Полный текст (8 898 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.
стр. 7841
"يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نفسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا".
الثالث:
(ونزعنا) وجهُ توسُّطِه بين رجال الإسناد: أنّ الحديث كالتفسير له.
(قنطرة) يقتضي وجود جسرين: هذا، والصراط، ولا امتناع في ذلك، أو أن هذا من تتمة الصراط.
(فيقص) في بعضها: (فيقتص).
(أهدى)؛ أي: لأن منازلهم تعرض عليهم غدوًا وعشيًّا، مرّ في (المظالم).
* * *
٤٩ - باب مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ
(باب: من نوقش الحسابَ عُذِّب)
٦٥٣٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنِ
стр. 7842
ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ"، قَالَتْ: قُلْتُ: أليْسَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾، قَالَ: "ذَلِكِ الْعَرْضُ".
الحديث الأول:
(نوقش) المناقشة: الاستقصاء والتفتيش.
(الحساب) منصوب بنزع الخافض، مرّ في (كتاب العلم).
* * *
٦٥٣٦ / -م - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ مِثْلَهُ، وَتَابَعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمٍ، وَأَيُّوبُ، وَصَالِحُ بْنُ رُسْتُم، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الثاني: مثله.
(تابعه ابن جريج، ومحمد بن سُليم) بضم السين: أبو عثمان المكي، وليس بابن سُليم البصري أبي هلال، وصلهما أبو عَوانة في "صحيحه".
(وأيوب) موصول في (التفسير).
(وصالح بن رُسْتُم) بضم الراء وسكون المهملة وضمّ المثناة،
стр. 7843
وقيل بفتحها، وصله إسحاق بن رَاهوَيْه في "مسنده".
* * *
٦٥٣٧ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ ابْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا ذَلِكِ الْعَرْضُ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يُنَاقَشُ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا عُذِّبَ".
الثالث:
(عذب) يحتمل أن التعذيب هو المناقشةُ، والتوقيفُ على الذنوب، وأن يكون هو إفضاؤه إلى العذاب بالنار.
* تنبيه: استدراكُ الدارقطني بأن الحديث مضطرب؛ لأن ابن أبي مُليكة روى مرة عن عائشة، وأُخرى عن القاسم عنها؛ مردودٌ باحتمال أنه بواسطة مرة، وبدونها مرة أُخرى.
* * *
٦٥٣٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ
стр. 7844
بْنُ مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ نبَيَّ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "يُجَاءُ بِالْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا، كُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نعَمْ، فَيُقَالُ لَهُ: قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ مَا هُوَ أَيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ".
الرابع:
(أيسر)؛ أي: أهون، وهو التوحيد، مرّ في (الأنبياء) في (باب آدم).
* * *
٦٥٣٩ - حَدَّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي خَيْثَمَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَسَيُكَلِّمُهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَيْسَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَلَا يَرَى شَيئًا قُدَّامَهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ بَينَ يَدَيْهِ فتَسْتَقْبِلُهُ النَّارُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَّقِيَ النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ".
٦٥٤٠ - قَالَ الأَعْمَشُ: حَدَّثَنِي عَمْرٌو، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اتَّقُوا النَّارَ"، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: "اتَّقُوا النَّارَ"، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثَلَاثًا، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ".
стр. 7845
الخامس:
(ترجمان) بضم المثناة وفتحها، وفتح الجيم وضمها.
(فمن استطاع) جوابه محذوف؛ أي: فليفعل، مرّ في (الزكاة).
(وأشاح) بمعجمة ثم مهملة بعد الألف؛ أي: صرف وجهه.
(فبكلمة طيبة) هي ما تطيب القلب، أو تدل على الحق، ونحو ذلك.
* * *
٥٠ - باب يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ
(باب: يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب)
في بعضها: (يدخلون)، فهو على لغة: أكلوني البراغيث.
قلت: أو خبر مقدم، و (سبعون) مبتدأ.
٦٥٤١ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، وَحَدَّثَنِي أَسِيدُ بْنُ زيدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الأُمَّةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْعَشَرَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ الْخَمْسَةُ، وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ وَحْدَهُ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثيِرٌ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ! هَؤُلَاءِ أُمَّتِي؟ قَالَ:
стр. 7846
لَا، وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ، فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ كَثِيرٌ، قَالَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَهَؤُلَاءِ سَبْعُونَ ألْفًا قُدَّامَهُمْ، لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، قُلْتُ: وَلِمَ؟ قَالَ: كَانُوا لَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"، فَقَامَ إِلَيْهِ عُكَّاشةُ بْنُ مِحْصَنٍ، فَقَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ"، ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ، قَالَ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ".
الحديث الأول:
(عُرِضَت) مبني للمفعول.
(الأُمم) جمع أُمة، وهي الجماعة.
(النفر) رجال دون العشرة.
(لا يكتوون)؛ أي: بدون ضرورة، أو باعتقاد أن الشفاء من الكي.
(ولا يسترقون)؛ أي: بعزائم الجاهلية، لا القرآنِ.
(ولا يتطيرون)؛ أي: التشاؤم بالطيور، وهذا العدد لقصد الكثرة، ونحو ذلك، وإلا فهم كثير.
(عُكّاشة) بتخفيف الكاف وتشديدها، وهو الأكثر.
(رجل آخر) قيل: هو سعد بن عُبادة؛ حكاه الخطيب.
(سبقك) مر في أوائل (كتاب الطب)، وفيه: الردُّ على قول أنه إنما ترك الدعاء له؛ لأنه كان من المنافقين.
стр. 7847
قال (ش): ويظهر أن تركه للتنبيه على فضيلة السبق إلى القُربات، ولو أجابه، لم يكن للسابق مزيّة.
* * *
٦٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي زُمْرَةٌ هُمْ سَبْعُونَ ألْفًا، تُضِيءُ وُجُوهُهُمْ إِضَاءَةَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ"، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ يَرْفَعُ نَمِرَةً عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ"، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: "سَبَقَكَ عُكَّاشَةُ".
الثاني:
(نَمِرَة) كساء فيه خطوط بيضٌ وسود، كأنها أُخذت من جلد النمر.
* * *
٦٥٤٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألْفًا أَوْ سَبْعُمِائَةِ ألفٍ، شَكَّ فِي أَحَدِهِمَا، مُتَمَاسِكِينَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمُ الْجَنَّةَ،
стр. 7848
وَوُجُوهُهُمْ عَلَى ضَوْءَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ".
الثالث:
(شك في أحدهما) قالوا: الشاكُّ هو أبو حازم، وعُلِمَ من سائر الروايات: أنّ أولهم وآخرهم يدخلون معًا، وذلك إنما يتصور إذا كانوا صفًّا واحدًا، مرّ في (صفة الجنة).
* * *
٦٥٤٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ: يَا أَهْلَ النَّارِ! لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! لَا مَوْتَ، خُلُودٌ".
٦٥٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يُقَالُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: خُلُودٌ لَا مَوْتَ، وَلأَهْلِ النَّارِ: يَا أَهْلَ النَّارِ! خُلُودٌ لَا مَوْتَ".
الرابع، والخامس:
(خلود) إما مصدر، أو جمع خالد، فالتقدير: الشأنُ، أو هذا الحالُ خلودٌ، أو: أنتم خالدون.
* * *
стр. 7849
٥١ - باب صِفَةِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ زِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ"، عَدْنٌ: خُلْدٌ، عَدَنْتُ بِأَرْضٍ: أَقَمْتُ، وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ، فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ، فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ.
(باب: صفة أهل الجنة)
قوله: (وقال أبو سعيد) موصول في (التوحيد).
(زيادة) هي قطعة من اللحم متعلقة بالكبد، وهي ألذُّ الأطعمة وأهنؤها.
(المعدِن) منبت الجوهر؛ لإقامة أهله فيه دائمًا، أو لإنبات الله تعالى إياها فيه.
(منبت صدق) في بعضها: (في مقعد صدق)؛ كما في القرآن.
* * *
٦٥٤٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَم، حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ، فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ".
٦٥٤٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ،
стр. 7850
عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قُمْتُ عَلَى باب الْجَنَّةِ، فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينَ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى باب النَّارِ، فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ".
الحديث الأول، والثاني:
(الفقراء)، وفي الآخر: (المساكين)، وفيه: بأن كلًّا منهما يُطلق على الآخر.
(الجَد) بفتح الجيم: الغنى، فأصحاب الجد أصحاب الثروة، أو الحظوظ الدنيوية بمال أو جاه، ويحتمل أنه يريد الملوكَ المعظمين.
(محبوسون)؛ أي: للحساب ونحوه، وسبق الحديث.
* * *
٦٥٤٨ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زيدٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! لَا مَوْتَ، يَا أَهْلَ النَّارِ! لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ".
стр. 7851
الثالث:
(بالموت) هو وإن كان عَرَضًا، والعَرَض لا يوصف بمجيء وذبح؛ لكن الله تعالى يجسّده ويجسّمه، أو أن ذلك على سبيل التمثيل؛ للإشعار بالخلود، ثم قيل: الذابحُ له يحيى بنُ زكريا، وقيل: جبريل عليهم الصلاة والسلام.
* * *
٦٥٤٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالُوا: يَا رَبِّ! وَأَيُّ شَيْءَ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا".
الرابع:
(أُحل) من الإحلال بمعنى الإنزال، أو بمعنى الإيجاب؛ كحَلَّ أمرُ الله عليه؛ أي: وجب، وهذا كما قال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨].
* * *
стр. 7852
٦٥٥٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ حُمَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنسًا يَقُولُ أُصِيبَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ وَهْوَ غُلَامٌ، فَجَاءَتْ أُمُّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُ فِي الْجَنَّةِ أَصْبِرْ وَأَحْتَسِبْ، وَإنْ تَكُنِ الأُخْرَى تَرَى مَا أَصْنعُ، فَقَالَ: "وَيْحَكِ أَوَهَبِلْتِ؟ أَوَ جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ؟ إنَّها جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ لَفِي جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ".
الخامس:
(تر) في بعضها: (ترى)، وهو مثل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] بالرفع.
(أَوَهَبِلْتِ) بفتح الهمزة والواو والهاء وكسر الموحدة، وقد استعاره هنا لفقد العقل مما أصابها من الثكل بولدها، كأنه قال: فقدتِ عقلَكِ لفقدِ ابنك، حتى جعلتِ الجنانَ جنةً واحدة، فالهمزةُ للاستفهام، والواو للعطف على مقدرٍ بعدها، وكذا (أَوَجنة) بفتح الهمزة والواو أيضًا.
(الفردوس) هو أعلى الجنة، ومر الحديث في (غزوة بدر).
* * *
٦٥٥١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الْكَافِرِ مَسِيرَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرعِ".
стр. 7853
السادس:
(مسيرة ثلاثة أيام) إنما وسع ذلك؛ لأنه أبلغ في الإيلام.
* * *
٦٥٥٢ - وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ، لَا يَقْطَعُهَا".
٦٥٥٣ - قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَحَدَّثْتُ بِهِ النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً، يَسِيرُ الرَّاكِبُ الْجَوَادَ الْمُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ، مَا يَقْطَعُهَا".
(وقال إسحاق) وصله أبو نُعيم في "المستخرج على مسلم".
(الجوادَ) بالنصب مفعول (الراكب)، وهو الفرسُ البَيِّنُ الجودة.
(المُضمر) -بالنصب أيضًا- من ضمرتُ الخيل تضميرًا، وضبطه الأصيلي بالرفع فيهما صفة للراكب، وعلى هذا تكسر ميم المضمر الثانية. والتضميرُ: أن تُعلف الخيل حتى تسمن، ثم لا يعلفها إلا قوتًا؛ لتخفَّ، وقيل: يشد عليها سروجها، ويجللها بالأجلة حتى تعرق، فيذهب لحمها ووهلها وتشتد.
стр. 7854
٦٥٥٤ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَوْ سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ -لَا يَدْرِي أَبُو حَازِمٍ أَيُّهُمَا قَالَ- مُتَمَاسِكُونَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ".
السابع:
(لا يدخل أولهم) إلى آخره، لا يقال: يستلزم الدورُ لتوقف الأول على الآخر، وبالعكس، لأنا نقول: يدخلون معًا صفًّا واحدًا، وهو دور معيّ لا استحالة فيه، وفي بعضها: (يدخل)، بدون كلمة (لا)، لكنها مقدرة، يدل عليها المعنى، أو (حتى) بمعنى (حين)، أو (مع)، أو معناه: استمرارُ دخول أولهم إلى دخول من هو آخر الكل.
* * *
٦٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الْغُرَفَ فِي الْجَنَّةِ كمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ فِي السَّمَاءِ".
٦٥٥٦ - قَالَ أَبِي: فَحَدَّثْتُ النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَالَ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يُحَدِّثُ وَيَزِيدُ فِيهِ: "كَمَا تَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الْغَارِبَ فِي الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ وَالْغَرْبِيِّ".
стр. 7855
الثامن:
(عن أبيه)؛ أي: أبي حازم.
(ليتراءون)؛ أي: ينظرون.
(الغابر) بالمعجمة والموحدة، أي: الذاهب، وفي بعضها: بالياء؛ أي: الغائر، وفي بعضها: (الغارب) براء ثم موحدة.
(الشرقي) الكوكب في الشرق لا يكون غاربًا، فالمراد لازمُه، وهو البعدُ ونحوُه.
* * *
٦٥٥٧ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنس بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نعمْ، فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ، أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي".
التاسع:
(لأهونُ)؛ أي: أسهلُ، وسبق الحديث مرارًا.
* * *
стр. 7856
٦٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ"، قُلْتُ: مَا الثَّعَارِيرُ؟ قَالَ: الضَّغَابِيسُ، وَكَانَ قَدْ سَقَطَ فَمُهُ، فَقُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَبَا مُحَمَّدٍ! سَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ مِنَ النَّارِ"، قَالَ نعمْ.
العاشر:
(الثَعَارِير) جمع ثُعْرُور -بالمثلثة والمهملة وضم الراء الأولى-، ويقال بالسين بدل الثاء أيضًا: القثاء الصغار، ونباتٌ كالهليون، وثمر الطراثيث.
(الضغابيس) جمع ضِغْبُوس -بمعجمتين وضم الموحدة وإهمال السين- هو أيضًا القثاءُ الصغار، والرجل الضعيف، والشوك الذي يؤكل، والغرض من التشبيه: بيان حالهم، وطراوة صورتهم، وتجرد خلقتهم.
(وكان)؛ أي: عمرو.
(قد سقط فمه)؛ أي: فلا يعطي الحروفَ حقَّها، ولهذا لُقب بالأثرم؛ إذ الثرم هو انكسار الأسنان، وهذا مقول حماد.
وفي الحديث: إبطالُ مذهب المعتزلة في نفي الشفاعة للعصاة.
* * *
стр. 7857
٦٥٥٩ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قتادَةَ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَهَنَّمِيِّينَ".
الحادي عشر:
(سفع) بمهملتين وفاء: حرارة النار، والسوافع: لوائح السموم.
* * *
٦٥٦٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، يَقُولُ اللهُ: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيَخْرُجُونَ قَدِ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نهرِ الْحَيَاةِ، فَينْبُتُونَ كمَا تنبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَوْ قَالَ: حَمِيَّةِ السَّيْلِ"، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ألمْ تَرَوْا أَنَّهَا تنبُتُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟ ".
الثاني عشر:
(امتحشوا) من الامتحاش -بمهملة قبل الألف، ومعجمة بعدها-، وهو الاحتراق.
(حُمَمًا) بضم المهملة وفتح الميم: الفحم.
(الحِبّة) بكسر المهملة: بزر البقل والرياحين.
стр. 7858
(حَميل السميل) غُثاؤه، وهو محموله، والحَمْأة -بفتح الحاء وسكون الميم وبكسرها والهمز-: الطين الأسود، وسبق الحديث في (الإيمان) في (باب تفضيل أهل الإيمان).
(صفراء) قال (ن): لسرعة نباته يكون ضعيفًا، ولضعفه يكون أصفر ملتويًا، ثم بعد ذلك تشتد قوتهم.
* * *
٦٥٦١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ فِي أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَةٌ يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ".
٦٥٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاء، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ عَلَى أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرتَانِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ، كمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ وَالْقُمْقُمُ".
الثالث عشر، والرابع عشر:
(جمرة) وفي الحديث الذي بعده: (جمرتان) المراد بهما واحد؛ بقرينة القدمين؛ كما لو قلت: ضربت ظهر تُرْسَيْهِما، لا بد من إرادة ظهري تُرْسَيْهِما.
стр. 7859
(المِرجل) بكسر الميم وفتح الجيم: القِدْر من الحجارة أو النحاس، وقال (ش) نقلًا عن ابن سيده في "شرح المتنبي": إنه قِدْر النحاس خاصة، وإنه مذكر من بين أسماء القِدر.
(بالقُمْقُم) بضم القافين: آنية معروفة من زجاج، والباء للتعدية، ووجه التشبيه هو: كما أن النار تغلي المرجل الذي في رأسه قمقمه؛ بحيث تسري الحرارة إليها، وتؤثر فيها، كذلك النارُ تغلي بدنَ الإنسان؛ بحيث يؤدي أثره إلى الدماغ؛ وقيل: هو الماء الكثير، والقِمْقَام هو الرجل العظيم.
قال ابن قُرْقُول في "المطالع": كذا في جميع الروايات، وذكر ابن الصابوني: والقُمْقُم، وهذا أبينُ إن ساعدته الرواية.
قال (ع): قيل: هو الصواب.
قال (ش): روي كذلك، ورواه مسلم مقتصرًا على المرجل.
قال ابن الصابوني: والقُمْقُم فارسي معرَّب، وقال ابن عديس القضاعي في "الباهر": القمقم -بالكسر في القافين-: البُسْر المطبوخ، وأهل الحديث يروونه بالضم، وكذا حكاه (ش) عن المطرز، قال: قاله ابن السِّيد، وهذا أجودُ ما قيل فيه، ولم يقع صاحب "النهاية" على ذلك.
* * *
٦٥٦٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ خَيْثَمَةَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ النَّارَ فَأَشَاحَ
стр. 7860
بِوَجْهِهِ، فتعَوَّذَ مِنْهَا، ثُمَّ ذَكَرَ النَّارَ فَأَشَاحَ بِوَجْهِهِ، فتعَوَّذَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ: "اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ".
الخامس عشر:
(فأشاح)؛ أي: أعرضَ وصرفَ وجهَه.
* * *
٦٥٦٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَالدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَباب، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: "لَعَلَّهُ تنفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ، يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ".
السادس عشر:
(ضَحْضاح) بإعجام الضادين وإهمال الحاءين: ما رقّ من الماء على وجه الأرض إلى نحو الكعبين، فاستعير في النار، وعملُ الكافر وإن كان يوم القيامة هباءً، فانتفاع أبي طالب ليس بعمله؛ بل ذلك من خصائص النبي ﷺ .
(أُمّ دماغه)؛ أي: أصلُه، وما به قوامه، وقيل: الهامة، وقيل: جُليدة رقيقة تحيط بالدماغ.
* * *
стр. 7861
٦٥٦٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانةَ، عَنْ قتادَةَ، عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا عَلَى رَبِّنَا حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، فَاشْفَعْ لنا عِنْدَ رَبِّنَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئتَهُ وَيَقُولُ: ائْتُوا نُوحًا، أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللهُ، فَيَأْتُونَهُ فَيقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئتَهُ، ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلًا، فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئتَهُ، ائْتُوا مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللهُ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَذْكُرُ خَطِيئتَهُ، ائْتُوا عِيسَى، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُم، ائْتُوا مُحَمَّدًا ﷺ ، فَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَإذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ، وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَقَعُ سَاجِدًا مِثْلَهُ فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ، حَتَّى مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ"، وَكَانَ قتادَةُ يَقُولُ عِنْدَ هَذَا: أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ.
السابع عشر:
(جمع الله)؛ أي: في العَرَصات.
стр. 7862
(لو) جوابها محذوف، أو هي للتمني.
(يريحنا) من الإراحة؛ أي: من الموقف وأهواله، ويفصل بين العباد.
(لسْتُ هُنَاكُمْ)؛ أي: ليس لي هذه المرتبة.
(خطيئته) هي في آدم: أكلُه من الشجرة، ولنوح: دعوتُه على قومه، ولإبراهيم: معاريضُه الثلاث، ولموسى: قتلُه القبطي، وإنما قالوه تواضعًا وهضمًا للنفس، وإلا فالحقيقة هم معصومون مُطلقًا.
(أول رسول)؛ لأن آدم، وإن قلنا: إنه أول رسول، إلا أن نوحًا أولُ رسول أنذرَ قومه بالعذاب، أو أول رسول له قوم.
(غضب) نسبتُه إلى الله تعالى مجاز عن إظهار إيصال العقاب، وإلا فحقيقته فيه محال.
(فيدعني)؛ أي: يتركني في السجود.
(تُشَفَّع) من التشفيع؛ أي: تقبل شفاعتك.
(حبسه القرآنُ)؛ أي: أخبر بخلوده؛ نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، وقد سبق الحديث في (سورة بني إسرائيل).
* * *
٦٥٦٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ذَكْوَانَ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:
стр. 7863
"يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ".
الثامن عشر:
عُلِمَ شرحه مما سبق.
* * *
٦٥٦٧ - حَدَّثَنَا قتيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنسٍ: أَنَّ أُمَّ حَارِثَةَ أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، وَقَدْ هَلَكَ حَارِثَةُ يَوْمَ بَدْرٍ، أَصَابَهُ غَرْبُ سَهْمٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ عَلِمْتَ مَوْقِعَ حَارِثَةَ مِنْ قَلْبِي، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ لَمْ أَبْكِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا سَوْفَ تَرَى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ لَهَا: "هَبِلْتِ، أَجَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هِيَ؟ إِنَّهَا جِنَان كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ الأَعْلَى".
٦٥٦٨ - وَقَالَ: "غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَة خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَوْضعُ قَدَمٍ مِنَ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ، لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا -يَعْنِي الْخِمَارَ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
التاسع عشر:
(سهم غرب) بالإضافة والوصف؛ أي: غريبٌ لا يُدرى
стр. 7864
من الرامي به.
قال (ش): إنه روي هنا: (غرب سهم) بالتنوين على البدل من غرب، والمحفوظ: (سهمٌ غربٌ) بالتنوين على النعت، وبفتح الراء وسكونها.
قال أبو زيد: بالفتح: إذا رمى شيئًا، فأصاب غيره، وبالسكون: إذا أتى السهم من حيث لا يدري، وقال الكسائي، والأصمعي: إنما هو: (سهم غرب) بفتح الراء مضاف: الذي لا يعرف راميه.
(قِدّه) بكسر القاف وشدة المهملة: السوط؛ لأنه يُقَدّ، أي: يُقطع طولًا، وقيل: موضع قِدِّه؛ أي: شِراكه، ويروى: (قدمه) بالميم والإضافة، ويروى: (قدم) بلا إضافة.
(ولنَصِيفُها) بفتح النون وكسر المهملة، وسبق الحديث أول (الجهاد).
* * *
٦٥٦٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، لَوْ أَسَاءَ، لِيَزْدَادَ شُكْرًا، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، لَوْ أَحْسَنَ، لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً".
العشرون:
(لو أساء)؛ أي: لو عَمِلَ عَمَلَ السوء، وصار من أهل جهنم،
стр. 7865
والجنةُ وإن كانت دار جزاء لا دار شكر، فالمراد هنا: تلذُّذهم، أو لازم الشكر، وهو الرضا والفرح.
* * *
٦٥٧٠ - حَدَّثَنَا قُتيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ! مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: "لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ".
الحادي والعشرون:
(مِنْ قِبَل نَفْسِه) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي: من جهتها طوعًا ورغبة، ومرّ في (العلم) في (باب الحرص على الحديث).
* * *
٦٥٧١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبِيدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا، رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ كَبْوًا، فَيَقُولُ اللهُ اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنَّهَا مَلأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اذْهَبْ فَادْخُلِ
стр. 7866
الْجَنَّةَ فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أنَّهَا مَلأَى، فَيَرْجِعُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا أَوْ إِنَّ لَكَ مِثْلَ عَشَرَةِ أَمْثَالِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ تَسْخَرُ مِنِّي، أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي وَأَنْتَ الْمَلِكُ"، فَلَقَدْ رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَكَانَ يُقَالُ: ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً.
الثاني والعشرون:
(حَبْوًا) بفتح المهملة وسكون الموحدة: المشي على اليدين، أو على الإست، ويروى: (كبوًا).
(عشرة أمثال الدنيا) وجهُ الجمع بينه وبين ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١]: أن ذلك مذكور تمثيلًا للسَّعَة على قدر فهمنا، وإلا فعرضُها حقيقة لا يحيط به إلا اللهُ تعالى.
(تسخر مِنِّي) إطلاق نسبة مثل هذه المعاني إلى الله تعالى المرادُ به: لوازمُها من الإهانة ونحوها.
(وكان يقال) إلى آخره، ليس من تتمة كلام النبي ﷺ ؛ بل من كلام الراوي نقلًا عن الصحابة أو أمثالهم من أهل العلم.
* * *
٦٥٧٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نوفَلٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : هَلْ
стр. 7867
نَفَعْتَ أَبَا طَالِبٍ بِشَيْءٍ.
الثالث والعشرون:
(هل نفعت) تمامه: "لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ في ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ"، وسبق آنفًا.
* * *
٥٢ - باب الصِّرَاطُ جَسْرُ جَهَنَّمَ
(باب: الصراط جسر جهنم)
جسر: بكسر الجيم وفتحها.
٦٥٧٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَحَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونها سَحَابٌ؟ "، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: "هَلْ تُضَارُّونَ فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ؟ "، قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "فَإنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ
стр. 7868
يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْهُ، فَيَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا ربُّنَا، فَإِذَا أتانَا ربُّنَا عَرَفْنَاهُ فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ ربُّنَا؟ فَيَتْبَعُونَهُ، وَيُضْرَبُ جِسْرُ جَهَنَّمَ"، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُجيزُ، وَدُعَاءُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، وَبِهِ كَلَالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، أَمَا رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ "، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: "فَإِنَّهَا مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهَا لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ، فتخْطَفُ الناسَ بِأَعْمَالِهِمْ، مِنْهُمُ الْمُوبِقُ، بِعَمَلِهِ وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَلُ، ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ، مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوهُمْ، فَيَعْرِفُونَهُمْ بِعَلَامَةِ آثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ مِنِ ابْنِ آدَمَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرِجُونَهُمْ قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبّةِ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! قَدْ قَشَبَنِي رِيحُهَا وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا، فَاصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ، فَيَقُولُ: لَعَلَّكَ إِنْ أَعْطَيْتُكَ أَنْ تَسْأَلنِي غَيْرَه؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَيَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، ثُمَّ
стр. 7869
يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: يَا رَبِّ قَرِّبْني إِلَى باب الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: أَلَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلْنِي غَيْرَهُ؟ وَيْلَكَ ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! فَلَا يَزَالُ يَدْعُو، فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَ ذَلِكَ تَسْأَلنِي غَيْرَه؟ فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَيُعْطِي اللهَ مِنْ عُهُودٍ وَمَوَاثِيقَ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهُ، فَيُقَرِّبُهُ إِلَى باب الْجَنَّةِ، فَإِذَا رَأَى مَا فِيهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبِّ! أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَوَ لَيْسَ قَدْ زَعَمْتَ أَنْ لَا تَسْأَلنِي غَيْرَه؟ وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا أَغْدَرَكَ! فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ، فَإِذَا ضَحِكَ مِنْهُ أَذِنَ لَهُ بِالدُّخُولِ فِيهَا، فَإِذَا دَخَلَ فِيهَا قِيلَ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا، فَيَتَمَنَّى، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: تَمَنَّ مِنْ كَذَا، فَيَتَمَنَّى حَتَّى تنقَطِعَ بِهِ الأَمَانِيُّ، فَيَقُولُ لَهُ: هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَذَلِكَ الرَّجُلُ آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا.
٦٥٧٤ - قَالَ: وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَا يُغَيِّرُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ حَدِيثهِ حَتَّى انتهَى إِلَى قَوْلِهِ: "هَذَا لَكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ حَفِظْتُ: "مِثْلُهُ مَعَهُ".
(سعيد) هو ابن المُسَيَّب.
(تُضَارُّون) بالتشديد مبني للفاعل أو المفعول؛ أي: هل تضرون
стр. 7870
أحدًا، وهل يضركم أحد بمنازعة أو بمضايقة، وبالتخفيف: من الضير بمعنى الضر.
(كذلك)؛ أي: واضحًا جليًّا بلا مضارة، ولا يلزم منه المشابهةُ في الجهة، والمقابلةُ، وخروجُ الشعاع ونحوها؛ لأنها أمور لازمة للرؤية عادة لا عقلًا.
(الطواغيت) الشياطين، والأصنام، ورؤوس الضلال، ولفظ الشمس، والقمر، والطواغيت مكرر، وفي بعضها بلا تكرر، فيقدر: ويومئذ، وإن لم يكن شمس ولا قمر؛ أي: على هيئتهما؛ بل الشمس مكورة، والقمرُ منخسفٌ، أو أن ذكرهما على سبيل التمثيل.
(منافقوها) ظنوا أن تسترهم باختلاطهم بالمؤمنين ينفعهم حينئذ! ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣].
(فيأتيهم الله) هو من المتشابه، وفيه الطريقان: التفويض، والتأويل؛ فمن يُؤوّل قال: المراد: التجلي، وكشفُ الحجاب، وإن المراد بالصورة: الصفة، أو أن الكلام أُخرج على سبيل المطابقة. وقال بعض الأئمة: يتجلى لكلٍّ، فيراه بحسب عقيدته، فالمراد بقوله: (غير الصورة التي يعرفونها): أن ذلك للمنافقين، ومن كان يعتقده على خلاف ما هو به، وأما تجليه على ما هو به من نعوت الجلال، فهو في حق المؤمنين؛ فالاختلاف إنما هو في الرائين بحسب أحوالهم، وأما ربنا تعالى، فلا يلحقه تحوّل، ولا زوال، ولا تبدّل، ولا انتقال،
стр. 7871
ولا تضرب له الأمثال.
وقيل: إن المراد: أن الله تعالى سيظهر لهم صورة هائلة امتحانًا لهم؛ كما قال مسلم: إن قوله: في صورة معناه: بصورة، فـ (في) بمعنى الباء؛ كما في: ﴿يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ﴾ [البقرة:٢١٠]؛ أي: بظُلَل.
(فيقولون: أنت ربنا) فيعرّفهم الله تعالى بخلق علم فيهم، أو بما عرفوا من وصف الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-.
قلت: وكان شيخنا شيخ الإسلام البُلْقِيني ﵀ يقرر لنا في مثله عقيدة لطيفة عظيمة: وهو أنه تعالى استأثر بصفات لم يكلف بها عباده؛ فإذا تجلى لهم في تلك الصفات، أنكروه، وإذا تجلى لهم في الصفة التي تعبّدهم بها في دار التكليف، عرفوه بذلك؛ فاعلمه!
(جسر)؛ أي: ممدود على متن جهنم، أدقُّ من الشعر، وأحدُّ من السيف.
(يُجيز) من أَجَزْت الواديَ، وجُزْتُه: قطعتُه، وقيل: معناه: لا يجوز أحد على الصراط حتى يجيزه هو ﷺ ؛ أي: فهو يجيز الناس، أو الضمير في (يجيز) عائد إلى الله تعالى؛ أي: فأكون أولَ من يُجيزه الله تعالى.
(كلاليب) جمع كَلُّوب؛ كتنّور، ويقال فيه: كُلَّاب، كزُنَّار، وهو المنشال.
(السَّعْدَان): نبت من أفضل مراعي الإبل، له شوك عظيم من الجوانب مثل الحَسَك.
стр. 7872
(فتخطف) بفتح الطاء وكسرها.
(الموبَق): المهلَك.
(المُخَرْدَل)؛ أي: المقطَّع بقدرِ الخردل، وقال الأصيلي: بالجيم: من الجردلة، وهي الإشراف على السقوط.
(فرغ)؛ أي: أتم الحكم بين العباد.
(أثر السجود)؛ أي: الجبهة، ويحتمل أن المراد: الأَعْظُمُ السبعةُ.
(امتحشوا) بمهملة ثم معجمة: احترقوا، وفي بعضها بالبناء للمفعول.
(الحِبّة) بكسر الحاء: بزر الرياحين.
(قشبني) بقاف ومعجمة وموحدة: آذاني، والقشب: الإصابة بكل ما يُكره ويُستقذر.
(ذَكاها) بفتح المعجمة والقصر: شدة الحر، واللهيب، والاشتعال، وقيل: بالمد أيضًا لغة.
(أَغْدَرَكَ) فعلُ تعجب من الغدر، وهو نقضُ العهد، وتركُ الوفاء.
(أشقى)؛ أي: شقيًّا، وإلا فمَنْ في جهنَم أشقى منه، أو المراد: أشقى الخلق الخارجين من النار بالإيمان.
(ضحك) مجاز عن الرضا به، وإلا فهو محال على الله تعالى.
стр. 7873
(من كذا)؛ أي: من الجنس الفلاني، وهذا الرجل قيل اسمه: هنّاد -بالنون والمهملة-، وقيل: جُهينة، يقول أهلُ الجنة: سلوه: هل بقي في النار من المؤمنين أحد؟ فعند جُهينة الخبر اليقين.
(وعشرة أمثاله) وجهُ الجمع بين هذا وبين رواية: (ومثله معه): أنه أخبر أولًا بالمثل، ثم أخبره بتفصيله بالعشرة.
وفيه: وقوعُ الرؤية يوم القيامة، والعبور على الصراط، وفضل السجود، وخروج العاصي من النار، وتأنيس الله ولطفُه بعبده المؤمن، حتى صدر منه هذا الإدلال، وبيانُ كرم أكرم الأكرمين، وجوازُ نقض العهد بما هو أفضلُ كأنه من باب: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا"، وسبق الحديث في (الصلاة) في (فضل السجود).
* * *
٥٣ - باب فِي الْحَوْضِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ زيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ".
(كتاب الحوض)
أي: الذي لنبينا ﷺ على باب الجنة، يُسقى المؤمنون منه، وهو
стр. 7874
مخلوق اليوم، وأحاديثُه متواترة في المعنى، والإيمانُ به واجبٌ، وهو الكوثر.
(وقال عبد الله) موصول في (المناقب).
* * *
٦٥٧٥ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ".
الحديث الأول:
(فَرَطكمْ) بفتح الراء؛ أي: سابقكم، والفَرَط: هو المتقدم على الواردين ليصلحَ لهم الحِياض والدلاءَ، وتهيئة الماء.
ففيه: بشارةٌ لهذه الأُمة، فهنيئًا لمن كان ﷺ فَرَطَه.
* * *
٦٥٧٦ - وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ، ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ".
تَابَعَهُ عَاصِمٌ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، وَقَالَ حُصَيْنٌ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 7875
الثاني:
(لَيُخْتَلَجُنّ) بالبناء للمفعول؛ أي: يُعْدَلُ بهم عن الحوض، ويُجْذَبون من عنده، وهم إما المرتدون، أو العصاة.
(تابعه عاصم) وصله الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ في "مسنده".
(وقال حُصين) وصله مسلم.
* * *
٦٥٧٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَمَامَكُمْ حَوْضٌ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ".
الثالث:
(جَرْبا) بفتح الجيم وسكون الراء وبالموحدة، مقصور عند الجمهور: البكريِّ، وغيره، وفي بعضها ممدود.
(وأَذْرُح) بهمزة مفتوحة ومعجمة ساكنة وراء مضمومة وحاء مهملة. في "مسلم": قال عُبيد الله: فسألتهُ؟ فقال: قريتان بالشام بينهما مسيرةُ ثلاثة ليال، انتهى.
واستشكل بأمرين:
أحدهما: أن هذين موضعان بقرب بيت المقدس بينهما مسيرة ساعة تقريبًا، والتشبيه في البعد بساعة مباينٌ لمقام المبالغة في البعد.
والثاني: ورد رواية: (كَمَا بَيْنَ المَدِينَةِ وَصَنْعَاءَ).
стр. 7876
وأُجيب عن الأول: بأن فيه اختصارًا، وأصلُه: كما بين المدينة، وجربا وأذرح؛ أي: لأنهما في حكم موضع واحد، ولهذا يستعملان مقارنين كماه، وجور والقدس، والخليل، وصرح بذلك في رواية الدراقطني، وهي: (ما بين ناحيتي حوضي كما بين المدينة وجربا وأذرح).
قال (ك): أو أن المبالغة حاصلةٌ في مسير ساعة؛ لأن السَّعة أمرٌ إضافي يختلف باختلاف المقامات، أو كان في الأول هذا المقدار، ثم زاد الله من فضله عليه. ويحتمل أن لا يكون وجه التشبيه بيانَ طولِ الحوض، وعرضِه؛ بل المشابهةُ في الأمامية؛ أي: كما أن ما بينهما يعني المسجد الأقصى أمامي مقارنًا لما بينهما، وفي بعض النسخ لفظة: (بين) مفقودة.
وعن الثاني: أن هذا التشبيه في البعد لمَّا كان على جهة التمثيل، وبعد أقطار الحوض، خاطب ﷺ أهلَ كلِّ جهة بما يعرفون من المواضع، وما يعدُّونه بعيدًا.
* * *
٦٥٧٨ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بن محَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، وَعَطَاءُ بن السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: الْكَوْثَرُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي أَعْطَاهُ الله إِيَّاهُ، قَالَ أَبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ: إِنَّ أُنَاَسًا يَزْعُمُونَ أنَّه نهرٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: النَّهَرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ الله إِيَّاهُ.
стр. 7877
الرابع:
عرف مما سبق.
* * *
٦٥٧٩ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا".
الخامس:
(أبيض)؛ أي: أشد بياضًا، ففيه: مجيء أَفْعَلِ التفضيلِ من اللون، وهو قولُ الكوفيين، وربما نُقل عنهم تخصيصُه بالسواد؛ لأنهما الأصل، وسائرُ الألوان مركبةٌ منهما، والبصريون يوجبون التوصل بأشدّ ونحوه، فيقولون: أشدّ بياضًا من كذا، ويشهد للكوفيين قوله:
جارية في دِرْعِهَا الفَضْفَاضِ ... أَبْيَضُ مِنْ أُخْتِ بَنِي أَبَاضِ
وجعله ابنُ مالك من المحكوم بشذوذه، وقال غيره: ليس من التفضيل؛ بل بمعنى: مبيضّ.
* * *
٦٥٨٠ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ قَالَ: ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي أَنسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ -
стр. 7878
قَالَ: "إِنَّ قَدْرَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ".
السادس:
(أَيْلَة) بفتح الهمزة وسكون الياء وفتح اللام: مدينة آخر الحجاز وأول الشام.
(وَصنْعَاء) بفتح المهملة الأولى: بلدة باليمن.
والجمعُ بين هذه الأحاديث ما سبق قريبًا، وقيل: ليس في القليل منعه للكثير، فلا تعارض.
* * *
٦٥٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَحَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثنا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنسُ ابْنُ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَينَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِباب الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ، أَوْ طِيبُهُ مِسْكٌ أَذْفَرُ"، شَكَّ هُدْبَةُ.
السابع:
(شهر) لا ينافي كونَهُ حوضًا؛ لإمكان اجتماعهما.
стр. 7879
(حافتاه) بتخفيف الفاء: جانباه.
(أذفر) بمعجمة وفاء وراء: الشديد الرائحة، الجيد في الغاية.
(شكَّ هُدْبة)؛ أي: في أنه بموحدة، أو بنون.
* * *
٦٥٨٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهيْبٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَنسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ ناَسٌ مِنْ أَصحَابِي الْحَوْضَ، حَتَّى عَرَفْتُهُمُ اخْتُلِجُوا دُوني، فَأقولُ: أَصحَابِي، فَيقولُ: لَا تَدرِي مَا أَحْدَثُوا بَعدَكَ".
الثامن:
سبق شرحه.
٦٥٨٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ، حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي فَرَطُكُم عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهمْ ويعرِفُوني، ثُمَّ يُحَالُ بَيني وَبَيْنَهُم".
٦٥٨٤ - قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَنِي النُّعمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ، فَقَالَ: هكَذَا سَمِعتَ مِنْ سَهْلٍ؟ فَقُلْتُ: نعم، فَقَالَ: أَشْهدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ لَسَمِعتُهُ وَهْوَ يَزِيدُ فِيها: "فَأقولُ إِنَّهم مِنِّي، فَيُقَالُ:
стр. 7880
إِنَّكَ لَا تدرِي مَا أَحدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقولُ: سُحْقًا سُحقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعدِي"، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُحقًا بُعدًا، يُقَالُ: سَحِيقٌ بَعِيدٌ، وَأَسْحَقَهُ أَبْعَدَهُ.
التاسع:
(لم يظمأ)؛ أي: لم يعطش.
وفيه: أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار، وأن المارين عليه كلهم يشربون، وإنما يمنع من يذاد عنه، فلا يصر عليه.
(سحقًا)؛ أي: بعدًا، وكرر للتأكد، وهو نصب على المصدر، وهذا مشعر بأنهم مرتدون عن الدّين؛ لأنه يشفع للعصاة، ويهتم بأمرهم، ولا يقول لهم مثل ذلك.
* * *
٦٥٨٥ - وَقَالَ أَحمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ الْحَبَطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونس، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَرِدُ عَلَيَّ يَومَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصحَابِي، فَيُحَلَّؤُنَ عَنِ الْحَوْضِ، فَالولُ: يَا رَبِّ! أَصحَابِي، فَيقُولُ: إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحدَثُوا بَعدَكَ، إِنَّهُمُ ارتَدُّوا عَلَى أَدبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى".
(وقال أحمد بن شبيب) بفتح المعجمة وبموحدة مكررة، وصله
следующие страницы →