومة. (اكْلَفوا) بألف وصل وفتح اللام، يقال: كَلِفْتُ به كلفًا: أُولعت به، وأَكْلَفَه غيرُه، وروي بألف قطع ولام مكسورة، ولا يصح عند اللغويين، والتكليفُ: الأمرُ بما يَشُقُّ. (تُطيقون) فيه إشارةٌ إلى بذل المجهود وغاية السعي، وهو خلاف القصد من السياق، فيحمل على أن المراد: ما تطيقون دوامَه، ولا تعجزون عنه في المستقبل. * * * ٦٤٦٦ - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! كَيْفَ كَانَ عَمَلُ النَّبِيِّ ﷺ ؛ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا، كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْتَطِيعُ؟

стр. 7763

السادس: (قالت: لا) قال (ط): لا يعارض ذلك قولها: ما رأيته أكثرَ صيامًا منه في شعبان؛ لأنه يكثر الأسفار، فلا يجد سبيلًا إلى صيام الثّلاثة الأيَّام من كلّ شهر، فيأتي بها في شعبان، وإنّما كان يوقع العبادة على قدر نشاطه، وفراغه من جهاده. قال: وإنّما حض أمته على القصد وإن قل؛ خشية الانقطاع عن العمل الكثير، فكان رجوعًا عن فعل الطاعات. (دِيمة) بكسر الدال: مطرٌ يدوم بسكون، شبه به العمل، وأصلُه بواو، فقلبت ياءً؛ لوقوعها بعد كسرة. * * * ٦٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ"، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟، قَالَ: "وَلَا أَنَا، إلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ". قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ. ٦٤٦٧ / -م - وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "سَدِّدُوا وَأَبْشِرُوا"، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: سَدَادًا سَدِيدًا صِدْقًا.

стр. 7764

السابع: (وأبشروا) بهمزة قطع، وفي بعضها بالوصل وضم الشين؛ أي: أبشروا بالثواب على العمل وإن قل. (بمغفرة) هي ستر الذنوب. (ورحمة) هي إيصال الخير. (قال: أظنه)؛ أي: قال محمّد بن الزِّبْرِقَان: أظن موسى روى هذا الحديث بواسطة أبي النضر عن أبي سلمة؛ بخلاف الطريق السابقة؛ فإنه بلا واسطة. (وقال عفان) إنّما عبر بلفظ (قال)؛ لأنه بمذاكرة الحديث، لا بتحديث، ووصله أحمد في "المسند". * * * ٦٤٦٨ - حدثني إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَنسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ، ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجدِ، فَقَالَ: "قَدْ أُرِيتُ الآنَ مُنْذُ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قُبُلِ هَذَا الْجدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ؟. الثّامن: (رَقِي) بكسر القاف؛ أي: صَعِد.

стр. 7765

(قِبَل) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي: جهة. (ممثلتين)؛ أي: مصوَّرتين، يقال: مثله له: إذا صَوَّره كأنه ينظر إليه. (قُبُل) بضمتين؛ أي: قدام. (كاليوم)؛ أي: يومًا مثلَ هذا اليوم، سبق في (الصّلاة) في (باب رفع البصر إلى الإمام). ووجه مناسبة الحديث للباب: أن الجنَّة المرغبة والنار المرهبة تكونان نُصْبَ عينِ المصلّي؛ لتكونا باعثتين له على مداومة العمل. وفيه: التنبيه على أن الشخص إذا وقف في الصّلاة، فحقه أن يمثلهما بين عينيه؛ لتكونا شاغلتين له عن سائر الأفكار الحادثة عن تذكير الشيطان. وفيه: أن الجنَّة والنار مخلوقتان. * * * ١٩ - باب الرَّجَاءِ مَعَ الْخَوْفِ وَقَالَ سُفْيَانُ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدُّ عَلَيَّ مِنْ: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. (باب: الرجاء مع الخوف) قوله: (أشَدّ عليَّ)؛ أي: لما يستلزم من العلم بما في الكتب

стр. 7766

الإلهية، والعمل بما فيه، ومرّ في (سورة المائدة)، وقيل: الأخوف قولُه تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، وقيل: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]. * * * ٦٤٦٩ - حَدَّثَنَا قتيْبةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ". (مئة رحمة)؛ أي: مئة نوع، أو مئة جزء، وسبق في (كتاب الأدب) بلفظ الجزء، وهذا على قول الأشعري: إن صفة الفعل حادثة؛ فلهذا صح تعددها؛ أما إن جُعلت صفةَ ذات، أو صفةَ فعل، أو قلنا: قديمة كما تقول الحنفية، فيحتاج إلى جواب، فالرّحمةُ بمعنى النعمة؛ كقوله تعالى: ﴿هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨]. (كلهم) في بعضها: (كله). (ولو يعلم) قال (ك): صرح ابن الحاجب في: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، بأن انتفاء الأوّل لانتفاء الثّاني؛ أي: * * *

стр. 7767

انتفاء التعدد عُلم من انتفاء الفساد؛ لكن الّذي في الحديث انتفاء الثّاني لانتفاء الأوّل؛ فإن انتفاء الرجاء لانتفاء العلم المذكور؛ كما في: لو حيَّيتني لأكرمتك؛ وكذا في الآية انتفاءُ الفساد لانتفاء التعدد، على تقدير غير ابن الحاجب. واعلم أن القصد من الحديث: طلبُ التوسط بين الخوف والرجاء؛ أي: لا يكون مفرطًا في الرجاء بحيث يصير من المرجئة، ولا مفرطًا في الخوف بحيث يصير من الوعيدية؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، ومن تتبع الشّريعة، وجدها بهذا المنهج أصولًا وفروعًا، ففي صفات الله تعالى: لا يثبت بحيث يلزم التجسيم، ولا ينفي بحيث يلزم التعطيل، وفي أفعال العباد: لا يكون جبريًّا ولا قدريًّا؛ بل بأمر بين الأمرين، وفي الأئمة: لا يكون خارجيًّا، ولا رافضيًّا؛ بل سنيًّا، وفي العبادة: لا يجهر في الصّلاة، ولا يخافت؛ للآية، وفي المال: كما قال تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]. كِلَا طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمُورِ ذَمِيمَةٌ ... وَبَيْنَهُمَا نَهْجٌ لأَهْلِ الطَّرِيقَةِ * * * ٢٠ - باب الصَّبْرِ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ وَقَالَ عُمَرُ: وَجَدْنَا خَيْرَ عَيْشِنَا بِالصَّبْرِ.

стр. 7768

(باب: الصبر عن محارم الله) الصبر: حبسُ النفس، ويُعدّى تارة بـ (عن)؛ كصبر عن المعصية بكذا، وتارة بـ (على)؛ كصبر على الطّاعة بكذا، والصابرون في الآية يحتمل الأمرين. * * * ٦٤٧٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلا أَعْطَاهُ، حَتَّى نِفَدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ نَفِدَ كُلُّ شَيْءٍ أَنْفَقَ بِيَدَيْهِ: "مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ لَا أَدَّخِرْهُ عَنْكُمْ، وَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّه اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَلَنْ تُعْطَوْا عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ". الحديث الأوّل: (ناسًا) في بعضها: (أُناسًا). (أنفق) جملة حالية، أو اعتراضية، أو استثنائية. (ما يكون) في بعضها: (ما يكن)، فـ (ما) إمّا موصولة، أو شرطية، ومر الحديث في (الزَّكاة). (يَسْتَعْفِفْ) هو طلبُ العفة، وهو الكفُّ عن المحارم، وسؤالِ النَّاس.

стр. 7769

(يُعفه)؛ أي: يعطيه العفاف، قالوا: مَنْ تعفّف عن السؤال، ولم يُظهر الاستغناء، جعله اللهُ عفيفًا، ومن ترقَّى من هذه المرتبة إلى ما هو أعلى من إظهار الاستغناء؛ لكن إن أُعطي شيئًا، لم يرده، يملأ الله قلبه غنًى، ومن فاز بالقدح المعلى وتصبر، وإن أُعطي، لم يقبل، فهو هو؛ إذ الصبرُ جامعٌ لمكارم الأخلاق. * * * ٦٤٧١ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عِلَاقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَقُولُ: كَانَ النَّبِيّ ﷺ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ، أَوْ تنتَفِخَ قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: "أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟ ". الثّاني: (أو) للتنويع، أو شَكٌّ من الراوي. (فيقال له)؛ أي: إنك قد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؛ كما هو مصرح به في الروايات، ووجه مناسبة الحديث للترجمة: أن فيه الصبر على الطّاعة، وعن ترك الشكر، ومر في (سورة الفتح). * * * ٢١ - باب ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: مِنْ كُلِّ مَا ضَاقَ عَلَى النَّاسِ.

стр. 7770

(باب: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]) التوكل: تفويضُ الأمور إلى مسبب الأسباب، وقطعُ النظر عن الأسباب العادية، وقيل: تركُ السعي فيما لا تسعه قدرةُ البشر. (ما ضاق)؛ أي: التوكلُ جارٍ في كلّ أمر مضيقٍ على النَّاس، لا يختص بأمر. * * * ٦٤٧٢ - حَدَّثَنِي إِسحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ حُصَيْنَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كُنْتُ قَاعِدًا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ". (إسحاق) قال الغساني: لم نجده منسوبًا عند شيوخنا؛ لكن حديث البخاريّ في "الجامع" عن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ، عن رَوْحِ بنِ عُبادة؛ أي: كما في تفسير (سورة الأحزاب)، وتفسير (سورةَ ﴿ص﴾)، وروي في (الصلاة) و (الأشربة) وغيرهما عن إسحاقَ بنِ منصورٍ، عن رَوْحٍ. (لَا يسترقون) سبق في (الطب) الجمعُ بين هذا، وبين الأمر بالاسترقاء من العين: أن المأمور به: الاسترقاء بالقرآنِ ونحوِه، والمنهيَّ عنه: رقيةُ الجاهلية.

стр. 7771

(يتطيرون) يتشاءمون بالطيور، والطيرة في الشر، والفأل في الخير، وقد سبق ذلك مبسوطًا هناك. * * * ٢٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنْ قِيلَ وَقَالَ (باب: ما يُكره من قيل وقال) ٦٤٧٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُغِيرَةُ وَفُلَانٌ وَرَجُلٌ ثَالِثٌ أَيضًا، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ كتَبَ إِلَى الْمُغِيرَةِ: أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِحَدِيثٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيْهِ الْمُغِيرَةُ: إنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ: "لَا إِلَهَ إلا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَكثْرَةِ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَمَنْعٍ وَهَاتِ، وَعُقُوقِ الأُمِّهَاتِ، وَوَأْدِ الْبَنَاتِ. وَعَنْ هُشَيْمٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ وَرَّادًا يُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . (قيل وقال) بتنوينهما على أنهما مصدران، أو بالفتح على أنهما فعلان، كما سبق أول (كتاب الأدب)، وأنه هل المراد: قال فُلان، * * *

стр. 7772

قال فلان، أو أمور الدين ينقلها بلا تحرير واحتياط ودليل. (وكثرة السؤال)؛ أي: في المسائل الّتي لا حاجة إليها، أو سؤال الأموال، أو عن أحوال النَّاس، أو عن رسول الله ﷺ ، وغير ذلك من مباحث الحديث. * * * ٢٣ - باب حِفْظِ اللِّسَانِ " وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ"، وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. (باب: حفظ اللسان) ٦٤٧٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ، سَمِعَ أَبَا حَازِم، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ". الحديث الأوّل: (يضمن) المراد: لازم الضمان، وهو الأداء؛ أي: يؤدِّي الحق الّذي على لسانه من ترك تكلم ما لا يعنيه، وأكل ما لا يحل له، أو أدى الحق الذي على فرجه، فترك الزِّنا، وكل حنثٍ من قبله؛ أي:

стр. 7773

فعظم البلاء على العبد في الدنيا اللسان والفرج، فمن وُقِيَ شرهما، وُقي أعظم الشرور. * * * ٦٤٧٥ - حَدَّثَنِي عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الَاخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ". الثّاني: (بالله واليوم الآخر) خصهما بالذكر؛ إشارةً إلى المبدأ والمعاد، وخص الأمور الثّلاثة؛ ملاحظةً لحال الشخص قولًا وفعلًا، وذلك إمّا بالنسبة للمقيم، أو للمسافر، أو الأوّل تخلية، والثّاني تحلية. * * * ٦٤٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: سَمِعَ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "الضِّيَافةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ جَائِزَتُهُ"، قِيلَ: مَا جَائِزَتُهُ؟ قَالَ: "يَوْمٌ وَلَيْلَة، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الَاخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا، أَوْ لِيَسْكُتْ".

стр. 7774

الثّالث: سبق شرحه أول (كتاب الأدب)، وأن معنى (جائزته)؛ إمّا أن يتكلف له إذا نزل بهم يومًا وليلة؛ أي: ما يجوز به طريقَه في السَّفر، وذلك يوم وليلة، وفي اليومين الأخيرين يكون كالضيف يقدم له ما حضر؛ أي: إن القِرَى ثلاثة أيّام، ثمّ يعطى ما يجوز به من منزل إلى منزل؛ أي: قوت يوم وليلة. (جائزته) بالنصب؛ أي: أعطوا، وإن رُوي مرفوعًا، كان التقدير: المتوجهُ عليكم (جائزتُه). (يوم وليلة) خبر عن جائزته، وإنّما أخبر عن الجائزة، وهي جُثَّة، بالزمان، على تقدير مضاف في المبتدأ؛ أي: زمانُ جائزته يومٌ وليلة. * * * ٦٤٧٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ". الرابع: (ممّا يتبين)؛ أي: لا يتدبر فيها، ولا يتفكر في قبحها. قال ابنُ عبدِ السّلام: هي الكلمة الّتي لا يعرف حسنها من قبحها، فيحرم على الإنسان أن يتكلم بما لا يعرف حسنه من قبحه.

стр. 7775

والكلمة تطلق على الكلام؛ ككلمة الشّهادة. (ما بين المشرق)؛ أي: المشارق؛ لأن (بين) يحتاج لمتعدد؛ إذ مشرقُ الصيف غيرُ مشرق الشتاء، وبينهما بُعْدٌ عظيم، وهو نصفُ كرة الفلك، واكتفى بأحد الضدين عن الآخر؛ نحو: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، وقد صرح به في رواية، فقال: (والمغرب). ففيه: أن من أراد النطق بكلمة، قدرها في نفسه قبل النطق بها، فإن ظهرت مصلحة، تكلم بها، وإلا أمسك. * * * ٦٤٧٨ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ أَبَا النَّضْرِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ؛ يَعْنِي ابْنَ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَرْفَعُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ". الخامس: (من رضوان الله)؛ أي: فيما رضي الله تعالى به؛ مثل كلمة يدفع بها مظلمة. (لا يلقي لها بالًا)؛ أي: يتكلم بها في غفلة، أو لا يلتفت إليها خاطرُه، ولا يعتد بها، ولا يبالي بها، وهي عند الله عظيم.
следующие страницы →