وقال المُنذِريُّ: هو بتخفيف الميم، أي: كَحَّلَها بالمَساميرِ، وشدَّدَها بعضُهم، والأوَّل أشهرُ وأوجَهُ، وقيل: سُمِّرَت: فُقِئَت، أي: مثلَ ما رُوِي: (سُمِلَ) باللام مبنيًّا للمفعول، أي: فُقِئَت أعينُهم، فيكونُ السَّمرُ بمعنَى السَّملِ، لقُربِ مَخرجِ الرَّاء واللام.
(الحرة) بفتحِ المُهملةِ وتشديدِ الرَّاء: أرضٌ ذاتُ حجارَةٍ سودٍ، كأنَّها أُحرقت بالنَّار، ويحتملُ إرادةُ حرارةِ الشَّمس.
(فلا يسقون) المَنع من ذلك مع كونِ الإجماع على سَقيِ مَن وَجَبَ قتلُه إذا استَسقَى، إمَّا لأنَّه ليس بأمرِه ﷺ ، أو أنَّه نَهيٌ عن سقيِهم لارتدادِهم، ففي مسلِمٍ والتِّرمذِي: أنَّهم ارتدُّوا عن الإسلام، وحينَئِذٍ فلا حُرمَةَ لَهم كالكلبِ العَقورِ، وكذا في قولِ البخاري، (قال أبو قتادة ...) إلى آخره، إذا جُعِلَ من قَولِ أيُّوبَ، حتى يكونَ مُسندًا لا تعليقًا من البخاريّ.
وأما سَمْرُ أعينِهم، فإمَّا أن يكونَ قبل نزولِ الحدودِ وآيةِ المُحارَبة والنهيِ عن المُثلَةِ، فيكونُ منسوخًا، وإمَّا أنَّ ذلك قِصاصٌ، ففي "مسلم": أنَّهم فَعَلوا بالرَّاعي ذلك، وإمَّا أنَّ النَّهيَ عن المُثلَةِ نَهيُ تنزيهٍ لا تحريمٍ.
والحديثُ إن جَعَله البُخاريُّ حجَّةً لطهارَةِ الرَّوثِ والبَولِ مُطلقًا -كما هو قَولُ الظَّاهريَّة ولم يستَثنوا إلا بولَ الآدمِيِّ فقط- فالقَضيَّةُ في أبوالِ المأكولِ لا عامَّة، ولا يَسوغُ قياسُ غيرِ المأكولِ على المأكولِ
стр. 807
لظُهورِ الفَرق، وكذا إن وَافق مالكًا في أنَّ بولَ ما يُؤكَلُ طاهرٌ دونَ غيره؛ لأنَّه للتَّداوي من أمراضِهم، لكنَّ مالكًا يَمنَعُ التَّداوِيَ بالنَّجِسِ، كما نقَله (ط).
وأمَّا أبو حنيفةَ، والشَّافعيُّ وغيرُهما من القائلينَ بنجاسةِ البَولِ مُطلقًا، فلا يَمنعونَ المُداواةَ بالنَّجِس، ويحمِلونَ الحديث على ذلك.
وقال ابن القَصَّار: إنَّ مالكًا يقيسُ ما يُؤكَلُ على ريقِهِ وعَرَقه، لأنَّ كلًّا مائعٌ مستحيلٌ من حَيَوانٍ مأكولٍ ليسَ بدَمٍ ولا قَيحٍ، وجوابُه أنَّ ذلك لا يَجتمِعُ ولا يَستحيل في باطِنٍ، بخلافِ البَول، فإنَّه أشبهُ بالدَّمِ والقَيح، وأيضًا فيلزَمُه ذلك في بَولِ ما لا يُؤكَلُ.
* * *
٢٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعبَةُ قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبُو التَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يُبْنَى المَسْجدُ فِي مَرَابِضِ الغَنَم.
الثاني:
قوله: (أبو التياح) بفتحِ المُثنَّاة وتشديدِ الياءِ والحاءِ المُهمَلة، اسمه: يزيدُ.
(المسجد) اللام للعَهد؛ أي: مَسجِدِ المَدينة.
стр. 808
(الغنم) جنسٌ يَشملُ الذُّكور والإناث، وهو مؤَنَّث، فلذلك يُصغَّر على (غُنَيمَة)، وكلُّ واحدٍ من أسماء الجُموعِ التي لا واحدَ لَها من لفظِها غيرِ الآدَمِي تأنيثُها لازمٌ.
* * *
٧٠ - بابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السمنِ وَالمَاءِ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا بَأسَ بِالمَاء مَا لَم يُغَيِّرْهُ طَعمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ.
وَقَالَ حَمَّادٌ: لَا بَأسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ.
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ المَوْتَى نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءَ يَمْتَشِطُونَ بِها، وَيَدَّهِنُونَ فِيها، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأسًا.
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وإبْرَاهِيمُ: وَلَا بَأسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ.
(باب مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالمَاءِ)
قولُ الزُّهريِّ (ما لم يغيره طعم أو لون أو ريح) يحتملُ أنَّ الضَّميرَ في (يغيِّره) للماءِ وطَعمٍ وريحٍ ولونٍ، أي: ما يقعُ فيه، أي: فتَغَيَّر طعمُ الماء بطعمِ الوَاقعِ، أو لونُه بلَونِه، أو ريحُه بريحِه، ويحتملُ ما لم يتغير الواقعُ في الماءِ بطَعمِ الماءِ أو ريحِه أو لونِه، وإذا غيَّره؛ فبالضرورة يكونُ الماءُ قد تغيَّرَ بِما وَقَعَ فيه، ثمَّ ذلك الواقعُ إنْ كان نَجِسًا نَجُسَ الماءُ بتغيُّرِه به، وإلا فيَسلُبُه الطَّهورِيَّة.
стр. 809
قلت: هذا بعيدٌ لفظًا ومعنًى، والأوَّلُ هو الظَّاهر.
(حماد) هو ابنُ أبِي سُلَيمانَ الكوفيُّ، شيخُ أبِي حنيفةَ.
(لا بأسَ بريشِ الميتة)؛ أي: إمَّا لأنَّه عندَه طاهرٌ، ولو كانَ غيرَ مَأكولٍ، وإمَّا لكونه لا يغيِّر ما يقعُ فيه، فيُستَشهدُ به على أنَّ ما لا يغيِّرُ لا بأسَ به، وهذا هو الظَّاهرُ اللائِقُ بقَصد البخارِيِّ؛ إذ ليسَ قصدُه وقوعَ طاهرٍ لا يغيِّر.
(نحو الفيل وغيره)؛ أي: ما لا تُؤثِّرُ الذَّكاةُ فيه، غيرُ المَأكولِ، ويحتملُ إرادةُ الأعمِّ من ذلك.
(ناسًا)؛ أي: كثيرًا، فتنوينُه للتكثير، إذ المَقام يقتضيه، نحو: إنَّ لنا مالًا.
(ويدهنون) بالتَّشديد، افتِعَالٌ من الدَّهن، أُبدِلَ من تائِهِ دالٌ وأُدغِمَت.
(بأسًا)؛ أي: حَرَجًا، أي: ولو كانَ نَجِسًا لما امتَشطُوا به، وادَّهنوا، وعُلِمَ أنَّ عَظمَ الفَيل إذا وَقع في الماء فلا بأسَ به، فإمَّا بناءً على طَهارته كقولِ أبي حنيفة؛ لأنَّه لا تَحُلُّه الحياة عندَه، أو لأنَّه نَجسٌ مُطلقًا كقول الشَّافعي، أو إذا لم يُذَكَّ كقول مالكٍ، لكنَّ وقوعَه في الماء لا يغيِّر، كما سبق مثلُه في الرَّش، وإنَّ الظَّاهرَ الثاني.
(ابن سيرين)؛ أي: محمَّد الإمام.
(العاج) بتخفيف الجيم: عَظْمُ الفَيل، أي: ولو كانَ نَجِسًا لَمَا صَحَّ بيعُه، وإيرادُ ذلك كلِّه من البُخاريِّ يدلُّ على أنَّ عندَه أنَّ الماءَ
стр. 810
قليلًا كان أو كثيرًا لا يَنجُسُ إلا بالتَّغيُّرِ كما هو مذهبُ مالكٍ، وذَكَر من الحديثِ ما يَشهدُ؛ لأنَّ التَّغيُّرَ هو المؤثِّرُ، ولكنْ سيأتي جَوابه.
* * *
٢٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيمُونة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأرةٍ سَقَطَتْ فِي سَمنٍ فَقَالَ: (ألقُوها وَمَا حَوْلَها فَاطْرَحُوهُ، وَكُلُوا سَمْنَكُمْ).
الحديث الأول (م س):
(وما حولها) دليلٌ على أنَّ السَّمنَ كان جامدًا؛ إذ المائعُ لا حولَ له، أو الحولُ كلُّه فيُلقى، وقد صرَّح به في بعضِ الرِّوايات؛ لأن الجامدَ لا يسري بعضُه إلى بَعضٍ.
* * *
٢٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مَالكٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونة: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ، فَقَالَ: (خُذُوها وَمَا حَوْلَها فَاطْرَحُوهُ).
قَالَ مَعْنٌ: حَدَّثَنَا مَالكٌ مَا لَا أُحصِيهِ يَقُولُ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مَيْمُونة.
стр. 811
الثاني:
(علي)؛ أي: ابنُ المَدينيّ.
(معن) بفتحِ الميمِ وسُكونِ المُهمَلة، هو ابنُ عيسى أبو يَحيى القَزَّازُ.
(فاطرحوه)؛ أي: ذلك المَأخوذَ، ففيه أنَّه نجسٌ وإنْ لم يتغيَّر بِخلافِ المَاء، والمُرادُ بطَرحِه: أن لا تأكُلوه، أما الاستِصباحُ فلا بأسَ، فهو من إطلاق اللازمِ وإرادَة المَلزوم، يدلُّ علَيه قولُه في الحديث الآخر: "وكُلوا سَمنَكم".
(قال معن) هو من كلامِ ابنِ المَدينيِّ، داخلٌ تحتَ الإسناد، ويحتملُ على بُعدٍ أن يكونَ تعليقًا منَ البخارِيّ.
(ما لا أحصيه)؛ أي: مِرارًا كثيرةً لا أضبِطُها، والقَصدُ أنَّه من مسانيدِ ميمونةَ برواية ابنِ عبَّاسٍ عنها، لا ما تتَوهَّمُه بعضُهم أنه من مسانيد ابنِ عبَّاس عن النبيِّ ﷺ .
* * *
٢٣٧ - حَدَّثَنَا أحمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَناَ عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَناَ مَعْمرٌ، عَنْ همَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ كهيْئَتِها إِذْ طُعِنَتْ، تَفَجَّرُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالعرفُ عَرْفُ المِسْكِ).
стр. 812
الثالث:
(أحمد بن محمد)؛ أي: المعروفُ بِمَرْدُوْيه، بفتح الميم وسكون الراء وضم المُهمَلة والواو السَّاكنة ثم ياء.
(كلم) بفتح الكافِ وسكون اللام، أي: جُرْح؛ رواه القَابِسِيُّ، كَلْمَة؛ أي: جِراحَة.
(يكلمه) بضَمِّ الياء وسكون الكاف وفتح اللام، أي: يُكلَمُ به، فحُذِفَ الجارُّ وأُضيفَ توسُّعًا.
(المسلم) هو نائبُ الفاِعِل.
(كهيئتها)؛ أي: هيئَةِ الكلمة، وأُنِّثَ لتأويله بالجِراحة.
(إذ طعنت) المَطعونُ هو المُسلم، وهو مذكَّر، لكنْ لمَّا أُريدَ: طُعِنَ بِها؛ حُذِفَ الجارُّ، ثم أوصل الضَّميرَ المَجرورَ بالفعل، وصار المُنفَصِلُ متَّصلًا، كذا قاله (ك)، وفيه نَظَر! لأنَّ التَّاء علامةٌ لا ضميرٌ، فإنْ أرادَ المُستترَ فتسميتُه متَّصلًا طريقةٌ، والأجودُ أنَّ الاتِّصالَ والانفِصالَ وصفٌ للبارز.
وفي بعض النُّسَخ كما هو في "مسلم": (إذا طعنت)، فتكونُ (إذا) لِمُجرَّد الظَّرفية؛ لأنَّها شرطًا تكونُ للاستِقبال، وليس المعنَى عليه؛ إذ هو بِمعنى (إذ)؛ لأنَّهما قد يتقارَضان، أو لاستِحضارِ صورَة الطَّعن؛ لأنَّ الاستِحضار كما يكونُ بصريحِ لفظِ المُضارع نحو: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [فاطر: ٩]، يكونُ بِما في معنى المُضارع كما فيما نَحنُ فيه.
стр. 813
(تفجر) بضَمِّ الجيم من الثلاثيِّ، وبفَتحها مُشدَّدَةً من التَّفَعُّلِ، وحُذِفَ إحدى التَّاءين.
(واللون) في بعضِها بلا واو.
(والعرف) بفتحِ العَين المُهملة وسكونِ الرَّاء، أي: الرِّيح، قيل: ومنه أصحابُ الأعراف؛ لأنَّهم يَجدون عَرْفَ الجنَّة.
(المسك) فارسيٌّ مُعرَّبٌ، وفي بعضِها تنكيرُ (مسك) و (دم)، والحكمةُ في ذلك أنْ يأتيَ يومَ القيامةِ وشاهدُ فضلِه وبذلِه نفسَه في سبيل الله ظاهرٌ علَيه.
ووَجه دُخولِ الحديث في البابِ: أنَّ المِسكَ طاهرٌ لثناء النبي ﷺ علَيه (١)، وأصلُه نجسٌ، فلمَّا تغيَّر خرجَ عن حُكمِه، فكذا المَاء إذا تغيَّر خرجَ عن حُكمِه، وأنَّ دمَ الشَّهيد لما انتقلَ بطيبِ الرَّائحة من النَّجاسة إلى الطَّهارة حين حُكِمَ له في الآخرة بحُكمِ المِسك الطَّاهر؛ وجبَ أن ينتقلَ الماءُ الطَّاهر بخبيث الرَّائحة إذا حلَّت فيه نجاسةٌ من حُكمِ الطَّهارة إلى النَّجاسة.
ولمَّا لم يجد البخاريُّ في التنجيسِ بالتَّغيُّرِ حديثًا صحيحَ السَّند ذَكَر قِصَّةَ الدَّم ليقيسَ عليه الماء؛ لأنَّ كلًّا مائعٌ تأثَّر بالتغيُّر من حُكْمٍ إلى حُكْمٍ، ولكنَّ جوابَ ما ذكره أنَّه لا يلزمُ من وجودِ الشَّيءِ عند
стр. 814
الشَّيءِ أن لا يوجدَ عند عَدَمهِ، لجوازِ نقيض آخر، ولا يلزمُ من كونه خرجَ بالتَّغيُّر إلى النَّجاسة أن لا يخرُج إلا به، لاحتِمالِ وصفٍ آخر يخرجُ به عن الطَّهارة بِمجرَّد المُلاقاة، وهو كونُه قليلًا كما قال به الشَّافعيُّ عَمَلًا بحديثِ القُلَّتَين.
* * *
٧١ - بابُ الماء الدَّائِمِ
(باب لا تبولوا في الماء الدائم): في بعضِها: (بابُ الماء الدَّائم)، وفي بعضِها: (البولِ في الماءِ الدَّائم).
٢٣٨ - حَدَّثَنَا أبو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَناَ شُعَيْبٌ، قَالَ: أَخْبَرَناَ أَبو الزِّناَدِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ، حَدَّثَهُ: أَنَّهُ سَمعَ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: (نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ).
(ع).
(أبو الزِّناد) عبدُ الله بنُ ذَكْوانَ.
(الآخرون) بكسر الخاء جَمعُ (آخِر) مقابلُ (أوَّل)، أمَّا (آخَر) بالفتح: فأفعلُ تفضيلٍ بمعنَى مُغايِر، فهو أعمُّ من الآخِر بالكسر، والمعنَى: نحنُ المُتأخِّرون في الدُّنيا المتَقَدِّمون يومَ القيامة.
* * *
стр. 815
٢٣٩ - وَبِإِسنَادِهِ قَالَ: (لَا يَبُولَنَّ أَحَدكم فِي المَاءِ الدَّائِم الَّذِي لَا يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ).
(وبإسناده) أي: إسنادِ الحديث السَّابق، وهو أبو اليَمَان إلى آخره.
(ثم يغتسل) قال ابنُ مالك: يجوزُ جَزمُه عَطفًا على (يبولَنَّ)، المَجزوم مَحلًّا بـ (لا) النَّاهية، ولكنَّه فُتِحَ بناءً لتوكيدِه بالنُّون، والرَّفعُ أي: ثم هو يغتَسلُ، والنَّصبُ على إضمارِ (أَنْ) إعطاءً لـ (ثُمَّ) حكمَ واو الجَمعِ، كما جَرت الأَوجُه في ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ١٠٠]، وقُرِئ شاذًّا بالنَّصبِ والرَّفع، ومنعَ القُرطُبِيُّ النَّصب، وكذا قال (ن): إنه لا يجوزُ، لأنَّه يقتَضي أنَّ النَّهي للجَمع بينَهما دونَ إفرادِ أحدِهِما، ولم يقلْه أحَدٌ، بل البولُ منهيٌّ أرادَ الغُسلَ منه أو لا.
قال (ك): لتشبيهِ (ثمَّ) بالواو في النَّصب لا في الجَمع، وإنْ سُلِّمَ؛ فمَنعُ الإفرادِ بدليلٍ آخر مثل: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢] على تقديرِ النَّصب.
فإن قيلَ: ما دخلُ (نحن الآخِرون السَّابقون) في الترجمة؟ وما مُناسبَةُ الحديث لآخِرِه؟
قيل: أجابَ (ط) عن الأوَّل بأنَّ أبا هُريرة يُمكن أن يكون سَمِعهما جَميعًا فأدَّاهُما كذلك، فرواه البخاريُّ جُملَةً، كان كان الدَّليلُ في الآخر
стр. 816
فقط، وقد ذَكَر مثلَه في (الجهاد) وغيرِه، أو أنَّ همَّامًا يسَمِعه من أبي هريرة كذلك، فرواه، فيجعلُ (نحنُ السابقون) في أوَّل الصَّحيفة التي يرويها، ثم يذكرُ الحديثَ بعدَه، ووافقه على الجوابَين غيرُه.
وأما الثَّاني: فنَقل (ك) عن بعضِ علماءِ عَصره بأنَّ الوَجه أنَّ هذه الأمَّة لما كانت آخرَ من يُدفَنُ وأوَّلَ من يَخرجُ؛ لأنَّ الأرضَ وعاءٌ، والوِعاءُ آخرُ ما يُوضَعُ فيه أوَّلُ ما يُخرَجُ منه، فكذا الماءُ الرَّاكدُ آخرُ ما يقعُ فيه من البَول أوَّلُ ما يُصادِفُ أعضاءَ المُتطَهِّر منه، فينبَغي أن يُجتَنَب. قال: وكَلَفُ الكُلْفَةِ فِي وجهِه لا يَخفَى عليك.
(الذي لا يجري) صفةٌ للدَّائم، وهو مِنْ دامَ الشَّيءُ: إذا سَكَن، ومفهومُ الحديثِ أنَّ الجاريَ مخالفٌ لحكمِ الرَّاكدِ، والمعنى في الفَرق: أنَّ الجاريَ إذا خالطَه نَجِسٌ دفعَه الجزءُ الثَّاني الذي يليه، فيغلِبُه، فيصيرُ كالمُستَهلَك، ويَخلُفُه الطَّاهرُ الذي لَم يُخالطْه نَجِسٌ، والرَّاكدُ ليس فيه شيءٌ يدفَعُ بل يداخِلُه، فكلُّ ما يستعملُ منه النجِسُ فيه قائمٌ، والماءُ في حدِّ القُلَّة، فكانَ نحوَ ما قاله (خ).
قال (ك): وفي الحديث تحريمُ الوُضوء والغُسل بالماء النَّجس، والتأديبُ بالتَّنزه عن البَول، والنَّهيُ عن البولِ في الماء، لأنَّه إمَّا يُنجِّسُه إن كان قليلًا فيحرُم، وإمَّا يقَذِّرُه إن كان كثيرًا، فالنَّهي للتنزيه؛ لأنَّ طهارتَه باقيةٌ، حتَّى يتغيَّر.
وقال داود: النَّهيُ مُختصٌّ ببول البائِل، حتى يجوز لغيرِه أن
стр. 817
يتوضَّأَ منه، وللبائلِ أيضًا إذا بالَ في إناءٍ ثم صَبَّه، أو بقُربِ الماء فجرى إليه، وهذا أقبحُ ما نُقِلَ عنه في الجُمود على الظَّاهر.
* * *
٧٢ - بابٌ إِذَا أُلْقِيَ عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌ لَم تَفْسُد عَلَيْهِ صَلَاتُهُ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى فِي ثَوْبِهِ دَمًا وَهُوَ يُصَلِّي وَضَعَهُ وَمَضَى فِي صلَاتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَالشَّعْبِيُّ: إِذَا صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَوْ لِغَيْرِ القِبْلَةِ أَوْ تَيَمَّمَ، صَلَّى ثُمَّ أَدرَكَ المَاءَ فِي وَقْتِهِ: لَا يُعِيدُ.
(باب إِذَا ألقِيَ عَلَى ظَهْرِ المُصَلِّي قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌ، لَم تَفْسُد عَلَيْهِ صلَاتُهُ): أُلقِيَ: مبنيٌّ للمفعول، وقَذَرٌ: نائبُ الفاعل، وهو بفتح المُعجمة، والجيفَةُ: جُثَّةُ المَيتَة.
(إذا صلى)؛ أي: المُصَلِّي، هذا على رواية: (وقالَ ابنُ المُسَيِّب)، أمَّا على روايةِ: (وكانَ ابنُ المُسَيِّب)؛ فالضَّمير في (صلَّى) عائدٌ إليه.
(جنابة)؛ أي: أثرُها.
(أو لغير القبلة)؛ أي: باجتهادٍ.
لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَرعَى فِي القَلِيبِ قَلِيبِ بَدر.
(م س).
(عبدان) هو عبدُ الله بنُ عثمانَ بنِ جَبَلَة.
(أبي)؛ أي: عثمانُ.
(عن [أبي] إسحاق) هو السَّبيعيُّ.
(بينا) أصلُه (بَينَ) أُشبِعَتْ فتحةُ النُّونِ ألفًا، وعاملُه (قالَ) في قوله بعدَ ذلك: (إذ قال بعضهم لبعض).
(وحدثني) تحويلُ الإسناد.
(حدثني عمرو) تصريحٌ بالتَّحديثِ لما قال فيه أوَّلًا: عن عمرِو.
(عن عبد الله) في بعضِها: (أنَّ)، قال الجمهورُ: هي كـ (عن) محمولةٌ على السَّماع إذا كانَ المُعَنعِنُ غيرَ مُدلِّسِ وثبَتَ اللّقاءُ بينَهما، وقالَ أحمدُ: هو منقطع حتى يتبينَ السَّماع، لكنْ قال هنا: (حدثه) فصرَّح بالسَّماع، فلا يأتي قولُ أحمدَ.
(عند البيت)؛ أي: الكعبَةِ.
(أبو جهل) هو عمرُو بنُ هِشَامِ المَخزومِيُّ، عدوُّ الله، فِرعَونُ هذه الأمَّة، وكان كنيتُه أبا الحَكَم فكنَّاه ﷺ أبا جهلٍ.
(جلوس) خبرٌ عن المبتدأ -وهو أبو جَهل-، وما عُطِفَ عليه.
وجَوَّز فيه (ك) أنَّه خبرُ (أصحاب)، وخبرُ (أبو جهل) محذوفٌ على حدِّ:
стр. 820
نحنَ بِما عندَنَا وأنتَ بِمَا ... عندَكَ راضٍ والرَّأي مُختَلِف
بل قَدَّمَ هذا الوَجه إشعارًا بأنه أرجحُ. وفيه نَظَر! لأنَ البيتَ تَعذَّر فيه أن يكونَ (راضٍ) خبرًا عن الكُلِّ لإفرادِه.
(بسلا) بفتح السِّين وخِفَّة اللام مقصورٌ، وهو: الوِعاءُ الذي يَخرُجُ من الجنينِ إذا وُلِد، ويسمَّى في الآدميِّ (المَشِيمَة).
(جزور) بفتح الجيم بمعنَى المَجزور من الإبل؛ أي: المَنحورِ.
(فانبعث)؛ أي: بَعثَتْه نفسُه الخبيثةُ من دونِهم، فانبَعَثَ، وانبَعَثَ في السَّير؛ أي: أسرَعَ.
(أشقى القوم) هو عُقبَةُ بنُ أبي مُعَيطٍ، وفي بعضها: (أشقَى قَومٍ).
قال: لكنَّ الأصلَ في (أفعل) التَّفضيل إذا لم يكنْ معَه (مِن) أن يُعرَّفَ باللام، أو يضافَ، وأنَّ الفَرقَ بين المُضاف لِمعرفةٍ ونكرةٍ أنَّه يكونُ في الأوَّل معرفةً، وأيضًا ففي الثاني المَعنى (أشقى)؛ أي: قوم من أقوامِ الدُّنيا، ففيهِ مُبالَغةٌ ليست في المَعرِفَة.
قلت: في جَميعِ ما قاله نَظَرٌ ظاهر!.
(وأنا أنظر) هو من قَول عبدِ الله.
(لا أُغنِي)؛ أي: لا أنفعُ في دَفعِه، وفي بعضها (لا أُغيِّر)، والأولى رواية النَّسَفِيّ، والحَمُّوِيّ.
قال (ع): وهو أَوجَهُ، أي؛ لو كانَ معي مَن يَمنعُنِي لأَغنَيتُ
стр. 821
وكَفَيتُ شَرَّهم، أو غَيَّرت فِعلَهم.
(مَنَعة) بفتحات، وقد تُسكَّنُ النُّون، أي: قوَّةً، أو جَمع (مانع)، نحو كَتَبَة وكاتِب.
(يحيل) بالحاء؛ أي: ينسُبُ، من: أَحَلتُ الغريمَ، أو من: حالَ على ظَهرِ دابَته وأَحالَ؛ أي: وَثَبَ، كما في حديث: (إنَّ أهلَ خيبَرَ حالوا إلى الحِصنِ)، أي: وَثَبوا إليه، وروايةُ مسلمٍ: (يَميلُ) بالميم؛ أي: يَميلُ بعضُهم على بَعضٍ من كَثرَةِ الضَّحِكِ.
(فاطمة)؛ أي: بنتُ النَّبيِّ ﷺ ، ورضيَ الله عنها.
(بقريش)؛ أي: بإهلاكِ قُريشٍ، وليس المُرادُ كلَّهم، إذ لا عموم، ولئِنْ سلَّمنا؛ فالمُرادُ الكفَّارُ منهم، بل بعضُهم وهم المَذكورون.
(ثلاث مرات) فيه استحبابُ التَّثليث في الدُّعاء وغيرِه.
(يُرون) بضَمِّ أوَّله على المَشهور، وبفَتحِها.
(مستجابة)؛ أي: مُجابة، قال:
وداعٍ دعَاناَ مَن يُجِيبُ إلَى النَّدى ... فلَم يستَجِبْه عندَ ذاك مُجِيبُ
أي: لم يُجِبْه، والمُرادُ: أنَّهم ما اعتَقَدوا الإِجابةَ إلا من جِهةِ المَكان، لا من خُصوصِ دَعوته ﷺ .
(ثم سمى)؛ أي: عيَّنَ في دُعائه وبيَّن ما أجمَل أولًا.
(عتبة) بضَمِّ المُهمَلة وسُكونِ المُثنَّاة ثم موَحَّدة.
(ربيعة) بفتح الرَّاء.
стр. 822
(شيبة) بفتح المُعجمَة.
(الوليد) بفتحِ الواو وكَسر اللام.
(عتبة) بالمُثنَّاة بعد العين، وفي مسلم: (عُقبة) بالقاف، واتَّفقوا على أنَّه غلط.
(أُمية) بضَمِّ الهمزة وفتحِ الميم وتشديد الياء.
(عقبة) بسكون القاف.
(معيط) بضَمِّ الميم وفتحِ المهملة وسكون الياء.
(وعَدَّ)؛ أي: النبيُّ ﷺ ، أو عبدُ الله (السابع) مفعولُ (عدَّ)، وهو عُمارَة -بضَمِّ العين وتخفيف الميم- ابنُ الوَليد -بفتح الواوِ وكسرِ اللام-، وجاءَ مُصرَّحًا به في رواية؛ نعم، قيل: إنَّه كان عند النَّجاشي، فاتُّهِمَ في حَرَمِهِ، وكانَ جَميلًا، فنَفَخَ في إحليلِه سِحرًا فهامَ مع الوَحشِ في جزائِرِ الحَبَشة، حتَّى هلَك هناك.
(فلم نحفظه)؛ أي: عبدُ الله أو عمرُو بنُ ميمونةَ، وفي بعضِها: (فلم أحفَظْه)، ولفظ روايته في (الجهاد): وقال أبو إسحاق: ونسَيتُ السَّابع.
(قال: فوالذي ...) إلى آخره؛ أي: قالَ عبدُ الله.
(بيده) في بعضِها: (في يده).
(الذين عد)؛ أي: عدَّهم، فحُذِفَ العائدُ، وفي بعضها (الذي) بالإفراد، على حدِّ: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩].
стр. 823
(صرعى) جَمع (صَريع) بِمعنَى (مَصروع).
(قليب) بفتح القاف وكسر اللام، هو البِئرُ التي لم تُطوَ، يذكَّرُ ويؤَنَّث، وهو بالجر بدلٌ مما قبلَه، وإنَّما أُلقوا في القَليبِ تَحقيرًا لأَمرِهم، ولئَلا يتأذَّى الناسُ برائِحَتِهم، لا أنَّه دفنٌ، فإنَّ الحربِيَّ لا يَجِبُ دفنُه.
(بدر) موضعُ الغَزوَة المَشهورة، على أربعِ مَراحل من المَدينة، يذكَّر ويؤَنَّث، قيلَ: إنَّها بئرٌ لرجُل يسمَّى بَدرًا.
والقاتلُ لأبي جَهلٍ ابنا عَفراء، أو ابنُ مَسعودٍ، ولعُتبَةَ عُبَيدةُ -بضَمِّ العَين- ابنُ الحارِثِ أو حَمزةُ، ولِشَيبَةَ حَمزةُ أو علِيٌّ.
ثم إنْ قلنا: إنَّ عُمَارَةَ لم يُقتَل ببَدرٍ، فالمُراد بأنَّه رآهم صَرعى، أي: رأى أكثَرَهم، بدليلِ أنَّ ابنَ أبي مُعَيطٍ لم يُقتَل ببَدرٍ، بل حُمِلَ أسيرًا فقَتَله النبيُّ ﷺ بعدَ انصِرافه على ثلاثةِ أميالٍ من المَدينة.
وقد نُوزِعَ البخاريُّ في الاستِدلالِ على التَّرجَمة بأنَّه استَمَرَّ في صلاته؛ والنَّجاسةُ على ظَهرِه، بأنَّه لم يكن إذ ذاكَ حكمٌ بنجاستِه كالخَمرِ، كذا أجابَ به (خ)، وغيرُه قالَ: فإنَّهم كانوا يُلاقون بثيابِهم وأبدانِهم الخَمرَ قبلَ نزول التَّحريم.
قال (ع): بل الفَرثُ طاهرٌ، ورُطوبَةُ البَدن كذلك، فالسَّلا طاهرٌ.
قال (ن): وهذا ضعيفٌ، لأن رَوث ما يُؤكلُ نَجِسٌ عندنا، ثم إنَّه يتضمَّنُ النَّجاسة؛ إذ لا ينفَكُّ عن دمٍ في العادة، ولأنَّه ذبيحةُ عَبَدَةِ
стр. 824
الأوثان، فالجوابُ أنَّه ﷺ لم يعلَم ما وُضعَ على ظهره فاستمرَّ مُستَصحِبًا للطَّهارة، وما ندري هل كانَت الصَّلاةُ واجبةً، حتَّى تُعادَ على الصَّحيح، أو لا، فلا تُعاد، ولو وَجبت الإعادةُ فالوقتُ موَسَّعٌ.
قال (ط): لا شكَّ أنَّها نزلت بعد قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]؛ لأنَّها أولُ ما نزل عليه قبلَ كلِّ صلاةٍ، اللهم إلا أن يُرادَ تطهيرُ القَلب، ونزاهةُ النَّفس عن الدَّنايا.
وفيه: أنَّ غَسل النَّجاسة في الصَّلاة سنَّةٌ كما يقولُه مالكٌ، وأنَّ من صلَّى بثَوبٍ نَجِسٍ وأمكنَ طرحُه يَتَمادَى في صلاتِه ولا يقطَعُ، وأنَّ من أُوذِيَ له أن يدعوَ على مَن آذاه، وقد يُقالُ: إنْ كانَ كافِرًا، فإنْ كانَ مُسلِمًا فالأحسَنُ أن لا يدعوَ علَيه.
* * *
٧٣ - بابُ البُزَاقِ وَالمُخَاطِ وَنَحوِهِ فِي الثَّوْبِ
قَالَ عُرْوَةُ: عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ زَمَنَ حُدَيْبِية فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وَمَا تنخَّمَ النَّبِيُّ ﷺ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُم، فَدَلَكَ بِها وَجْههُ وَجِلْدَهُ.
(باب البصاق والمخاط ونحو ذلك في الثوب): هما بوزن (فُعال) بضَمِّ الفاء، ويقالُ في البُصاق: بُساقٌ وبُزاقٌ أيضًا.
стр. 825
(ومروان)؛ أي: ابنُ الحَكَم -بفتح الحاء والكاف- الأُمَوِيُّ، وُلِدَ على عَهدِ رسول الله ﷺ ، ولم يسمَع منه؛ لأنَّه خَرجَ طِفلًا معَ أبيه الحَكَمِ إلى الطَّائف حين نَفاه النبي ﷺ إليها، لأنَّه كان يُفشِي سِرَّه، فكان مَعَه حتَّى استُخلِفَ عثمانُ فردَّه إلى المدينة، وكان إسلامُ الحَكَمِ يومَ الفتح، فعلى ما تقدَّم يكونُ حديثُ مروانَ هذا مرسلُ صحابي، وهو حجَّةٌ، لا سيَّما وهو معَ رواية مِسوَرٍ تقويةً لها وتأكيدًا.
(الحديبية) بضَمِّ المُهمَلَة وفَتحِ الدَّال وتَخفيفِ الياء عند الشَّافعيَّ، وشَدَّدَها أكثرُ المُحدِّثين.
وقال ابن المَدينيّ: يثقِّلُها أهلُ المدينة، ويخففها أهلُ العراق، وهي قَرْيةٌ سُميت ببئرٍ هناك، وقيل: شجَرة، وتحتَها كانت بيعةُ الرِّضوانِ، وهي على مَرحلَةٍ من مكَّةَ.
(الحديث)؛ أي: حديثُ قِصةُ الحُديبية، وسيأتي في (الغَزَواتِ) مُسنَدًا، وإن علَّقَه هنا، وفيه: خَرَج النبيُّ ﷺ عامَ الحديبية في بضعَ عَشْرَةَ مئةً، فلمَّا كان بذي الحُلَيفةِ قلَّدَ الهَديَ وأشعَر وأحرَمَ ... إلى آخره.
(وما تنخم)؛ أي: رمَى بنُخامةِ، وهي: النُّخاعَةُ -بضَمَ النون فيهما-.
قال بعض الفقهاء: هي الخارجُ من الصَّدر، والبلغَمُ: النَازِلُ من الدِّماغ، وقيل بالعكسِ، وهو عطفٌ على (خَرَجَ) أو على (الحديث)، ثم المُرادُ: ما تنَخَّم مُطلقًا، أو زَمَنَ الحُديبية، وهو أظهرُ.
стр. 826
(إلا وقعت)؛ أي: ما تنخَّم في حالٍ من الأحوالِ إلا حالَ وقوعِها في الكفِّ.
واعلم أنَّ مناسبةَ دخولِ هذا الباب في (كتاب الوُضوء): أنَّه إذا تبيَّن طَهارةُ النُّخامَةِ؛ عُلِمَ أنَّها إذا وقَعت في الماءِ لا تُنجِّسُه، ويُتَوضَّأُ به، أو أنَّ المُرادَ بكتاب الوُضوء كتابُ الطَّهارة عن الحَدَث، ويتبعُها الطَّهارةُ عن الخَبَث، والفَحصُ عن نفسِ الحَدَث والخبَثِ، ويُجابُ بِهذا عن مثلِ ذلك من الأبوابِ، ولِهذا في بعضِ النُّسخ بدل (كتاب الوُضوء) (كتابُ الطَّهارة)، وسبق.
وأمَّا وجهُ ذكرُ حديثِ الحُديبية هنا؛ فهو إمَّا لأنَّ التَّنخُّمَ كان في الحُديبية، أو أنَّ الرَّاويَ ساقَ الحديثين معًا كما تقدَّمَ في حديث: "نحنُ الآخِرون السَّابقون".
* * *
٢٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ قَالَ: بَزَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي ثَوْبِهِ.
طَوَّلَهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: أَخْبَرَناَ يحيَى بْنُ أيُّوبَ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ قَالَ: سَمِعتُ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(خ).
(في ثوبه)؛ أي ثوبِ رسولِ الله ﷺ هذا هو الظَّاهر، ويحتملُ
стр. 827
على بُعدٍ عَودُ الضَّمير على أَنسٍ.
(قال أبو عبد الله)؛ أي: البخاريُّ.
(طوله)؛ أي: ذَكَر الحديثَ بطُوله، وفيه فائدةٌ، وهي: أنَّ ما رَوى حُمَيدٌ بـ (عن) في السَّند السَّابق مَروِيٌّ هنا بلَفظِ (سمعتُ)، ومفعولُه محذوفٌ للعِلم به مِمَّا سبق.
وهذه متابعةٌ ناقصةٌ، ففي إيرادِ البخاريِّ إيَّاه: التَّعليقُ، وإدخالُ كلامِ المُسند والمُرسل في سِلكٍ واحدٍ، والإجمال في ذكرِ الحديثِ،
والإشارةُ إلى التَّطويل، والاختصارُ، والمتابعةُ، وسَماعُ المعَنعن.
وفي الباب طهارةُ النُّخامة، والبُزاقِ، والتَّبرُّك بالفَضَلات منه ﷺ ، وتعظيمُه غايةَ التَّعظيم.
* * *
٧٤ - بابٌ لَا يَجُوزُ الوضوءُ بِالنَّبِيذِ وَلَا المُسْكِرِ
وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ وَأبو الْعَالِية.
وَقَالَ عَطَاءٌ: التَّيَمُّمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الوُضُوءَ بِالنَّبِيذِ وَاللَّبَنِ.
(باب لا يجوز الوضوء بالنبيذ): (فعيل) بِمعنَى (مفعول)؛ أي: مَطروح، والمُراد: المَطروحُ فيه التَّمر أو الزَّبيب من الماء، سواء اشتَدَّ وأسكَرَ أم لا.
стр. 828
(ولا المسكر) عُطِفَ عليه لكونهِ أعمَّ منه من وَجهٍ وأخصَّ من وجهٍ لشموله نحو: اللَّبن إذا حَمِضَ وأسكَر، وإنِّما أُفرِدَ النَّبيذ؛ لأنَّه محل الخلافِ في التَّوضُّئ به كما سيأتي.
(وأبو العالية) هو ربيعٌ الرِّياحِيُّ.
* * *
٢٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ).
(ع).
(علي) هو ابنُ المَدينيِّ.
(سفيان) هو ابنُ عُيَينة.
(أبو سلمة) عبدُ الله بنُ عبدِ الرَّحمن.
(أسكر)؛ أي: من شَأنِه أن يُسكِرَ، ولو بكثيره، بأيِّ جنسٍ كان، وبأيِّ صَنعةٍ صُنِع، فقد عُدَّ هذا من جوامعِ الكَلِم.
(حرام)؛ أي: فبذلك خَرَج عن اسمِ الماء لغةً وشرعًا، فلا يُتَوَضَّأُ به، هذا وجهُ استدلالِ البخاريِّ على المَنع مُطلقًا، وهو قولُ مالك، والشَّافعيِّ، وأحمدَ، سواء كان نيًّا أو مَطبوخًا، تَمرًا كان أو غيرَه، مع وجودِ الماء أو عدمِه، فإن اشتدَّ حَرُمَ شُربه أيضًا، وصار
стр. 829
نَجِسًا، وجوَّز أبو حنيفة الوُضوءَ بِمطبوخِ التَّمر خاصَّةً عند فَقد الماء.
وجوَّزه الحسنُ بالنَّبيذِ، والأوزاعيُّ بسائرِ الأنبِذَة، واحتجُّوا بحديث ابن مَسعودٍ ليلةَ الجنِّ إذ قال له ﷺ : "أمَعَكَ ماءٌ"؟ فقال: معي نبيذٌ، فقال: "اُصبُبْ شرابٌ وطَهور"، أو قال: "ثَمَرَة طيِّبةٌ وماءٌ طَهور".
وأُجيبَ بأنَّ ابنَ مسعود لم يشهد ليلةَ الجِنِّ كما ثبت عنه من طُرق، وإن صحَّ كان منسوخًا؛ لأنَّ ليلةَ الجنِّ بمكة، وآية: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]، نزلت بالمدينة عند فَقدِ عائشةَ ﵂ العِقْد.
قال أبو عبيدة: شرَط الله تعالى الطَّهور بالماء والتراب، والنَّبيذُ ثالثٌ غيرُهما، وكونُه فيهما لا يصدُق عليه ماء، كالخلِّ لا يُسمَّى ماءً، وإن كان فيه ماء.
قال البَغَوِيُّ: أو أنَّه لم يكنْ متغَيِّرًا، بل ماءٌ نُبِذَ فيه تَمرٌ ليَجتَذِبَ مُلوحَتَه من أجلِ الشُّربِ، وأيضًا فيرد ذلك من القياس على نبيذِ الزَّبيب في امتِناعه، وبأنَّه لما كان خارجًا من حُكمِ المياه حالَ وجودِ الماء كانَ خارجًا عندَ عَدَم الماء.
* * *
стр. 830
٧٥ - بابُ غَسْلِ المَرْأَةِ أَبَاها الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ
وَقَالَ أبو الْعَاليةِ: امسَحُوا عَلَى رِجْلِي فَإِنَّها مَرِيضَةٌ.
(باب غسل المرأة أباها الدم عن وجهه): (الدَّم) بدلٌ من (أباها) بدلُ اشتمال، أي: منه، حتى يرتبط.
قال (ك): أو بدلُ بَعض. وفيه بُعدٌ.
قال: أو منصوبٌ بالاختصاصِ، أي: أعني، وفي بعضِها: (باب غسلِ المرأةِ الدَّمَ عن وجهِ أبيها).
* * *
٢٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: أَخْبَرَناَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعدٍ السَّاعِدِيِّ، وَسَأَلَهُ النَّاسُ وَمَا بَيْني وَبَيْنَهُ أَحَدٌ بِأَيِّ شَيْءٍ دُووِيَ جُرْحُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، كَانَ عَلِيٌّ يَجيءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ مَاء، وَفَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ، فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأُحْرِقَ فَحُشِيَ بِهِ جُرْحُهُ.
(م ت ق).
(محمد) هو ابنُ سلام، كما هو في روايةِ ابنِ عساكر، وجَزَمَ به أبو نعيم، والجَيَّانِيّ.
(أبو حازم) بحاءٍ مهملة.
стр. 831
(وسأله الناس) جملة حاليَّة، وفي نسخة: (وسألوه) على لغةِ: (أكلوني البَراغيثُ)، وفي بعضِها: (مسألة) بدونِ واوٍ.
(وما بيني وبينه أحد) حاليَّة أيضًا؛ إمَّا من مفعولِ (سأل) فهما متداخلتان، وإمَّا من مفعولِ (سمع)، فمترادفتان، أو الجملةُ مُعترِضةٌ لا محلَّ لها.
(دووي) مبنيٌّ للمَفعول، فواوُه الأولى ساكنة والثَّانيةُ مكسورَة، وربَّما كُتِب في نسخة بواوٍ واحدةٍ، فيكون كـ (داود)، وهذا الجُرحُ كانَ في غزوةِ أُحُد لما شُجَّ رأسُه وجُرِح وجهُه.
(أعلم) صفة (أَحَد)، ويجوزُ نصبُه على الحال، ثمَّ التَّركيبُ وإن اقتضى أنَّ غيرَه ليس بأعلَمَ، ويصدُقُ بأمرين: أن يكونَ هو أعلمَ من الناس، أو مُساوٍ في العلمِ، لكنَّ القَصدَ هو الأولُ، وشاهدُه استعمالُ العُرف ذلك فيه.
(فحشي) مبنيٌّ للمفعول، وكذا (أُخِذَ وأُحرِقَ)، أي: حُشِيَ برَماد الحصير؛ لأنَّ فيه استمساكَ الدَّم.
وإدخالُ هذا الباب في (كتابِ الوضوء) إمَّا على أن التَّرجمة هناك (كتاب الطَّهارة)، أو على أنَّ المرادَ من الوضوء معناه اللُّغويُّ، أي: الوَضاءة، وهو الحُسنُ، فرفع الخَبَث من ذلك، أو أنَّ رفعَ الخَبَث تابعٌ لرَفعِ الحَدَث؛ لأنَّ كلًّا شرطٌ للصَّلاة، أو نحو ذلك كما سبق في مثله.
стр. 832
قال (ط): فيه مباشرةُ المَرأةِ أباها ومَحارمَها، ومداواتِهم، ومنه قولُ أبي العالية لأهله: امسَحوا على رِجلَيَّ، فعمَّهم، وفيه إباحةُ التَّداوي.
قال (ن): وفيه ابتلاءُ الأنبياء -عليهم الصلاة السلام- لينالوا جزيلَ الأجرِ، وتتأَسَّى بِهم أمَّتُهم، وليُعلمَ أنَّهم بشرٌ تُصيبُهم مِحَنُ الدُّنيا في أجسامهم؛ لأنَّهم مخلوقون مَربوبون، ولا يُفتتَنُ بما يظهرُ على أيديهم من المعجزات كما افتتَنَ النَّصارى، وأنَّ المُداواةَ لا تَقدَح في التَّوكُّل.
* * *
٧٦ - بابُ السِّوَاكِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: بِتُّ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَنَّ.
(باب السواك): بكسر السِّين، يُطلَق على الفعل، وعلى العود الذي يُتَسَوَّك به، يقول: سوَّك فاهُ تسويكًا، واستَاكَ وتَسوَّك؛ لازِمَان، وهو سُنَّةٌ مطلقًا، ويتأكد في مواضعَ، كالوُضوء ونحوِه، وكمالُه أن يُمِرَّ السِّواك على أطرافِ أسنانِه، وكراسي أضراسِه، وسقفِ حَلقِه إمرارًا لطيفًا.
* * *
٢٤٤ - حَدَّثَنَا أبو النُّعمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيدٍ، عَنْ غيْلَانَ ابْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي برْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أتيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَوَجَدتُهُ يَسْتَنُّ
стр. 833
بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ: (أُعْ أُعْ)، وَالسِّوَاكُ فِي فِيهِ، كَأنَّه يتهوَّعُ.
الحديث الأول (م د س):
(أبو النعمان)؛ أي: عارِمٌ.
(غيلان) بفتح المُعجمة.
(ابن جرير) بالجيم.
(أبي بردة)؛ أي: عامرِ بنِ أبي موسى الأَشعريِّ.
(يستن): يفتَعِلُ، من السِّن -بكسر السين-؛ لأنه دلكُ الأسنان، وقيل: من السَّن -بالفتح-، تقول: سَنَنتُ الحديدَ: حكَكتُه بالحَجَر، حتى يتحدَّد، والمِسَنُّ -بكسر الميم-: الحجرُ.
(أعْ أعْ) بفتح الهمزةِ وسكونِ العين المُهملة، وعن أبي ذر ضمُّها.
قال القَابِسِيُّ: وذكرَ غيره بضَمِّ الهمزة وسكونِ العين، وفي أصل الحافظ ابن عساكر: بغَين مُعجَمة، والضَّمير في (يقول): للنبيِّ ﷺ ، ويحتملُ أن يكونَ للسِّواك، فهو مَجازٌ.
(يتهوع)؛ أي: يتقيَّأ، يُقال: هاعَ يَهُوعُ: إذا قاءَ بلا تكلُّفٍ.
* * *
٢٤٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
стр. 834
الثاني (م د س ق):
(جرير) بالجيم؛ أي: ابن عبدِ الحميد.
(منصور)؛ أي: ابن المُعتَمِر.
(عن أبي وائل)؛ أي: شَقيق، والسَّنَدُ كوفيٌّ إلا أبا حُذَيفَةَ فعِراقِيٌّ.
(يشوص) بفتح الياء وضم المعجمة والصَّادُ مهملة، أي: يدلُكُ الأسنانَ بالسِّواك عَرْضًا، وقال أبو عبيد: يُنظِّفُ، وقيل: معناه: يَغسِلُ، وقيل: هو الاستياكُ من السُّفْلِ إلى العُلوِّ؛ وداءُ الشَّوصَةِ: ريحٌ يرفَعُ القَلب عن موضعه، سُمِّي به لذلك، وقيل: ريحٌ يعتَقِبُ في الأضلاع من داخلٍ.
ووجهُ مناسبةِ الباب: أنَّه مِن سُنن الوضوء، أو أنَّه نظافة، والسِّواكُ مَطهرَةٌ للفَمِ مَرضاةٌ للرَّبّ.
* * *
٧٧ - بابُ دَفْعِ السِّوَاكِ إِلَى الأكبَرِ
(باب دفع السواك للأكبر)
٢٤٦ - وَقَالَ عَفَّانُ: حَدَّثَنَا صَخْرُ بْنُ جُويرِيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: (أَرَانِي أتَسَوَّكُ بِسِوَاك، فَجَاءَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا
стр. 835
أكبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ، فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأكبَرِ مِنْهُمَا).
قَالَ أبو عَبْدِ اللهِ: اخْتَصَرَهُ نُعَيْمٌ عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنْ ناَفِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
قوله: (وقال عفان) بفتح المهملة وتشديد الفاء، يُصرَف ويُمنَع، هو ابنُ مُسلمٍ، ومعلَّقُه وصَلَه أبو عَوانة، وأبو نعيم، والبيهقِيُّ.
(أراني) بفتح الهمزة، والفَاعل والمَفعول: المُتكلِّمُ، وذلك من خصائص أفعالِ القلوب، وفي بعضِها: بضَمِّ الهمزة، بِمعنَى: أظنُّ نفسي، وحَذَفَ المُستَملي الهمزةَ، وهو خطأ، لأنَّه إنَّما أخبَرَ عمَّا رآه في النَّوم.
(فناولت)؛ أي: أعطيتُ، ولهذا عُدِّيَ لمَفعولَين.
(كبر)؛ أي: قَدَّمَ الأكبَرَ سِنًّا.
(قال أبو عبد الله)؛ أي: البخاريُّ.
(اختصره)؛ أي: ذكرَ المُحصَّلَ من الحديث، وحَذَف الزَّائدَ.
(نعيم)؛ أي: ابنُ حَمَّاد.
(أُسامة) هو ابنُ زيدٍ اللَّيثيُّ، وهو وإنْ تُكُلِّمَ فيه؛ فإنَّما ذكره البخاريُّ استشهادًا.
قال (ط): فيه تقديم ذي السِّن في الطَّعام والشَّراب والمَشيِ، كما قُدِّمَ في السِّواك، فهو من آداب الإسلام.
بَلَغْتُ: (اللَّهُمَّ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ)، قُلْتُ: وَرَسُولكَ، قَالَ: (لَا، وَنبَيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ).
(ق م ت س).
(سفيان) يحتملُ ابنَ عُيَينَةَ، والثَّورِيَّ، لأنَّ عبدَ الله يروِي عنهُما، وهُما عن مَنصورٍ، ولكنَّ الثَّورِيَّ أثبتُ النَّاسِ في مَنصورٍ، فتُرجَّحُ إرادَتُه.
(عبيدة) بضَمّ العين.
(أتيت)؛ أي: أردتَ أن تأتيَ، مثل: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨].
(مضجعك) بفتح الجيم، وفي بعضها: (مُضطَّجَعَك).
(أسلَمت)؛ أي: جَعلتُ نَفسي مُنقادةً لك طائعةً لحُكمِك، والإسلامُ: الاستسلامُ بمعنًى.
(وجهي)؛ أي: ذاتِي.
(وألجأت ظهري)؛ أي: أسندتُه، والمُرادُ: توكَّلتُ علَيك واعتَمَدتُ كمَا يعتَمِدُ الإنسانُ بظَهرِه إلى ما يُسنِدُه إليه.
(رغبة)؛ أي: طَمَعًا في ثَوابِك.
(ورهبة)؛ أي: خوفًا من عِقابِك.
(إليك) متعلِّقٌ بـ (رَغبَةً)، وإن تعدَّى بِـ (من)، لكنْ أُجرِيَ هنا مُجرى (رَغِبَ) تغليبًا، كما في قوله:
ورَأَيتُ بَعلَكَ في الوَرى ... مُتَقَلِّدًا سَيفًا ورُمْحًا
стр. 838
والرُّمح لا يُتقَلَّد، ونحو:
علفتُها تبنًا وماءً باردًا
(ملجأ) بالهمز، وربَّما خُفِّفَ".
(منجى) مقصورٌ، كعَمَى، ويجوزُ هنا تنوينُه إن قُدِّر مَنصوبًا؛
لأنَّ هذا التَّركيبَ مثلُ (لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله)، حتى يجري فيه خَمسةُ أوجهٍ.
(منك) إن قُدِّر (ملجأ) و (مَنجى) مَصدَرين فيتنازعان فيه، وإن كانا مَكانيَن فلا.
(إلا إليك)؛ أي: لا مَلجأَ إلى أحدٍ إلا إليك، ولا مَنجَى إلا إليك.
(بكتابك)؛ أي: القرآن، فالمَقام يقتَضيه، وأيضًا فالإيمانُ به يتَضمَّنُ الإيمانَ بجميعِ كتب الله تعالى المُنزلة، ويحتملُ أن يعمَّ الكُلَّ، لإضافته إلى الضَّمير إن قلنا عام، فإنَّ فيه خلافًا على أنَّ المضافَ كالمُحلَّى بأل في احتماله الاستغراقَ والجنسَ والعَهدَ، بل يَجري ذلك في سائرِ المَعارف، كما يُعرَف ذلك من "الكشَّاف" في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ [طه: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ٦] في أول البقرة.
(على الفطرة)؛ أي: دينِ الإسلام، ورُبَّما أُطلِقَت على الخِلقَةِ نحو: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، وعلى السُّنَّة نحو: "خَمسٌ مِنَ الفِطرَةِ".
стр. 839
(تتكلَّم بِها)، وفي بعضِها: (تكلَّم) بحذفِ إحدى التَّاءَين، وذلك كلامٌ باعتِبار اللُّغة، وإن كانَ الفُقهاءُ لا يعدُّون نحوَ الذِّكر كلامًا كما في باب الأَيمانِ؛ لأنَّها مبنيَّةٌ على العُرفِ.
(فرددتها) بالتَّشديد، أي: ردَّدتُ هذه الكلماتِ لأحفَظَهُنَّ.
(فلما بلغت: آمنت بكتابك الذي أنزلت)، أي: بلغتُ آخرَ هذا حين يعقُبُه: (ونبيِّك)، قلتُ بدَلَها: (ورَسولك)؛ ردَّ عليَّ النبيُّ ﷺ بقَوله: قُل: (وبنبيِّك) فقد يتعلَّق به مَن مَنَعَ الرِّوايةَ بالمَعنى كابن سيرينَ، وكذا أبو العَبَّاسِ النَّحويُّ، قال: إذ ما من كَلِمتَين متَناظِرَتَين إلا وبينهما فَرقٌ، وإنْ دَقَّ ولَطُفَ، نحو: بَلى ونعَم.
قال (ح): والفَرقُ بين النَّبيِّ والرَّسولِ: أنَّ النبيَّ هو المُنبَّأُ، فعيل بمعنَى مفعول، والرَّسولُ: هو المأمورُ بتبليغِ ما أُنبئ به وأُخبِرَ عنه؛ فكلُّ رسولٍ نبيٌّ، وليس كلُّ نبيٍّ رسولًا.
قال (ك): أو (فعيل) بمعنَى (فاعل)، أي: المخبِرُ عن الله تعالى.
ورُدَّ بأنَّ المَعنَى يختلفُ، فإنَّه لا يلزمُ من الرِّسالة النُّبوة، وعكسُه كما قاله (ن)؛ فلا خلافَ في المَنعِ إذا اختَلَفَ المَعنَى، وهنا كذلك.
وأجابَ (ك): بأنَّه إذا قال: (ورسولك) يكونُ تكرارًا مع قوله: (أرسَلتَ)، فلمَّا كانَ نبَيًّا قبلَ أن يُرسَلَ صَرَّح بالنُّبوَّة للجَمعِ له بينها وبينَ الرِّسالة له مع ما فيه من تَعديدِ النِّعَم، وتعظيمِ المِنَّةِ في الحالَين.
стр. 840
وقالَ المُهلَّبُ: إنَّما لم يُبدِّلْ ألفاظَه ﷺ لأنَها ينابيعُ الحكمَةِ، وجوامعُ الكلم، فلو غُيِّرت سقَطَت فائدةُ النِّهاية في البلاغةِ التي أُعطيَها رسولُ الله ﷺ .
وقيلَ في وجهُ الإنكار: إنَّه تخليصٌ من اللَّبسِ؛ إذ الرَّسولُ يدخلُ فيه جبريلُ ﵊ وغيرُه من الملائكة، لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥].
والمقصودُ التَّصريحُ برسالة محمَّد ﷺ ، كان الإيمان بالكلِّ واجبًا كما في: وأشهدُ أنَّ محمَّدًا رسولُ الله؛ فهي شهادةُ الإخلاص التي مَنْ مات عليها دخل الجنَّة، واختيارُ المَازَرِي في سبب الإنكار: أنَّه ذِكرٌ ودعاءٌ، فقد يتعلَّق الجزاء بحروفِه بعَينها بوَحيٍ من الله تعالى، فتعيَّنَ أداؤُها بحروفها.
وفي الحديث كما قال (ن): ثلاثُ سُنن:
أحدها: الوُضوء عند النَّوم إذا لم يكن متوضئًا مخافةَ أن يموتَ في ليلتِه، فيكونُ على طهارةٍ، وليكونَ أصدقَ لرؤياهُ، وأبعدَ من تلاعب الشَّيطان به في مَنامه.
ثانيها: النَّوم على الشِّق الأيمن لحُبِّه ﷺ التَّيامُن، ولأنَّه أسرعُ للانتباه.
قال (ك): وإلى انحدارِ الطَّعام كما في الطب.
ثالثها: خَتمُ عملِه بذكر الله تعالى.
قال (ك): وهذا الذكرُ مشتملٌ على الإيمان بكلِّ ما يجب الإيمانُ
стр. 841
به إجمالًا، من الكتُب والرُّسل، من الإلهيَّات والنُّبوَّات، وعلى إسنادِ الذَّوات إليه، من قوله: (وجَّهت وجهي إليك)، والصِّفات، من قوله: (أمري)، والأفعال، من قوله: (وألجَأتُ ظهري)، مع ما فيه من التَّوكُّل على الله تعالى والرِّضا بقضائه، وهذا بحسَب المَعاش، وعلى الاعترافِ بالثَّواب والعقاب خيرًا وشرًّا، وهذا بحسَب المَعاد.
وقال (ن) (١) في المَصدر الفتح والضم، وقد سبق ذلك، وأنَّ مالِكًا يشترِطُ في الغُسل الدَّلكَ، وأنَّ عائشة ﵂ لمَّا وصفت غُسلَه ﷺ لم تذكر دَلكًا، وعن المُزَنِيِّ موافقةُ مالكٍ محتجًّا بقياسه على الوُضوء.
قال (ط): هو لازمٌ.
قال (ك): ليس بلازمٍ، لأنَّه لا نُسلِّم وجوبَ الدَّلك في الوُضوء أيضًا.
(فاطهروا)، أي: عن الحَدَث للجمعِ بين (فاطَّهروا) و (المؤمن لا ينجس)، إذ التَّطهير أعمُّ من الحَدَث والخَبَث، ووجوبُ الغُسل مُستفاد من هاتين الآيتين، ويوجد هنا في بعض النُسخ: (باب الوضوءِ قبلَ الغُسل).
* * *
١ - بابُ الوُضُوءِ قَبْلَ الغُسْلِ
(باب الوضوء قبل الغسل)
٢٤٨ - حدّثَنا عبْدُ اللهِ بنُ يُوسُفَ قالَ: أَخْبَرَنا مالكٌ، عنْ هِشَامٍ،
стр. 845
عنْ أَبيهِ، عَن عَائِشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ : أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ
الجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يدخِلُ أَصابِعَهُ فِي المَاءَ، فَيُخَلِّلُ بِها أُصُولَ شَعَرِهِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غُرَفٍ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ.
الحديث الأول:
(بدأ) أتى به ماضيًا، وبالأفعال بعدَه مُضارِعةً إشعارًا بالفَرقِ بين ما هو خارجٌ من أفعال الغُسل، وما هو داخلٌ، هذا إذا جُعِلَت شرطيَّةً، فإن كانت ظَرفيَّةً، فما جاءَ ماضِيًا فعلى أصلِه، وما جَاء مُضارعًا فلاستِحضار صُورته للسَّامعين.
(الشعر) في بعضِها: (شَعره)، والمعنَى في هذا تليينُ الشَّعر وترطيبُه ليَسهُل مُرورُ الماء عليه.
(غرف) جَمع -غُرفَة- بالضَّم، وهي مِلءُ الكفِّ من الماء، وفي بعضِها: (غَرَفَات)، وهو الأصلُ في مميِّزِ الثَّلاثة؛ لأنَّه جَمعُ قلَّة، فعُرف حينئذٍ من إقامَة جَمعِ الكَثرة موضعَ القلَّة، أو أنَّه جَمعُ قلَّة، كما يقولُ الكوفيون: كعَشر سُورٍ، وثَماني حِجَجٍ.
(يفيض)؛ أي: يُسيلُ، ففي الحديثِ: استِحبابُ غَسل اليدَين قبل الغُسل، وتثليثُ الصَّبِّ، وتخليلُ الشَّعر، وجوازُ إدخالِ الأصابعِ في المَاء.
* * *