وأُجيب عن الأول: بأن فيه اختصارًا، وأصلُه: كما بين المدينة، وجربا وأذرح؛ أي: لأنهما في حكم موضع واحد، ولهذا يستعملان مقارنين كماه، وجور والقدس، والخليل، وصرح بذلك في رواية الدراقطني، وهي: (ما بين ناحيتي حوضي كما بين المدينة وجربا وأذرح).
قال (ك): أو أن المبالغة حاصلةٌ في مسير ساعة؛ لأن السَّعة أمرٌ إضافي يختلف باختلاف المقامات، أو كان في الأول هذا المقدار، ثم زاد الله من فضله عليه. ويحتمل أن لا يكون وجه التشبيه بيانَ طولِ الحوض، وعرضِه؛ بل المشابهةُ في الأمامية؛ أي: كما أن ما بينهما يعني المسجد الأقصى أمامي مقارنًا لما بينهما، وفي بعض النسخ لفظة: (بين) مفقودة.
وعن الثاني: أن هذا التشبيه في البعد لمَّا كان على جهة التمثيل، وبعد أقطار الحوض، خاطب ﷺ أهلَ كلِّ جهة بما يعرفون من المواضع، وما يعدُّونه بعيدًا.
* * *
٦٥٧٨ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بن محَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، وَعَطَاءُ بن السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: الْكَوْثَرُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الَّذِي أَعْطَاهُ الله إِيَّاهُ، قَالَ أَبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ: إِنَّ أُنَاَسًا يَزْعُمُونَ أنَّه نهرٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: النَّهَرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْخَيْرِ الَّذِي أَعْطَاهُ الله إِيَّاهُ.
إِنَّكَ لَا تدرِي مَا أَحدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقولُ: سُحْقًا سُحقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعدِي"، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سُحقًا بُعدًا، يُقَالُ: سَحِيقٌ بَعِيدٌ، وَأَسْحَقَهُ أَبْعَدَهُ.
التاسع:
(لم يظمأ)؛ أي: لم يعطش.
وفيه: أن الشرب منه يكون بعد الحساب والنجاة من النار، وأن المارين عليه كلهم يشربون، وإنما يمنع من يذاد عنه، فلا يصر عليه.
(سحقًا)؛ أي: بعدًا، وكرر للتأكد، وهو نصب على المصدر، وهذا مشعر بأنهم مرتدون عن الدّين؛ لأنه يشفع للعصاة، ويهتم بأمرهم، ولا يقول لهم مثل ذلك.
* * *
٦٥٨٥ - وَقَالَ أَحمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ الْحَبَطِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونس، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَرِدُ عَلَيَّ يَومَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصحَابِي، فَيُحَلَّؤُنَ عَنِ الْحَوْضِ، فَالولُ: يَا رَبِّ! أَصحَابِي، فَيقُولُ: إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحدَثُوا بَعدَكَ، إِنَّهُمُ ارتَدُّوا عَلَى أَدبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى".
(وقال أحمد بن شبيب) بفتح المعجمة وبموحدة مكررة، وصله
стр. 7881
أبو عَوانة في "صحيحه"، والإسماعيلي.
(فَيُحَلَّؤُون) بمهملة وهمز: من التَّحْلِئَة، وهو المنع، يقال: حَلَّأهَ عن الماء: طرده.
قال (ك): وفي بعضها بالمعجمة.
* * *
٦٥٨٦ - حَدَّثَنَا أَحمَدُ بْنُ صَالحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَني يُونس، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَصحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَرِدُ عَلَى الْحَوْضِ رِجَالٌ مِنْ أَصحَابِي، فَيُحَلَّؤُنَ عَنْهُ، فَأقُولُ: يَا رَبِّ! أصحَابِي، فيقُولُ: إِنَّكَ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحدَثُوا بَعدَكَ، إِنَّهُمُ ارتَدُّوا عَلَى أَدبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى"، وَقَالَ شُعَيْبٌ: عَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِي ﷺ : فَيُجْلَونَ، وَقَالَ عُقَيلٌ: فَيُحَلَّؤُنَ، وَقَالَ الزُّبَيدِيُّ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافع، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(وقال شعيب) وصله الذُّهْلِي في "الزُّهْرِيات".
(عن الزهريّ: كان أبو هريرة) سيأتي أنه روى ذلك عنه بواسطتين؛ فالظاهر أن هذا فيه انقطاع؛ لأن الزُّهْري عند وفاة أبي هريرة كان عمره ست سنين، أو سبع.
стр. 7882
(فيجْلون)؛ أي -بالجيم الساكنة- من جلا القومُ عن منازلهم؛ أي: خرجوا، وأجلَى لغةٌ.
(وقال عُقَيل) وصله الذُّهْلي أيضًا في "الزُّهْريات".
(فيحلؤون)؛ أي: -بحاء مهملة-.
(وقال الزُّبَيدي) وصله الذُّهْلِي أيضًا، والدارقطني في "الأفراد".
(عن عبيد بن أبي رافع) هذا هو الصواب كما قال الغساني، وما في بعض النسخ من كونه مُكبرًا وَهْمٌ.
العاشر:
(عن أصحاب النبي ﷺ ) لا يضر إبهامُهم؛ لأن الكلَّ عدول.
* * *
٦٥٨٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْح، حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي هِلَالٌ، عَنْ عَطَاء بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ إِذَا زُمْرَةٌ، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُم خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْني وَبَينهِم، فَقَالَ: هلُمَّ، فَقُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللهِ، قُلْتُ: وَمَا شَأنهم؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارتَدُّوا بعدَكَ عَلَى أَدبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى، ثُمَّ إِذَا زُمرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهم خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْني وَبَيْنهم، فَقَالَ: هلُمَّ، قُلْتُ: أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللهِ، قُلْتُ: مَا شَأْنهم؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارتَدُّوا بَعدَكَ عَلَى أَدبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى، فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُم إِلَّا مِثْلُ همَلِ النَّعَم".
стр. 7883
الحادي عشر:
(هَلُمَّ)؛ أي: تعالَوْا، وهو خطاب للزمرة، وهو على لغة من لا يقول: هلمَّا، وهلمُّوا، والظاهر أن هذا الرجل مَلَكٌ على صورة إنسان.
(هَمَل) بفتحتين؛ أي: لا يزال هملًا، لا يتعهد، ولا يرعى حتى يضيع ويهلك؛ أي: لا يخلص منهم من النار إلا قليلًا، وهو مشعر بأنهم صنفان: كفار، وعصاة، وواحدُ الهملِ هاملٌ.
* * *
٦٥٨٨ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي".
الثاني عشر:
(روضة)؛ أي: ذلك الموضع بعينه ينقل إلى الجنة، فهو حقيقة، أو أن العبادة [فيه] تؤدي إلى روضة الجنة، فهو مجاز باعتبار المآل، أو تشبيه؛ أي: هو كروضة، وسميت تلك البقعة المباركة روضة؛ لأن زوار قبره ﷺ من الملائكة، والجن، والإنس لا يزالون مُكِبِّين فيها على ذكر الله .
(ومنبري) قيل: منبره الذي كان في الدنيا بعينه، وقيل: له منبر
стр. 7884
هناك على حوضه يدعو الناس عليه إلى الحوض.
قال (خ): فيه: تفضيل المدينة، والترغيبُ في المقام فيها، والاستكثار من ذكر الله تعالى في مسجدها، وأن من لزم الطاعة فيه، آلت به إلى روضة الجنة، ومن لزم الطاعة عند المنبر، سُقي في القيامة من الحوض.
* * *
٦٥٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَني أَبِي، عَنْ شُعبةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكَ قَالَ: سَمعتُ جُنْدَبًا قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "أَنَا فَرَطُكم عَلَى الْحَوْضِ".
٦٥٩٠ - حَدَّثَنَا عمرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، عَنْ عُقبةَ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَوْمًا، فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَالَ: "إِنِّي فَرَطٌ لَكُم، وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكم، وَإنِّي وَاللهِ لأَنْظُرُ إِلَى حَوْضِي الآنَ، وإنِّي أُعطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَزضِ، أَوْ مَفَاتِيحَ الأرضِ، وَإنِّي وَاللهِ مَا أَخَافُ عَلَيْكم أَنْ تُشْرِكُوا بعدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكم أَنْ تنافَسُوا فِيها".
الثالث عشر، والرابع عشر:
(فصلى)؛ أي: دعا لهم بدعاء صلاة الميت.
(أن تشركوا بعدي) لا يعارض ذلك بمن ارتد بعد موته ﷺ ؛ لأن
стр. 7885
ذلك وقع لبعض الأعراب، أو يقال: المراد: عدمُ ارتداد الكل، فلا ينافيه ردةُ البعض.
(تنافسوا) من التنافس، وهو التراغب والتنازع.
وفيه: معجزة الإخبار بأن أُمته تملك خزائن الأرض، وأنها لا ترتد جملة، وأنها تتنافس في الدنيا، ووقع ذلك كله.
* * *
٦٥٩١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَرَميُّ بْنُ عُمَارَةَ، حَدَّثَنَا شعبةُ، عَنْ معبَدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّهُ سَمعَ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ يَقُولُ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ وَذَكَرَ الْحَوْضَ، فَقَالَ: "كمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَصَنْعَاءَ".
٦٥٩٢ - وَزَادَ ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعبةَ، عَنْ معبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حَارِثَةَ، سَمعَ النَّبِي ﷺ قَولَهُ: حَوضُهُ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَوْرِدُ: ألم تَسْمعهُ قَالَ: الأَوَانِي؟ قَالَ: لَا قَالَ الْمُسْتَوْرِدُ: تُرَى فِيهِ الآنيةُ مِثْلَ الْكَوَاكِبِ.
الخامس عشر:
(مثل الكواكب)؛ أي: في الكثرة، والضياء، وهذا، وإن كان ظاهره أنه موقوف؛ لأنه لم يرفعه للنبي ﷺ صريحًا؛ لكنه مرفوعٌ بدلالة السياق.
* * *
٨٢ - كتاب القدر
١ - باب فِي الْقَدَرِ
(كتاب القَدَر)
القضاء: هو حكم الله تعالى الكلِّيُّ الإجماليُّ في الأزل، والقَدَر: هو جزئياتُ ذلك الحكم وتفاصيلُه؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [الحجر: ٢١]، ومذهب أهل الحق: أن الكلَّ من الله، خيرًا وشرًّا، نفعًا وضرًّا، إيمانًا وكفرًا؛ لا يجري شيء في ملكه إلا بقدره وإرادته.
٦٥٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَليدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، أَنْبَأنِي سُلَيْمَانُ الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ زيدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصدُوقُ قَالَ: "إِنَّ أَحَدكُم يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ مَلَكًا فَيؤْمَرُ بِأَربَعٍ بِرِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَشَقِيٌّ، أَوْ
стр. 7889
سَعِيدٌ، فَوَاللهِ إِنَّ أَحَدكم، أَوِ الرَّجُلَ يَعمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنها غَيْرُ بَاعٍ أَوْ ذِرَاعٍ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيعمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَدخُلُها، وَإِن الرَّجُلَ لَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَها غَيْرُ ذِرَاعٍ أَوْ ذِرَاعَيْنِ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيدخُلُها"، قَالَ آدَمُ: إِلَّا ذِرَاعٌ.
الحديث الأول:
(المصدوق)؛ أي: الذي أخبره جبريل ﵊ بالخبر الصادق، ويحتمل أن المراد: المصدوقُ من جهة الناس، كونُه صادقًا مصدوقًا معلومٌ يقينًا؛ ولكن ذكر لأن المخبر به هنا مخالف للطِّبّ؛ فإن عندَهم يصور الجنين فيما بين ثلاثين يومًا إلى أربعين، فأشير بذلك إلى أن ما يقوله حق، وأن قول الأطباء باطل، وذكر للتلذذ والتبرك والافتخار.
(ثم يبعث)؛ أي: يأمره بالتصرف، وهو معنى قوله في الرواية الآتية: (وكل).
(برزقه) هو الغذاء، حلالًا أو حرامًا، وقيل: كلُّ مما متع به، ولو علمًا ونحوه.
(وأجله) يطلق على مدة العمر، وعلى الجزء الأخير منه؛ كما في: ﴿فإذا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٤]، والمراد بما ذكر هنا: إعلامُ المَلَك بما هو مقضيٌّ في الأزل، إلا أن الحكم بذلك الان، ولم يذكر الرابع في هذا الحديث، وذكر في الحديث بعده، وهو: (أذكرًا أو
стр. 7890
أُنثى)؟ أو العمل؛ كما في الحديث السابق أول (كتاب بدء الخلق)، فهو إما اختصار؛ لشهرته، أو لأن المذكور يستلزمه؛ نعم يجتمع بالذكورة والأنوثة، وبالعمل خمسةٌ، وهو قد قال: أربعة؛ لأن العدد لا ينفي أكثر منه، أو العلمُ بالذكورة والأنوثة يستلزم العلمَ بالعمل؛ لأن عملَ الرجل يخالف عملَ المرأة.
(غير ذراع أو ذراعين) في بعضها: (غير ذراع أو ذراع) بالرفع والإفراد؛ أي: ما يكون بينهما إلا ذراعٌ أو أقلُّ من ذراع، والقصدُ: قربه، لا التحديد بذلك.
(الكتاب)؛ أي: مكتوب الله تعالى عليه في الأزل؛ أي: قضاؤه.
(وقال آدم)؛ أي: ابنُ أبي إياسٍ، وهو موصول في (التوحيد).
* * *
٦٥٩٥ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادة، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنسٍ، عَنْ أَنس بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَكَّلَ اللهُ بِالرَّحِم مَلَكًا، فَيقولُ: أَيْ رَبِّ! نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ! عَلَقَة، أَيْ رَبِّ! مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقَها قَالَ: أَيْ رَبِّ! ذَكرٌ أمْ أُنْثَى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ".
الثاني:
(يقضي خلقها)؛ أي: يتمُّه.
стр. 7891
(في بطن أمه)؛ أي: الكتابة وهو في بطن أُمه؛ أما المكتوب فيه، فهو الجبهة، أو الرأسُ مثلًا، وسبق الحديث في (الحيض).
* * *
٢ - باب جَفَّ الْقَلَمُ عَلَى عِلْمِ اللهِ
﴿وَأَضَلَّهُ اللهُ على عِلْمٍ﴾، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ : "جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ"، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿لَهَا سَابِقُونَ﴾: سَبقَتْ لَهُمُ السَّعَادة.
(باب: جفَّ القلمُ على علم الله)
أي: حكمِه؛ لأن معلومه لا بدَّ أن يقع بعلمه بمعلوم يستلزم الحكم بوقوعه.
(وقال أبو هريرة) موصول في أوائل (النكاح).
(جف) معناه: لم يتغير حكمُه؛ لأن الكاتب لما أن يجف قلمه من المداد لا يبقى له كتابة.
(بما أنت لاقٍ)؛ أي: بما تلقاه، وتصل إليه؛ قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]، بمعنى أنهم سبقوا الناس للسعادة، لا أنهم سبقوا السعادة، حتى يكون مخالفًا لتفسير ابن عباس الدال على أن السعادة سابقة.
стр. 7892
٦٥٩٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرِّشْكُ قَالَ: سَمعتُ مُطَرِّفَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ يُحَدِّثُ، عَن عمرَانَ بْنِ حُصَين قَالَ: قَالَ رجل: يَا رَسُولَ اللهِ! أيَعرَفُ أَهْلُ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّار؟ قَالَ: "نعم"، قَالَ: فَلِمَ يعمَلُ الْعَامِلُون؟ قَالَ: "كُل يَعمَلُ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَوْ لِمَا يُسِّرَ لَه".
(الرِّشْك)؛ أي: بكسر الراء وسكون المعجمة وبالكاف: صفة لـ (يزيدَ)، وهو ابنُ سنان.
قال الكلاباذي: معنى الرشك: القسام، وقال الغساني: هو بالفارسية الغيور، وقيل: كبير اللحية، قيل: بلغ طولُ لحيته إلى أنها دخلت فيها عقرب، ومكثت ثلاثة أيام، ولا يدري بها!.
قال (ك): الرِّشْك بالفارسية: القمل الصغير يلتصق بأصول الشعر، فعلى هذا الإضافة إليه أولى من الصفة.
(فَلِمَ) بكسر اللام، فإن قيل: المعرفة إنما هي بالعمل؛ لأنه أمارة، فما وجه سؤاله؟ قيل: معرفتنا بالعمل، أما معرفة الملائكة -مثلًا-، فسابقة؛ فإن الغرض من لفظ (أتعرف): أتميز، ويفرق بينهما بحسب قضاء الله وقدره.
* * *
стр. 7893
٣ - باب اللهُ أعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ
(باب: الله أعلمُ بما كانوا عاملين)
٦٥٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَار، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعبةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: "اللهُ أعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِين".
٦٥٩٨ - حَدَّثَنَا يَحيَى بْنُ بُكَير، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونس، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قَالَ: وَأَخْبَرَني عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: "اللهُ أَعلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِين".
الحديث الأول، والثاني:
(ذَرَارِيّ) بتشديد الياء وتخفيفها.
قال (ن) (١): في أطفال المشركين ثلاثة مذاهب؛ الأكثر: أنهم في النار، وتوقَّفَ طائفةٌ، والثالث، وهو الأصح: أنهم من أهل الجنة.
قال البيضاوي: الثوابُ والعقاب ليس بالأعمال، وإلا لزم أن
стр. 7894
تكون الذراري لا في الجنة، ولا في النار؛ بل الموجب لهما هو اللطف الرباني، والخذلانُ الإلهيُّ المقدرُ لهم في الأزل، فالأولى فيهم التوقف.
* * *
٦٥٩٩ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا معْمَرٌ، عَنْ همَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهوِّدانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُونَ الْبَهِيمَةَ، هلْ تَجدُونَ فِيها مِنْ جَدعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنتم تَجْدَعُونها؟ ".
٦٦٠٠ - قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! أفرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ وَهْوَ صَغِيرٌ؟ قَالَ: "اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِين".
(إسحاق) يحتمل ابن إبراهيم السّعدي، وابن إبراهيم الحنظلي، وابن منصور الكوسج؛ فالبخاري يروي عن الثلاثة كما قال الكلاباذي.
(الفطرة)؛ أي: قابلية دين الحق، فلو تركوا وطبائعهم، لما اختاروا دينًا آخر.
(تُنْتِجُونَ) بالبناء للفاعل.
(جَدْعاء)؛ أي: مقطوعة الطرف؛ أي: فأبواه يغيرانه عن الحق كتغيير البهيمة السليمة.
стр. 7895
والحاصل: أن الضلالة بسبب خارج، لا من ذاتِ المولود وطبعِه، فإذا خلا من شياطين الإنس والجن، لم يخرج عن فطرته، ومر آخر (الجنائز).
* * *
٤ - باب وَكَانَ أَمرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا
(باب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٨])
٦٦٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَسْأَلِ الْمَرْأةُ طَلَاقَ أُخْتِها لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتها، وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَها مَا قُدَرَ لَها".
الحديث الأول:
(أُختها)؛ أي: نسبًا، أو إيمانًا، فنهيت أن تسأل طلاقها لينكحها، وتخلفها في نفقة وعشرة، وغير ذلك. مر في (النكاح).
* * *
٦٦٠٢ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ
كافرًا، فأسلمَ عند الموت، كان من أهل الجنة، وعكسه بالعكس.
وفي الحديث معجزةٌ للنبي ﷺ .
* * *
٦ - باب إِلْقَاء النَّذْرِ الْعَبْدَ إِلَى الْقَدَرِ
(باب: إِلْقَاءِ النَّذْرِ الْعَبْدَ إِلَى الْقَدَرِ)
قال (ش): هو بنصب (العبد)، وقد بينه قولُه: (ولكن يلقيه القدر)، وقال: ويروى: (باب: إلقاء العبد النذرُ) برفع (النذر)، انتهى.
لا يقال: الترجمةُ مقلوبةٌ؛ إذ القدرُ هو الملقي؛ بدليل: (يلقيه القدر)؛ لأن (ك) قال: هما صادقان؛ إذ بالحقيقة القدرُ هو الموصل، وبالظاهر هو النذر؛ لكن كان الأولى في الترجمة ما يوافق الحديث، إلا أن يقال: إنهما متلازمان، والنذرُ التزامُ قربة، فالقربةُ نفسُها ليست منهيةً؛ بل المنهيُّ التزامها؛ إذ ربما لا يقدر على الوفاء.
فإن قيل: الصدقة تردُّ البلاء، وهذا التزامُ الصدقة.
قيل: لا يلزم من رد الصدقة التزامُها.
قال (خ): هذا باب غريبٌ من العلم أن ينهى عن الشيء أن يفعل، حتى إذا فعل كان واجبًا.
* * *
إلا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود؛ ٤٣].
(سُدًى) هو من قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]؛ أي: مهملًا مترددًا في الضلالة.
(دَسَّاها)؛ أي: من قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠]؛ أي: أغواها، ومناسبة هاتين الآيتين للترجمة: بيانُ أن مَنْ لم يعصمه الله تعالى، كان سُدًى، وكان مُغْوًى.
* * *
٦٦١١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونس، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أبو سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانتَانِ: بِطَانةٌ تأمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانة تأمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعصُومُ مَنْ عَصَمَ الله".
(بطانة) بكسر الموحدة: هو الصاحب، الوليجة: المشاور.
(تأمره) دليل على أنه لا يشترط في الأمر علوٌّ ولا استعلاء.
* * *
٩ - باب ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾، ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، ﴿وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾
وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ النُّعمَانِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحِرْمٌ
стр. 7905
-بِالْحَبَشِيَّةِ-: وَجَبَ.
(باب: قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥])
الغرض من ذكرها، وذكرِ الآيتين بعدها: أن الإيمان والكفر بتقدير الله تعالى.
(منصور بن النعمان) قيل: صوابه: منصور بن المُعتمر السلمي الكوفي، وقيل بالعكس.
* * *
٦٦١٢ - حَدَّثَنِي مَحمُودُ بْنُ غَيْلَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ، أَخْبَرَنَا مَعمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أشْبَهَ بِاللَّمَم مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِي ﷺ : "إِنَّ الله كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ، وَيُكَذِّبُهُ".
(باللَّمَم)؛ أي: صغار الذنوب، وأصلُهْ ما يُلِمُّ به الشخصُ من شهوات النفس، والمفهوم من كلام ابن عباس: أنه النظر، والمنطق، والتمني.
стр. 7906
قال (ح): يريد به: المعفوَّ عنه، المستثنى في كتاب الله تعالى في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢].
(لا مَحالة) بفتح الميم؛ أي: لا بد له من ذلك، ولا محوّل له عنه.
(فزنى) سمي ذلك زِنًا؛ لأنه من مقدماته.
(تَمَنَّى) مضارع حذفت منه إحدى التاءين.
(يصدِّق ذلك ويكذِّبه) إطلاقهما من التشبيه، وإنما هما من صفات الأخبار، وسبق أول (كتاب بدء السلام).
* * *
٦٦١٢ / -م - وَقَالَ شَبابةُ: حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
(وقال شبابة) وصله الطبراني في "الأوسط".
* * *
١٠ - باب ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾
(باب: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠])
٦٦١٣ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمرٌو، عَنْ
٦٦١٤ / -م - قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
(خَيَّبتنا)؛ أي: أوقعتنا في الخيبة، وهي الحرمان؛ أي: كنتَ سببًا، فنسب الشيء إلى سببه.
(الجنة) هي دار الجزاء في الآخرة، خلقت قبل آدم.
(بيده) من المتشابه، وفيه: التفويضُ، والتأويلُ بالقدرة، والغرضُ منه: كتابةُ ألواح التوراة.
(بأربعين سنة) تقديره بذلك باعتبار كتابته في اللوح المحفوظ، أو في صحف التوراة، وإلا فتقدير الله تعالى أزلي.
(فحجَّ آدمُ) بالرفع بلا خلاف؛ أي: غلبه بالحجة.
(ثلاثًا)؛ أي: قال: فحج آدمُ موسى ثلاثَ مرات، ولا ينافي ما سبق في (كتاب الأنبياء) أنه قاله مرتين، وأما التقاؤهما، فقيل: بالأرواح، وقيل: بالأبدان، ولا يبعد أن الله تعالى أحياهما كما جاء في ليلة الإسراء، أو أحيا آدم في حياة موسى ﵉.
وقال (خ): إنما حجه آدم في رفع اللوم، إذ ليس لأحد من الآدميين أن يلوم أحدًا به، وأما الحكم الذي تنازعاه، فإنما هما فيه سواء؛ إذ لا يقدر أحد أن يسقط الأصل الذي هو القَدَر، ولا أن يبطل الكسب الذي هو السبب ظاهرًا، ومن فعل واحدًا منهما، خرج عن القصد إلى أحد الطرفين: مذهبِ القدر، أو الجبر.
стр. 7909
قال (ن): معناه: إنك تعلم أنه مقدَّر، فلا تلمني، وأيضًا: فاللوم شرعي لا عقلي، واذا قال: كانت معصية بتقدير الله تعالى، لم تسقط عنه الملامة؛ لأنه في دار التكليف، وفي لومه زجرٌ له ولغيره، وأما آدم ﵇، فخارج عن هذه الدار، فلم يبق في اللوم فائدة سوى التخجيل ونحوه.
* * *
١٢ - باب لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللهُ
(باب: لا مانعَ لما أعطى الله)
٦٦١٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبابةَ، عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ: اكْتُبْ إِلَيَّ مَا سَمعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ، فأملَى عَلَيَّ الْمُغِيرَةُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ خَلْفَ الصَّلَاةِ: "لَا إِلَه إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ".
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَني عَبْدَةُ: أَنَّ وَرَّادًا أَخْبَرَهُ بِهذَا، ثُمَّ وَفَدتُ بَعْدُ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَسَمِعتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذَلِكَ الْقَوْلِ.
(الجَدّ) هو ما جعل الله تعالى للإنسان من الحظ الدنيويّ.
стр. 7910
(منك)، (من) هنا للبدل؛ نحو: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]؛ أي: المحظوظُ لا ينفعه حظُّه بدلَ طاعته، وقال الراغب: المراد بالجد: أبو الأب؛ أي: لا ينفع أحدًا نسبه.
قال (ن): ويروى بالكسر بمعنى الاجتهاد؛ أي: لا ينفعه اجتهاده، إنما ينفعه رحمتك.
(وقال ابن جريج) وصله أحمد، وأبو نُعيم في "المستخرج".
(ثم وفدت) قائل ذلك عبدةُ، مرّ في آخر (كتاب الصلاة).
* * *
١٣ - باب مَنْ تعَوَّذَ بِاللهِ مِنْ دَرك الشَّقَاء، وَسُوءِ الْقَضَاء، وَقولِهِ تعالَى: ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ (١) مِن شَرِ مَا خَلَقَ﴾
(باب: مَنْ تعوَّذ من دَرَك الشقاء)
بفتح الدال والراء؛ أي: اللحاق والتبعة، والشقاء -بالفتح والمد-: الشدة والعسر، وهو يتناول الدينية والدنياوية.
٦٦١٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ، وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ".
стр. 7911
(جَهد) بالفتح أشهر، وهو الحالة التي يختار عليها الموت، وقيل: قلة المال، وكثرة العيال.
(وسوء القضاء)، أي: المقضيّ، وإلا فحكمُ الله كلُّه حسن.
(وشماتة) هي الحزنُ بفرح العدو، والفرحُ بحزنه، وإنما دَعَا ﷺ بذلك؛ تعليمًا لأُمته، وهي دعوة جامعة شرحها في (كتاب الدعوات)؛ إذ قال سفيان هذه الأربعة، ثلاثة منها في الحديث.
* * *
١٤ - باب يَحولُ بَيْنَ الْمَرءِ وَقَلْبِهِ
(باب: يَحُول بين المرء وقلبه)
٦٦١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَثِيرًا مِمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخلِفُ: "لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلوبِ".
الحديث الأول:
(ومقلِّب القلوب)؛ أي: مقلب أعراضها وأحوالها، من الإرادة ونحوها، إذ حقيقة القلب لا تنقلب.
وفيه: أن أفعال القلوب بخلق الله تعالى كأفعال الجوارح.
стр. 7912
٦٦١٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، وَبِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا معمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِي، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَر ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لاِبْنِ صيَّادٍ: "خَبَأتُ لَكَ خَبِيئًا"، قَالَ: الدُّخُّ، قَالَ: "اخْسَأْ فَلَنْ تَعدُوَ قَدرَكَ"، قَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، قَالَ: "دعْهُ، إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَا تُطِيقُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ".
الثاني:
(لابن صياد) اسمه: صاف.
(الدُّخّ) بضم المهملة وشدة المعجمة: الدخان، وقيل: أراد أن يقول: الدخان، فلم يتمها هيبةً من رسول الله ﷺ ، أو أنه زجره، وقيل: هو بيت بين النخيل، والمشهور: أنه أضمر له آية الدخان، وهي: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، وهو لم يهتد منها إلا لهذا اللفظ الناقص على عادة الكهنة، ولهذا قال ﷺ : (اخسأ) -بالهمزة- من معنى البعد، يقال للإهانة والزجر.
(فلن تعدوَ قَدرَك)؛ أي: لن تجاوز قدرك؛ أي: وقدَر أمثالك من الكهان الذين يحفظون من الشيطان كلمة من الجمل الكثيرة المختلطة صدقًا وكذبًا. وفي بعضها: (فلن تعد) بحذف الواو تخفيفًا، أو بتأويل لن بمعنى لم، والجزمُ بـ (لن) لغةٌ حكاها الكسائي.
(إن لم يكنه) فيه حجة على الاتصال في مثله، وإن كان المختار
стр. 7913
في النحو الانفصال؛ لكن قال (ش): إن في بعض الروايات: (إن [لم] يكن هو).
(فلا تطيقهُ)؛ أي: لأنه لا بد أن يخرج آخر الزمان، فيفسد، ويقتله عيسى ﵇، وإنما لم يقتله مع ادعائه النبوة؛ لأنه غير بالغ، أو كان في مُهادنة اليهود وحلفائهم، وأما امتحانه ﷺ بالخباء، فلإظهار بطلان حاله عند الصحابة، وأن مرتبته لا تتجاوز عن الكهانة، وسبق في أواخر (الجنائز).
* * *
١٥ - باب ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، قضى
قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿بفاتنين﴾: بِمُضِلِّينَ، إِلَّا مَنْ كتَبَ اللهُ أنَّهُ يَصْلَى الْجَحِيمَ. ﴿قدَّر فهدى﴾: قَدَّرَ الشَّقَاءَ وَالسَّعَادة، وَهدَى الأَنْعَامَ لِمَرَاتِعِها.
(باب: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ [التوبة: ٥١])
قوله: (بفاتنين)؛ أي: في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦٢ - ١٦٣]؛ أي: إلا من كتب الله تعالى عليه أنه يصلى الجحيم.
(وهدى الأنعام) تفسير لـ (هدى) من قوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، لا لقوله: ﴿قدَّرَ فَهدَى [الأعلى: ٣]؛ أي: